مطالب يمنية بردع الحوثيين وتحديد سقف زمني لتجديد الهدنة

في ظل استمرار التعنت الحوثي والإعراض الدولي عن الحلول العسكرية

عناصر حوثية تستعرض طائرات مُسيَّرة في صنعاء يعتقد بأنها إيرانية المنشأ (أ.ب)
عناصر حوثية تستعرض طائرات مُسيَّرة في صنعاء يعتقد بأنها إيرانية المنشأ (أ.ب)
TT

مطالب يمنية بردع الحوثيين وتحديد سقف زمني لتجديد الهدنة

عناصر حوثية تستعرض طائرات مُسيَّرة في صنعاء يعتقد بأنها إيرانية المنشأ (أ.ب)
عناصر حوثية تستعرض طائرات مُسيَّرة في صنعاء يعتقد بأنها إيرانية المنشأ (أ.ب)

تصاعد التهديد الحوثي، وتعددت عمليات استهداف مصادر الطاقة المحلية في اليمن ومواني تصدير النفط. وبقي المزاج الدولي متمسكاً بفرضية عدم وجود حلول عسكرية للصراع، وأنه لا بديل عن دعم الجهود الأممية الرامية إلى تجديد الهدنة المنهارة، تمهيداً للدخول في مفاوضات سياسية لإحلال سلام شامل ودائم.
وفي الوقت الذي تراهن فيه الميليشيات المدعومة من إيران على عامل الوقت للحصول على مكاسب جديدة، على الصعيد الاقتصادي والعسكري والسياسي، يرى مراقبون يمنيون أنه لا بد من تحديد سقف زمني للوصول إلى اتفاق لتجديد الهدنة، بعيداً عن التماهي مع أجندة الجماعة التي باتت تراهن على إقامة دويلة خاصة بها في الشمال اليمني، تنطلق منها لتهديد بقية المناطق اليمنية، ولتنفيذ أجندة إيران في المنطقة، بما في ذلك تهديد دول الجوار، وطرق الملاحة الدولية في جنوب البحر الأحمر.
- تصاعد الانزعاج الدولي
بعيداً عن تنامي روح اليأس في أوساط الشارع السياسي اليمني الموالي للحكومة اليمنية الشرعية، جراء الركود الذي أصاب المساعي الأممية واستمرار تعنت الحوثيين، لوحظ حديثاً تصاعد حدة الانزعاج الدولي من سلوك الميليشيات؛ خصوصاً عقب الهجمات الأخيرة التي طالت مواني تصدير النفط في حضرموت وشبوة.
هذا الانزعاج الواضح عبَّر عنه أخيراً البيان الثلاثي (الفرنسي، البريطاني، الأميركي) إضافة إلى بيان دول الاتحاد الأوروبي، إذ بدا أن هذه الدول الغربية أصبحت على يقين بأن الميليشيات الحوثية ليست في وارد السلام، وهو ما قد يدفع إلى تبني استراتيجية جديدة للتعامل مع الجماعة، في حال واصلت تصعيدها الإرهابي وتجاهلت نداءات السلام.
كان واضحاً أيضاً من لهجة السفير البريطاني لدى اليمن، ريتشارد أوبنهايم، مدى انزعاج لندن من التصعيد الحوثي باتجاه مواني تصدير النفط؛ حيث حاول السفير توجيه رسائل توبيخ لقادة الميليشيات على «تويتر»، واصفاً ما تقوم به الجماعة بأنه «نوع من الحصار بالترهيب»، مع محاولة التذكير بأن الدور البريطاني خاصة والغربي عامة، يهدف إلى إنهاء الصراع في اليمن، وأن ذلك هو السبب الوحيد في اختيار هذه الدول أسلوب «تشجيع الجماعة على اغتنام فرص السلام التي لا تزال قائمة».
- الهدنة ليست غاية
على الرغم من أن التركيز الأممي والدولي ينصب على محاولة تجديد الهدنة اليمنية، فإن ذلك لا يمكن أن يكون هو الغاية النهائية، حسبما يقوله الباحث والأكاديمي اليمني فارس البيل، في حديثه لـ«الشرق الأوسط».
يشير البيل إلى أن فكرة الهدنة بالنسبة للمبعوث الأممي تبدو «كأنها طوق نجاة ينقذ أداءه والأمم المتحدة، ويحفظ ماء الوجه، أو تكاد تكون المدى الذي استطاع أن يتصوره ومعه الأمم المتحدة حول المشكلة اليمنية، إذ لا توجد إشارات واضحة حول ما الذي يمتلكه المبعوث لما بعد الهدنة، على اعتبار أن الهدنة مجرد عملية ممهدة لما يتبعها، وهو الأهم».
ويضيف البيل: «من قبل كانت الهدنة ضمن عوامل بناء الثقة بين الأطراف، والقدرة على التعاطي مع فكرة التفاوض، بمعنى أنها مجرد تهيئة؛ لكنها الآن صارت الغاية والمنتهى الذي يريد أن يصل إليه المبعوث. ولسوء حظه أنها لم تنجح أصلاً، وبالتالي فإن جهوده منصبة تماماً حول الهدنة فقط، كما لو أنه يعمل في هامش الأزمة اليمنية، ولم يبلغ متنها بالأساس».
ويجزم بأن «ميليشيا الحوثي أبعد ما تكون عن الاتفاق حول أي شيء. وإذا ما أعلنت موافقتها، فإنها لا تنفذ شيئاً بالأساس».
ويقول: «لأن علة الهدنة هي الحاجة الإنسانية لليمنيين، فيمكن للمبعوث والأمم المتحدة بيان ما الذي أسهمت به الهدنة من رفع المعاناة الإنسانية عن اليمنيين، وهل شكلت الهدنة أرضية للسلام، أم أنها رفعت من حالة الاستعداد للحرب أكثر، كما أظهرت ذلك ميليشيا الحوثي».
- تكتيك حوثي
تعنت الميليشيات الحوثية وتصعيدها لا يعدو كونه «تكتيكاً» من قبل الجماعة. ويقول الباحث اليمني محمود الطاهر، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «سيستمر المبعوث الأممي في الركض في صحراء جرداء، دون أن يعترف بأنه لم يجد سبيلاً للوصول إلى الأمان؛ لكنه لا يريد الاعتراف بذلك، كون أن الحوثيين يتعمدون إبقاءه في (التوهان)، بهدف إطالة أمد الحرب، حتى يصل المجتمع الدولي إلى قناعة بأن نهاية الحرب في اليمن لا بد من أن تكون وفقاً لتفاهمات جديدة، وإن كان مؤداها تسليم اليمن لإيران».
ويتابع بالقول: «الحوثيون يدركون ذلك تماماً، وقد نجحوا في تنفيذ مخططاتهم، ووصلوا إلى ما نحن عليه الآن؛ حيث أصبح المجتمع الدولي يستجدي منهم السلام، على الرغم من أنهم ليسوا أهلاً لذلك».
ويؤكد الطاهر أنه «ينبغي أن يكون هناك سقف زمني لقبول الحوثي بالمقترحات التي يتم تقديمها، وليس التفاوض حولها لمنح الحوثي مزيداً من الوقت للضغط بهدف تعديل المقترحات المتوافق عليها، للحصول على مكاسب جديدة».
ويدلل بالقول: «هذا ما رأيناه خلال المفاوضات التي تتم: تقديم تنازلات تلو الأخرى للحوثي، ويستغل تلك المفاوضات للضغط على القبائل اليمنية والشعب اليمني، موهماً إياهم بأنه انتصر في هذه المعركة».
- لا أهمية للوقت
بخلاف ما يقترحه محمود الطاهر، يرى الإعلامي اليمني عبد الله السنامي، أنه لا جدوى من تحديد سقوف زمنية، وأنه من الطبيعي أن تستمر المساعي الأممية.
ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «ليس أمام المبعوث الأممي سوى السعي إلى الهدنة، ومحاولة إقناع الميليشيات بها؛ لأن ذلك جوهر عمله، وكلما برز التعقيد بشأنها، كالرفض الحوثي الأخير لتمديدها، زادت أهمية جهود المبعوث وطاقمه، في وضع تصورات مقنعة لكل الأطراف، وصولاً إلى حلول توافقية».
ويؤكد السنامي بالقول: «لا أرى أهمية للسقف الزمني بشأن إقناع الجماعة الحوثية بتجديد الهدنة؛ لأن الأمر أبعد من مسألة وقت، كما أن الهدنة فعلياً نافذة، وكل ما تقوم الميليشيات به حالياً هو تحسين وضعها التفاوضي، واكتساب سمعة لدى أنصارها، لا سيما مع اتساع الهوة بين تصرفاتها ومؤيديها، كمطالبات صرف الرواتب التي كانت تتحجج الجماعة بأنها تذهب نفقات للحرب».
أما عن مخاطر تعنت الحوثيين حول تمديد الهدنة، فيرى السنامي أنه يمكن أن ينظر إليها «من خلال موقف وإرادة الحكومة الشرعية، وأنه يمكن امتصاصها، أو المعاملة بالمثل».
ويوضح أن «المجتمع الدولي يُصدر تصريحاته المتكررة حول عدمية الحل العسكري، بناء على واقع الزمكان، إذ إن 8 سنوات من الحرب لم تغير كثيراً من الجغرافيا، مع وصول جميع الأطراف إلى مرحلة العجز عن السيطرة الكاملة، وبالتالي فيرى أن الخيار هو الحل السياسي، ناهيك عن وجود أولويات ذات أهمية قصوى غير الملف اليمني؛ حيث باتت خيارات المجتمع الدولي مرهونة بديناميات الصراع الجيوسياسي العالمي في المنطقة»، وفق تعبيره.
- الحلول الممكنة
مع انسداد الأفق أمام الجهود الأممية لتمديد الهدنة اليمنية حتى الآن، وتصاعد الهجمات الإرهابية الحوثية، يعتقد الباحث والكاتب اليمني عبد الستار الشميري، أن هناك كثيراً من الحلول في جعبة المجتمع الدولي، ومنها تفعيل القرارات السابقة وتنشيطها؛ لأنها تحت البند السابع، إضافة إلى معاقبة إيران، ومؤازرة التحالف الداعم للشرعية، من أجل تنشيط الجهود العسكرية.
ويرى الشميري في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن من ضمن الحلول الممكنة «تحريك الجبهات، وإعطاء الثقة للشرعية بأنها قادرة على تحريك الملف العسكري الذي لم يستنفد خياراته؛ حيث باتت إعادة التفكير فيه ضرورة ملحة»، وفق تعبيره.
ومع تأكيده أن الأمم المتحدة أولاً وأخيراً «ليست جمعية خيرية»، وأن مبعوثيها إلى اليمن يحرصون أولاً على تحقيق مصالح الدول المهيمنة على المنظمة، يجزم الشميري بأن «الرهان على المجتمع الدولي لحل القضية اليمنية بات رهاناً خاسراً».
الباحث اليمني فارس البيل، يقترح «أن يغير المجتمع الدولي من آلية تعامله مع الحوثي، بالانتقال إلى مرحلة جادة من التعاطي الحاسم»، ويرى أن العالم يمتلك وسائل ضغط عديدة، منها «الملاحقة المالية، ومعاقبة قيادات الميليشيا، والتضييق على تحركاتها، وفرض العقوبات».
من جهته، يقترح محمود الطاهر أنه «في حال استمر الحوثي في الرفض، فلا بد من أن يعلن المبعوث الأممي عدم مقدرته على استكمال محاولة ترتيب مشاورات يمنية حوثية».
ويقول: «هناك كثير من الأدوات لدى الأمم المتحدة، تبدأ بالتصنيف الإرهابي، وصولاً إلى تشكيل تحالف دولي وفقاً للفصل السابع؛ حيث يحق لمجلس الأمن تشكيل قوة عالمية لردع الإرهاب، لا سيما أن الإدانات لا تكفي لردع الميليشيا؛ لأنها أصبحت مجرد تعبير سياسي متعارف عليه، ولا تضر ولا تنفع، وإنما يعتبرها الحوثي إشارة من المجتمع الدولي لاستمرار العمليات الإرهابية».


مقالات ذات صلة

رئيس الوزراء اليمني: معركة استعادة الدولة لا تنتهي بتغير خطوط التماس

العالم العربي رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني مستقبلاً محافظ الحديدة الحسن طاهر في عدن (سبأ نت)

رئيس الوزراء اليمني: معركة استعادة الدولة لا تنتهي بتغير خطوط التماس

أكد رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني أن معركة استعادة الدولة لا تنتهي بتغير خطوط التماس، مشدداً على توثيق جرائم الحوثيين في الساحل الغربي لمحاسبة مرتكبيها.

«الشرق الأوسط» (عدن)
تحليل إخباري سيطرة الحوثيين على باب المندب تزيد المخاوف من زيادة علميات تهريب الأسلحة وتهديد الملاحة وتوسيع التعاون مع جماعات مسلحة في القرن الأفريقي (القوات المسلحة اليمنية)

تحليل إخباري المخا وباب المندب... مخاوف من توسيع التهريب وتهديد الملاحة

حذّر مسؤول يمني وخبيران في الشؤون الأمنية والعسكرية من أن التوسع الحوثي في الساحل الغربي والجزر المحيطة بباب المندب قد يتجاوز تغيير موازين المعركة

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج جانب من الأضرار التي لحقت بمسجد وأعيان مدنية في جازان _واس_ p-circle 00:39

الحوثي ينتهك القانون الدولي باستهداف دور العبادة

شكّل الاستهداف الحوثي السبت لأعيان مدنية داخل السعودية من ضمنها استهداف أحد المساجد بمحافظة الطوال في منطقة جازان انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي

غازي الحارثي (الرياض)
الخليج آثار استهداف ميليشيا الحوثي الإرهابية للأعيان المدنية في مدن سعودية (الشرق الأوسط)

تركيا تدين بشدة اعتداءات ميليشيا الحوثي على المملكة

قالت وزارة الخارجية التركية في بيان: «ندين بأشد العبارات اعتداءات الحوثيين التي تستهدف المملكة، وتتجاهل سلامة أرواح المدنيين وممتلكاتهم، وتصعّد التوتر في المنطق

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
تحليل إخباري أكد محللون أن هجمات الحوثيين تفتح مرحلة جديدة من الردع السعودي (أ.ب)

تحليل إخباري محللون لـ«الشرق الأوسط»: تنسيق سعودي وتمكين للحكومة اليمنية لإعادة رسم ميزان القوى

يرى محللون أن الاعتداءات الحوثية الأخيرة تفتح مرحلة جديدة في التعامل السعودي مع الجماعة، عنوانها الانتقال من إدارة التصعيد واحتوائه إلى ردعه بحزم.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

رئيس الوزراء اليمني: معركة استعادة الدولة لا تنتهي بتغير خطوط التماس

رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني مستقبلاً محافظ الحديدة الحسن طاهر في عدن (سبأ نت)
رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني مستقبلاً محافظ الحديدة الحسن طاهر في عدن (سبأ نت)
TT

رئيس الوزراء اليمني: معركة استعادة الدولة لا تنتهي بتغير خطوط التماس

رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني مستقبلاً محافظ الحديدة الحسن طاهر في عدن (سبأ نت)
رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني مستقبلاً محافظ الحديدة الحسن طاهر في عدن (سبأ نت)

أكد رئيس مجلس الوزراء اليمني شائع الزنداني، أن معركة استعادة كامل سلطة الدولة لا تنتهي بتغير خطوط التماس، وأن اليمنيين يقفون اليوم في وجه المشروع الحوثي المدعوم إيرانياً، ويخوضون معركة دفاع عن الجمهورية والسيادة ومستقبل البلاد.

وشدد الزنداني، في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء اليمنية «سبأ نت»، على أن الدولة والحكومة ستواصلان العمل لإعادة بناء القوة والقدرة على استعادة زمام المبادرة، وصولاً إلى إنهاء الانقلاب واستعادة سلطة الدولة ومؤسساتها في محافظة الحديدة وكامل التراب الوطني.

وعَدّ رئيس الوزراء ما يجري في الساحل الغربي بأنه تكرار لنمط ميليشيا الحوثي في إخضاع المجتمعات المحلية بالقتل والقمع والتهجير ومصادرة الممتلكات، مؤكداً أن هذه الجرائم لن تسقط بالتقادم، والحكومة ستحتفظ بكل ما يوثق هذه الانتهاكات تمهيداً لمحاسبة مرتكبيها.

واطلع الزنداني خلال استقباله الحسن طاهر محافظ الحديدة، في العاصمة المؤقتة عدن، على آخر التطورات والمستجدات في المحافظة عقب التصعيد العسكري الواسع للحوثيين، وما ترتب عليه من تطورات ميدانية خطيرة وتداعيات إنسانية واسعة على المدنيين.

كما استمع لإحاطة حول الأوضاع الميدانية والإنسانية في المحافظة، وحركة النزوح المتزايدة من مناطق اجتاحها الحوثيون وانتهاكاتهم بقتل واختطاف المدنيين، وأوضاع الأسر التي اضطرت لترك منازلها وممتلكاتها تحت وطأة القصف والاعتداءات والملاحقات، والاحتياجات العاجلة للنازحين، وجهود السلطة المحلية بالتنسيق مع الجهات الحكومية والشركاء الإقليميين والدوليين.

ووجَّه رئيس الوزراء اليمني بمضاعفة الجهود لاستقبال النازحين وتأمين احتياجاتهم الأساسية، مثمناً مساعي السلطات المحلية في المحافظات والمناطق المستقبلة لهم، ومؤكداً ضرورة التعامل مع موجات النزوح باعتبارها مهمة وطنية تستوجب استجابة حكومية وإنسانية واسعة، ودعماً دولياً عاجلاً، وعدم ترك المجتمعات المضيفة والنازحين وحدهم أمام تداعيات التصعيد.


العليمي يدعو للتماسك بعد صدمة التمدد الحوثي في غرب اليمن

امرأة تطهو الطعام في مخيم مؤقت للنازحين داخلياً في محافظة تعز باليمن (رويترز)
امرأة تطهو الطعام في مخيم مؤقت للنازحين داخلياً في محافظة تعز باليمن (رويترز)
TT

العليمي يدعو للتماسك بعد صدمة التمدد الحوثي في غرب اليمن

امرأة تطهو الطعام في مخيم مؤقت للنازحين داخلياً في محافظة تعز باليمن (رويترز)
امرأة تطهو الطعام في مخيم مؤقت للنازحين داخلياً في محافظة تعز باليمن (رويترز)

تسعى القيادة اليمنية إلى إعادة ترتيب أوراقها العسكرية والسياسية بعد الانتكاسة الكبيرة التي مُنيت بها القوات الحكومية في الساحل الغربي، مع سيطرة جماعة الحوثيين على حيس والخوخة والمخا ومينائها، وصولاً إلى مناطق باب المندب والجزر اليمنية في البحر الأحمر، في تطور أحدث صدمة واسعة داخل معسكر الحكومة المعترف بها دولياً.

وفي محاولة لإعادة ضبط المشهد، أجرى رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، الأحد، سلسلة اتصالات بأعضاء المجلس ورئيس الحكومة وقيادات عسكرية ومحافظين، لمتابعة التطورات الميدانية والأمنية والإنسانية، ومستوى جاهزية القوات، والاستجابة الحكومية لتداعيات التصعيد الحوثي.

وتزامنت هذه التحركات السياسية مع إجراءات عسكرية وتنظيمية في أكثر من جبهة، بينها زيارة عضو مجلس القيادة عثمان مجلي، لمواقع عسكرية في محافظة صعدة، وإصدار نائب رئيس مجلس القيادة وقائد المقاومة الوطنية طارق صالح، قراراً بتشكيل قوة مستقلة للمقاومة التهامية، في مؤشر على سعي الحكومة إلى إعادة توزيع أدوار التشكيلات العسكرية بعد التراجع في الساحل الغربي.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

وأكد العليمي، خلال اتصالاته، أن التغيرات الميدانية لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها حكماً نهائياً على مسار الحرب، وقال إن المعارك الكبرى لا يحددها «تغير عارض» في أحد خطوط المواجهة أو مكسب في جبهة دون أخرى، وإنما القدرة على التعلم من التحديات واستعادة المبادرة.

ويكتسب هذا الخطاب أهمية خاصة في أعقاب الخسائر التي تعرضت لها القوات الحكومية في الساحل الغربي، حيث انتقلت مناطق واسعة كانت تمثل أحد أهم خطوط الدفاع عن مدينة تعز والممرات البحرية إلى سيطرة الحوثيين، وفق المعطيات التي عرضتها القيادة اليمنية.

وقال العليمي إن بوصلة الدولة ستبقى موجهة نحو استعادة مؤسساتها وبسط سيادتها على الأراضي اليمنية، مؤكداً أن التطورات الميدانية لن تغير هذا الهدف.

وفي الوقت نفسه، ركز رئيس مجلس القيادة على ضرورة عدم حصر التعامل مع التصعيد في الجانب العسكري، مشدداً على استمرار مؤسسات الدولة في أداء وظائفها، وتأمين الخدمات والرواتب والاحتياجات الأساسية، ورفع مستوى الاستجابة الإنسانية للنازحين والمتضررين.

وتشير هذه الأولويات إلى حجم التداعيات التي خلّفها التصعيد الأخير، بعدما دفعت المعارك في الساحل الغربي أعداداً كبيرة من المدنيين إلى الفرار من مناطقهم، فيما تواجه السلطات المحلية ضغوطاً متزايدة لاستيعاب النازحين وتأمين الغذاء والمياه والمأوى والخدمات الصحية.

عشرات الآلاف من اليمنيين هربوا من مناطقهم غرب البلاد جراء الهجمات الحوثية (رويترز)

وأشاد العليمي بدور القوات الجوية والطيران المسيّر في إسناد القوات البرية واستهداف القدرات العسكرية للحوثيين، كما أثنى على العمليات الجارية في مأرب والجوف وتعز والبيضاء والضالع، في محاولة لإبراز تعدد محاور المواجهة وعدم حصر الحرب في جبهة الساحل الغربي التي شهدت التحول الميداني الأبرز خلال الأيام الأخيرة.

تحرك في صعدة

في صعدة، المعقل الرئيسي لجماعة الحوثيين شمال اليمن، تفقد عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عثمان مجلي، مواقع الفرقة الثانية طوارئ ومحوري آزال وحرب واحد في مديرية باقم، واطلع على مستوى الجاهزية والقدرات البشرية والتدريبية والعملياتية للقوات المنتشرة هناك.

وحمل مجلي رسالة من رئيس وأعضاء مجلس القيادة إلى القوات المرابطة في الجبهات، داعياً إلى الحفاظ على الروح المعنوية وتطوير القدرات العسكرية، في وقت قال فيه إن الحرب تتغير فيها موازين القوى من جبهة إلى أخرى.

وقال مجلي للجنود إن ما يجري يمثل «معركة واحدة»، داعياً إلى الحفاظ على القوات وتطويرها، في إشارة إلى الحاجة إلى منع الخسائر الأخيرة في الساحل من إضعاف بقية خطوط المواجهة.

كما استمع إلى عرض عن الخريطة العملياتية والقوة البشرية والنقاط القتالية، إلى جانب أعمال الطيران المسيّر والتصنيع والصيانة والتدريب.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عثمان مجلي يتفقد القوات في صعدة (إعلام حكومي)

وأبرز مجلي، خلال الزيارة، الدعم السعودي للقوات اليمنية، مشيراً إلى المساندة التي تقدمها المملكة وقيادة القوات المشتركة، بوصفها عاملاً رئيسياً في دعم القوات الحكومية خلال المرحلة الحالية.

وتأتي زيارة صعدة في وقت تحاول فيه الحكومة إظهار أن خطوط المواجهة الأخرى لم تتأثر بالانتكاسة الساحلية، خصوصاً أن المحافظة تمثل مركز الثقل التاريخي للحوثيين، بينما شهدت جبهات مأرب والجوف وتعز والبيضاء والضالع خلال الأيام الماضية تحركات عسكرية متزامنة.

قوة تهامية مستقلة

في خطوة أكثر ارتباطاً مباشرة بخسارة الساحل الغربي، أصدر طارق صالح قراراً بتشكيل «قوة المقاومة التهامية» كقوة مستقلة، وتعيين اللواء زايد منصر قائداً لها.

وحسب القرار، تتكون القوة الجديدة من الفرقتين الأولى والثانية للمقاومة الوطنية، وتتمتع باستقلالية مالية وإدارية وعملياتية، على أن يحدد نطاق عملها وتتبع العمليات المشتركة للتحالف العربي بصورة مباشرة.

جندي تابع للحكومة اليمنية في تعز يمسك رشاشاً على عربة عسكرية (أ.ف.ب)

يأتي القرار في وقت أصبحت فيه مناطق واسعة من الساحل الغربي تحت سيطرة الحوثيين، بعد تقدم الجماعة في حيس والخوخة والمخا ومناطق باتجاه باب المندب والجزر اليمنية في البحر الأحمر.

ويمثل إنشاء القوة التهامية محاولة لإعادة تنظيم المكون العسكري المحلي المرتبط بالساحل، في ظل الحاجة إلى التعامل مع واقع ميداني جديد فرضه انهيار خطوط الدفاع الحكومية هناك.

كما يكشف القرار عن اتجاه نحو منح التشكيلات العسكرية المرتبطة بالمقاومة الوطنية أدواراً أكثر تحديداً واستقلالية، مع إبقاء التنسيق العملياتي ضمن منظومة التحالف الداعم للشرعية.


المخا وباب المندب... مخاوف من توسيع التهريب وتهديد الملاحة

سيطرة الحوثيين على باب المندب تزيد المخاوف من زيادة علميات تهريب الأسلحة وتهديد الملاحة وتوسيع التعاون مع جماعات مسلحة في القرن الأفريقي (القوات المسلحة اليمنية)
سيطرة الحوثيين على باب المندب تزيد المخاوف من زيادة علميات تهريب الأسلحة وتهديد الملاحة وتوسيع التعاون مع جماعات مسلحة في القرن الأفريقي (القوات المسلحة اليمنية)
TT

المخا وباب المندب... مخاوف من توسيع التهريب وتهديد الملاحة

سيطرة الحوثيين على باب المندب تزيد المخاوف من زيادة علميات تهريب الأسلحة وتهديد الملاحة وتوسيع التعاون مع جماعات مسلحة في القرن الأفريقي (القوات المسلحة اليمنية)
سيطرة الحوثيين على باب المندب تزيد المخاوف من زيادة علميات تهريب الأسلحة وتهديد الملاحة وتوسيع التعاون مع جماعات مسلحة في القرن الأفريقي (القوات المسلحة اليمنية)

حذّر مسؤول يمني وخبيران في الشؤون الأمنية والعسكرية من أن التوسع الحوثي في الساحل الغربي والجزر المحيطة بباب المندب قد يتجاوز تغيير موازين المعركة داخل اليمن، ليمنح الجماعة مواقع إضافية لتهريب الأسلحة وتهديد الملاحة وتوسيع التعاون مع جماعات مسلحة في القرن الأفريقي، بما يعزز، وفق تقديراتهم، قدرة إيران على الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

سيطرة الحوثيين على باب المندب تزيد المخاوف من زيادة علميات تهريب الأسلحة وتهديد الملاحة وتوسيع التعاون مع جماعات مسلحة في القرن الأفريقي (القوات المسلحة اليمنية)

ورأى المتحدثون أن تداعيات التصعيد تجمع بين المخاطر العسكرية والأمنية والاقتصادية، إذ يمكن أن تتحول السواحل والجزر إلى نقاط للإمداد والتخزين، بالتوازي مع ارتفاع تكاليف التجارة وتفاقم الأعباء المعيشية على اليمنيين.

وتعمل القيادة اليمنية على إعادة ترتيب أولوياتها بعد خسارة القوات الحكومية مواقع واسعة في الساحل الغربي لمصلحة جماعة الحوثيين، التي تمكنت خلال هجوم استمر بين 3 و11 سبتمبر (أيلول) من السيطرة على حيس والخوخة والمخا ومينائها، وصولاً إلى باب المندب وجزيرة ميون وبقية الجزر اليمنية جنوب البحر الأحمر.

ممرات للإمداد والتهريب

قال السفير مروان علي نعمان، المستشار السياسي لوزيرة الخارجية اليمنية، إن التصعيد الحوثي يستهدف السيطرة على المخا وباب المندب وجزر البحر الأحمر «خدمة للأجندة الإيرانية»، ومنح الجماعة قدرة أكبر على توسيع شبكات تهريب الأسلحة والمخدرات واستقبال الإمدادات العسكرية والمكونات المتطورة من إيران.

ولفت نعمان في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن السيطرة على هذه المواقع ستسهّل، حسب تقديره، نقل الإمدادات إلى مناطق نفوذ الحوثيين وإلى جماعات مسلحة في القرن الأفريقي، وتوسيع قنوات تبادل الأسلحة والخبرات والتكنولوجيا وانتقال العناصر عبر خليج عدن والبحر الأحمر.

وأضاف: «يهدف هذا التصعيد للميليشيات الحوثية إلى تهديد الملاحة الدولية بصورة مباشرة، من خلال استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق والألغام البحرية، وابتزاز حركة السفن في واحد من أهم الممرات البحرية العالمية».

ويرى المستشار السياسي لوزيرة الخارجية أن «توسيع قنوات الاتصال والحركة بين الحوثيين والجماعات الإرهابية في اليمن والقرن الأفريقي، لا سيما عبر خليج عدن والبحر الأحمر، يسهل تبادل الأسلحة والخبرات والتكنولوجيا وانتقال العناصر، ويزيد من مخاطر تشكل شبكة مترابطة من الإرهاب والتهريب والقرصنة على جانبي البحر الأحمر».

وحذر السفير مروان نعمان من أن «كل هذه العناصر تشكل تهديداً خطيراً ليس لليمن فحسب وإنما للمنطقة والعالم». مؤكداً على استمرار «الحكومة اليمنية في جهودها لمواجهة وردع هذا التصعيد وحماية سيادة وسلامة الأراضي اليمنية ومياهها الإقليمية، واستعادة مؤسسات الدولة، وإنهاء الانقلاب الحوثي؛ وفقاً لما يكفله لها الدستور اليمني والقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة».

من جهته، وصف محمد الولص بحيبح، رئيس «مركز البحر الأحمر للدراسات السياسية والأمنية» بمأرب، السيطرة الحوثية على الجزر بأنها تحول استراتيجي، موضحاً أن موقع جزيرة ميون وسط باب المندب يتيح مراقبة حركة السفن بين البحر الأحمر وخليج عدن، فيما تمنح جزر حنيش وزقر نقاط ارتكاز إضافية على الطريق البحري المؤدي إلى قناة السويس.

ورأى بحيبح أن توسيع النفوذ الساحلي قد يوفر حماية أكبر للشحنات المهربة ويقلّص الاعتماد على المسارات البرية، عبر إتاحة مواقع جديدة للإمداد والتخزين.

تهديد الملاحة

وحذّر نعمان من أن الجماعة قد تستخدم الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق والألغام البحرية لتهديد السفن وابتزاز حركة الملاحة في أحد أهم الممرات العالمية.

وقال إن ذلك سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين والشحن وإطالة مسارات التجارة وزيادة مخاطر اضطراب سلاسل الإمداد بين آسيا وأوروبا، فضلاً عن انعكاساته على الأسعار والأوضاع الاقتصادية داخل اليمن.

قائد محور طور الباحة يتفقد جبهات غرب الحجرية ويشيد بالجاهزية القتالية (القوات المسلحة اليمنية)

واتفق بحيبح مع هذا التقدير، عادّاً أن التقدم نحو المواقع المشرفة على المضيق يزيد قدرة الحوثيين على تعطيل التجارة، وشكّك في تطمينات الجماعة بشأن سلامة الملاحة، ورأى أن امتلاك أدوات التهديد يتيح استخدامها لاحقاً للضغط السياسي والاقتصادي.

وأضاف أن التصعيد يضع الولايات المتحدة أمام معادلة معقدة بين مواجهة الخطر البحري، وتجنب توسيع المواجهة العسكرية، في ظل انشغالها بالصراع مع إيران.

شبكات عابرة للبحر الأحمر

وفي البعد الأمني، قال بحيبح إن التعاون بين الحوثيين وحركة «الشباب» الصومالية يثير مخاوف من اتساع شبكات التهريب وتبادل الخبرات، عادّاً أن السيطرة على مزيد من السواحل والجزر تمنح هذه الشبكات عمقاً بحرياً إضافياً.

بدوره، أشار العميد محمد الكميم، الخبير العسكري اليمني، إلى تقارير أممية تناولت شبكات تهريب بين ضفتي البحر الأحمر، وقال إن المصالح المشتركة واقتصاد الحرب يفسّران التعاون بين جماعات متباينة آيديولوجياً.

الشيخ عثمان مجلي عضو مجلس القيادة الرئاسي خلال زيارته قوات الفرقة الثانية طوارئ بمديرية باقم (سبأ)

وحذّر الكميم من أن اتساع هذه الأنشطة يهدد المجتمعات في اليمن والقرن الأفريقي، خصوصاً مع ارتباط التهريب بتمويل الجماعات المسلحة وتجارة المخدرات.

ورأى أن إيران تسعى إلى توظيف باب المندب ورقة ضغط موازية لمضيق هرمز، لكنه استبعد استمرار السيطرة الحوثية عليه، من دون تحديد إطار زمني لذلك.

ولفت الكميم إلى أن «الجماعة الحوثية صنعت خصيصاً منذ نحو عقدين للسيطرة على مضيق باب المندب الحيوي، ووفرت إيران للحوثيين الإمكانات كافة، ودفعتهم للاستعجال بالسيطرة عليه لتخفيف الضغط الذي تواجه في مضيق هرمز»؛ على حد تعبيره.