«الشرق الأوسط الأخضر»... مصالحة بين الاقتصاد والبيئة

السعودية تطلق النسخة الثانية من المبادرة خلال قمة المناخ

الأمير محمد بن سلمان يتوسط قادة ورؤساء الدول المشاركة في إطلاق قمة «مبادرة الشرق الأوسط الأخضر» بالرياض العام الماضي (واس)
الأمير محمد بن سلمان يتوسط قادة ورؤساء الدول المشاركة في إطلاق قمة «مبادرة الشرق الأوسط الأخضر» بالرياض العام الماضي (واس)
TT

«الشرق الأوسط الأخضر»... مصالحة بين الاقتصاد والبيئة

الأمير محمد بن سلمان يتوسط قادة ورؤساء الدول المشاركة في إطلاق قمة «مبادرة الشرق الأوسط الأخضر» بالرياض العام الماضي (واس)
الأمير محمد بن سلمان يتوسط قادة ورؤساء الدول المشاركة في إطلاق قمة «مبادرة الشرق الأوسط الأخضر» بالرياض العام الماضي (واس)

أظهرت الحرب الأوكرانية الروسية أهمية استقرار أسواق الطاقة، حتى إن الاضطراب الذي شهدته تلك الأسواق، على خلفية الاضطرابات السياسية العالمية، يوصف بأنه أحد أبرز التحديات التي تواجه قمة أطراف الاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة بشأن المناخ «كوب 27»، وهو ما يؤكد على أهمية الرؤية التي تنطلق منها «مبادرة الشرق الأوسط الأخضر»، التي يتم تدشين المنتدى الثاني لها اليوم (الاثنين) ضمن فعاليات القمة.
وتنطلق المبادرة، مما تصفه المملكة العربية السعودية، بـ«مبدأ رفض الاختيار المضلل بين الحفاظ على الاقتصاد والبيئة»؛ إذ ترى أنه لا تعارض بين استمرار الدور الريادي للسعودية، كأكبر منتج للنفط، وبين تنفيذ مبادرات بيئية تحقق ما يسمى بـ«الحياد الصفري المناخي».
و«الحياد المناخي»، هو موازنة يتم تنفيذها بين الانبعاثات الناتجة عن حرق الوقود الأحفوري، وإجراءات يتم اتخاذها لامتصاص تلك الانبعاثات، بغية الوصول إلى صافي صفر من الانبعاثات.
وتسعى السعودية لتحقيق هذا الهدف محلياً من خلال «مبادرة السعودية الخضراء»، وإقليمياً من خلال «مبادرة الشرق الأوسط الأخضر»، التي تم الإعلان عنها العام الماضي، وتستضيف قمة «كوب 27» منتداها الثاني، بمشاركة وفد سعودي رفيع المستوى.
ووفق الموقع الرسمي للمبادرة، فإنها تستهدف تحقيق هذا الهدف عبر «زراعة 50 مليار شجرة في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما سيعمل على تثبيت التربة، والحماية من الفيضانات والعواصف الغبارية، حيث تبلغ التكلفة الاقتصادية للعواصف الترابية وحدها أكثر من 13 مليار دولار سنوياً داخل المنطقة، كما تعمل على خفض الانبعاثات الكربونية في المنطقة بأكثر من 10 في المائة، مقارنة بالإسهامات العالمية، والحد من انبعاثات الكربون الصادرة من عمليات إنتاج النفط بمنطقة الشرق الأوسط بأكثر من 60 في المائة».
ويقول ياسر مصطفى، الأستاذ بمعهد البترول المصري، لـ«الشرق الأوسط»: «لم تكن فكرة الجمع بين هدف الاستمرار في إنتاج النفط والحفاظ على البيئة، تحظى بتشجيع كبير، ولكن قمة (كوب 27) تُعقد على خلفية أحداث سياسية خلقت عدم استقرار في أسواق الطاقة، وأظهرت أنه لا يمكن للعالم أن يتخلى في الوقت الراهن عن إنتاج الوقود الأحفوري التقليدي»، وفي حين «لن يتمكن العالم من (الفطام) عن الوقود الأحفوري في الوقت الراهن، يصبح البديل هو المبادرات الخضراء، مثل (مبادرة الشرق الأوسط الخضراء)، وغيرها من المبادرات التي تهدف إلى تحقيق الحياد المناخي»، وهذا «نهج واقعي وعملي»، كما وصفه مصطفى.
وأعلنت العديد من الدول اتباع نفس النهج، ومنها دولة غيانا، الواقعة في أميركا الجنوبية، وهي أحدث دولة منتجة للنفط في العالم، التي بدأت في ضخ الخام نهاية عام 2019.
وقال نائب الرئيس بهارات جاغديو، في تصريحات صحافية نشرها موقع «eenews»، بالتزامن مع بدء «كوب 27»، إنه «لا يوجد ما يمنع من أن نصبح منتجاً للنفط، ونحافظ في الوقت نفسه على مؤهلاتنا البيئية، ومواصلة الدعوة عالمياً لاقتصاد خالٍ من الكربون».
وقبل قمة «كوب 27»، عبّرت دول أفريقية عن الموقف ذاته، وقال نائب وزير الطاقة الغاني محمد أمين آدم، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، في أكتوبر (تشرين الأول)، إن «الدول الأفريقية تحتاج إلى تأمين التمويل لمشروعات النفط والغاز، حيث إن عائدات الوقود الأحفوري ضرورية لتمويل إجراءات التكيف مع المناخ».
ويصف مصطفى، هذا التوجه بـ«المتوازن»، وقال إن «السعودية تتبع استراتيجية مزدوجة، تتمثل في خفض الانبعاثات من غازات الاحتباس الحراري من خلال التشجيع على استخدام التقنيات الجديدة، مثل التقاط وتخزين الكربون عبر المبادرات الخضراء، وإنتاج الهيدروجين الأخضر، وإعادة تدوير الكربون، واستخدام السيارات الكهربائية، مع العمل، في الوقت نفسه، على زيادة القدرات الإنتاجية للنفط لتلبية الطلب العالمي، والحد من تقلبات الأسعار والاختناقات في الإمدادات».
ويضيف أن «العالم لا يستطيع التخلي خلال السنوات المقبلة عن إنتاج النفط، وهو ما يفرض ضرورة توفير الحلول، مثل (مبادرة الشرق الأوسط الأخضر)».
وتعلن المبادرة في نسختها الثانية اليوم (الاثنين) عن برامج جديدة تساهم في تسريع وتيرة العمل المناخي في المنطقة، وسيكون أبرز الحضور المتوقعين هذا العام هم رؤساء الحكومات والدول من مجلس التعاون الخليجي، ومنطقة الشرق الأوسط، ودول المشرق العربي وأفريقيا، والشركاء الدوليون الرئيسيون، منهم المملكة المتحدة واليونان.
ووفق بيان صحافي صادر عن المبادرة، فإنه يجري العمل حالياً على «تأسيس 6 برامج ومراكز إقليمية تحت مظلّتها، مثل منصة تعاونية لتسريع تنفيذ مفاهيم الاقتصاد الدائري للكربون، ومركز إقليمي للتغير المناخي، وبرنامج بذر سحابي إقليمي، ومركز إقليمي للإنذار المبكر بالعواصف، ومركز إقليمي لاحتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه (لدول مجلس التعاون الخليجي والعراق)، ومركز إقليمي للتنمية المستدامة لمصايد الأسماك».
كما تقود المملكة العربية السعودية أيضاً مبادرتين إقليميتين مهمتين، وهما مبادرة إقليمية لحلول الوقود النظيف لأغراض الطهي، سيستفيد منها أكثر من 750 مليون شخص حول العالم، وصندوق استثمار إقليمي مخصص لتمويل الحلول التقنية للاقتصاد الدائري للكربون.
وأطلق الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء في المملكة العربية السعودية، النسخة الأولى من قمة «مبادرة الشرق الأوسط الأخضر» في الرياض في شهر أكتوبر من العام الماضي.
وأتاحت القمة إجراء أول حوار إقليمي من نوعه بشأن المناخ؛ إذ اتفق القادة المشاركون من أكثر من 20 دولة، على ضرورة التعاون وتوحيد الجهود لمواجهة تغير المناخ.


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج السعودية تطلق خدمة التأشيرة الإلكترونية في 7 دول

السعودية تطلق خدمة التأشيرة الإلكترونية في 7 دول

أطلقت السعودية خدمة التأشيرة الإلكترونية كمرحلة أولى في 7 دول من خلال إلغاء لاصق التأشيرة على جواز سفر المستفيد والتحول إلى التأشيرة الإلكترونية وقراءة بياناتها عبر رمز الاستجابة السريعة «QR». وذكرت وزارة الخارجية السعودية أن المبادرة الجديدة تأتي في إطار استكمال إجراءات أتمتة ورفع جودة الخدمات القنصلية المقدمة من الوزارة بتطوير آلية منح تأشيرات «العمل والإقامة والزيارة». وأشارت الخارجية السعودية إلى تفعيل هذا الإجراء باعتباره مرحلة أولى في عددٍ من بعثات المملكة في الدول التالية: «الإمارات والأردن ومصر وبنغلاديش والهند وإندونيسيا والفلبين».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق «ملتقى النقد السينمائي» نظرة فاحصة على الأعمال السعودية

«ملتقى النقد السينمائي» نظرة فاحصة على الأعمال السعودية

تُنظم هيئة الأفلام السعودية، في مدينة الظهران، الجمعة، الجولة الثانية من ملتقى النقد السينمائي تحت شعار «السينما الوطنية»، بالشراكة مع مهرجان الأفلام السعودية ومركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء). ويأتي الملتقى في فضاءٍ واسع من الحوارات والتبادلات السينمائية؛ ليحل منصة عالمية تُعزز مفهوم النقد السينمائي بجميع أشكاله المختلفة بين النقاد والأكاديميين المتخصصين بالدراسات السينمائية، وصُناع الأفلام، والكُتَّاب، والفنانين، ومحبي السينما. وشدد المهندس عبد الله آل عياف، الرئيس التنفيذي للهيئة، على أهمية الملتقى في تسليط الضوء على مفهوم السينما الوطنية، والمفاهيم المرتبطة بها، في وقت تأخذ في

«الشرق الأوسط» (الظهران)
الاقتصاد مطارات السعودية تستقبل 11.5 مليون مسافر خلال رمضان والعيد

مطارات السعودية تستقبل 11.5 مليون مسافر خلال رمضان والعيد

تجاوز عدد المسافرين من مطارات السعودية وإليها منذ بداية شهر رمضان وحتى التاسع من شوال لهذا العام، 11.5 مليون مسافر، بزيادة تجاوزت 25% عن العام الماضي في نفس الفترة، وسط انسيابية ملحوظة وتكامل تشغيلي بين الجهات الحكومية والخاصة. وذكرت «هيئة الطيران المدني» أن العدد توزع على جميع مطارات السعودية عبر أكثر من 80 ألف رحلة و55 ناقلاً جوياً، حيث خدم مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة النسبة الأعلى من المسافرين بـ4,4 مليون، تلاه مطار الملك خالد الدولي في الرياض بـ3 ملايين، فيما خدم مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة قرابة المليون، بينما تم تجاوز هذا الرقم في شركة مطارات الدمام، وتوز

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

بغداد ودمشق تناقشان تأهيل خط «كركوك - بانياس» لتصدير النفط

صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)
صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)
TT

بغداد ودمشق تناقشان تأهيل خط «كركوك - بانياس» لتصدير النفط

صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)
صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)

بحث وزير الطاقة السوري محمد البشير، خلال اتصال هاتفي، الخميس، مع وزير النفط العراقي حيان عبد الغني، سبل تعزيز التعاون المشترك بين البلدين في قطاع الطاقة.

وذكرت «وكالة الأنباء السورية» (سانا) أنه جرى خلال الاتصال الإشادة بالجهود المشتركة والمتضافرة لبدء تصدير النفط العراقي من خلال الأراضي السورية، إضافة إلى مناقشة إمكانية توريد الغاز المنزلي إلى سوريا، في إطار تعزيز أمن الطاقة، وتلبية الاحتياجات المحلية.

وتناول الاتصال بحث تأهيل أنابيب نقل النفط، ولا سيما خط كركوك - بانياس، بما يُسهم في تطوير وتعزيز عملية تصدير النفط.

وأكد وزير النفط العراقي أن هذا التعاون سيستمر بشكل مستدام، ولن يكون مرتبطاً بالظروف الراهنة أو بالحرب القائمة، مشدداً على حرص بلاده على تطوير العلاقات الثنائية في هذا المجال الحيوي.

وكانت أولى دفعات الفيول العراقي وصلت إلى خزانات مصفاة بانياس عبر منفذ التنف الحدودي، تمهيداً لتصديرها إلى الأسواق العالمية، حيث باشرت فرق «الشركة السورية للبترول» عمليات التفريغ، تمهيداً لتجهيز الشحنات وإعادة تحميلها على نواقل بحرية مخصصة لنقلها إلى وجهتها التصديرية النهائية.


صندوق النقد الدولي: الاقتصاد الأميركي «صامد» لكن شبح الديون والتعريفات يهدد الاستقرار

قبة مبنى الكابيتول ظاهرة للعيان في الساعات الأولى من الصباح (أ.ف.ب)
قبة مبنى الكابيتول ظاهرة للعيان في الساعات الأولى من الصباح (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: الاقتصاد الأميركي «صامد» لكن شبح الديون والتعريفات يهدد الاستقرار

قبة مبنى الكابيتول ظاهرة للعيان في الساعات الأولى من الصباح (أ.ف.ب)
قبة مبنى الكابيتول ظاهرة للعيان في الساعات الأولى من الصباح (أ.ف.ب)

رسم صندوق النقد الدولي صورة مختلطة لمستقبل الاقتصاد الأكبر في العالم، فبينما أشاد بمرونة الأداء الأميركي وقوة الإنتاجية خلال عام 2025، أطلق جملة من التحذيرات الصارمة بشأن استدامة المسار المالي الحالي.

وفي ختام مشاورات المادة الرابعة لعام 2026، شدد الصندوق على أن التحولات الكبرى في السياسات التجارية والتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط باتت تفرض ضغوطاً تضخمية جديدة، مما يضيق الخناق على قدرة الاحتياطي الفيدرالي في مواصلة دورة خفض الفائدة.

أداء صامد أمام التحديات

سجل الاقتصاد الأميركي نمواً بنسبة 2 في المائة في عام 2025، وهو أداء وصفه الصندوق بـ«الجيد» بالنظر إلى التقلبات السياسية الكبيرة والإغلاق الحكومي الذي شهده الربع الرابع من العام الماضي. ورغم تباطؤ نمو التوظيف نتيجة تراجع تدفقات الهجرة، فإن الإنتاجية القوية حافظت على زخم النشاط الاقتصادي.

وتوقع الصندوق أن يتسارع النمو بشكل طفيف ليصل إلى 2.4 في المائة في عام 2026، مدعوماً بزيادة الإنفاق والتحولات الضريبية التي أُقرت مؤخراً.

فخ التضخم و«مساحة المناورة» الضيقة

وفي ملف السياسة النقدية، حذر خبراء الصندوق من أن مسار التضخم لا يزال محفوفاً بالمخاطر؛ حيث أدت التعريفات الجمركية المرتفعة إلى زيادة أسعار السلع، مما بدد أثر تراجع تضخم الخدمات. ومع ارتفاع أسعار الطاقة العالمية نتيجة الحرب، أكد الصندوق أن «المساحة المتاحة لخفض أسعار الفائدة في عام 2026 تبدو ضئيلة للغاية»، محذراً من أن أي تيسير نقدي سابق لأوانه قد يعطل عودة التضخم إلى مستهدفه البالغ 2 في المائة والمؤمل تحقيقه في النصف الأول من 2027.

الرئيس الأميركي يحمل أمراً تنفيذياً حول الرسوم الجمركية المتبادلة في أبريل الماضي (أ.ف.ب)

أزمة الديون والعجز الاستراتيجي

أعرب أعضاء المجلس التنفيذي للصندوق عن قلقهم البالغ إزاء العجز المالي المستمر، الذي بلغ 5.9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مع توقعات بارتفاع الدين العام ليتجاوز 140 في المائة بحلول عام 2031. ونبّه البيان إلى أن اعتماد الحكومة على الديون قصيرة الأجل يخلق مخاطر على الاستقرار المالي العالمي، نظراً للدور المحوري لسوق سندات الخزانة الأميركية في النظام المالي الدولي. وطالب الصندوق بضرورة إجراء «تعديل مالي جبهوي» يشمل زيادة الإيرادات الفيدرالية وإعادة توازن برامج الاستحقاقات.

متداولون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

التجارة والتعريفات الجمركية

انتقد الصندوق التحول في السياسة التجارية الأميركية، مشيراً إلى أن متوسط التعريفات الفعالة سيستقر عند مستويات مرتفعة تتراوح بين 7 في المائة و8.5 في المائة. وأكد البيان أن هذه السياسات، إلى جانب عدم اليقين التجاري، ستؤدي إلى تقليص النشاط الاقتصادي المحلي، وخلق آثار سلبية كبيرة على الشركاء التجاريين، داعياً واشنطن للعمل بشكل بناء مع شركائها الدوليين للحد من القيود التجارية والتشوهات في السياسات الصناعية.

الرقابة المالية والأصول الرقمية

وفيما يتعلق بالقطاع المالي، دعا الصندوق السلطات الأميركية إلى تعزيز الرقابة على المؤسسات المالية غير المصرفية ومواجهة مخاطر التقييمات المرتفعة للأصول. ورحب بالتشريعات الجديدة لتنظيم «العملات المستقرة» والأصول المشفرة، لكنه شدد على ضرورة التطبيق الكامل لاتفاقية «بازل 3» وتعزيز الإشراف على البنوك متوسطة الحجم لضمان سلامة النظام المالي في مواجهة أي هزات محتملة.


طلبات إعانة البطالة الأميركية تواصل الانخفاض خلال مارس

مقر وزارة العمل الأميركية في واشنطن (رويترز)
مقر وزارة العمل الأميركية في واشنطن (رويترز)
TT

طلبات إعانة البطالة الأميركية تواصل الانخفاض خلال مارس

مقر وزارة العمل الأميركية في واشنطن (رويترز)
مقر وزارة العمل الأميركية في واشنطن (رويترز)

انخفضت الطلبات الأسبوعية الجديدة للحصول على إعانات البطالة في الولايات المتحدة، في إشارة إلى استمرار تراجع معدلات التسريح واستقرار نسبي في سوق العمل خلال شهر مارس (آذار)، رغم تحذيرات من مخاطر سلبية ناجمة عن استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وأعلنت وزارة العمل الأميركية، الخميس، تراجع الطلبات الأولية بمقدار 9 آلاف طلب، لتسجل 202 ألف طلب بعد التعديل الموسمي للأسبوع المنتهي في 28 مارس، مقارنةً بتوقعات اقتصاديين استطلعت «رويترز» آراءهم عند 212 ألف طلب.

وتراوحت الطلبات منذ بداية العام بين 201 ألف و230 ألف طلب، وهو نطاق يعكس، وفق توصيف اقتصاديين، سوق عمل تتسم بانخفاض كلٍّ من معدلات التوظيف والتسريح. ويُعزى هذا الجمود جزئياً إلى حالة عدم اليقين المستمرة المرتبطة بالرسوم الجمركية المرتفعة التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الواردات.

في السياق ذاته، بلغ متوسط نمو الوظائف في القطاع الخاص غير الزراعي نحو 18 ألف وظيفة شهرياً خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في فبراير (شباط)، وهو معدل ضعيف نسبياً. ويرى اقتصاديون أن تقلص المعروض من العمالة، نتيجة تشدد سياسات الهجرة في عهد ترمب، يشكل عاملاً كابحاً لنمو التوظيف.

كما أضافت الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، والتي دخلت شهرها الأول، مزيداً من الضبابية أمام الشركات. وكان ترمب قد تعهد، الأربعاء، بتكثيف الضربات على إيران، مما عزز المخاوف بشأن تداعيات الصراع.

ورغم توقع انتعاش نمو الوظائف بنحو 60 ألف وظيفة في مارس، وفقاً لاستطلاع «رويترز»، حذّر بعض الاقتصاديين من أن هذا التحسن قد يكون مؤقتاً، في ظل تداعيات الحرب التي دفعت أسعار النفط العالمية إلى الارتفاع بأكثر من 50 في المائة. كما تجاوز متوسط سعر البنزين بالتجزئة في الولايات المتحدة 4 دولارات للغالون هذا الأسبوع، للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاث سنوات.

كانت الوظائف غير الزراعية قد انخفضت بمقدار 92 ألف وظيفة في فبراير، متأثرةً جزئياً بإضرابات في قطاع الرعاية الصحية وسوء الأحوال الجوية. ومن المتوقع أن يستقر معدل البطالة عند 4.4 في المائة.

ومن المنتظر أن يُصدر مكتب إحصاءات العمل تقرير التوظيف لشهر مارس، يوم الجمعة، علماً بأن «الجمعة العظيمة» لا تُعد عطلة رسمية في الولايات المتحدة.

وقالت نانسي فاندن هوتن، كبيرة الاقتصاديين الأميركيين في مؤسسة «أكسفورد إيكونوميكس»: «نتوقع أن تؤدي الحرب إلى تأخير التحسن الطفيف الذي كنا نترقبه في سوق العمل هذا العام، إذ إن حالة عدم اليقين، وتباطؤ الإنفاق الاستهلاكي، وارتفاع التكاليف، كلها عوامل تدفع الشركات إلى تأجيل قرارات التوظيف».

وأظهر التقرير أيضاً ارتفاع عدد المستفيدين من إعانات البطالة المستمرة بمقدار 25 ألف شخص ليصل إلى 1.841 مليون شخص خلال الأسبوع المنتهي في 21 مارس، وهو مؤشر يُستخدم لقياس وتيرة التوظيف. ورغم تراجع هذه المطالبات مقارنةً بمستويات العام الماضي المرتفعة، فإن انتهاء أهلية بعض المستفيدين -المحددة عادةً بـ26 أسبوعاً في معظم الولايات- قد يكون عاملاً وراء هذا الانخفاض.

في سياق متصل، أظهرت بيانات مكتب إحصاءات العمل هذا الأسبوع، تراجعاً أكبر من المتوقع في عدد الوظائف الشاغرة خلال فبراير، إلى جانب انخفاض وتيرة التوظيف إلى أدنى مستوياتها في نحو ست سنوات.