جبران خليل جبران... 5 من لوحاته ستعرض للبيع بصيغة «إن إف تي»

دعماً لمتحفه الفريد المتروك لقدره في بشرّي

جبران خليل جبران (غيتي)
جبران خليل جبران (غيتي)
TT

جبران خليل جبران... 5 من لوحاته ستعرض للبيع بصيغة «إن إف تي»

جبران خليل جبران (غيتي)
جبران خليل جبران (غيتي)

خمس لوحات لجبران خليل جبران ستصبح موجودة بعد أيام على منصة «إكستشينج آرت» العالمية، ثاني أهم منصة «إن إف تي»، لمن يريد شراء نسخته الخاصة. وهذه اللوحات قد تكون مجرد دفعة أولى؛ إذ إن عشرات اللوحات الأخرى لجبران، بصيغة «إن إف تي»، ستعرض للبيع في المستقبل على المنصة نفسها، في حال تبين أن التفاعل كان إيجابياً ومشجعاً.
التجربة جديدة، ومنصات «إن إف تي» غالباً ما تعرض الحديث والمبتكر، ولم نعتد بعد أن نرى لوحات لفنانين راحلين أو أعمالاً لرواد كبار. لذلك فإن المبادرة تنطوي على شجاعة من لجنة «جبران خليل جبران الوطنية» في لبنان، وشركة «إتش أو أو كيو» ومقرها لندن، بإدارة صاحبها اللبناني فخري منصور. فقد تم توقيع اتفاقية بين الطرفين تمنح بموجبها لجنة جبران، الشركة حقوق بيع 300 لوحة لصاحب «النبي» بصيغة «إف إن تي».


من اللوحات الخمس لجبران التي ستعرض للبيع

وستعرض اللوحات الخمس على المنصة، بعد ما يقارب الأسبوعين، وتحديداً من يوم 16 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي وحتى الـ19 منه، ليبدأ البيع يوم 20 من الشهر، بنسخ محدودة، حيث ستعرض للشراء 150 نسخة من كل لوحة. وبطبيعة الحال سعيد الحظ من سيحظى بالنسخ الأولى، حيث سيكون بيعها بعد ذلك بسعر كبير. وعلى أي حال فإن هواة الـ«إن إف تي» سيكون في متناولهم في الأيام المقبلة 750 نسخة من لوحات لجبران يمكنهم اقتناؤها، وفق تقنية «البلوكتشاين»، الرموز غير القابلة للاستبدال، وسيقارب سعر النسخة الـ200 دولار أميركي.
ويشرح فخري منصور لـ«الشرق الأوسط»: «أن الهدف الرئيسي من هذه الخطوة بطبيعة الحال هو الترويج لجبران وفنه والتعريف به، ولكن وبشكل أساسي دعم متحف جبران والمساعدة في تمويله، على مدى طويل قدر الممكن.» ويضيف منصور: «إن الشركة معنية في مشروعها بإدخال الأعمال الفنية الكلاسيكية عالم الـ«إن إف تي»، وهي تعمل في وقت واحد على نشر وبيع أعمال عدد من الرسامين العرب والأفارقة». وبالتالي فإن الشركة هي همزة وصل بين من يريد دعم الفنون والتبرع لها، ومن يعتني بالأعمال الفنية ويحتاج تمويلاً للاستمرار في رعايتها. ولا تريد أن تؤكد الشركة أخباراً تتحدث عن تواصل يتم مع شخصيات بارزة معنية بالفن يمكنها الشراء والتبرع، لتشجيع الإقبال على هذا النوع من الأعمال الخيرية، الذي لا يزال خجولاً في العالم العربي.
وإن كانت شركة «إتش أو أو كيو» تود أن تعمم التجربة التي تطلقها مع جبران، أحد ألمع نجوم الأدب والفن، وله صيت عالمي، فلأن بيع أعماله بهذه الطريقة الجديدة سيكون له معنى خاص.


من اللوحات الخمس لجبران التي ستعرض للبيع

ويعول مدير متحف جبران في بلدة بشري، جوزف جعجع، على هذه الخطوة، لما يمكن أن تؤمن من مداخيل للمتحف. «لأنه لا يوجد أي متحف في العالم يمكن أن يستمر في عمله من مداخيله الخاصة، ولو كان متحفاً بحجم «اللوفر» أو «ميتروبوليتان»، فما بالك بمتحف صغير في لبنان». ويضيف جعجع شارحاً: «كنا بحاجة إلى هذه المبادرة؛ لأننا عانينا خلال فترة الانهيار الاقتصادي وما رافقها من وباء، ومن شح المداخيل. توقفت الزيارات وبالتالي بيع التذاكر، واضطررنا لإغلاق أبوابنا، ولكن من غير الممكن وقف الأجهزة التي تجعل درجة حرارة المتحف عند 20 درجة مئوية، بالصيف كما في الشتاء، من أجل الحفاظ على اللوحات. وكان لا بد من تأمين المازوت لتشغيل موتورات الكهرباء من دون توقف، وهذه وحدها تحتاج من ستة إلى سبعة آلاف دولار في الشهر، إضافة إلى دفع رواتب الموظفين الـ15، في المتحف.
جوزف جعجع يدير متحف جبران منذ عشرين سنة، ويشعر بالراحة لمشروع بيع لوحات جبران بصيغة «إن إف تي»؛ لأن الأعمال الأصلية ستبقى محفوظة في مكانها في المتحف، ولن تغادره أو تتعرض لأي خطر. ومع ذلك فهو لا يزال يرى أن التعامل الحي مع اللوحة من خلال تسفيرها وعرضها في متاحف مختلفة، هو أمر لا يمكن استبداله أو الاستغناء عنه.
والمحاضرات والندوات كما المعارض التي تستقبل أعمال جبران حول العالم كثيرة. كان ثمة معارض في الشارقة وأبوظبي وأستراليا والبرازيل، ويتم التحضير لمعرضين اثنين في نيويورك للعام المقبل، بمناسبة مرور 100 سنة على صدور كتاب «النبي». هذه الاحتفاليات والمعارض تسهم في جعل جبران حياً باستمرار، كما أنها تؤمن جزءاً من التمويل اللازم، لكنه لا يكفي. «صيانة اللوحات لها تكاليفها أيضاً، وأي تلف صغير في لوحة يحتاج آلاف الدولارات، وشهوراً من العمل لإصلاحه».
ويرى جعجع أن الدياسبورا اللبنانية لعبت دائماً دوراً إيجابياً في التعريف بجبران، كما تفعل لمرة جديدة هذه المرة لتدخله عالم الـ«إن إف تي». و«الحقيقة أن جبران هو جزء من الدياسبورا اللبنانية، وأحد الذين هاجروا إلى أميركا، وهناك نبغ وبرز ولمع نجمه، وحمل اسم لبنان إلى العالم كله».
وهذه ليست المرة الأولى التي تعرض فيها شركة خاصة العمل مع لجنة جبران ومتحفه، لتضع أعماله الفنية بصيغة «إن إف تي» ووفق تقنية البولكتشاين، على منصة عالمية، لكن الاجتماعات والاتصالات لم تكن في المرات السابقة تصل إلى خواتيمها، وربما أنها لم تكن جادة بالقدر الكافي. هذه المرة، كان ثمة وضوح واتفاق مريح للجميع. وتملك الشركة وفق الاتفاق الذي وقعته مع لجنة جبران قبل أقل من شهر، الحق في نشر وبيع 300 لوحة لجبران، بعضها من أجمل رسوماته وأكثرها شهرة، وبعض آخر، لا يعرفه الجمهور وسيتعرف إليه للمرة الأولى.
وحصل متحف جبران خلال السنوات الثلاث العجاف الماضية، على منحة من السفارة اليابانية مكنته من التزود بأجهزة إلكترونية وموتور كهرباء، وتطوير أعماله للاستمرار. لكن تبقى عقود الصيانة وتكاليف التسيير اليومية، من الأعباء التي لم تذلل. وقدمت السفارة البلغارية في لبنان مساعدة أيضاً للمتحف، وحضر فريق بلغاري عمل على توضيب وتنظيف مكتبة جبران الخاصة بما فيها من كتب ومخطوطات.
وتأتي المبادرة الجديدة لتعطي نفحة أمل للمتحف الصغير، لكنه فريد بموقعه في مسقط رأس جبران، وبمحتوياته التي هي عبارة عن مقتنيات وحاجيات الكاتب الكبير الشخصية. ويقول جعجع إن المتحف على أهميته عالمياً «متروك من الدولة اللبنانية، لا يعنى به وزير أو مسؤول، وبقي مفتوحاً بفعل قدرة لا يعرف كيف يوصّفها. ومن حسن الحظ أن اللبنانيين في الخارج يفكرون في بلدهم، ويقدمون الدعم الحضاري والثقافي له».



ارتفاع ثقة المستهلكين في أميركا رغم صعود أسعار الطاقة

سيدة تتسوق داخل أحد المتاجر في واشنطن (رويترز)
سيدة تتسوق داخل أحد المتاجر في واشنطن (رويترز)
TT

ارتفاع ثقة المستهلكين في أميركا رغم صعود أسعار الطاقة

سيدة تتسوق داخل أحد المتاجر في واشنطن (رويترز)
سيدة تتسوق داخل أحد المتاجر في واشنطن (رويترز)

ارتفعت ثقة المستهلكين في الولايات المتحدة خلال الشهر الحالي، رغم ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران.

وذكر معهد «كونفرنس بورد» للدراسات الاقتصادية، يوم الثلاثاء، أن مؤشر ثقة المستهلكين ارتفع بنسبة طفيفة خلال مارس (آذار) إلى 91.8 نقطة مقابل 91 نقطة في الشهر الماضي.

وأضاف المعهد أنه في حين لم تؤثر زيادة النفقات نتيجة الرسوم الجمركية وارتفاع أسعار النفط نتيجة الحرب في الشرق الأوسط على المؤشر الرئيسي، ساد تشاؤم كبير في المؤشرات الأخرى بما في ذلك توقع ارتفاع معدل التضخم.

وأشارت ردود المستهلكين الذين شملهم المسح بالنسبة للنفط والغاز والحرب إلى ارتفاع توقعاتهم للتضخم خلال الـ 12 شهراً المقبلة إلى مستويات لم يتم تسجيلها منذ أغسطس (آب) 2025 عندما كان القلق بشأن الرسوم الجمركية في ذروته.

ويأتي ذلك في حين ارتفع متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة إلى 4 دولارات للغالون لأول مرة منذ 2022، في ظل ارتفاع أسعار الوقود على مستوى العالم بسبب حرب إيران.

ووفقاً لجمعية السيارات الأميركية، يبلغ المتوسط ​​الوطني لسعر غالون البنزين العادي حالياً 4.02 دولار، أي بزيادة تزيد على دولار واحد عن سعره قبل بدء الحرب. وكانت آخر مرة دفع فيها سائقو السيارات في الولايات المتحدة هذا المبلغ مجتمعين في محطات الوقود قبل نحو أربع سنوات، عقب الحرب الروسية الأوكرانية.

وانخفض مؤشر توقعات الأميركيين قصيرة الأجل لدخلهم وسوق العمل بمقدار 1.7 نقطة ليصل إلى 70.9، ليظل أقل بكثير من 80، وهو مؤشر قد ينذر بركود اقتصادي وشيك. وهذا هو الشهر الرابع عشر على التوالي الذي يسجل فيه المؤشر قراءة أقل من 80.

في المقابل، ارتفع مؤشر تقييم المستهلكين لوضعهم الاقتصادي الحالي بمقدار 4.6 نقطة ليصل إلى 123.3.

وأظهرت بيانات حكومية صدرت مطلع مارس أن مؤشر التضخم، الذي يراقبه مجلس الاحتياطي الفيدرالي عن كثب، ارتفع بنسبة 2.8 في المائة يناير (كانون الثاني)، في أحدث مؤشر على استمرار ارتفاع الأسعار حتى قبل أن تتسبب الحرب الإيرانية في ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز.

وباستثناء قطاعي الغذاء والطاقة المتقلبين اللذين يوليهما مجلس الاحتياطي الفيدرالي اهتماماً أكبر، ارتفعت الأسعار الأساسية بنسبة 3.1 في المائة، مقارنة بـ3 في المائة بالشهر السابق، وهو أعلى مستوى لها منذ عامين تقريباً. كما لا تزال أسعار المستهلكين وأسعار الجملة مرتفعة.

ونظراً لارتفاع الأسعار، واحتمالية ارتفاع التضخم أكثر بسبب حرب إيران، فمن غير المرجح أن يخفض مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة قريباً.


هل يضيق سقف الأهداف الأميركية فيما ترفع إيران كلفة التحدي؟

روبيو لدى وصوله إلى مقر الاجتماع قرب باريس 27 مارس (رويترز)
روبيو لدى وصوله إلى مقر الاجتماع قرب باريس 27 مارس (رويترز)
TT

هل يضيق سقف الأهداف الأميركية فيما ترفع إيران كلفة التحدي؟

روبيو لدى وصوله إلى مقر الاجتماع قرب باريس 27 مارس (رويترز)
روبيو لدى وصوله إلى مقر الاجتماع قرب باريس 27 مارس (رويترز)

لم يعد السؤال في واشنطن حول ما إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل نجحتا في إلحاق ضرر عسكري كبير بإيران، بل ما إذا كان هذا النجاح يكفي لتبرير وقف الحرب قبل إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل.

فالإشارات الأخيرة الصادرة عن البيت الأبيض والتسريبات الصحافية توحيان بأن الرئيس دونالد ترمب بات أقرب إلى تضييق أهدافه العملية: ضرب البحرية الإيرانية، استنزاف مخزون الصواريخ، تقويض القاعدة الصناعية الدفاعية، ثم الانتقال إلى ضغط دبلوماسي يحمّل الآخرين عبء الملاحة والطاقة. غير أن هذه المقاربة لا تبدو مستقرة بعد؛ لأن ترمب نفسه يراوح بين لغة التهدئة ولغة التهديد، فيما تواصل طهران تقديم نفسها بوصفها الطرف الذي صمد عسكرياً وانتزع ورقة ضغط اقتصادية عالمية من خلال هرمز. بهذا المعنى، دخلت الحرب مرحلة أكثر تعقيداً: لم تعد معركة إسقاط النظام بالضرورة، لكنها لم تصبح أيضاً تسوية قابلة للحياة.

صورة جماعية لوزراء خارجية «السبع» يوم 27 مارس في «فو دي سيرني» (إ.ب.أ)

أهداف تتقلص

أبرز ما تكشف عنه التطورات الأخيرة أن إعادة فتح مضيق هرمز لم تعد، في الخطاب الأميركي الأحدث، هدفاً عسكرياً فورياً بالمعنى نفسه الذي طُرح سابقاً. «وول ستريت جورنال» ذكرت أن ترمب أبلغ مساعديه استعداده لإنهاء الحملة حتى إذا بقي المضيق مغلقاً إلى حد كبير، على أن تُترك مهمة إعادة فتحه لاحقاً للدبلوماسية أو لتحالفات دولية أوسع. وهذا التحول ليس تفصيلاً تقنياً، بل إقرار ضمني بأن انتزاع المضيق بالقوة قد يجر واشنطن إلى حرب أطول وأثقل مما يريده الرئيس، وخصوصاً إذا استلزم الأمر بقاء قوات برية أو السيطرة على عقد استراتيجية مثل جزيرة خرج أو فرض حماية دائمة للممر البحري.

Spain's Patriot system at Incirlik Air Base in southern Turkey (AFP)

لكن تضييق الأهداف لا يحل المعضلة، بل يعيد صياغتها. فإذا توقفت الحرب قبل فتح هرمز، تكون إيران قد خسرت كثيراً من قدراتها العسكرية، لكنها تكون أيضاً قد فرضت على العالم معادلة خطيرة: تستطيع قوة إقليمية متضررة أن تشل أحد أهم شرايين الطاقة ثم تنتزع مفاوضات من موقع التعطيل. لذلك يتركز كثير من النقد الأميركي حول الفجوة بين «النجاح العسكري» و«النتيجة الاستراتيجية». فالتوقف الآن قد يعني الاكتفاء بتقليص التهديد الإيراني من دون إزالة ورقة الابتزاز البحري، بينما يعني الاستمرار حتى فتح المضيق بالقوة احتمال الانزلاق إلى حرب مفتوحة النهاية.

إيران تراهن على البقاء

في المقابل، تبدو طهران كأنها قرأت هذا التردد الأميركي بوصفه فرصة لاختبار السقف النهائي لترمب. رسالتها المعلنة لا تقتصر على رفض الخطة الأميركية، بل تذهب أبعد من ذلك: لا تفاوض فعلياً قبل وقف الضربات، ولا عودة طبيعية للممر البحري قبل انتزاع تنازلات تتعلق بالسيادة والضمانات وربما التعويضات. ومن هنا يمكن فهم تصريحات نائب الرئيس الإيراني، محمد رضا عارف، عن أن «الأعداء» باتوا يطلبون التفاوض بشأن المضيق، في محاولة لتثبيت رواية داخلية وخارجية تقول إن إيران، رغم الضربات، لم تُهزم سياسياً، وإن هرمز جعل الآخرين بحاجة إليها أكثر مما تحتاج إليهم.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال مؤتمر صحافي في كييف (أ.ب)

هذا لا يعني أن إيران في وضع مريح. العكس هو الأرجح عسكرياً واقتصادياً. لكن حساباتها الحالية تبدو قائمة على أن البقاء السياسي أهم من الخسارة العسكرية، وأن مجرد استمرار قدرتها على تهديد الملاحة يمنحها موقعاً تفاوضياً أفضل من موقع طرف مهزوم تماماً. كما أن سماحها الانتقائي لبعض السفن أو لبعض الدول الصديقة بالمرور لا يعني فتح المضيق فعلاً، بل إدارة الإغلاق بطريقة تخلق شبكة مصالح وضغوط متعارضة بين القوى الكبرى، والمستوردين الآسيويين، والحلفاء الخليجيين. إنها تحاول تحويل هرمز من ساحة عسكرية إلى سوق مساومات.

رئيس الوزراء الإسباني والرئيس الفرنسي (إ.ب.أ)

الميدان يضغط

على جبهة المفاوضات، لا تزال الصورة ضبابية. هناك حديث أميركي عن اتصالات و«محادثات» أكثر منه عن مفاوضات كاملة، مع تداول دور لباكستان في نقل مقترحات، وسعي أطراف إقليمية ودولية إلى بلورة إطار يسمح بوقف الحرب أو على الأقل تجميدها. لكن اللافت أن واشنطن نفسها تبدو منقسمة في توصيف ما تريد الوصول إليه: ترمب يلمّح أحياناً إلى أن القيادة الإيرانية الجديدة «عقلانية»، ثم يعود إلى التهديد بضرب البنية التحتية للطاقة والكهرباء والمياه؛ وزير خارجيته ماركو روبيو يتحدث عن أسابيع قليلة إضافية لاستكمال الأهداف العسكرية، ثم يربط ملف هرمز بخيارات إيران أو بتحالف دولي لاحق.

صورة لانفجارات قوية قيل إنها لقصف أميركي بقنابل خارقة لإحدى القواعد العسكرية الإيرانية في مدينة أصفهان (رويترز)

هذا التناقض ليس مجرد فوضى خطابية، بل يعكس مأزقاً حقيقياً: كيف يمكن الجمع بين الرغبة في نهاية سريعة للحرب والحاجة إلى نتيجة لا تبدو كأنها تترك لإيران قدرة مزمنة على تعطيل التجارة العالمية؟ ميدانياً، يزيد هذا المأزق استمرار الحشد العسكري الأميركي. فبينما يلوّح ترمب بإنهاء الحرب من دون حسم ملف المضيق فوراً، تستمر واشنطن في دفع أصول عسكرية إضافية إلى المنطقة، ويستمر النقاش حول خيارات أكثر خطورة، من حماية الممرات بالقوة إلى السيطرة على عقد استراتيجية أو نشر مزيد من القوات البرية. وهذا وحده كافٍ للدلالة على أن خيار «الإنهاء السريع» لم يتحول بعد إلى قرار نهائي مستقر، بل لا يزال أداة ضغط تفاوضي قد تنقلب سريعاً إذا واصلت إيران الرفض أو رفعت مستوى التهديد.

حلفاء مرتبكون

خارجياً، تكشف الأزمة عن حدود الحلفاء أكثر مما تكشف عن قوتهم. بريطانيا تحاول تسويق مشاركتها على أنها «دفاعية» لا «هجومية»، رغم أن قواعدها تستضيف قاذفات أميركية تنفذ ضربات مرتبطة مباشرة بمسرح الحرب. أما أوروبا فمأزقها مضاعف: فهي تحتاج إلى استقرار الطاقة وحرية الملاحة، لكنها تخشى الغرق في حرب جديدة لا تملك أدوات التحكم بها، بينما تضغط عليها في الداخل فاتورة النفط والغاز والتضخم والإنفاق الدفاعي. لذلك، فإن أي رهان أميركي على أن يتولى الأوروبيون أو تحالف واسع مهمة إعادة فتح هرمز لاحقاً يصطدم بحقيقة أن هذه الأطراف لا تريد حرباً ممتدة، ولا تملك دائماً هامشاً سياسياً أو عسكرياً لتحملها.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب على درج الطائرة الرئاسية قبيل عودته إلى واشنطن من منتجعه في فلوريدا (رويترز)

وهنا برز العرض الأوكراني؛ فقد طرح الرئيس فولوديمير زيلينسكي خبرة بلاده في كسر الحصار البحري الروسي في البحر الأسود بوصفها نموذجاً يمكن الإفادة منه في هرمز. سياسياً، يحمل العرض رسالة بأن كييف تريد أن تقدم نفسها شريكاً أمنياً لا مجرد طالب سلاح. أما عملياً، فإن التجربة الأوكرانية تتضمن عناصر جدية، مثل استخدام المسيّرات البحرية، والدفاع الساحلي المتكامل، والتعامل مع الألغام، وتأمين ترتيبات الشحن والتأمين. لكن نقل هذه الخبرة إلى هرمز ليس أمراً آلياً؛ لأن الجغرافيا مختلفة، والخصم مختلف، وتشابك الحرب مع أسواق الطاقة العالمية أكبر بكثير. لذلك قد تكون القيمة الفعلية للعرض الأوكراني تقنية وتكتيكية أكثر منها حلاً استراتيجياً كاملاً..

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه برئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في البيت الأبيض العام الماضي (رويترز)

في المحصلة، يبدو ترمب أقرب اليوم إلى حسم من نوع خاص: ليس حسم الحرب، بل حسم أولوياته داخلها. فإذا اختار إنهاء الحملة قبل فتح هرمز، فيكون قد قرر أن تقليص الخطر الإيراني أهم حالياً من فرض نظام ملاحي جديد بالقوة. وإذا تراجع عن ذلك، فسيكون قد أقر بأن أي نهاية للحرب من دون كسر قبضة إيران على المضيق هي نهاية ناقصة وربما مكلفة سياسياً. وحتى الآن، لا يبدو أن إيران مستعدة لتسهيل هذا الاختيار، بل تراهن على أن عنادها ومرونتها الانتقائية في آن سيدفعان واشنطن إلى قبول تسوية أدنى من شعاراتها الأولى. لهذا، فإن الأيام المقبلة لن تختبر فقط قدرة ترمب على إنهاء الحرب، بل قدرته على تعريف ما يعدّه «انتصاراً» أصلاً.


ما الذي ستجنيه مصر من قرار الغلق المبكر للمحال؟

محال مصرية وسط العاصمة مغلقة بداية من التاسعة مساءً تنفيذاً لقرار الحكومة (محافظة القاهرة)
محال مصرية وسط العاصمة مغلقة بداية من التاسعة مساءً تنفيذاً لقرار الحكومة (محافظة القاهرة)
TT

ما الذي ستجنيه مصر من قرار الغلق المبكر للمحال؟

محال مصرية وسط العاصمة مغلقة بداية من التاسعة مساءً تنفيذاً لقرار الحكومة (محافظة القاهرة)
محال مصرية وسط العاصمة مغلقة بداية من التاسعة مساءً تنفيذاً لقرار الحكومة (محافظة القاهرة)

أثار قرار الحكومة المصرية بإغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية مبكراً بهدف ترشيد «استهلاك الكهرباء»، تساؤلات وشكوكاً بشأن جدواه الاقتصادية والعوائد التي ستجنيها الحكومة من ورائه، وسط حالة من الاستياء الممتزج بالتندر بين المصريين على منصات التواصل الاجتماعي حول القرار.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن القرار يأتي في سياق ظروف وإجراءات «استثنائية»، وشدّدوا على ضرورة التمييز بين ترشيد الاستهلاك حالياً، وبين الجدوى الاقتصادية على المدى البعيد.

وبدأت الحكومة المصرية، السبت الماضي، تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في الـ10مساءً، ما عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات، إضافة إلى المحال العامة والمنشآت السياحية في محافظتَي جنوب سيناء، وأسوان، ومدينة الأقصر، ومدينتَي الغردقة ومرسى علم بمحافظة البحر الأحمر، والمحال العامة والمنشآت السياحية على النيل في القاهرة والجيزة.

وتهدف الحكومة من قرار «الإغلاق المبكر» لمدة شهر واحد، إلى «تقليل تداعيات الحرب الإيرانية، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار النفط عالمياً». وقال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي قبيل أيام: «الحكومة اتخذت القرار بعد نقاشات طويلة بهدف تقليل فاتورة استهلاك الوقود والكهرباء، وحتى لا تتأثر حركة الاقتصاد بشكل كامل».

وأشار إلى أن «التوفير هنا لا يقتصر على الكهرباء التي تستهلكها المحال التجارية، بل يمتد إلى فاتورة استهلاك الوقود من انتقالات المواطنين لهذه المحال»، مؤكداً أن «القرار يأتي في سياق خطوات متدرجة للتعامل مع تداعيات الحرب الإيرانية وتبعاتها على أسعار الطاقة في العالم».

وتشير أرقام تداولتها وسائل إعلام محلية، إلى أن «المحال التجارية تستحوذ على ما بين 7 و8 في المائة من إجمالي استهلاك الكهرباء في مصر».

القاهرة ليلاً قبل قرار الإغلاق (الشرق الأوسط)

ويطالب الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور محمد أبو نار، بضرورة التمييز بين «ترشيد الاستهلاك»، والجدوى الاقتصادية. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «لا يمكن الحديث عن الجدوى الاقتصادية لمثل هذا القرار في دولة اقتصادها خدمي يعتمد على العمل 24 ساعة»، مؤكداً أن «استمرار العمل بهذا القرار مدة طويلة قد تكون له آثار سلبية على الاقتصاد والناتج المحلي الإجمالي».

وكان رئيس الوزراء المصري أشار خلال لقائه أخيراً مع رؤساء الهيئات البرلمانية، إلى التطورات الأخيرة التي شهدتها أسعار المنتجات البترولية في نتيجة مباشرة للأزمة الإقليمية التي تشهدها المنطقة، موضحاً أن «إجمالي فاتورة استيراد الوقود خلال شهر يناير (كانون الثاني) الماضي تصل إلى 1,2 مليار دولار، وفي فبراير (شباط) 1,5 مليار دولار، وفي مارس (آذار) 2,5 مليار دولار»، لافتاً إلى «تراجع بعض إيرادات الدولة من العملة الأجنبية بالسلب، في مقابل ارتفاع أسعار السلع عالمياً»، وقال إن «التوجه لترشيد الاستهلاك يسهم في توفير الفاتورة الاستيرادية في هذه الظروف الاستثنائية».

وأوضح الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة، أن لكل قرار اقتصادي مزايا وعيوباً، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «قرار إغلاق المحال التجارية مبكراً يستهدف ترشيد استهلاك الكهرباء وتخفيف الضغط عليها بنسب تصل إلى 3 في المائة، وهو ما يوفر بالتبعية في فاتورة استيراد الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء».

لكن على الجانب الآخر، فإن «القرار يؤثر سلباً على العائدات الاقتصادية للمحال وعلى دخل العاملين فيها، وبالتالي على الاقتصاد الكلي للبلاد»، حسب بدرة.

وأشار إلى أن «البدائل المتاحة حال طال أمد الحرب، تتمثل في رفع أسعار الكهرباء، أو العودة لخطط تخفيض الأحمال التي نفذتها الحكومة من قبل». وقال: «كل البدائل صعبة ولها تداعياتها السلبية»، آملا أن تنتهي الحرب سريعاً.

وحسب تقديرات رسمية نشرتها وسائل إعلام محلية، فإن قرارات الإغلاق المبكر وتخفيض إنارة الشوارع أسهمت في تخفيض الاستهلاك اليومي للكهرباء بنسبة تقترب من 10 في المائة.

وبينما أكد مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» الدكتور عمرو الشوبكي، أن «القرار استثنائي في ظرف استثنائي لترشيد الطاقة»، طالب في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» بإنهاء «الفوضى والعشوائية» فيما يتعلق بمواعيد فتح المحال التجارية.

وأوضح: «لا بد من وضع نظام عام ومواعيد لإغلاق المحال باستثناء المطاعم والمقاهي والمنشآت السياحية»، وقال: «هذا أمر موجود ومتعارف عليه في العالم كله، ولا يوجد مبرر لاستمرار عمل المحال التجارية والورش حتى ساعات متأخرة من الليل». وعد ذلك «حالة من عدم النظام تؤثر على راحة الناس».

وبينما تعكف الحكومة على تنفيذ القرار، وتفرض غرامات على متجاوزي مواعيد الإغلاق، تستمر الشكاوى بين المصريين على منصات التواصل الاجتماعي، وسط مخاوف من تأثير ذلك على السياحة وعلى سمة جاذبة لمدينة القاهرة بوصفها «مدينة لا تنام».