مهندسو السياسة النفطية السعودية

السعي وراء تحقيق معادلة استقرار السوق.. والمحافظة على الأسعار في مستويات مقبولة

مهندسو السياسة النفطية السعودية
TT

مهندسو السياسة النفطية السعودية

مهندسو السياسة النفطية السعودية

هل تركت السعودية دورها التقليدي كأكبر منتج مرجح في العالم؟ هل السعودية تسعى للقضاء على ثورة النفط الصخري؟ هل هناك دوافع سياسية خلف رغبة السعودية في ترك الأسعار تهبط بدلاً من دعمها؟ هل تسعى المملكة لبيع كل ما تستطيعه من نفط خوفًا من تحول العالم إلى الطاقة البديلة أو خوفًا من تراجع الطلب مستقبلاً؟
كل هذه الأسئلة تقود إلى سؤال واحد بمليار دولار، إذ يسعى مئات المحللين النفطيين والآلاف من المتعاملين والتجار في السوق دائمًا لبذل النفس والنفيس من أجل معرفة الإجابة عنه، وهذا السؤال ببساطة هو «ما هي السياسة النفطية السعودية؟»، والسؤال الآخر الحائر هو: من يقوم بتخطيط وتنفيذ السياسة النفطية السعودية، والتي تعتبر أهم سياسة بترولية في العالم؟
وهناك شغف كبير بمعرفة السياسة السعودية، خصوصًا في الظروف الراهنة، حيث غيرت منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) سياستها القديمة بالدفاع عن الأسعار واتجهت لسياسة مغايرة تماما تقوم على الدفاع عن حصتها السوقية بدلاً من الدفاع عن الأسعار وترك أمرها للسوق للمرة الأولى في تاريخ المنظمة التي أنشئت في عام 1960، إذ يعد هذا تخليًا عن الهدف الأساسي الذي أنشئت من أجله المنظمة وهو الدفاع عن أسعار عادلة لمنتجي البترول.

قبل الإجابة عن السؤال ومعرفة ما هي السياسة السعودية الحالية يجب معرفة من هم الذين يضعون هذه السياسة. إن هندسة السياسة النفطية السعودية أمر معقد وبالغ الصعوبة وليس كما يتصوره البعض في أنه محصور في أشخاص بعينهم كالوزير مثلاً. وسبق أن أوضحت وزارة البترول هذا الأمر قائلة إن السياسة البترولية السعودية يتم اقتراحها من قبل «فريق متكامل من الخبراء والمختصين في اقتصادات السوق البترولية في مقر الوزارة الرئيسي بالرياض، وإطلاع القيادة العليا للبلاد عليها، والتنسيق مع الدول المنتجة للبترول، وبالذات دول (أوبك)، وبما يحقق مصالح المملكة على المديين القصير والمتوسط، وهذا الفريق يعتبر منظومة عمل متكاملة من الخبراء والمستشارين يدعم أصحاب القرار».
فمستوى التخطيط لـ«أرامكو السعودية» يختلف تمامًا عن مستوى التخطيط على مستوى «أوبك»، إذ إن «أرامكو» لديها جهاز مستقل وأصبح الآن لديها مجلس أعلى لشؤونها يرأسه ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ولديها مجلس إدارة خاص فيها يتكون من مجموعة من الوزراء والتنفيذيين في الشركة إضافة إلى ثلاثة خبراء أجانب.
وعلى مستوى «أوبك» تختلف الأمور كثيرًا، إذ على الرغم من كل هذا التعقيد على مستوى التخطيط للسياسة النفطية السعودية فإن هناك ثلاثة مهندسين رئيسيين على مستوى التخطيط في الوزارة يتربعون على هرم الجهاز الذي يدير شؤون المملكة في المنظمة.

المهندسون الثلاثة

أما المهندس الأول فهو وزير البترول علي النعيمي، والذي أمضى نحو عقدين من الزمن في منصبه الحالي والذي بدأ مسيرته مع «أوبك» منذ عام 1995. والنعيمي غني عن التعريف فهو قد أمضى نحو 60 عامًا في قطاع النفط منذ أن كان في الثانية عشرة من عمره. وقاد المنظمة في ظروف كثيرة صعبة وعاصر كل الصدمات التي تعرضت لها أسعار النفط منذ السبعينات حتى يومنا هذا.
والمهندس الثاني في الوزارة هو نائب الوزير الأمير عبد العزيز بن سلمان، والذي كان أحد أهم الشخصيات السعودية في «أوبك» منذ عام 1987 حتى الوقت الحالي. لقد أمضى الوزير سنوات طويلة في أروقة أوبك وعمل مع وزيرين حتى الآن وهما هشام ناظر وعلي النعيمي. ويعتبر الأمير عبد العزيز مرجعية في شؤون المنظمة وتاريخها ويمتلك شبكة واسعة من العلاقات الدولية وظل هو الوجه الدولي للوزارة لسنوات طويلة في الكثير من المنظمات وكان عضوًا لفترة طويلة في لجنة الاستراتيجيات بعيدة المدى في «أوبك» مما أكسبه المزيد من القدرة على التخطيط الاستراتيجي.
أما المهندس الثالث فهو دائمًا ما يكون محافظ المملكة في «أوبك» وشغل هذا المنصب الكثير من الأسماء من أبرزهم كان الدكتور ماجد المنيف والذي ترك المنصب في عام 2012. وبالنسبة للسياسة الحالية فإن المحافظ الحالي وهو الدكتور محمد الماضي كان له دور كبير فيها إذ إنه عمل لفترة طويلة في تسويق النفط السعودي في الصين وكوريا وفي تسعير النفط في الظهران قبل أن ينضم لفريق الوزارة. والماضي كما يصفه الكثير ممن علموا معه في آسيا يمتلك قدرة كبيرة على التخطيط الاستراتيجي والتسويق بفضل قربه من العملاء. فهو لم يكون مسوقا للنفط فحسب في الصين، بل وسيطًا بين الزبائن وبين شركة «أرامكو» في ما يتعلق بالاستثمار المتبادل.
وبطبيعة الحال يشارك هؤلاء الثلاثة الكثير من الشخصيات الأخرى في الوزارة أو حتى في «أرامكو السعودية» عملية التخطيط والاستشارات إذ يوجد لدى الوزير الكثير من المستشارين أمثال الدكتور إبراهيم المهنا والذي يتولى مهمة السياسات الإعلامية في الأغلب إلا أن الثلاثة في الأعلى لا يزالون الأبرز نظرًا لدورهم في «أوبك»، وخصوصا وأن السياسة الحالية تعتمد على الدفاع عن حصة المملكة السوقية، وهذا الأمر يتطلب أشخاصا على دراية كبيرة وعميقة بالسوق النفطية وطريقة تسويق النفط وعمل المصافي العالمية.
بعد معرفة من هم الأشخاص المهمون في هندسة السياسة النفطية السعودية يأتي الحديث عن ماهية السياسة المتبعة حاليًا. لقد أوضحت الوزارة الخطوط العامة لهذه الوزارة مطلع شهر يونيو (حزيران) الماضي عندما قالت: «إن السياسة البترولية السعودية، فيما يخص الإنتاج والسوق البترولية الدولية، تنطلق من معطيات واضحة، بناءً على مصلحة المملكة، ولا تتأثر بالآراء الفردية».
والسياسة السعودية متغيرة وليست ثابتة حسب متغيرات السوق ولكن هناك ثوابت كثيرة في هذه السياسة. ولا تكمن المشكلة كما يتوقع الكثير من الغربيين في عدم وضوح السياسة بل تكمن في التشكيك في أي سياسة تعلنها المملكة على يد الإعلام الأجنبي أو على يد المحللين أو التجار إذ إن للجميع أجندات ومصالح مختلفة تدفعهم للتشكيك في السياسة النفطية السعودية.
وتواجه السياسة النفطية السعودية حاليًا أشد التشكيك والعداء لسببين الأول هو أن هناك يقينا وإيمانا تامين بأن هناك حربًا خفية تقودها المملكة وتستخدم فيها النفط كسلاح لضرب روسيا وإيران بسبب خلافتها السياسة مع هاتين الدولتين. أما السبب الثاني فهو أن السياسة السعودية بالدفاع عن حصتها السوقية بدلاً من الدفاع عن الأسعار أدت إلى تبني «أوبك» نفس السياسة مما أدى إلى هبوط أسعار النفط بنحو النصف عما كانت عليه قبل عام مضى مما أضر بمداخيل الكثير من المنتجين داخل وخارج أوبك.

السياسة السعودية قبل اجتماع «أوبك»

وظهرت أولى معالم السياسة البترولية السعودية الحالية في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في كلمة ألقاها وزير البترول النعيمي في مؤتمر في المكسيك قبل أسبوعين من موعد اجتماع وزراء «أوبك».
وجاءت تصريحات النعيمي في وقت كانت السوق فيه تعج بالفوضى وسيطر فيه المضاربون على الأسعار. فمن جهة بدأ الفائض في السوق يتراكم مع عودة الإنتاج الليبي وضعف الطلب، ومن جهة أخرى أعطت السعودية تخفيضات على نفطها وتبعتها بعض دول «أوبك» في ذلك مما جعل بعض وسائل الإعلام والمحللين يستنتجون أن السعودية تقود حربًا للأسعار لضرب منتجي المنظمة. وزادت نظريات المؤامرة حول تخفيضات المملكة بعد أن ربط بعض المحللين وبخاصة الأميركان من أمثال توماس فريدمان ما يحدث بأنه محاولة لاستخدام النفط السعودي لضرب روسيا وإيران أو تقويض دور الولايات المتحدة في أسواق الطاقة من خلال ضرب منتجي النفط الصخري.
«إننا لا نسعى إلى تسييس النفط.. في نظرنا إنها مسألة عرض وطلب.. إنها تجارية محضة»، هذه الكلمات البسيطة التي ألقاها وزير البترول السعودي علي النعيمي في المكسيك، كانت تلخيصا للسياسة النفطية السعودية والرد على كل ما تم إثارته على مدى شهرين متتاليين.
ولكن هذا الإعلان لم يرق كثيرًا لأصحاب نظرية المؤامرة الذين استمروا في التشكيك فيها ووضع هؤلاء المملكة على مسار تصادمي مع الولايات المتحدة ومع روسيا وهما دولتان مهمتان في مجموعة العشرين. فبقاء أسعار النفط في مستوى منخفض من المفترض أن يقوض إنتاج الدولتين من النفط ويضعف ميزانية روسيا بشكل كبير.
ولكن خطاب النعيمي جاء ليبعد السعودية عن كل هذه السيناريوهات عندما قال: «نحن لا نسعى للتصادم مع أحد»، ولم يتوقف النعيمي عند هذا الحد بل أوضح أن السوق هي من يحدد السعر لا السعودية.
وأضاف النعيمي في خطابه الذي ألقاه في مؤتمر عن الغاز الطبيعي في منتجع أكابلكو المكسيكي: «الحديث عن حرب أسعار علامة على سوء فهم مقصود أو غير ذلك ولا أساس له من الواقع».
وفي العادة لا يصدق الناس ما يسمعونه في الخطابات. وإذا لم يكن هناك دليل مادي فإن الكلمات التي يقولها النعيمي ستصبح جوفاء.
وكان الدليل على ما قاله النعيمي هذه المرة هو ورقة واحدة صدرت في أول أسبوع في شهر نوفمبر الماضي عنوانها هو «قائمة الفروق السعرية لـ(أرامكو السعودية) لشهر نوفمبر». وأظهرت القائمة الصادرة أن السعودية رفعت أسعار النفط على زبائنها في آسيا وأوروبا فيما قدمت تخفيضات على زبائنها في الولايات المتحدة. وبهذا أنهت المملكة التكهنات حول وجود أي حرب أو دوافع سياسية خلف طريقة تسعيرها للنفط بشهادة أغلب المحللين في السوق وأكبر المصارف الاستثمارية التي تتاجر في النفط الخام.
وأوضح النعيمي أن «أرامكو» تضع أسعارها الشهرية لنفطها على «خطوات تسويقية راسخة لا أقل ولا أكثر». وشرح النعيمي للحضور في المكسيك عن كيفية ذلك فهي تراعي أمورا كثيرة منها وضعية الهوامش الربحية للمصافي والعلاقة مع الزبائن والحالة التي تكون عليها السوق وبعض العوامل العلمية والعملية الأخرى. وعند سماع كلمات النعيمي يتبادر إلى الذهن سؤال وهو ماذا تريد المملكة إذا وما هو الدور الذي تريد أن تلعبه في الأسواق إذا لم تكن تهدف إلى تستخدم النفط كوسيلة سياسية لدعم نفوذها؟!
ويجيب النعيمي في نفس الخطاب على هذا السؤال عندما يقول: «نريد أسواق نفط مستقرة وأسعارا مستقرة لأن في ذلك مصلحة للمنتجين والمستهلكين والمستثمرين».
لقد تعلمت السعودية بعد أكثر من 50 عامًا على قيادتها منظمة «أوبك» أن استقرار الأسواق وأسعار النفط أهم بكثير من الحصول على أسعار عالية متذبذبة. وهذا ما جعل النعيمي يقول في خطابه أن السياسة النفطية السعودية ثابتة منذ وقت طويل ولم تتغير.
والسبب في هذا أن السعودية لديها نظام سياسي ثابت وآمن وليس نظام سياسي معرض للتقلبات، كما أن الدولة تدرك تمامًا بعد تجاربها في السبعينات والثمانينات أن السياسة عود كبريت لا يجب أن يقرب كثيرًا من النفط القابل للاشتعال ولهذا عملت على عزل السياسة عن النفط بشتى الطرق الممكنة.
وبالتأكيد لا يمكن أن يعيش النفط في عزلة تامة عن السياسة الدولية، ولكن أن يكون مكشوفًا على السياسة وأن تكون السياسة هي المحرك الأول له لا عوامل وقوى السوق فهنا ستكون السياسات النفطية غير واضحة وهذا سينعكس على الأسعار وعلى نمو الطلب على النفط، وهو أمر لا يريده منتج كبير مثل السعودية.
وتلعب الطاقة دورًا كبيرًا في علاقة السعودية بدول مجموعة العشرين، فهم إما منتجون للطاقة ومنافسون لها مثل روسيا أو زبائن كبار لها مثل الهند والصين والولايات المتحدة. وبالنسبة لزبائن السعودية الكبار فإن استقرار السوق والأسعار أمر مهم جدًا، والأهم من هذا أن تكون الأسعار في مستويات مقبولة وعادلة للجميع تساعد على الاستهلاك والنمو الاقتصادي ولا تضر في الاستثمار لإضافة طاقات إنتاجية جديدة. وحافظت السعودية على استقرار الأسواق مرات كثيرة آخرها هو زيادة إنتاجها منذ عام 2011 لتغطية كل الانقطاعات الحاصلة في دول «أوبك» وهو ما أبقى أسعار النفط مستقرة عند مستوى 100 دولار لأطول فترة في تاريخ الأسعار دامت نحو ثلاث سنوات أو يزيد قليلاً.
ولكن استقرار السوق والوصول إلى أسعار مرضية للجميع لن يتم إلا بالحوار، ولهذا أدركت المملكة أهمية الحوار مع المستهلكين وباقي المنتجين من خلال أكثر من قناة من بينها «أوبك» أو منتدى الطاقة العالمي الذي توجد أمانته العامة في الرياض ويعمل على تقريب وجهات النظر بين المنتجين والمستهلكين.
ويقول النعيمي إنه بعد السنوات الطويلة جدًا التي قضاها في تجارة النفط فإنه تعلم درسا مهما جدًا وهو أهمية مناقشة أي أمر في إطار تعاوني «ولذلك فإنه من الضروري أن يستمر الحوار بين (أوبك) والبلدان المنتجة من خارج (أوبك) والمستهلكين».

السياسة النفطية بعد اجتماع «أوبك»

في الفترة بعد اجتماع «أوبك» التاريخي الذي عقد في نوفمبر الماضي، واتفقت فيه الدول على الإبقاء على سقف الإنتاج كما هو للدفاع عن حصتها السوقية، أصبحت السياسة السعودية معلنة بشكل أوضح من قبل مجلس الوزراء وليس على لسان الوزير فقط.
فعقب الاجتماع أرسلت الحكومة السعودية رسالة إلى جميع منتجي البترول في العالم مفادها أن استقرار السوق يتطلب تعاون المنتجين خارج «أوبك»، ولا يقف على السعودية وباقي الدول الأعضاء في «أوبك» وحسب. وأبدى مجلس الوزراء السعودي حينها في بيان عقب اجتماعه الأسبوعي ارتياحه من القرار الذي اتخذته منظمة «أوبك» خلال اجتماعها الأخير الذي عقد في العاصمة النمساوية فيينا عندما وافقت المنظمة في الاجتماع على إبقاء سقف إنتاجها كما هو عند 30 مليون برميل يوميًا وهو السقف الذي تم الاتفاق عليه في ديسمبر (كانون الأول) عام 2011.
وقال المجلس في البيان أن القرار «يعكس تماسك المنظمة ووحدتها، وبعد نظرها، وهو ما توليه المملكة أهمية خاصة». وأشار المجلس في بيانه إلى اهتمام المملكة باستقرار السوق البترولية الدولية.. «وأن تعاون المنتجين من داخل المنظمة وخارجها يعتبر مسؤولية مشتركة لتحقيق هذا الاستقرار».
وعادت المملكة لتختم حديثها في البيان بالتذكير والتنبيه إلى أهمية مقاومة أمر أخر يهدد استقرار السوق البترولية ألا وهو مسألة المضاربة، حيث قال مجلس الوزراء: «وتنبه المملكة إلى مضار المضاربين في السوق وتدعو إلى التعاون لمواجهة هذه الظاهرة».
ومنذ ذلك الوقت والسياسة السعودية تتعرض لهجمات إعلامية شرسة من قبل الدول في «أوبك» أو خارجها. وعادت الحكومة السعودية في أبريل (نيسان) الماضي للتذكير بالسياسة البترولية مجددًا.
وجددت السعودية في أبريل موقفها الرسمي من دعم أسعار النفط والتي فقدت نصف قيمتها منذ يونيو الماضي إلا أنها وضعت شروطًا لهذا الدعم أهمها هو مشاركة المنتجين الكبار في هذه الخطوة. وجاء هذا الخطاب بالتزامن مع بيان دعت فيه «أوبك» المنتجين خارجها إلى تحمل العبء لإعادة الاستقرار إلى السوق.
وقال مجلس الوزراء السعودي في تصريح عقب جلسته الأسبوعية حينها، إن المملكة «ما زالت مستعدة للإسهام في إعادة الاستقرار للسوق وتحسين أسعار البترول بشكل معقول ومقبول، ولكن بمشاركة الدول الرئيسة المنتجة والمصدرة للبترول، وحسب أسس واضحة وشفافية عالية». وشدد المجلس في بيانه على أن المملكة «وبشكل قاطع لا تستخدم البترول لأغراض سياسية، ضد أي دولة، وأنها ليست في صراع تنافسي مع الزيت الصخري، أو غيره بل ترحب بالمصادر الجديدة التي تضيف عمقًا واستقرارًا للسوق».
وكان وزير البترول السعودي علي النعيمي قد أوضح الأسبوع الذي سبق إصدار بيان مجلس الوزراء في الرياض في كلمة ألقاها في اللقاء السنوي الثامن عشر لجمعية الاقتصاد السعودية، أن المملكة مستعدة للإسهام في تخفيض الإنتاج.. «حسب آلية عادلة ذات مصداقية، إلا أن ظروف السوق تتطلب عملاً مشتركًا، للدول الرئيسة المنتجة والمصدرة للبترول».
وأضاف النعيمي أنه قد تم إجراء اتصالات وزيارات مكثفة، كما عُقدت اجتماعات مشتركة، وكان جواب بعض الدول المنتجة الرئيسة من خارج «أوبك»، هو عدم المقدرة أو الرغبة في التخفيض، ولهذا السبب قررت «أوبك»، بالإجماع، في اجتماع 27 نوفمبر الماضي، الإبقاء على مستوى الإنتاج، وعدم التفريط في حصتها في السوق لصالح الآخرين.
ومن الأمور المهمة في السياسة الحالية والتي يقول النعيمي إنه تعلمها جيدًا مسألة التخلي عن دور المنتج المرجح والذي لعبته المملكة في الثمانينات عندما كانت تخفض إنتاجها بمفردها حتى تحافظ على الأسعار عالية، ولكن الأمر انتهى بها بخسران حصتها في السوق وخسران الأسعار عندما هبط إنتاجها من 10 ملايين برميل يوميًا إلى ما يزيد قليلاً على 3 ملايين برميل في 1985.

ركائز السياسة البترولية السعودية
قد تتغير السياسة البترولية السعودية مع تغير الظروف، ولكنها تقوم على ركائز أساسية ثابتة ومن أهمها.
1 - تلبية طلب الزبائن
2 - المحافظة على استقرار السوق بالتنسيق مع المنتجين الكبار داخل وخارج المنظمة
3 - بيع النفط على أساس تجاري لا على أساس سياسي.
4 - الحفاظ على مستوى أسعار مناسب للمستهلكين ومناسب للمنتجين بالاستثمار في زيادة الطاقات الإنتاجية مستقبلاً.
5 - الحفاظ على طاقة إنتاج احتياطية تتراوح بين 1.5 و2 مليون برميل يوميًا في كل الأوقات لمواجهة أي انقطاعات في الإمدادات على مستوى العالم
ولا تزال السياسة السعودية الحالية لم تتغير منذ نوفمبر الماضي ولم يزل التشكيك فيها قائمًا حتى الآن ولا يزال المضاربون على أمل أن تغير المملكة موقفها وتتخلى عن حصتها السوقية وتتجه لدعم الأسعار وهو نفس الأمل الذي تتمناه الكثير من الدول التي تريد من المملكة أن تضحي بحصتها من أجل أن تنعم هي بمداخيل أعلى من دون أن تساهم في أي عبء. ويبقى السؤال الذي لا يمكن الإجابة عنه هو متى ستتخلى السعودية عن هذه السياسة الحالية؟



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.