التاريخ بوصفه رواية ممتعة

محمد علي وبنوه بعين خالد فهمي

التاريخ بوصفه رواية ممتعة
TT

التاريخ بوصفه رواية ممتعة

التاريخ بوصفه رواية ممتعة

يبدو أن الإقامة في القرن التاسع عشر قد طابت للمؤرخ خالد فهمي؛ فهذا هو كتابه الثالث عن تأسيس الدولة المصرية الحديثة، صدرت ترجمته العربية أخيراً عن دار الشروق بالقاهرة تحت عنوان «السعي للعدالة... الطب والفقه والسياسة في مصر الحديثة». وصدر له من قبل «كل رجال الباشا» عام 2000، و«الجسد والحداثة... الطب والقانون في مصر الحديثة» عن دار الكتب والوثائق القومية 2006، والكتابان من ترجمة الأكاديمي شريف يونس، بينما ترجم الكتاب الجديد الكاتب الروائي حسام فخر.
الكتب الثلاثة مشروع واحد يدرس الحقبة الأكثر إثارة للجدل في تاريخ مصر الحديث تحت قيادة محمد علي وخلفائه، منذ صعود ذلك الضابط الألباني لحكم مصر عام 1805 وانتزاعه استقلالاً نسبياً لمصر وجعلها ولاية وراثية لسلالته من بعده امتدت حتى حركة الضباط عام 1952.
لا تخلو هذه الكتب من طبيعة سجالية مع مدرسة التاريخ الوطنية التي ترى في محمد علي زعيمًا عمل من أجل الوطنية المصرية، وترى في حروبه ومحاولاته ضمّ الشام ومناطق أخرى من الإمبراطورية العثمانية تحقيقاً لدور مصر الحضاري ونشراً لشمسها على ربوع المنطقة، بينما ينظر خالد فهمي إلى محمد علي بصفته والياً عثمانياً كغيره من ولاة الإمبراطورية، أراد أن يحقق استقلالاً نسبياً ويؤسس حقاً متوارثاً لأولاده من بعده في أهم ولايات التاج العثماني، لكنه، في الوقت نفسه، لم يتصور نفسه خارج غطاء الشرعية العثمانية، ولم تكن حروبه الخارجية كلها تحدياً للباب العالي، بل إن بعضها جرى بتكليف من السلطان.
يركز فهمي على تلك الفترة الذهبية لجهود إنشاء الدولة المصرية الحديثة عبر نصف قرن من بداية ثلاثينيات القرن التاسع عشر وحتى أول ثمانينياته، عندما اصطدم مشروعه باندفاعة الاستعمار الرأسمالي والتوسع الأوربي الذي أسفر عن الاحتلال الإنجليزي عام 1882.
جاء ذلك الاحتلال بعد فصول ولحظات مفصلية من الشدّ والجذب الثلاثي بين مصر والإمبراطورية العثمانية وأوروبا، كانت تسفر عن اتفاقات لتحجيم دولة محمد علي، منها ما يتعلق بمنع الاحتكارات وتخفيض التعريفة الجمركية، وحتى تحديد عدد أفراد الجيش المصري بـ18 ألف جندي. وقد شهد نصف القرن المصري تحديثاً كبيراً وزيادة نفوذ مصر إلى حد تهديد عاصمة الخلافة، وكان من شأن هذا أن يداعب أحلام الوطنية المصرية، فخلق ما يشبه الإجماع في مدرسة التأريخ المصرية على اعتبار عصر محمد علي صراعاً بين الظلمات والنور، وامتدت هذه الرؤية لتشمل العلاقة بأوروبا والحملة الفرنسية التي حكم محمد علي في أعقابها، وكانت سبباً لإدخال الحداثة الأوروبية إلى مصر «بعد أن أغشت الظلمات العثمانية بصرها طويلاً».
وليس بعيدًا عن هذه الرؤية الرومانسية لتاريخ مصر العلوية رؤية السلطة المصرية وهواها بعد حركة الضباط عام 1952، حيث الانتصار لفكرة القائد العسكري. وهذا ما يجعل هذه السلطة تحتفي بمحمد علي، وكذلك بأحمد عرابي بوصفه قائداً عسكرياً، رغم كونه قائداً مهزوماً، في مقابل تهميش ثورة 1919 الشعبية وقائدها سعد زغلول.
يضع خالد فهمي ذلك التيار التاريخي العام من الرومانسية الوطنية والسلطة موضع المساءلة، من خلال تركيزه على التاريخ الاجتماعي للأفراد - أو«الأنفار» بتعبيره - وليس تاريخ القادة، يقرأ الآلام الشخصية للمسخَّرين في المشروعات الكبرى والفلاحين المنتزَعين قسرًا من أعمالهم للتجنيد وآلام الهروب وتشويه الجسد بالسعي إلى العمى وقطع الأطراف وحزن القرى والأرض التي تبور بعد أن يهجرها سكانها ويهيموا على وجوههم في المدن. وهو ليس أول من اشتغل على الوثيقة الاجتماعية، فقد سبقه رءوف عباس ونيللي حنا في ذلك، بما خلخل استقرار سردية ثنائية الظلام العثماني والنور الذي جلبته الحملة الفرنسية ومن بعدها القائد الألباني محمد علي.
لكن جديد خالد فهمي هو أن كُتبه لا تبدو تأريخاً خالصاً، بل هي مزيج من التاريخ والفلسفة والبحث النفسي. وبقدر ما يتبنّى تيار «دراسات التابع» التي عمّقتها مدرسة التأريخ الهندية من بعد أفكار جرامشي وإدوارد سعيد، بقدر ما يستند إلى مفاهيم جاك دريدا حول اللغة والتحليل النفسي والدين والسياسة، وأفكار ميشيل فوكو عن مفهوم السلطة، والعنف والعقاب، فنرى تحت ثياب المؤرخ مفكراً معنياً بمناقشة قضايا السلطة ومحنة الجسد المؤطّر والمحكوم الحركة، يصل في تجريده لهذه القيم إلى استنتاج تشابه وضع الجسد في الجندية وفي السجن.
يرتكز كل هذا على نفَس سردي يجعل هذا الدمج بين التأريخ والفكر الفلسفي ممكناً، ويعيد بناء الوقائع التاريخية من الوثيقة الاجتماعية، ويجعل من التاريخ رواية ممتعة، فنراه يبدأ أحد فصول «السعي للعدالة» هكذا: «شقَّ سكون الليل عيار ناري مدوٍّ. جرى إبراهيم عبد الرحمن إلى الجرن الذي صدر منه الصوت، وهناك وجد أخاه محمداً مُلقى على الأرض نازفاً حتى الموت….».
يتتبع فهمي سير قضايا من هذا النوع بما تتضمنه من تفاصيل مشوِّقة كرواية بوليسية، ومعظمها قضايا قتل استخرجها من سجلات مجلس الأحكام، ليوضح كيف كانت هذه القضايا تجري من خلال نظام قضائي بالغ التنظيم، يقوم على التزاوج بين السياسة والفقه، بين القانون الجنائي وأحكام الشرع.
ومن مراجعته آلاف الوثائق الطبية يجد خالد فهمي نفسه على الجهة الأخرى من المدرسة التي استكانت للصورة التي رسمها «كلوت بك» عن نفسه وعن الخديو، حيث يصور جهوده كمعركة بين النور والظلام، وتعارض بين العلم الحديث وقوة الشرع والفتوى. ويتضمن الكتاب عددًا من الفتاوى، كان الباشا يلجأ لاستصدارها بشأن إجراءاته الطبية كالعزل والتطعيم، ولم تقف تلك الفتاوى موقف المناوئ للتدابير الطبية الوقائية. كما تكشف الوثائق عن تفهُّم شعبي لضرورات العلاج والتشريح ومناظرة الجثث، وكثيراً ما سعى بُسطاء المصريين لاستخراج جثث ذويهم وطلب تشريحها لإثبات سبب الوفاة أو أن وفاتهم كانت جنائية.
نظراً للمكانة المركزية للجسد في دراسات فهمي، يجعل منه وحدة تحليل في «السعي للعدالة»، كما يجعل من الحواس مدخلاً بارزاً لسرديته، نلمسه حتى في عناوين الفصول من مثل: «الأنف تحكي تاريخ مدينة» أو«عدالة بدون ألم». يبدأ سرده من لوحة تصور أول درس للتشريح التعليمي في مصر في عام 1827 بمدرسة الطب التي أُنشئت في «أبو زعبل» شمال شرقي القاهرة. وقد بدأت عسكرية هدفها تقديم الرعاية الطبية للجيش وتقليل خسائره الرهيبة من الوفيات بفعل الأوبئة والأمراض.
في مرحلة تالية انتقلت مدرسة الطب إلى قصر العيني في وسط المدينة، ثم تحولت مع الوقت إلى مؤسسة مدنية طبية. ومع تفنيده سردية «كلوت بك» عن نفسه، يقرر فهمي، من جهة أخرى، أن مدرسة الطب التي أنشأها كانت منذ بدايتها تختلف عن المنشآت الطبية الكولونيالية في الهند؛ لأن كلوت بك، مؤسِّس المدرسة، لم يكن ممثلاً لبلاده، بل كان متعاقداً مستقلاً مع الوالي المصري، كما كان الطلاب في المدرسة من المصريين، وتخرجوا أطباءً وانخرط بعضهم بدوره في التدريس، بخلاف الإقصاء العنصري لأهل البلاد عن تعلم وممارسة الطب الذي يميز الطب الكولونيالي.
وإلى جانب الإجراءات الطبية التي تصاحب الإنسان وتؤطر جسده من مولده إلى وفاته، تأتي الرقابة على الأسواق وتشديد الإجراءات ضد الغش في الطعام. ثم يتوقف «السعي للعدالة» مطولاً أمام التحديث الذي طال إجراءات التقاضي. ولم يكن هذا التحديث ممكناً دون الطب الجنائي الذي أصبحت تقاريره عن الأموات والمصابين ضرورية في سجلات التحقيقات وتُحال إلى المجالس القانونية المعروفة بـ«مجالس السياسة» المستحدَثة في نهايات أربعينيات القرن.
يوضح خالد فهمي مسيرة التطورات القانونية التي قلّصت تدريجياً دور المحاكم الشرعية، وبدأت بدورها تأخذ بالتقارير الطبية في القضايا المنظورة أمامها. وفوق كل ذلك تأتي «التذكرة» وهي نوع من بطاقة هوية تتضمن اسم الشخص وأوصافه ومكان إقامته، ولم يكن من الممكن الانتقال من دونها بين أقاليم مصر.
وهناك قصة شديدة الدلالة على العلاقة بين السلطة والجسد، وبين الشرع والقانون في الدولة، وما تتوخاه الإدارة من إجراءاتها. نقرأ في مطلعها: «صباح يوم ربيعي في 1878، كان طفل يلعب مع أترابه قرب ثكنات قصر النيل المُطلة على النهر غربي القاهرة عندما لاحظ كلباً يشمشم خرقة قديمة مدفونة في الأرض..»، ويمضي السرد بالحكاية عن إبلاغ الأطفال شيخ الحارة بالواقعة، الذي أبلغ بدوره حكمباشي الضبطية، وجرى إرسال الخرقة إلى قصر العيني، وسرعان ما تكشفت القضية، فقد كانت الخرقة تتضمن بقايا جثة وليد شديدة التحلل، وكشفت التحريات غموض القضية، فقد تبيّن أن الطفل لفتاة في الثامنة عشرة تُدعى «فضل واسع» حَملتْ من جندي في مدينة جرجا بالصعيد، وجاءت إلى القاهرة بحثاً عنه، حيث التحق بمعسكر قصر النيل. ولم تتوصل إلى شريكها، فعطف عليها رجلان ومنحاها مأوى، وقد تظاهر أحدهما بأنه زوجها. وبعد مخاض عسير ولدت «فضل» ذلك الطفل، ولم تسجله؛ لعجزها هي وزوجها المفترض عن سداد الرسوم، وعندما مات تخلَّصا منه باعتباره مجهولاً بالنسبة للدولة. ولم تقرر الضبطية توجيه تهمة القتل العمد أو الخطأ للمرأة والرجل، بل وجَّهت لهما اتهاماً بخرق ثلاث لوائح تتصل بالصحة العامة؛ وهي: انتهاك واجب التسجيل الفوري للمواليد، واجب الإبلاغ الفوري عن الوفيات، والحظر التام للدفن داخل حدود المدينة.
على خلاف العلمانيين والإسلاميين المصريين الذين يُدرجون التطورات الطبية والقانونية والإدارية في إطار العلمنة، يضع خالد فهمي المسألة على أرضية التحديث البيروقراطي الذي يخدم مشروع الباشا ودولته، ويضع عمليات الهروب من الإجراءات الصحية ومن التجنيد وغيرها من الأوامر البيروقراطية على أرضية الصراع بين سلطة تمارس عنف الدولة الحديثة لمصلحتها، وجمهور يحاول أن يقاوم هذا العنف ويهرب منه.
هذه الرؤية تستولد خلافاً آخر بين خالد فهمي ومدرسة التأريخ الوطنية، حيث يرى التحديث صيرورة أمْلتها الضرورةُ والمآزق المختلفة التي اعترضت طريق الباشا، بينما ينظر الكثير من المؤرخين إلى ما جرى باعتباره رؤية فكرية واضحة فرضت خطة مُحكمة من الإجراءات كانت تتوخى الوصول إلى نهايات محددة. ولا ينظر فهمي إلى الضابط الألباني بوصفه ذلك الوطني التنويري، بل يراه وافداً آخر لديه طموح شخصي لم يكن يتحقق سوى ببناء جيش قوي، ولم يكن من المعقول بناء جيش من المرضى، ولم يكن من الممكن تنفيذ الأوامر دون إحصاء للسكان وإقرار القانون.


مقالات ذات صلة

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

ثقافة وفنون اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي.

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون «عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023»

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة

ندى حطيط
كتب النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة

منى أبو النصر (القاهرة)

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).