بين دوركهايم والانتحاريين

بين دوركهايم والانتحاريين

الاثنين - 6 شهر ربيع الثاني 1444 هـ - 31 أكتوبر 2022 مـ رقم العدد [ 16043]
جنازة 35 شخصاَ ضحايا جريمة قتل انتحر في أعقابها القاتل في تايلند 11 أكتوبر (د.ب.أ)

يذهب عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركهايم (1858 - 1917) إلى أن الظاهرة الاجتماعية بشكل عام تخضع إلى متغيرين أساسيين: أولاً، الاندماج (Integration) الذي يمثل درجة ارتباط الفرد بالمجتمع. وثانياً، التنظيم (Regulation) الذي يمثل درجة القيد الذي يفرضه المجتمع على الفرد. وباختلاف درجتي الاندماج والتنظيم، تختلف محفزات الظواهر الاجتماعية.

درس دوركهايم الانتحار بوصفه ظاهرة اجتماعية خاضعة لدرجة ارتباط الفرد بمجتمعه ومستوى صرامة القيود التي تفرضها الجماعة على الفرد. وحسب دوركهايم: «يسود الفرد واقع أخلاقي يتجاوزه - الواقع الجمعي». والمقصود بالواقع الجمعي هنا هو المجتمع بوصفه الحاضنة التي تستوعب الفرد والمهيمنة على الحياة، إما طوعاً عن طريق «الاندماج» أو قسراً عن طريق «التنظيم». لذلك قام دوركهايم بدراسة سوسيولوجية تعد الأولى التي تعتمد على الأرقام والإحصائيات في كتابه الشهير «الانتحار». فالانتحار - حسب دوركهايم - فعل اجتماعي يقوم به الفرد على أحد أسس أربعة: الأنانية، الإيثار، القسرية، التمردية (اللامعيارية). تعرف تلك الأسس كذلك بـالأنواع الأربعة للانتحار، حيث إن كل نوع من الأربعة ينتج عن ارتفاع أو انخفاض في مستوى الاندماج أو التنظيم.

ترتفع حالات الانتحار الأناني (Egoistic) في المجتمعات التي ينخفض فيها مستوى اندماج الفرد في المجتمع؛ بحيث يشعر الفرد أن هدفه يتلخص في السعي وراء مصالحه الخاصة، وأن قراره بإنهاء حياته لا يمس أحداً غيره لأنه وحده في طريق الحياة ولا يشكل عضواً فاعلاً في مجموعة ستتأثر بفقده. وحتى لو لم يكن هذا شائعاً في المجتمع، فإن شعور بعض الأفراد بأنهم منبوذون وليسوا قادرين على الاندماج أو التكيف داخل المجموعة، حافزٌ للفعل القائم على الأنا، ومنه الانتحار الذي يقوم به الفرد ليحرر نفسه من الوحدة. مثال على ذلك النجم الرياضي عندما يعتزل اللعب فيتحول إلى شخص عادي في المجتمع، ولا يعرف كيفية الاندماج في المجتمع بوصفه فرداً عادياً بعد أن كان نجماً، قد يدفعه الشعور بالانعزالية للانتحار.

بالمقابل، ترتفع حالات الانتحار الإيثاري (Altruistic) في المجتمعات التي تتحلى بحالة اندماج قوية، بحيث تنحصر رؤية معظم أفرادها لذواتهم بأنهم أعضاء في الجماعة، وأن وجود الجماعة ونجاحها هما الهدفان الأسمى، وبالتالي فإنه إذا تطلب الأمر أن يقوم الفرد بعمل سينهي حياته فيه في سبيل خدمة الجماعة، فإنه لا يتردد في ذلك. وأبرز الأمثلة على ذلك العمليات التي يطلق عليها استشهادية أو فدائية، وهي التي يقوم المرء فيها بعمل انتحاري بهدف إلحاق خسائر في العدو أو إنقاذ عدد من أفراد الجماعة. وليس بالضرورة أن يكون الانتماء دينياً، فطيارو الكاميكازي اليابانيون كانوا يقومون بعمليات يصطدمون فيها بشكل مباشر بسفن الحلفاء مستخدمين طائرات صنعت خصيصاً لهذا الغرض، بحيث تنفجر خزانات الوقود وتتسبب في هلاك السفن بمن عليها. كان هذا في الحرب العالمية الثانية تحت شعار خدمة الأمة اليابانية، وليس بهدف دخول الجنة والتنعم بالحور العين.

إن الانتماء لجماعة أو لمجتمع يمثل عقداً مبنياً على التزامات وقيود قد لا تتناغم مع رغبات الفرد. وعليه، فإنه عندما تتزايد القيود لدرجة توصل الفرد إلى اليأس من حياة بلا جدوى يهمين عليها من فرضوا تلك الأنظمة، فإنه قد يختار إنهاء حياته. وأفضل الأمثلة على ذلك العبد الذي يختار الانتحار ليتخلص من العيش في جحيم العبودية، أو المحكوم بالسجن المؤبد الذي يختار الموت على حياة السجن التي لا أمل في الخلاص منها. ذلك ما يسميه دوركهايم الانتحار القسري (Fatalistic).

بالمقابل، فإن تعطل سلطات المجتمع يؤدي إلى عدم وجود معيار للالتزام بقانون الجماعة، وبالتالي فإن الفرد يشعر بأنه غير محمي بنظام قادر على احتوائه، خصوصاً في حالة خيبة الأمل الشديدة الناجمة عن الصدمة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك حالات الانتحار خلال الأزمات المالية وانخفاض البورصة، أو حالات التسريح من العمل التي حصلت خلال جائحة «كورونا». وذلك ما يسميه دوركهايم الانتحار التمردي أو اللامعياري (Anomic).

ما يميز دراسة دوركهايم أنه ركز على الانتحار بوصفه فعلاً اجتماعياً وليس معنياً بدراسة الحالات الفردية، التي تدخل ضمن نطاق علم النفس. ولأن دوركهايم رائد علم الاجتماع الوظيفي، فإن ذلك يستحضر مفهومي الوظيفة المعلنة (Manifest function) والوظيفة المضمرة (Latent function). فالأول يعبر عما يظهره الفرد والجماعة من قيم نظرية وأسباب موضوعية للفعل، بينما يعبر المفهوم الآخر عن الأهداف المضمرة بناء على الأسباب الخاصة. على سبيل المثال، إن الوظيفة المعلنة للذهاب للنادي الرياضي هي ممارسة الرياضة لأسبابها المختلفة من حفاظ على اللياقة وخفض للوزن ومحافظة على الصحة. هذه الأهداف المعلنة والمشروعة قد لا تكون هي السبب الرئيسي عند بعض الأفراد الذين يهدفون من ذهابهم للنادي الرياضي لأن يتعرفوا على أشخاص محددين، أو ليصادفوا أصدقاء جدداً، أو ليثبت أحدهم لمديره أنه شخص يحب الرياضة، أو ليحصل على امتيازات اجتماعية ما بسبب مداومته على التمرين في النادي.

لو نظرنا إلى حالات العمليات الإرهابية التي تقوم على الانتحار، فإن كثيراً من المحللين يصنفونها ضمن نطاق الانتحار الإيثاري، حيث يفني الفرد نفسه في سبيل الجماعة أو دين الجماعة. لكن لو طبقنا مفهومي الوظيفية المعلنة - المضمرة، وفتشنا عن ظروف الشخص الذي قرر أن ينفذ العملية الانتحارية، سنجد أن قسماً كبيراً منهم لا يهدف إلى نصرة الدين أو تقوية الجماعة، وإنما لديه أسبابه الأخرى تماماً كحال الشخص الذي يواظب على الذهاب للنادي من أجل أن يلفت نظر فتاة معينة له، وليس من أجل اللياقة والصحة.

هذا التحليل لا يستهدف نيات الأشخاص، وإنما ظروفهم الموضوعية التي سبقت تنفيذهم للعمليات. فمن كان يعيش حياة بلا انتماء لأسرة أو محيط، وليس لديه ما يخسره في هذه الحياة، فإن تجنيده من قبل تلك الجماعات سهل جداً، إذ يتبلور الانتماء للجماعة والتضحية بالحياة في وقت واحد، وهذا يجعل الوظيفة المضمرة (التحرر من الوحدة والفراغ) هي الأصل وليس الجهاد في سبيل الدين. وعليه، فإن هذا النوع من الانتحار يندرج تحت الانتحار الأناني وليس الإيثاري.

الأمر نفسه ينطبق على بعض المجرمين الذين تنتظرهم أحكام قاسية، أو من خسروا سمعتهم بشكل يصعب تعديله في المستقبل المنظور، ووجدوا في تنفيذ العملية خلاصاً دنيوياً يتمثل في صفة البطل/الشهيد، وأخروياً يتمثل في دخول الجنة. هذا النوع من الانتحار يندرج تحت الانتحار القسري وليس الإيثاري. أما في حالات من يتم تجنيدهم عن طريق استغلال حالة الضياع التي يعيشونها بسبب عدم إكمال الدراسة أو الإخفاق في الحصول على وظيفة، فإنه يندرج تحت الانتحار التمردي (اللامعياري) وليس الإيثاري.

إن المنظور الوظيفي في علم الاجتماع يساعد على التمييز بين الحالات التي انتهى الأمر بها إلى تنفيذ عمليات إرهابية، وذلك من أجل معالجة تلك الحالات التي لم تبدأ بالضرورة بسبب التطرف، بل وجدت في التطرف مخرجاً لها من حالات: الفراغ، اليأس، أو النكوص، التي دفعت أصحابها إلى الارتماء في أحضان التنظيمات الإرهابية. فالتطرف يستطيع جذب بعض العينات وإغراءهم بالشهادة والجنة خدمة للدين، ولكن الحقائق تثبت أن كثيراً ممن نفذوا تلك العمليات هم من حديثي العهد بالالتزام الديني، بل إن فيهم من هو حديث العهد بالإسلام، كما في حالات الأوروبيين والأميركيين الذين انضموا لـ«داعش» بعد إسلامهم بفترة بسيطة جداً، ربما لم يحسنوا خلالها تعلم أبسط تعاليم الدين الأساسية.

* أستاذ بجامعة «جراند فالي»، وباحث غير مقيم في معهد الشرق الأوسط - واشنطن


اختيارات المحرر

فيديو