تشاد: «استراحة محاربين» لا ترفع الأصابع عن الزناد

حكومة المتمردين السابقين تواجه إرث الصراع والشك

مؤتمر الحوار  التشادي في إحدى جلساته (أ.ف.ب)
مؤتمر الحوار التشادي في إحدى جلساته (أ.ف.ب)
TT

تشاد: «استراحة محاربين» لا ترفع الأصابع عن الزناد

مؤتمر الحوار  التشادي في إحدى جلساته (أ.ف.ب)
مؤتمر الحوار التشادي في إحدى جلساته (أ.ف.ب)

في أشهر الخريف تستقبل نجامينا، عاصمة جمهورية تشاد، زخاتٍ من المطر تلطف الأجواء وتتهيأ المدينة لاستقبال شتاء صحراوي بارد، غير أن ما هو أهم أن تلك الزخات تمنح المواطنين التشاديين فرصة لالتقاط الأنفاس بعد صيف طويل حار. مع هذا اعتاد التشاديون ألا يمنحوا أمطار الخريف صك أمان مطلق؛ لأنها قد تتحول بين عشية وضحاها إلى سيل جارف، وهو ما جعلهم لا يأمنون لأمرين في بلادهم: الطقس... والسياسة. السياسة في تشاد لا تختلف في تقلباتها عن الطقس في أشهر الخريف، فحالة «الصفاء النسبي» التي أشاعها تشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة في البلاد، الأسبوع المنصرم، لم تفلح في تبديد كل «غيوم» القلق المتوطن في عقول التشاديين. وحتى بعدما رأوا متمردين سابقين، لطالما خاضوا صراعاً سياسياً وعسكرياً مريراً مع نظام الرئيس الراحل إدريس ديبي، ينفضون عن ثيابهم غبار ميادين القتال، أو يخلعون ثياب السجن، ليتخذوا طريقهم إلى قصور الحكم في عهد الابن محمد إدريس ديبي إيتنو. وهذا الأخير يترأس المجلس العسكري الحاكم للبلاد منذ رحيل والده. وسيبقى على رأس السلطة لعامين مقبلين، لحين إجراء انتخابات عامة في البلاد. بل ويحق له - وفق مخرجات الحوار الوطني الشامل - الترشح للانتخابات المزمع إجراؤها في نهاية المرحلة الانتقالية.
حالة القلق والحذر في تشاد لها ما يبررها لدى عدد من المراقبين. فحكومة الوحدة الوطنية جاءت بمرسوم من رئيس المجلس العسكري، بعد أسبوعين من حوار مصالحة وطنية، غابت عنه أو انسحبت منه العديد من فصائل المعارضة وقواها المؤثرة. وهو ما يشيع جواً من الترقب لما يمكن أن تسفر عنه المرحلة المقبلة.
بذا، لا يرى بعض المراقبين في التطور الأحدث سياسياً في تشاد أكثر من «استراحة محارب» تتأهب بعدها الأطراف لاستئناف المواجهة. وفي المقابل، يأمل المتفائلون بأن تكون تلك «الهدنة» بداية لفراق مع الماضي، والتخلص من إرث الشك الثقيل بين المعارضة والسلطة. وهو شك ترسّخ في الصحراء التشادية منذ مرحلة ما بعد الاستقلال عن فرنسا عام 1960، ولم تعرف البلاد طيلة تلك العقود الستة انتقالاً سلمياً واحداً للسلطة.

محمد إدريس ديبي يؤدي القسم كرئيس انتقالي لتشاد (أ.ف.ب)

التشاديون يدركون أكثر من غيرهم أن ما يبدو أمام أعينهم ليس سوى «قمة جبل الجليد». ومع أن صحراءهم لا تعرف الجليد، فهي تعرف جيداً تأثير القوى القادمة من القارة الأوروبية العجوز. وتتقدم هذه القوى فرنسا، صاحبة الإرث الاستعماري الطويل في المنطقة، وروسيا المتحفزة لحجز موطئ قدم لاستعادة أمجاد الاتحاد السوفياتي السابق. هاتان القوتان، بالذات، لا تدخران جهداً للحفاظ على وجودهما في الدولة التي تشغل قلب أفريقيا، وترتبط بحدود برية مع ست دول بالغة الاتساع. فهناك ليبيا من الشمال، والسودان من الشرق، وجمهورية أفريقيا الوسطى من الجنوب، والكاميرون ونيجيريا من الجنوب الغربي، والنيجر من الغرب. وبالتالي، مَن يفرض وجوده في تلك المنطقة يستطيع التحكم في مسارات الالتقاء بين شمال أفريقيا العربي الإسلامي والعمق الأفريقي المسيحي أو اللاديني. ولكن، في المقابل، غير أنه عليه كذلك أن يجيد قراءة «فسيفساء» التكوين الاجتماعي والقبلي لتشاد التي تضم أكثر من مائتي جماعة إثنية تتسم بتنوع لغاتها وتبايُن ممارساتها الثقافية والدينية.
> حكومة «الوحدة الوطنية»
بالعودة إلى تشكيل حكومة «الوحدة الوطنية» التشادية، سنجد أنها تضم 44 وزيراً ووزير دولة، من بينهم قادة متمردون سابقون وقّعوا «اتفاق الدوحة للسلام». وهذا الاتفاق هو الذي أتاح مشاركة نحو 30 فصيلاً مسلحاً - من إجمالي 50 - في «الحوار الوطني الشامل» بالعاصمة نجامينا وانطلق يوم 20 أغسطس (آب) الماضي، قبل أن يختتم أعماله وسط شد وجذب وانسحابات واتصالات للعودة في آخر أيام سبتمبر (أيلول) الماضي.
تصدّر لائحة أسماء المعارضين القادمين إلى دواوين السلطة، رئيساً للوزراء، صالح كبزابو (75 سنة) وهو اسم يعرفه التشاديون جيداً. ويوصف هذا الصحافي السابق والمرشح الرئاسي لأربع مرات، والذي يوصف بأنه «المعارض التاريخي للرئيس إدريس ديبي».
أيضاً، بين أعضاء الحكومة الجديدة توم إرديمي (67 سنة) المؤسس المشارك مع شقيقه التوأم تيمان إرديمي «اتحاد قوى المقاومة»، وهو إحدى الجماعات المتمردة الرئيسية الثلاث في البلاد. وسيشغل توم إرديمي - الذي أفرجت مصر عنه بعد احتجاز دام سنتين، وعاد إلى تشاد في سبتمبر الماضي بعد أن شاركت حركته في الحوار الوطني - منصب وزير الدولة المسؤول عن التعليم العالي والبحث. وللعلم، كان الأخوان إرديمي ضمن عناصر نظام الرئيس الراحل إدريس ديبي خلال التسعينات من القرن الماضي، قبل أن يتمردا عام 2005، ويقودا هجمات عدة للإطاحة بالنظام.
وفي حين مُنحت حقيبة «التنمية الإقليمية والتخطيط العمراني» لمحمد أسيلك حلاتة، نائب رئيس «اتحاد القوى من أجل الديمقراطية والتنمية»، وهي جماعة متمردة وقّعت أيضاً على «اتفاق الدوحة»، أبقيت 7 وزارات سيادية، هي المالية، والأمن العام، والدفاع، والشؤون الخارجية، والاتصالات، والإدارة الإقليمية، والتعليم الوطني في أيدي وزراء من «الحركة الوطنية للإنقاذ» الحزب التاريخي للرئيس السابق إدريس ديبي.
> مستقبل مجهول
تشكيل الحكومة الجديدة، وعقد «الحوار الوطني»، وقبلهما توقيع «اتفاق الدوحة للتهدئة» بين السلطة وحركات المتمردين، يعدها البعض خطوات تبشر بعهد مختلف. عهد فيه يتبع محمد إدريس ديبي - المعروف باسم الجنرال «كاكا» - قائد المجلس العسكري الذي تولى الحكم عقب مقتل ديبي الأب عام 2021، نهجاً مختلفاً عن ذلك الذي اتبعه والده في التعامل مع المعارضة على مدى عقود حكمه الثلاثة منذ عام 1990عندما قاد انقلاباً جاء به إلى السلطة، وبعدها بثلاث سنوات عقد مؤتمراً للحوار مع المعارضة. إلا أن مُخرجات ذلك المؤتمر لم تعرف طريق التطبيق طيلة العقود الثلاثة التي قبض فيها ديبي الأب على السلطة بيد حديدية، فأقصى المعارضة، وقاد تحالفات دولية دعمت حكمه، وأنقذته في غير مناسبة من استيلاء جماعات التمرد المسلحة على السلطة.
في المقابل، لا تزال قوى معارضة قوية ونافذة في الداخل التشادي متحفّظة عن الانخراط في المسار الذي يقوده ديبي الابن. ولا يقتصر هذا التحفظ على مُخرجات الحوار فحسب، بل يمتد أيضاً إلى وجود «الجنرال كاكا» نفسه في سدة الحكم، وقيادته للمرحلة الانتقالية «من دون سند دستوري»، وفق رأيهم.
الدكتورة أماني الطويل، مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، والخبيرة في الشؤون الأفريقية، ترى، أنه «رغم ما تضمنه اتفاق الدوحة من آليات عديدة معمول بها لفض النزاعات الداخلية على المستوى الإقليمي والدولي، فإن 19 حركة رفضت التوقيع، في مقدمتها حركة (فاكت) كبرى الحركات المتمردة». وتضيف، أن السبب «فقدان الثقة في المجلس العسكري، والمراوغة من جانبه في العديد من النقاط الجوهرية، أبرزها عدم جواز ترشح الفواعل السياسية خلال الفترة الانتقالية في الانتخابات اللاحقة لها».
وتوضح الطويل لـ«الشرق الأوسط»، أن «الحوار الوطني التشادي وتشكيل الحكومة وتمديد المرحلة الانتقالية ليسوا سوى «استراحة محارب»، فالأطراف التي لم تنضم للحوار ولم توقع على اتفاق الدوحة هي الأطراف الأقوى، وهي تمتلك قدرات مسلحة لا يُستهان بها... فضلاً عن ارتباطات إقليمية مؤثرة، وربما مصادر تمويل مهمة». هذا الأمر يشير إلى إمكانية أن تتسبب تلك القوى في إثارة مشاكل كبيرة للحكومة الجديدة، إذا لم تنخرط في المسار السلمي على نحو صحيح.
> دعم أم صراع دولي
من ناحية ثانية، يصعب في السياسة التشادية فصل ما هو داخلي عما هو خارجي. إذ إن الدولة تحتل موقعاً ذا طبيعة استراتيجية تستقطب الاهتمام الدولي لعوامل عدة، منها الحرب ضد «الجماعات الإرهابية»، التي قاد الرئيس ديبي الأب جهداً معروفاً في مواجهتها بدعم دولي ملموس؛ وهو ما يجعل الدور الدولي بالغ التأثير في معادلة السياسة التشادية.
وعلى الرغم من الدعم الدولي والأممي الواسعين للحوار الشامل في تشاد، فإن ذلك الدعم لا يخلو أيضاً من تنافس بين فاعلين دوليين في المنطقة. في مقدمة هؤلاء فرنسا، التي باتت تعول كثيراً على تشاد لدعم نفوذها في الساحل الأفريقي، لا سيما بعد انسحابها من مالي. وهذا ما يفسّر الدعم الفرنسي الكبير لديبي الابن، استكمالاً لمسار من التحالف الاستراتيجي بين الجانبين طيلة حكم ديبي الأب.
وترى الدكتورة الطويل، أن «الأوضاع في منطقة الساحل الأفريقي مرهونة بالنفوذ الفرنسي وطبيعة التنافس الدولي في المنطقة، لكن الواضح أن نفوذ باريس متراجع في هذه المنطقة». ثم توضح، أن «ديبي الابن اتخذ نهجاً مخالفاً للمبدأ الفرنسي برفض الحوار مع جماعات المعارضة المسلحة، فإن باريس ستستفيد من نجاح الحوار التشادي. وفي حالة الفشل قد تجد نفسها مضطرة إلى التدخل من أجل وضع حد للمحاولات الروسية للتمدد في المنطقة. ومعلومٌ أن روسيا موجودة من خلال عناصر (فاغنر) في 23 دولة أفريقية، وسيكون من المُغري لموسكو أن توسّع حضورها في تشاد بعد ترسيخ أقدامها في أفريقيا الوسطى وليبيا»... وتستدرك «لكن الأمر بالنهاية يرتبط بمجريات الحرب في أوكرانيا، التي ستتحكم إلى حد بعيد بالسلوك الروسي في أفريقيا».
> ضامن الاستقرار
في أي حال، الواقع الراهن في تشاد يثير كذلك مجموعة من التساؤلات الكبرى وغير المسبوقة في تلك الدولة «الحبيسة» جغرافياً و«الرهينة» تاريخياً، وبخاصة ماضي الصراع الدامي بين السلطة وجماعات المعارضة المسلحة منذ العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. إذ رفضت تلك الجماعات بشكل روتيني نزع سلاحها، رغم قرارات العفو المتكررة التي قدمها الرئيس السابق ديبي. وإذا نجح الجنرال الابن في دفع تلك الجماعات - وبخاصة الكبرى منها - إلى مسار التوافق، فإن ذلك سيمثّل صفحة جديدة في كتاب السياسة التشادية.
حتى الآن نجح محمد إدريس ديبي في تقديم نفسه ضامناً للاستقرار. إذ أفلح في إقناع الاتحاد الأفريقي، الذي يرأس مفوضيته موسى فقي، السياسي التشادي المخضرم والصديق القديم لوالده، بأن الحالة التشادية «خاصة أو فريدة». ولذا لم يطبّق الاتحاد الأفريقي عقوبات صارمة تتضمّنها بروتوكولاته على الدول التي تشهد انقلابات عسكرية. ومع أن ديبي الابن لم يفِ بتعهده السابق بتنظيم انتخابات ديمقراطية خلال 18 شهراً... لم تُعلَّق عضوية تشاد في بالاتحاد ولم تُفرض بحقها عقوبات تذكر.
أيضاً، حافظ ديبي الابن على دعم الحليف الفرنسي القديم، وفتح الباب أمام تحالفات بديلة في حال خذلته باريس، كما سعى لبناء شبكة من العلاقات مع دول الجوار ومع دول عربية بهدف تأمين انتقالٍ سلس في مرحلة انتقالية مضطربة.
وفي حين يعدّ أنصار الجيش نهج الجنرال الشاب «نجاحاً سياسياً»، يرى خصومه، أنه «يكرّر تجربة أبيه» قبل نحو ثلاثة عقود، عندما وصل ديبي الأب إلى السلطة عبر تمرد مسلح قاده للإطاحة بسلفه الرئيس حسين حبري في نهاية 1990، وآنذاك أطلق ديبي «المؤتمر الوطني المستقل» من أجل تسوية النزاعات المسلحة، بيد أنه لم يسفر عن أي خطوات جادة. كذلك، يذهب بعض المحللين إلى أن اتفاق «الحوار الوطني» ومخرجاته لا يحل مسألة المعارضة المسلحة، وأن هذا السيناريو وُضع مسبقاً... فعمدت الحكومة إلى تشتيت وزن المجموعات الرئيسة الأربع أو الخمس وسط تمثيل أوسع من قوى المعارضة.
ويُضاف إلى ما سبق أن الكثير من التقديرات السياسية ترى صعوبة تخلي المعارضة المسلحة عن العمل العسكري، مقابل ضمانات لا تزال في نظر تلك المجموعات «هشة»، ناهيك عن ارتباط تلك القوى بمصالح وتدخلات الأطراف الإقليمية والدولية والعلاقة العميقة للأوضاع التشادية بالأزمات المتفجرة في السودان وليبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى ومنطقة الساحل.
> نهج مغاير
في المقابل، ترى تحليلات أخرى، أن ديبي الابن عازم بالفعل على تبني نهج مغاير لما عرفته تشاد على مدى العقود الماضية، وهنا تقول شيماء البكش، الباحثة المختصة في الشؤون الأفريقية بالمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الجنرال محمد إدريس يسعى إلى تكريس صورته كقيادة شابة قادرة على تقديم نهج مختلف عما اعتمدته الأنظمة السياسية سابقاً في البلاد، وإن هذا ينسجم مع مسلك العديد من القيادات الشابة التي بدأت تظهر خلال السنوات الأخيرة في أكثر من دولة بالمنطقة، فتتبنى رؤية أكثر تحرراً من ميراث الماضي، وتعتمد مقاربة براغماتية واضحة ترتكز على حسابات المصلحة من دون التقيد بالاعتبارات الآيديولوجية أو القبلية أو الأحكام المطلقة».
وتعتقد البكش، أن «هذا النهج الذي يتبناه قائد المجلس العسكري في تشاد، لا ينفصل عن تحليل أوسع للموقف في دول الساحل الأفريقية، التي تنحو إلى البحث عن مصالحها الذاتية بعيداً عن حسابات الحلفاء وصراعاتهم الإقليمية والدولية». وتتابع «هذا ما هو حاصل، ولا سيما بعدما أصبحت صراعات تلك القوى عبئا يثقل كاهل دول الساحل التي تواجه تحديات سياسية وأمنية واجتماعية جمة، فضلاً عن التحديات الاقتصادية المزمنة، التي لا يبدو أن الحلفاء الحاليين في ظل المشهد الدولي الراهن والمثقل بالأزمات قادرون على مد يد العون لتلك الدول. ومن ثم فالدول الأفريقية في منطقة الساحل مضطرة إلى التعاطي مع مشاكلها من منظور المصلحة الذاتية، حتى وإن كانت بعض القرارات لا تحظى بدعم كامل من أولئك الحلفاء، على غرار ما فعله الجنرال ديبي من فتح قنوات للحوار مع جماعات المعارضة المسلحة، وهو ما كانت فرنسا ترفضه تاريخياً».
> مسار الأزمة التشادية منذ رحيل إدريس ديبي
20 أبريل (نيسان) 2021: مقتل الرئيس إدريس ديبي في ساحة المعركة أثناء زيارته للقوات التي تقاتل المتمردين في شمال تشاد.
20 أبريل 2021: تشكيل «المجلس العسكري الانتقالي» برئاسة محمد إدريس ديبي، ابن الرئيس الراحل، الذي وعد بتنظيم حوار مع المعارضة للتوصل إلى إعادة السلطة إلى المدنيين خلال 18 شهراً قابلة للتجديد مرة واحدة.
أبريل – أكتوبر (تشرين الأول) 2021: اندلاع موجة من الاحتجاجات على تولي الجيش مقاليد الأمور في البلاد، واستخدمت الأجهزة الأمنية والعسكرية القوة للسيطرة على الاحتجاجات.
10 أغسطس (آب) 2021: دعا الجنرال محمد إدريس ديبي المجموعات المتمردة، التي كان يرفض التفاوض معها سابقاً، إلى المشاركة مع باقي الأطراف المعنية في «الحوار الوطني».
2 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021: أعلنت المجموعات المتمردة الأبرز، ومنها «اتحاد قوى المقاومة» و«جبهة التغيير والوفاق في تشاد»، قبولها المشاركة في المؤتمر بشروط، منها الإفراج عن أعضاء مسجونين من المجموعات والعفو العام.
13 مارس (آذار) 2022: انطلاق المفاوضات بين الحكومة التشادية والجماعات المسلحة برعاية قطر.
4 يونيو (حزيران) 2022: أعلن رئيس المجلس العسكري الحاكم محمد إدريس ديبي إطلاق عملية لنزع السلاح في شمال البلاد، وذلك بعد تصاعد حدة الاشتباكات المسلحة هناك.
8 أغسطس 2022: توصل المجلس العسكري الحاكم ونحو 40 حركة من المعارضة المسلحة إلى «اتفاق الدوحة» لبدء حوار وطني يوم 20 أغسطس في نجامينا.
20 أغسطس 2022: أطلق محمد إدريس ديبي حواراً وطنياً شاملاً بحضور 1400 مندوب، يمثلون المعارضة المدنية والمسلحة، وكذلك المجلس العسكري الحاكم.
12 أكتوبر 2022: استقال رئيس الوزراء ألبرت باهيمي باداكي وحكومته غداة تعهد رئيس المجلس العسكري تشكيل «حكومة وحدة وطنية» تمهيداً لإجراء الانتخابات.
14 أكتوبر 2022: إعلان حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة صالح كبزابو، المعارض التاريخي للرئيس إدريس ديبي، وبعضوية عدد من قادة حركات التمرد التشادية.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: ما بين 10 آلاف و20 ألفاً فرّوا من السودان إلى تشاد

العالم العربي الأمم المتحدة: ما بين 10 آلاف و20 ألفاً فرّوا من السودان إلى تشاد

الأمم المتحدة: ما بين 10 آلاف و20 ألفاً فرّوا من السودان إلى تشاد

فرّ ما بين 10 آلاف و20 ألف شخص من المعارك الجارية في السودان بحثاً عن ملاذ في تشاد المجاورة، وفقاً لفرق تابعة لمفوضية الأمم المتّحدة السامية لشؤون اللاجئين موجودة على الحدود. ووفق وكالة الصحافة الفرنسية، قالت المفوضية، في بيان اليوم (الخميس)، إنّ «غالبية الوافدين هم من النساء والأطفال... تعمل المفوضية عن كثب مع الحكومة التشادية وشركائها لتقييم احتياجاتهم وإعداد استجابة مشتركة».

«الشرق الأوسط» (جنيف)
الخليج مباحثات سعودية ـ تشادية تناقش آفاق التعاون والمسائل المشتركة

مباحثات سعودية ـ تشادية تناقش آفاق التعاون والمسائل المشتركة

التقى الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، في جدة، (الاثنين)، محمد إدريس ديبي رئيس المجلس العسكري الانتقالي في تشاد، وجرى خلال اللقاء استعراض أوجه العلاقات الثنائية بين البلدين وآفاق التعاون في مختلف المجالات، إلى جانب بحث عدد من المسائل ذات الاهتمام المشترك. حضر اللقاء من الجانب السعودي، الأمير تركي بن محمد بن فهد بن عبد العزيز وزير الدولة عضو مجلس الوزراء، والأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية، والدكتور مساعد العيبان وزير الدولة عضو مجلس الوزراء مستشار الأمن الوطني، والمهندس خالد الفالح وزير الاستثمار، وأحمد قطان المستشار بالديوان الملكي، وعامر ال

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج لقاء سعودي - تشادي يبحث المسائل المشتركة

لقاء سعودي - تشادي يبحث المسائل المشتركة

بحث الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، الاثنين، مع محمد إدريس ديبي، رئيس المجلس العسكري الانتقالي في تشاد، المسائل ذات الاهتمام المشترك. جاء ذلك خلال لقاء جمعهما في جدة، واستعرضا فيه أوجه العلاقات الثنائية بين البلدين وآفاق التعاون في مختلف المجالات.

«الشرق الأوسط» (جدة)
العالم تشاد: مخاوف من تضرر المساعدات الإنسانية بعد الأزمة مع ألمانيا

تشاد: مخاوف من تضرر المساعدات الإنسانية بعد الأزمة مع ألمانيا

أثارت الأزمة الدبلوماسية بين تشاد وألمانيا في أعقاب الطرد المتبادل لسفيري البلدين، مخاوف عميقة بشأن انعكاسات الأزمة على المساعدات الإنسانية التي تقدمها دول ومؤسسات غربية مانحة لتشاد، التي تعد من بين أكثر دول العالم فقرا، كما تستضيف ما يزيد على مليون من اللاجئين والنازحين. وتبادل البلدان اللذان تجمعهما علاقات دبلوماسية منذ عام 1960 طرد السفيرين خلال الأيام القليلة الماضية، إذ طلبت ألمانيا (الثلاثاء) من سفيرة تشاد لديها، مريم علي موسى، مغادرة البلاد خلال 48 ساعة، وذلك رداً على تحرك مماثل قامت به الدولة الواقعة في وسط أفريقيا (الجمعة). ونقلت وكالة «رويترز» عن وزارة الخارجية الألمانية قولها إن الخ

العالم تشاد تطرد سفير ألمانيا بحجة «سلوكه الفظ»

تشاد تطرد سفير ألمانيا بحجة «سلوكه الفظ»

طرد السفير الألماني في تشاد الذي أعلنته الحكومة «شخصا غير مرغوب فيه» بسبب «سلوكه الفظّ»، مساء السبت، بحسب ما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مسؤولين في العاصمة التشادية نجامينا. وكانت الحكومة التشادية أعلنت الجمعة أنها طلبت من السفير الألماني مغادرة البلاد خلال 48 ساعة، بسبب «عدم احترامه الممارسات الدبلوماسية». وقال وزير الخارجية التشادي، محمد صالح النظيف، إن «سفير ألمانيا في تشاد يان كريستيان غوردون كريكه سافر على متن طائرة (إير فرانس) مساء السبت». وأكد المتحدث باسم الحكومة عزيز محمد صالح مغادرة السفير.

«الشرق الأوسط» (نجامينا)

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».