تشاد: «استراحة محاربين» لا ترفع الأصابع عن الزناد

حكومة المتمردين السابقين تواجه إرث الصراع والشك

مؤتمر الحوار  التشادي في إحدى جلساته (أ.ف.ب)
مؤتمر الحوار التشادي في إحدى جلساته (أ.ف.ب)
TT

تشاد: «استراحة محاربين» لا ترفع الأصابع عن الزناد

مؤتمر الحوار  التشادي في إحدى جلساته (أ.ف.ب)
مؤتمر الحوار التشادي في إحدى جلساته (أ.ف.ب)

في أشهر الخريف تستقبل نجامينا، عاصمة جمهورية تشاد، زخاتٍ من المطر تلطف الأجواء وتتهيأ المدينة لاستقبال شتاء صحراوي بارد، غير أن ما هو أهم أن تلك الزخات تمنح المواطنين التشاديين فرصة لالتقاط الأنفاس بعد صيف طويل حار. مع هذا اعتاد التشاديون ألا يمنحوا أمطار الخريف صك أمان مطلق؛ لأنها قد تتحول بين عشية وضحاها إلى سيل جارف، وهو ما جعلهم لا يأمنون لأمرين في بلادهم: الطقس... والسياسة. السياسة في تشاد لا تختلف في تقلباتها عن الطقس في أشهر الخريف، فحالة «الصفاء النسبي» التي أشاعها تشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة في البلاد، الأسبوع المنصرم، لم تفلح في تبديد كل «غيوم» القلق المتوطن في عقول التشاديين. وحتى بعدما رأوا متمردين سابقين، لطالما خاضوا صراعاً سياسياً وعسكرياً مريراً مع نظام الرئيس الراحل إدريس ديبي، ينفضون عن ثيابهم غبار ميادين القتال، أو يخلعون ثياب السجن، ليتخذوا طريقهم إلى قصور الحكم في عهد الابن محمد إدريس ديبي إيتنو. وهذا الأخير يترأس المجلس العسكري الحاكم للبلاد منذ رحيل والده. وسيبقى على رأس السلطة لعامين مقبلين، لحين إجراء انتخابات عامة في البلاد. بل ويحق له - وفق مخرجات الحوار الوطني الشامل - الترشح للانتخابات المزمع إجراؤها في نهاية المرحلة الانتقالية.
حالة القلق والحذر في تشاد لها ما يبررها لدى عدد من المراقبين. فحكومة الوحدة الوطنية جاءت بمرسوم من رئيس المجلس العسكري، بعد أسبوعين من حوار مصالحة وطنية، غابت عنه أو انسحبت منه العديد من فصائل المعارضة وقواها المؤثرة. وهو ما يشيع جواً من الترقب لما يمكن أن تسفر عنه المرحلة المقبلة.
بذا، لا يرى بعض المراقبين في التطور الأحدث سياسياً في تشاد أكثر من «استراحة محارب» تتأهب بعدها الأطراف لاستئناف المواجهة. وفي المقابل، يأمل المتفائلون بأن تكون تلك «الهدنة» بداية لفراق مع الماضي، والتخلص من إرث الشك الثقيل بين المعارضة والسلطة. وهو شك ترسّخ في الصحراء التشادية منذ مرحلة ما بعد الاستقلال عن فرنسا عام 1960، ولم تعرف البلاد طيلة تلك العقود الستة انتقالاً سلمياً واحداً للسلطة.

محمد إدريس ديبي يؤدي القسم كرئيس انتقالي لتشاد (أ.ف.ب)

التشاديون يدركون أكثر من غيرهم أن ما يبدو أمام أعينهم ليس سوى «قمة جبل الجليد». ومع أن صحراءهم لا تعرف الجليد، فهي تعرف جيداً تأثير القوى القادمة من القارة الأوروبية العجوز. وتتقدم هذه القوى فرنسا، صاحبة الإرث الاستعماري الطويل في المنطقة، وروسيا المتحفزة لحجز موطئ قدم لاستعادة أمجاد الاتحاد السوفياتي السابق. هاتان القوتان، بالذات، لا تدخران جهداً للحفاظ على وجودهما في الدولة التي تشغل قلب أفريقيا، وترتبط بحدود برية مع ست دول بالغة الاتساع. فهناك ليبيا من الشمال، والسودان من الشرق، وجمهورية أفريقيا الوسطى من الجنوب، والكاميرون ونيجيريا من الجنوب الغربي، والنيجر من الغرب. وبالتالي، مَن يفرض وجوده في تلك المنطقة يستطيع التحكم في مسارات الالتقاء بين شمال أفريقيا العربي الإسلامي والعمق الأفريقي المسيحي أو اللاديني. ولكن، في المقابل، غير أنه عليه كذلك أن يجيد قراءة «فسيفساء» التكوين الاجتماعي والقبلي لتشاد التي تضم أكثر من مائتي جماعة إثنية تتسم بتنوع لغاتها وتبايُن ممارساتها الثقافية والدينية.
> حكومة «الوحدة الوطنية»
بالعودة إلى تشكيل حكومة «الوحدة الوطنية» التشادية، سنجد أنها تضم 44 وزيراً ووزير دولة، من بينهم قادة متمردون سابقون وقّعوا «اتفاق الدوحة للسلام». وهذا الاتفاق هو الذي أتاح مشاركة نحو 30 فصيلاً مسلحاً - من إجمالي 50 - في «الحوار الوطني الشامل» بالعاصمة نجامينا وانطلق يوم 20 أغسطس (آب) الماضي، قبل أن يختتم أعماله وسط شد وجذب وانسحابات واتصالات للعودة في آخر أيام سبتمبر (أيلول) الماضي.
تصدّر لائحة أسماء المعارضين القادمين إلى دواوين السلطة، رئيساً للوزراء، صالح كبزابو (75 سنة) وهو اسم يعرفه التشاديون جيداً. ويوصف هذا الصحافي السابق والمرشح الرئاسي لأربع مرات، والذي يوصف بأنه «المعارض التاريخي للرئيس إدريس ديبي».
أيضاً، بين أعضاء الحكومة الجديدة توم إرديمي (67 سنة) المؤسس المشارك مع شقيقه التوأم تيمان إرديمي «اتحاد قوى المقاومة»، وهو إحدى الجماعات المتمردة الرئيسية الثلاث في البلاد. وسيشغل توم إرديمي - الذي أفرجت مصر عنه بعد احتجاز دام سنتين، وعاد إلى تشاد في سبتمبر الماضي بعد أن شاركت حركته في الحوار الوطني - منصب وزير الدولة المسؤول عن التعليم العالي والبحث. وللعلم، كان الأخوان إرديمي ضمن عناصر نظام الرئيس الراحل إدريس ديبي خلال التسعينات من القرن الماضي، قبل أن يتمردا عام 2005، ويقودا هجمات عدة للإطاحة بالنظام.
وفي حين مُنحت حقيبة «التنمية الإقليمية والتخطيط العمراني» لمحمد أسيلك حلاتة، نائب رئيس «اتحاد القوى من أجل الديمقراطية والتنمية»، وهي جماعة متمردة وقّعت أيضاً على «اتفاق الدوحة»، أبقيت 7 وزارات سيادية، هي المالية، والأمن العام، والدفاع، والشؤون الخارجية، والاتصالات، والإدارة الإقليمية، والتعليم الوطني في أيدي وزراء من «الحركة الوطنية للإنقاذ» الحزب التاريخي للرئيس السابق إدريس ديبي.
> مستقبل مجهول
تشكيل الحكومة الجديدة، وعقد «الحوار الوطني»، وقبلهما توقيع «اتفاق الدوحة للتهدئة» بين السلطة وحركات المتمردين، يعدها البعض خطوات تبشر بعهد مختلف. عهد فيه يتبع محمد إدريس ديبي - المعروف باسم الجنرال «كاكا» - قائد المجلس العسكري الذي تولى الحكم عقب مقتل ديبي الأب عام 2021، نهجاً مختلفاً عن ذلك الذي اتبعه والده في التعامل مع المعارضة على مدى عقود حكمه الثلاثة منذ عام 1990عندما قاد انقلاباً جاء به إلى السلطة، وبعدها بثلاث سنوات عقد مؤتمراً للحوار مع المعارضة. إلا أن مُخرجات ذلك المؤتمر لم تعرف طريق التطبيق طيلة العقود الثلاثة التي قبض فيها ديبي الأب على السلطة بيد حديدية، فأقصى المعارضة، وقاد تحالفات دولية دعمت حكمه، وأنقذته في غير مناسبة من استيلاء جماعات التمرد المسلحة على السلطة.
في المقابل، لا تزال قوى معارضة قوية ونافذة في الداخل التشادي متحفّظة عن الانخراط في المسار الذي يقوده ديبي الابن. ولا يقتصر هذا التحفظ على مُخرجات الحوار فحسب، بل يمتد أيضاً إلى وجود «الجنرال كاكا» نفسه في سدة الحكم، وقيادته للمرحلة الانتقالية «من دون سند دستوري»، وفق رأيهم.
الدكتورة أماني الطويل، مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، والخبيرة في الشؤون الأفريقية، ترى، أنه «رغم ما تضمنه اتفاق الدوحة من آليات عديدة معمول بها لفض النزاعات الداخلية على المستوى الإقليمي والدولي، فإن 19 حركة رفضت التوقيع، في مقدمتها حركة (فاكت) كبرى الحركات المتمردة». وتضيف، أن السبب «فقدان الثقة في المجلس العسكري، والمراوغة من جانبه في العديد من النقاط الجوهرية، أبرزها عدم جواز ترشح الفواعل السياسية خلال الفترة الانتقالية في الانتخابات اللاحقة لها».
وتوضح الطويل لـ«الشرق الأوسط»، أن «الحوار الوطني التشادي وتشكيل الحكومة وتمديد المرحلة الانتقالية ليسوا سوى «استراحة محارب»، فالأطراف التي لم تنضم للحوار ولم توقع على اتفاق الدوحة هي الأطراف الأقوى، وهي تمتلك قدرات مسلحة لا يُستهان بها... فضلاً عن ارتباطات إقليمية مؤثرة، وربما مصادر تمويل مهمة». هذا الأمر يشير إلى إمكانية أن تتسبب تلك القوى في إثارة مشاكل كبيرة للحكومة الجديدة، إذا لم تنخرط في المسار السلمي على نحو صحيح.
> دعم أم صراع دولي
من ناحية ثانية، يصعب في السياسة التشادية فصل ما هو داخلي عما هو خارجي. إذ إن الدولة تحتل موقعاً ذا طبيعة استراتيجية تستقطب الاهتمام الدولي لعوامل عدة، منها الحرب ضد «الجماعات الإرهابية»، التي قاد الرئيس ديبي الأب جهداً معروفاً في مواجهتها بدعم دولي ملموس؛ وهو ما يجعل الدور الدولي بالغ التأثير في معادلة السياسة التشادية.
وعلى الرغم من الدعم الدولي والأممي الواسعين للحوار الشامل في تشاد، فإن ذلك الدعم لا يخلو أيضاً من تنافس بين فاعلين دوليين في المنطقة. في مقدمة هؤلاء فرنسا، التي باتت تعول كثيراً على تشاد لدعم نفوذها في الساحل الأفريقي، لا سيما بعد انسحابها من مالي. وهذا ما يفسّر الدعم الفرنسي الكبير لديبي الابن، استكمالاً لمسار من التحالف الاستراتيجي بين الجانبين طيلة حكم ديبي الأب.
وترى الدكتورة الطويل، أن «الأوضاع في منطقة الساحل الأفريقي مرهونة بالنفوذ الفرنسي وطبيعة التنافس الدولي في المنطقة، لكن الواضح أن نفوذ باريس متراجع في هذه المنطقة». ثم توضح، أن «ديبي الابن اتخذ نهجاً مخالفاً للمبدأ الفرنسي برفض الحوار مع جماعات المعارضة المسلحة، فإن باريس ستستفيد من نجاح الحوار التشادي. وفي حالة الفشل قد تجد نفسها مضطرة إلى التدخل من أجل وضع حد للمحاولات الروسية للتمدد في المنطقة. ومعلومٌ أن روسيا موجودة من خلال عناصر (فاغنر) في 23 دولة أفريقية، وسيكون من المُغري لموسكو أن توسّع حضورها في تشاد بعد ترسيخ أقدامها في أفريقيا الوسطى وليبيا»... وتستدرك «لكن الأمر بالنهاية يرتبط بمجريات الحرب في أوكرانيا، التي ستتحكم إلى حد بعيد بالسلوك الروسي في أفريقيا».
> ضامن الاستقرار
في أي حال، الواقع الراهن في تشاد يثير كذلك مجموعة من التساؤلات الكبرى وغير المسبوقة في تلك الدولة «الحبيسة» جغرافياً و«الرهينة» تاريخياً، وبخاصة ماضي الصراع الدامي بين السلطة وجماعات المعارضة المسلحة منذ العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. إذ رفضت تلك الجماعات بشكل روتيني نزع سلاحها، رغم قرارات العفو المتكررة التي قدمها الرئيس السابق ديبي. وإذا نجح الجنرال الابن في دفع تلك الجماعات - وبخاصة الكبرى منها - إلى مسار التوافق، فإن ذلك سيمثّل صفحة جديدة في كتاب السياسة التشادية.
حتى الآن نجح محمد إدريس ديبي في تقديم نفسه ضامناً للاستقرار. إذ أفلح في إقناع الاتحاد الأفريقي، الذي يرأس مفوضيته موسى فقي، السياسي التشادي المخضرم والصديق القديم لوالده، بأن الحالة التشادية «خاصة أو فريدة». ولذا لم يطبّق الاتحاد الأفريقي عقوبات صارمة تتضمّنها بروتوكولاته على الدول التي تشهد انقلابات عسكرية. ومع أن ديبي الابن لم يفِ بتعهده السابق بتنظيم انتخابات ديمقراطية خلال 18 شهراً... لم تُعلَّق عضوية تشاد في بالاتحاد ولم تُفرض بحقها عقوبات تذكر.
أيضاً، حافظ ديبي الابن على دعم الحليف الفرنسي القديم، وفتح الباب أمام تحالفات بديلة في حال خذلته باريس، كما سعى لبناء شبكة من العلاقات مع دول الجوار ومع دول عربية بهدف تأمين انتقالٍ سلس في مرحلة انتقالية مضطربة.
وفي حين يعدّ أنصار الجيش نهج الجنرال الشاب «نجاحاً سياسياً»، يرى خصومه، أنه «يكرّر تجربة أبيه» قبل نحو ثلاثة عقود، عندما وصل ديبي الأب إلى السلطة عبر تمرد مسلح قاده للإطاحة بسلفه الرئيس حسين حبري في نهاية 1990، وآنذاك أطلق ديبي «المؤتمر الوطني المستقل» من أجل تسوية النزاعات المسلحة، بيد أنه لم يسفر عن أي خطوات جادة. كذلك، يذهب بعض المحللين إلى أن اتفاق «الحوار الوطني» ومخرجاته لا يحل مسألة المعارضة المسلحة، وأن هذا السيناريو وُضع مسبقاً... فعمدت الحكومة إلى تشتيت وزن المجموعات الرئيسة الأربع أو الخمس وسط تمثيل أوسع من قوى المعارضة.
ويُضاف إلى ما سبق أن الكثير من التقديرات السياسية ترى صعوبة تخلي المعارضة المسلحة عن العمل العسكري، مقابل ضمانات لا تزال في نظر تلك المجموعات «هشة»، ناهيك عن ارتباط تلك القوى بمصالح وتدخلات الأطراف الإقليمية والدولية والعلاقة العميقة للأوضاع التشادية بالأزمات المتفجرة في السودان وليبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى ومنطقة الساحل.
> نهج مغاير
في المقابل، ترى تحليلات أخرى، أن ديبي الابن عازم بالفعل على تبني نهج مغاير لما عرفته تشاد على مدى العقود الماضية، وهنا تقول شيماء البكش، الباحثة المختصة في الشؤون الأفريقية بالمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الجنرال محمد إدريس يسعى إلى تكريس صورته كقيادة شابة قادرة على تقديم نهج مختلف عما اعتمدته الأنظمة السياسية سابقاً في البلاد، وإن هذا ينسجم مع مسلك العديد من القيادات الشابة التي بدأت تظهر خلال السنوات الأخيرة في أكثر من دولة بالمنطقة، فتتبنى رؤية أكثر تحرراً من ميراث الماضي، وتعتمد مقاربة براغماتية واضحة ترتكز على حسابات المصلحة من دون التقيد بالاعتبارات الآيديولوجية أو القبلية أو الأحكام المطلقة».
وتعتقد البكش، أن «هذا النهج الذي يتبناه قائد المجلس العسكري في تشاد، لا ينفصل عن تحليل أوسع للموقف في دول الساحل الأفريقية، التي تنحو إلى البحث عن مصالحها الذاتية بعيداً عن حسابات الحلفاء وصراعاتهم الإقليمية والدولية». وتتابع «هذا ما هو حاصل، ولا سيما بعدما أصبحت صراعات تلك القوى عبئا يثقل كاهل دول الساحل التي تواجه تحديات سياسية وأمنية واجتماعية جمة، فضلاً عن التحديات الاقتصادية المزمنة، التي لا يبدو أن الحلفاء الحاليين في ظل المشهد الدولي الراهن والمثقل بالأزمات قادرون على مد يد العون لتلك الدول. ومن ثم فالدول الأفريقية في منطقة الساحل مضطرة إلى التعاطي مع مشاكلها من منظور المصلحة الذاتية، حتى وإن كانت بعض القرارات لا تحظى بدعم كامل من أولئك الحلفاء، على غرار ما فعله الجنرال ديبي من فتح قنوات للحوار مع جماعات المعارضة المسلحة، وهو ما كانت فرنسا ترفضه تاريخياً».
> مسار الأزمة التشادية منذ رحيل إدريس ديبي
20 أبريل (نيسان) 2021: مقتل الرئيس إدريس ديبي في ساحة المعركة أثناء زيارته للقوات التي تقاتل المتمردين في شمال تشاد.
20 أبريل 2021: تشكيل «المجلس العسكري الانتقالي» برئاسة محمد إدريس ديبي، ابن الرئيس الراحل، الذي وعد بتنظيم حوار مع المعارضة للتوصل إلى إعادة السلطة إلى المدنيين خلال 18 شهراً قابلة للتجديد مرة واحدة.
أبريل – أكتوبر (تشرين الأول) 2021: اندلاع موجة من الاحتجاجات على تولي الجيش مقاليد الأمور في البلاد، واستخدمت الأجهزة الأمنية والعسكرية القوة للسيطرة على الاحتجاجات.
10 أغسطس (آب) 2021: دعا الجنرال محمد إدريس ديبي المجموعات المتمردة، التي كان يرفض التفاوض معها سابقاً، إلى المشاركة مع باقي الأطراف المعنية في «الحوار الوطني».
2 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021: أعلنت المجموعات المتمردة الأبرز، ومنها «اتحاد قوى المقاومة» و«جبهة التغيير والوفاق في تشاد»، قبولها المشاركة في المؤتمر بشروط، منها الإفراج عن أعضاء مسجونين من المجموعات والعفو العام.
13 مارس (آذار) 2022: انطلاق المفاوضات بين الحكومة التشادية والجماعات المسلحة برعاية قطر.
4 يونيو (حزيران) 2022: أعلن رئيس المجلس العسكري الحاكم محمد إدريس ديبي إطلاق عملية لنزع السلاح في شمال البلاد، وذلك بعد تصاعد حدة الاشتباكات المسلحة هناك.
8 أغسطس 2022: توصل المجلس العسكري الحاكم ونحو 40 حركة من المعارضة المسلحة إلى «اتفاق الدوحة» لبدء حوار وطني يوم 20 أغسطس في نجامينا.
20 أغسطس 2022: أطلق محمد إدريس ديبي حواراً وطنياً شاملاً بحضور 1400 مندوب، يمثلون المعارضة المدنية والمسلحة، وكذلك المجلس العسكري الحاكم.
12 أكتوبر 2022: استقال رئيس الوزراء ألبرت باهيمي باداكي وحكومته غداة تعهد رئيس المجلس العسكري تشكيل «حكومة وحدة وطنية» تمهيداً لإجراء الانتخابات.
14 أكتوبر 2022: إعلان حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة صالح كبزابو، المعارض التاريخي للرئيس إدريس ديبي، وبعضوية عدد من قادة حركات التمرد التشادية.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: ما بين 10 آلاف و20 ألفاً فرّوا من السودان إلى تشاد

العالم العربي الأمم المتحدة: ما بين 10 آلاف و20 ألفاً فرّوا من السودان إلى تشاد

الأمم المتحدة: ما بين 10 آلاف و20 ألفاً فرّوا من السودان إلى تشاد

فرّ ما بين 10 آلاف و20 ألف شخص من المعارك الجارية في السودان بحثاً عن ملاذ في تشاد المجاورة، وفقاً لفرق تابعة لمفوضية الأمم المتّحدة السامية لشؤون اللاجئين موجودة على الحدود. ووفق وكالة الصحافة الفرنسية، قالت المفوضية، في بيان اليوم (الخميس)، إنّ «غالبية الوافدين هم من النساء والأطفال... تعمل المفوضية عن كثب مع الحكومة التشادية وشركائها لتقييم احتياجاتهم وإعداد استجابة مشتركة».

«الشرق الأوسط» (جنيف)
الخليج مباحثات سعودية ـ تشادية تناقش آفاق التعاون والمسائل المشتركة

مباحثات سعودية ـ تشادية تناقش آفاق التعاون والمسائل المشتركة

التقى الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، في جدة، (الاثنين)، محمد إدريس ديبي رئيس المجلس العسكري الانتقالي في تشاد، وجرى خلال اللقاء استعراض أوجه العلاقات الثنائية بين البلدين وآفاق التعاون في مختلف المجالات، إلى جانب بحث عدد من المسائل ذات الاهتمام المشترك. حضر اللقاء من الجانب السعودي، الأمير تركي بن محمد بن فهد بن عبد العزيز وزير الدولة عضو مجلس الوزراء، والأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية، والدكتور مساعد العيبان وزير الدولة عضو مجلس الوزراء مستشار الأمن الوطني، والمهندس خالد الفالح وزير الاستثمار، وأحمد قطان المستشار بالديوان الملكي، وعامر ال

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج لقاء سعودي - تشادي يبحث المسائل المشتركة

لقاء سعودي - تشادي يبحث المسائل المشتركة

بحث الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، الاثنين، مع محمد إدريس ديبي، رئيس المجلس العسكري الانتقالي في تشاد، المسائل ذات الاهتمام المشترك. جاء ذلك خلال لقاء جمعهما في جدة، واستعرضا فيه أوجه العلاقات الثنائية بين البلدين وآفاق التعاون في مختلف المجالات.

«الشرق الأوسط» (جدة)
العالم تشاد: مخاوف من تضرر المساعدات الإنسانية بعد الأزمة مع ألمانيا

تشاد: مخاوف من تضرر المساعدات الإنسانية بعد الأزمة مع ألمانيا

أثارت الأزمة الدبلوماسية بين تشاد وألمانيا في أعقاب الطرد المتبادل لسفيري البلدين، مخاوف عميقة بشأن انعكاسات الأزمة على المساعدات الإنسانية التي تقدمها دول ومؤسسات غربية مانحة لتشاد، التي تعد من بين أكثر دول العالم فقرا، كما تستضيف ما يزيد على مليون من اللاجئين والنازحين. وتبادل البلدان اللذان تجمعهما علاقات دبلوماسية منذ عام 1960 طرد السفيرين خلال الأيام القليلة الماضية، إذ طلبت ألمانيا (الثلاثاء) من سفيرة تشاد لديها، مريم علي موسى، مغادرة البلاد خلال 48 ساعة، وذلك رداً على تحرك مماثل قامت به الدولة الواقعة في وسط أفريقيا (الجمعة). ونقلت وكالة «رويترز» عن وزارة الخارجية الألمانية قولها إن الخ

العالم تشاد تطرد سفير ألمانيا بحجة «سلوكه الفظ»

تشاد تطرد سفير ألمانيا بحجة «سلوكه الفظ»

طرد السفير الألماني في تشاد الذي أعلنته الحكومة «شخصا غير مرغوب فيه» بسبب «سلوكه الفظّ»، مساء السبت، بحسب ما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مسؤولين في العاصمة التشادية نجامينا. وكانت الحكومة التشادية أعلنت الجمعة أنها طلبت من السفير الألماني مغادرة البلاد خلال 48 ساعة، بسبب «عدم احترامه الممارسات الدبلوماسية». وقال وزير الخارجية التشادي، محمد صالح النظيف، إن «سفير ألمانيا في تشاد يان كريستيان غوردون كريكه سافر على متن طائرة (إير فرانس) مساء السبت». وأكد المتحدث باسم الحكومة عزيز محمد صالح مغادرة السفير.

«الشرق الأوسط» (نجامينا)

العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
TT

العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)

«نحن في كتلة اليمين واليمين الوسط نشكل نحو 65 في المائة من جمهور الناخبين؛ لذلك، سنظل قادرين على تشكيل الحكومة في المستقبل أيضاً. واضح لي أنني سأفقد تأييداً، بل ربما سأثير هلع الكثيرين من أصدقائي الطيبين، لكنني أعتقد أن علينا أن نربط مصيرنا مع العرب في إسرائيل». هذه الكلمات نُشرت يوم 16 يونيو (حزيران) 2019، بقلم شخص يدعى نتان إيشل، المعروف كأقرب المستشارين إلى بنيامين نتنياهو. وجاء نشرها في اليوم نفسه، في صحيفتين على طرفي نقيض، «هآرتس» التي تعد اليسار الراديكالي في نظر اليمين، و«مكور ريشون»، صحيفة اليمين الاستيطاني التي يعدها اليسار منبراً للتيار اليميني الفاشي. كل من يعرف أسرار السياسة الإسرائيلية يفهم أن هذا المقال يعبّر عن وجهة نظر نتنياهو نفسه، وأن الرسالة التي تحملها كانت موجّهة من اليمين الحاكم، إلى الجمهور العام في إسرائيل، من أقصى اليمين، إلى أقصى اليسار، عبر الوسط الليبرالي. ومفادها أن اليمين يملك الشجاعة لتغيير السياسة الرسمية تجاه المواطنين العرب، التي اتّسمت طيلة سنوات الدولة العبرية، بالتمييز العنصري وقمع الحريات.

شكّل المقال أعلاه صدمة، يومها. ففي حينه، كانت إسرائيل تعيش أزمة دستورية تاريخية؛ إذ إنها عبرت 5 معارك انتخابية خلال سنتين ونصف السنة. وبدا أن «العرب ليسوا مشكلة، بل هم الحل»، كما كتب إيشل في المقال نفسه. فما الذي جرى خلال 7 سنوات، حتى يتراجع نتنياهو عن هذا الطريق، ويتخذ موقفاً مناقضاً، يملؤه العداء والكراهية؟

وليس نتنياهو وحده، فإسرائيل تقرّر، اليوم، عبر لجنة الانتخابات المركزية فيها، التي يُفترض أنها نموذج في النزاهة، تعمل على حرمان مواطنيها العرب من حقّهم الأوّلي في الترشح للكنيست (البرلمان)، فتصوّت بأكثريتها الساحقة لشطب جميع قوائم المرشحين العربية؟

قراءة معمقة في التطورات، تبين أن غالبية الأحزاب الإسرائيلية غارقة في مستنقع عنصري موحل. وبما أن العرب في إسرائيل أقلية، تتعامل الأحزاب معهم بتعالٍ وفوقية، تماماً كما كان الآريّون في أوروبا يتعاملون مع اليهود، فيشطبونهم ويدوسون حقوقهم، ويعملون كل ما من شأنه أن يقلل من شأنهم.

ونعود إلى السؤال: ما الذي دفع نتنياهو لإنصاف العرب ثم يقرّر التراجع، لدرجة أنه بات يرى في العرب «جبهة ثامنة» في حروب إسرائيل، إلى جانب إيران و«حزب الله» اللبناني و«حزب الله» العراقي و«حماس» في غزة والسلطة الفلسطينية في الضفة والحوثيين في اليمن؟

منصور عباس (أ.ف.ب)

بداية انعطافة

هناك من يرى بداية الانعطاف عام 2016، عندما قرر المستشار القضائي للحكومة، أبيحاي مندلبليت، إعداد لائحة اتهام في 3 قضايا فساد خطيرة. هؤلاء المحلّلون يحسبون أن نتنياهو، عندما قرر التقارب مع المواطنين العرب، يُقدِم على إجراء ديمقراطي طبيعي، ويبغي إنصاف المواطنين العرب بعد عشرات السنين من التمييز العنصري ضدهم، ليثبت أن اليمين تحديداً هو الذي يحقق لهم مساراً للمساواة، خصوصاً أنه صادق على «الخطة 922» التي تخصّص لهم ميزانية تسدّ بعضاً من هوة التمييز بقيمة 5 مليارات دولار. وهي الخطة التي أُعدت بالتعاون مع «القائمة العربية المشتركة» بقيادة النائب أيمن عودة واللجنة القطرية لرؤساء البلديات العربية بقيادة مازن غنايم.

لكن فريق مساعدي نتنياهو كان يتعاطى مع الموضوع بطريقة أخرى، فهو يخطط لتشكيل تحالف من أحزاب اليمين يكون ضمانة لمواجهة جهاز القضاء، الذي يحاكمه بثلاث لوائح اتهام بالفساد. وتلك الأحزاب كانت مشتتة. اليمين المتطرف فيها، يخشى من حكومات نتنياهو التي تضم دائماً حزباً أو أكثر من الوسط، فعرض عليهم صفقة: «حلف دائم معه، في السراء والضراء، ولا يتفسخ في أي ظروف. ويسانده في المحكمة»، لكنه عندما وجد أن قادة اليمين المتطرف يتبجّحون عليه، ويحاولون فرض شروط، لجأ لحيلة التحالف مع إحدى القوائم العربية.

يومها، كانت الأحزاب العربية قد توحّدت جميعاً تحت لواء «القائمة المشتركة». ونتنياهو يعرف أن السبيل لتفسيخها هو ضم أحدها إلى الائتلاف. وبذا يضرب 3 عصافير بحجر: يفتت الوحدة كعادته في التعامل مع كل خصومه، ويضمن أكثرية لتشكيل حكومة، ويكسب احتراماً في الغرب على أنه ينهي سياسة نبذ العرب والتمييز ضدهم.

إلا أن اليمين المتطرف العميق اشترط ألا يعقد تحالفاً مع العرب. وهكذا أجهضت الفرصة، لكن خصوم نتنياهو في اليمين الوسط، بقيادة نفتالي بنيت ويائير لبيد، استغلوا الوضع، وأقاموا ائتلافاً مع «القائمة العربية الموحّدة» بقيادة النائب منصور عباس عام 2021، وتمكّنوا من تشكيل حكومة بفضل هذا التحالف.

صمدت هذه الحكومة سنة ونصف السنة، من دون تحقيق تغيير جوهري في السياسة الإسرائيلية في مدة قصيرة كهذه، لكنها أكسبت الأحزاب العربية شرعية في الساحة السياسية، وحققت للعرب العديد من الإنجازات، في مقدمتها «الخطة 555» التي توفر للعرب ميزانية تقدر بعشرة مليارات دولار.

البداية مع رابين

لم يكن تحالف عباس مع حكومة بنيت – لبيد الأول الذي يضم العرب، فعام 1993، انسحب حزب «شاس» لليهود الشرقيين المتدينين (حريدي) من حكومة إسحاق رابين، لتغدو حكومة أقلية، فلجأ رابين إلى العرب، الذين كانوا ممثلين بحزبين هما «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» بقيادة النائب توفيق زياد (3 نواب) والحزب الديمقراطي العربي بقيادة النائب عبد الوهاب دراوشة (نائبان)، فشكلوا ما سُمّي «الجسم المانع»، أي الذي يمنع اليمين من إسقاط الحكومة.

وحقاً أظهر رابين نية خالصة في هذا التحالف، ووافق على شرطين: بدء عملية لتحقيق المساواة التامة لمواطني إسرائيل العرب، والاعتراف بـ«منظمة التحرير الفلسطينية». وكان هذا التحالف ناجحاً وناجعاً، في الموضوعين. وجاءت «اتفاقيات أوسلو» ثمرةً له، لكن كما هو معروف، اغتال اليمين الإسرائيلي رابين. وجاء إلى الحكم نتنياهو في حقبته الأولى (1996 - 1999).

هكذا نُسِف المسار. وعاد «استثناء» العرب ومحاولة إبقائهم على هامش الحياة السياسية، ورجعت الأحزاب العربية إلى موقعها الكفاحي من الصفوف الخلفية للمعارضة في الكنيست، والمظاهرات في الشوارع، والضغوط الدولية، عبر مؤسسات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي... وغيرها. وعاد نتنياهو ليستغلها «غولا» يخيف به اليهود.

التحريض قديم

ليس صحيحاً الانطباع بأن نتنياهو يستغل هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، لتأجيج الكراهية للعرب في إسرائيل، فالتحريض عليهم كان قائماً قبل ذلك بكثير وهو نفسه أدّى به دوراً حاسماً.

ومن دلائل نجاح تحريضه على العرب ما جاء في نتائج استطلاع رأي أجراه «المعهد الإسرائيلي للديمقراطية» قبل أسبوع من دعوة نتنياهو ضم العرب إلى الائتلاف في يونيو (حزيران) 2019، أن 81 في المائة من الجمهور اليهودي لا يرغبون في مشاركة الأحزاب العربية فيها، فيما قال 13 في المائة من اليهود إنهم يرغبون بذلك.

لكن هجوم «حماس» المذكور تحوّل إلى معيار للسياسة الإسرائيلية، وعقدة مجتمع كامل، وفي صلبه الكراهية للفلسطينيين، كل الفلسطينيين، بمن في ذلك أطفال غزة وتأييد إعدامهم مع أمهاتهم وبناتهم وشيوخهم. وحتى الفلسطينيون المواطنون في إسرائيل وضعوا في إطار عدائي.

لماذا؟ هل شاركوا في هجوم «حماس» أو وافقوا عليه؟

جميع السياسيين والعسكريين الإسرائيليين يعرفون أن المواطنين العرب هم النقيض التام لحركة «حماس» وموقفهم كان معارضاً كلياً لهجومها، بل إن العديد من هؤلاء العرب قتلوا أو جرحوا خلال الهجوم.

العرب ضد الهجوم

لقد كان العرب في النقب طليعة متلقّي صواريخ «حماس» في ذلك الهجوم، وقتل منهم 6 أشخاص، كذلك قتل المهاجمون امرأة فلسطينية محجّبة؛ لمحاولتها ثنيهم عن قتل مدنيين، وقالت لهم إن فعلهم لا يلائم القيم الإسلامية، فأطلقوا عليها الرصاص. وأطلقوا على مُسعف عربي من بلدة أكسال قرب الناصرة، يعمل في منظمة نجمة داود الحمراء، وهو يسعف أحد المصابين اليهود. وحتى «الحركة الإسلامية»، التي يقودها النائب منصور عباس، أدانت هجوم 7 أكتوبر بوصفه «مجزرة وعملاً غير إنساني وغير مبرّر لا يعكس قيم الشعب الفلسطيني». ومثله فعل تقريباً كل السياسيين العرب في إسرائيل.

لذا، فالقول إنه «بعد 7 أكتوبر لا يجوز تشكيل حكومة تستند إلى الأحزاب العربية»، نوع من التجنّي يقوم على الكذب ونكران الجميل، ويخفي في الحقيقة قيم العنصرية العمياء. ومن شدة خطورة هذه السياسة على مستقبل إسرائيل، يشتعل صراع بين اليهود أنفسهم حول كيفية التعاطي معه.

الغالبية، بما في ذلك قوى الوسط الليبرالي بقيادة غادي آيزنكوت ونفتالي بنيت ويائير لبيد، يتبنّى هذا الموقف العنصري بلا خجل ولا وجل. وهؤلاء رغم خوضهم تجربة جيدة في التحالف مع منصور عباس، خنعوا أمام حملة نتنياهو، وتنصّلوا من هذا التحالف، وتعهدوا برفض أي حكومة تستند إلى أي حزب عربي. وآيزنكوت تحديداً، حاول تخفيف هذه المعارضة وقال، خلال لقاء مع ناخبين في القدس، يوم الجمعة الماضي: «منذ الصباح، ينشغل طاقمي بالوعد الذي قيل إنه أعطي لهم، وهو أن منصور عباس سيكون في الحكومة. كل من يعرفني يعرف أنني لا أقدّم الوعود». ولكن جوابه ما زال يترك له مخرجاً؛ فحسب قوله، يجب على كل شريك أن يوافق على 3 مبادئ أساسية هي: أن دولة إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية – ليبرالية، وأن يوافق على قيم وثيقة الاستقلال، وأن يوافق على واجب الخدمة العسكرية أو الوطنية». ويوم الثلاثاء الأخير قال، خلال لقاء إذاعي مع «إف إم 103»، إنه قرر إضافة شرط رابع هو أن من يريد أن ينضم إلى حكومته أن يؤيد تصفية «حماس».

في المقابل، هناك تيار ليبرالي ويساري يرفض هذا التوجه العنصري، ويقول إن الشعب اليهودي الذي تعرض للتمييز العنصري بأبشع أشكاله في الماضي، يمارسه اليوم بوضوح وصراحة وبشكل رسمي وعلني. وبحسب يائير جولان، رئيس حزب الديمقراطيين فإن «دمج الأحزاب والمجتمع العربي في أي ائتلاف حكومي قادم ضرورة استراتيجية لإنقاذ إسرائيل، ولإلحاق هزيمة باليمين، الذي يدمر إسرائيل». لكن جولان هذا انضم إلى أحزاب اليمين العنصري في شطب سامي أبو شحادة، رئيس حزب «التجمع».

يائير لبيد (أ.ف.ب)

اليهود الذين تعرّضوا للتمييز العنصري

في الماضي يمارسونه اليوم بشكل رسمي وعلني

معركة عربية حذرة

في هذه الأثناء، تدير الأحزاب العربية معركتها بحذر، كي لا تعطي اليمين سلاحاً ضدها في أي ساحة. واليمين يضع محاربة هذه الأحزاب هدفاً أساسياً في حملته، خصوصاً وهو يرى كيف يقع خصومه في حبائل مؤامرته. وهو يخوض معركة قضائية لشطب جميع الأحزاب العربية، ومنعها من المشاركة في الانتخابات، بحجة أنها تؤيد الإرهاب، ولا تعترف بإسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية.

قادة الأحزاب العربية أدركوا خطورة المعركة الانتخابية على مستقبل مجتمعهم، فسلكوا أسلم الدروب لزيادة وزنهم في الحلبة السياسية. وكانت الخطوة الأولى منع إضاعة أي أصوات عربية، فبنوا تحالفاً يضم الأحزاب العربية الثلاثة: «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» بقيادة البروفسور يوسف جبارين، و«الحركة العربية للتغيير» بقيادة النائب أحمد الطيبي و«التجمع الوطني» بقيادة سامي أبو شحادة، وارتبطوا مع «القائمة العربية الموحّدة» بقيادة النائب منصور عباس باتفاق فائض أصوات.

والخطوة الثانية، توقيع «ميثاق شرف» يضمن معركة انتخابية نزيهة ونظيفة بين القائمتين العربيتين، واتفاق قادتهما على التعاون أيضاً بعد الانتخابات في الكنيست، كي يحظوا معاً بأفضل مواقع قيادية برلمانية.

والثالثة، ضمّ عباس نائباً يهودياً إلى القائمة، هو اللواء السابق في الشرطة، يوآف سيغالوفتس، ومنحه المكان الثاني في لائحته الانتخابية. وسيغالوفتش ذو رصيد غني في مكافحة الإجرام المنظم، الذي يعد اليوم أخطر آفة تواجه العرب في إسرائيل، ووجوده في قائمة عربية يقطع الطريق على من يعدها غير شرعية.

شطب أبو شحادة

والرابعة، توسيع دائرة المعركة مع اليمين، وإدخال جهات دولية من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وبعض القوى في الولايات المتحدة، لمنع الحملة العنصرية ضدهم. وسامي أبو شحادة، الذي شُطب في لجنة الانتخابات بسبب مقال كتبه يوم 8 أكتوبر 2023، غداة هجوم «حماس» على إسرائيل يمجِّد فيه الهجوم ويعده هجوم مقاومة ناجحاً، ومتوقعاً وفقاً لقوانين الفيزياء، «لكل فعل رد فعل»، تراجع عن مضمون مقاله، وقال أمام اللجنة، الأربعاء، إنه كتب المقال في حينه قبل أن يعرف ما تضمنه هجوم «حماس» من ممارسات بشعة. وأضاف أنه يعد كتابة المقال خطأً، ولو كان سيكتبه اليوم لكتبه بطريقة أخرى، وأكد أنه يرفض العنف ضد أي جهة كانت، دولة أو بشراً، وأن تاريخه السياسي حافل في تأييد السلام العادل؛ ولذلك فإن الاقتراح لشطبه غير عادل.

لكن هذا التراجع لم يسعفه، لا بل تقرر شطب حتى القائمة التي يقودها عباس وتبدي استعداداً لدخول الحكومة، وانضمت المحكمة العليا إلى هذا الموقف، وأبلغته أنها ستشطبه إذا استمر في المحكمة، لكنها تنصحه بأن ينسحب ويُبطِل هو ترشحه. وهكذا كان. وانضم سلوكه هذا إلى الإجراءات السابقة، التي عُدَّت جزءاً من الجهود العاقلة لسحب البساط من تحت أقدام اليمين.

البداية بالأحزاب... وبعدها المواطنة

اليوم، يرى العرب أن معركتهم جذرية ومصيرية، فمن يريد شطب أحزابهم، يمهّد عملياً للتخلص منهم كمواطنين، وهم يقرؤون جيداً كيف تؤثر الآراء الوحشية كآراء وزير المالية بتسلئيل سموتريتش على جهات يهودية كثيرة، بدءاً بالميليشيات المسلحة التي تهدد وجودهم، وحتى البروفسور الإرهابي من جامعة بار إيلان، الذي وضع خطة لإقامة تنظيم إرهابي يهودي يقتل مئات منهم لغرض حملهم على الرحيل من الوطن.


إيليف إيرالب... المحامية التركية الأصل تطمح بمنح اليسار حُكم العاصمة الألمانية

شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
TT

إيليف إيرالب... المحامية التركية الأصل تطمح بمنح اليسار حُكم العاصمة الألمانية

شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع

البعض لقبها بـ«أخطر امرأة في ألمانيا»، وآخرون وصفوها بـ«ممداني الألماني» نسبة إلى عمدة نيويورك زهران ممداني، أما الصحافة التركية فأطلقت عليها تسمية «ممداني التركي»... كل هذه تسميات تلاحق إيليف إيرالب، المحامية الألمانية - التركية التي تأمل بأن تصبح عمدة برلين بعد فوز حزبها «دي لينكا»، حزب أقصى اليسار، بالانتخابات المحلية في العاصمة الألمانية. الذين يتكلّمون عن «خطرها» يشيرون إلى تعهّداتها بتأميم شركات السكن الكبرى في العاصمة ضمن خطط لتخفيض أسعار الإيجارات. والذين يشبّهونها بعمدة نيويورك الشاب، يقصدون خلفيتها المهاجرة و«الكاريزما» التي تتمتّع بها وقربها من «البرلينيين» وحضورها القوي على وسائل التواصل الاجتماعي. هذه الصفات لعبت دوراً أساسياً في تحقيق حزبها فوزاً غير مسبوق في برلين؛ إذ حصل على ما يقارب الـ26 في المائة من نسبة الأصوات، متقدماً بـ6 نقاط على حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الحاكم بزعامة المستشار فريدريش ميرتس، وهو يحكم حتى برلين حالياً.

إذا نجحت إيليف إيرالب البالغة من العمر 45 سنة، بتشكيل حكومة في ولاية - مدينة برلين، فستصبح أول سيدة ومن أصول مهاجرة تحكم العاصمة الألمانية. ويأتي هذا الحدث بينما يتأهب حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف ليبدأ بحكم أول ولاية ألمانية يكسبها هي سكسونيا آنهالت حيث فاز بنسبة 44 في المائة؛ إذ بدأ مرشح الحزب لترؤس الحكومة أولريش زيغموند مشاوراته لتشكيل حكومة الولاية خلال الأسابيع المقبلة.

في الحقيقة، كثيرون ربطوا بين فوز أولريش، أو حزب «البديل من أجل ألمانيا» بشكل عام، وفوز إيرالب وحزبها، واعتبروا ما أنجزته إيرالب رد فعل من الناخبين الرافضين لاتجاه البلاد أكثر نحو أقصى اليمين. وقد يكون جزءاً من ذلك صحيح إضافة إلى عوامل أخرى. ولكن في أي حال، أصبحت إيرالب حديث الصحافة الألمانية اليومي منذ فوزها قبل ثلاثة أسابيع.

«أمثالي لا ينبغي أن يشغلوا منصب العمدة في هذا البلد»!بهذه الجملة أعلاه افتتحت إيليف إيرالب كلمتها المسجلة والتي توجّهت فيها للناخبين مع إطلاق حملتها الانتخابية. ولاحقاً شرحت ما تقصده بذلك.

إذ قالت في مقابلة مع صحيفة «تاغس شبيغل» البرلينية: «على عكس كثرة من الساسة، أنا لا أنتمي إلى حزب سياسي منذ عقود ولست جزءاً من المؤسسة السياسية. أنا ابنة لاجئين جاؤوا إلى ألمانيا من تركيا قبل فترة قصيرة من ولادتي». وحقاً كان هذا أن خلفيتها المهاجرة ستلعب دوراً محورياً في حملتها الانتخابية.

ولدت إيليف إيرالب في يناير (كانون الثاني) 1981 في مدينة ميونيخ الألمانية بعد أشهر قليلة من وصول والديها من تركيا هرباً من الانقلاب العسكري وما تبعه من عنف وقمع.

وبعكس معظم الأتراك الذين جاؤوا إلى ألمانيا عمالاً، فإن والديها كانا متعلمَين، ووصلا طالبين للجوء في ألمانيا الغربية في سبتمبر (أيلول) 1980. وهما يتحدّران من بلدة بانلي قرب مدينة قيصري، وكانا ناشطين سياسيين نقابيين سجناً بعد الانقلاب العسكري. الوالد كان طبيباً والوالدة ناشطة نسوية في الحزب العمالي الاشتراكي، سجنت بعد الانقلاب ولم يطلق سراحها إلا بسبب تقدّم حملها بشكل واضح عندما كانت حاملاً بإيرالب. وبالنتيجة، تمكنا من الهرب إلى ألمانيا حيث قدّما طلب لجوء في ميونخ. ولكن عمل والدها دفع بالعائلة لاحقاً إلى الانتقال إلى مدينة دورتموند، حيث كبرت إيرالب قبل أن تنتقل مرة أخرى إلى مدينة هامبورغ في سن الثامنة حيث أنهت المدرسة.

دراسة القانون في هامبورغ

بعد المدرسة، درست إيرالب القانون في جامعة هامبورغ وتخرّجت محامية، وأسهم في اختيارها تخصصها، وفق تصريح لها، المعاملة المختلفة والعنصرية التي تعرضت لهما عائلتها في ألمانيا.

لقد تطرقت إيرالب مراراً لتجربة عائلتها لدى وصولها إلى ألمانيا، وعملية اللجوء المعقدة والطويلة التي واجهوها، ومما قالته: «لقد عشت تجربة ما الذي يعنيه عندما تتّخذ السلطات قرارات غير مفهومة، وقد شعرت كذلك بالعنصرية والتمييز... لقد عاصرت عائلات عوملت معاملة مختلفة مثل عائلتنا، ولهذا درست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع».

وقبل إكمال تخصّصها في القانون الجزائي في جامعة هامبورغ، أمضت إيرالب فصلاً في مدينة أليكانتي في إسبانيا. وهو ما مكّنها من تعلّم الإسبانية، لتضاف إلى لغاتها الألمانية والتركية والإنجليزية.

وبعد تخرّجها عام 2007، انتقلت عام 2010 إلى برلين لتعمل مستشارة قانونية لكتلة حزب «دي لينكا» البرلمانية من دون أن تنضمّ للحزب اليساري آنذاك؛ إذ إنها لم تصبح عضواً في الحزب إلا عام 2017. بل، برّرت إيرالب قرارها الانضمام إلى الحزب المنتمي لأقصى اليسار بأنه جاء كرد مباشر على دخول حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف إلى البرلمان الفيدرالي (البوندستاغ) للمرة الأولى آنذاك. ومعلوم، أن الحزب اليميني المتطرف استغل من موجة اللاجئين السوريين التي وصلت إلى ألمانيا عام 2015 لتوسيع قاعدته الشعبية، بانياً حملته الانتخابية ضد اللاجئين والمسلمين.

العيش في بيئة مهاجرين

منذ انتقالها إلى برلين، تعيش إيرالب في منطقة كرويتزبيرغ، المعروفة بـ«إسطنبول الصغيرة»، وقال عنها المستشار الألماني فريدريش ميرتس - قبل أن يصبح مستشاراً - إنها «لا تمثل ألمانيا». وهي تعيش حياة بسيطة، في شقة تستأجرها مع زوجها وولديها اللذين يرتادان مدرسة عامة في الحي. وكانت قد حرصت خلال حملتها الانتخابية على عكس هذه الصورة، بأنها واحدة من سكان المدينة وأنها تشبههم، وأن الأمر لا يتعلق فقط بأصولها المهاجرة.

لقد قالت عن ذلك: «الحملة لا تتعلق بأصولي المهاجرة بل بواقع أنني مثل الجميع هنا. أعرف مشاكل المدينة، الإيجارات المرتفعة والمدارس المتهالكة ونظام التنقل المتردي». وتابعت: «أنا لا أعيش في فيلا في غرونافالد، وأولادي لا يرتادون مدارس خاصة بل مدرسة عادية». وبالمناسبة، غرونافالد منطقة راقية في غرب برلين مليئة بالفلل الفخمة ومحاطة بمدارس خاصة.

أزمة السكن

أزمة السكن في برلين شكلت بالفعل محور حملة إيليف إيرالب الانتخابية. وكانت قد ذكرت في إحدى المقابلات أنها هي نفسها تبحث عن شقة منذ 7 سنوات من دون توفيق. وفي الحقيقة، تعاني برلين من أزمة سكن كبيرة وارتفاع إيجارات مستمر رغم وجود قوانين تحد من رفعها. ويعيش معظم سكان برلين (قرابة 85 في المائة منهم) في شقق مستأجرة في بلد ما زالت فيه ثقافة امتلاك المنزل غير شعبية. وخلال السنوات العشر الأخيرة، ارتفعت أسعار الإيجارات بنسبة 70 في المائة مع تزايد عدد القادمين للعيش في المدينة. وعلى الرغم من وجود قانون يحد رفع الأسعار منذ عام 2015، فإن مالكي الشقق وشركات التأجير تستغل ثغرات في القانون لرفع الإيجارات بشكل دوري.

من جانبها، طرحت إيرالب أفكاراً راديكالية للتعامل مع أزمة السكن، منها الاستحواذ على الشقق المملوكة من كبرى الشركات العقارية الخاصة، بشرائها من ميزانية ولاية برلين بسعر محدد (أقل من سعر السوق الحالي) ثم تحويلها لكي تدار من قبل هيئة غير ربحية.

الخطط تشبه تأميم الشركات، ولكن علامات استفهام كثيرة تحيط بها، من قانونيتها إلى المخاطر التي قد تحملها على ميزانية الولاية التي قد لا تكون قادرة على تحملها. ولقد أثارت هذه الخطط مخاوف كبيرة لدى الشركات المالكة للشقق مثل «فينوفيا» التي تهوي أسهمها منذ فوز إيرالب. وحتى المستشار ميرتس الذي يرفض حزبه التحالف مع «دي لينكا»، تعهد بعد فوز إيرالب وحزبها في برلين، بإدخال قوانين سريعاً تمنع الاستحواذ على شركات العقارات وتحبط خطط الاستيلاء عليها.

أصداء كبيرة

مع هذا، فإن تركيز إيرالب على مواجهة أزمة السكن لقيت صدى كبيراً لدى سكان العاصمة الذين ذكروا في استفتاءات سابقة بأن أزمة السكن هي الموضوع الأول الذي يهتمون به في الانتخابات المحلية. وبينما لم تطرح الأحزاب الأخرى الرئيسة أي أفكار جديدة لمواجهة أزمة السكن، بدت أفكار «دي لينكا» جديدة وجذابة للناخبين. وقال كثيرون من الذين صوّتوا للحزب، إنهم لا يوافقونه في كل السياسات ولكن خطط حل أزمة السكن شكلت عاملاً رئيساً في التصويت لهم. وهكذا، نجح الحزب بمضاعفة أصواته عن الانتخابات السابقة. وما يذكر، أن «دي لينكا» استعان كذلك بفريق عمدة نيويورك ممداني، إذ قدم إلى برلين أحد مستشاريه في حملته الانتخابية ليقدم النصح لفريق إيرالب.

من جهة ثانية، رغم أن أزمة السكن كانت محور حملة إيرالب الانتخابية، فإن أصولها المهاجرة ونضالها في مواجهة التمييز العنصري ظَهَرا أيضاً بشكل محوري في لقاءاتها مع الناخبين. وكان لافتاً أنها استخدمت اللغة التركية في جزء كبير من حملتها في منطقة تعد القلب النابض للجالية التركية. والواقع أن إيرالب أمضت عدة سنوات ناشطة حقوقية أكثر منها سياسية. وحتى عندما انضمت إلى «دي لينكا»، أسست داخل الحزب جناحاً ضم من هم من أصول مهاجرة للترويج للألمان بخلفيات مختلفة وتسليط الضوء على قضايا تمييز يتعرض لها لاجئون ومهاجرون.

وبخلاف الأحزاب الألمانية الأخرى، لا يخشى «دي لينكا»، ولا إيرالب، إظهار التضامن مع القضية الفلسطينية، وهو ما جذب عدداً كبيراً من الناخبين من أصول عربية لهم. وإن كان تسبّب أيضاً بجدل أحاط بالحزب، خاصة، بعد ظهور صور لمشاركة ناشطين فلسطينيين في الحفلة التي أقامها الحزب ليلة صدور النتائج؛ إذ اتهمت الصحافة اليمينية إيرالب، وأيضاً اتهمها بعض الساسة منهم وزير الداخلية، بـ«معاداة السامية». ورد مكتب إيرالب بأنها ستتقدم بدعوى تشهير ضد وزير الداخلية.

الحملات المعادية

هذا، وتشن الصحافة الألمانية حملة لا تتوقف على إيرالب منذ فوزها. وفي المقابل، تكرر إيرالب مراراً بأنها تريد لبرلين أن تكون مكاناً لكل السكان من بينهم أتباع الديانة اليهودية، كما أنها تريد للحوار أن يكون أساسياً بين المجتمعات المسلمة واليهودية في برلين. أيضاً، تتهم الصحافة الألمانية «دي لينكا» بعلاقات مع الجريمة المنظمة، بعد انتشار صورة أيضاً لأحد «زعماء» العشائر العربية - كما تسميهم الصحافة الألمانية - موجود في حفل الحزب ليلة الفوز. لكن الحزب برر لاحقاً بأن الحفل كان مفتوحاً للعامة ولم يكن بالدعوات فقط.

ومن القصص السلبية الأخرى التي تنشرها الصحافة الألمانية يومياً عن إيرالب، قصة عن انتمائها لمجموعة يسارية راديكالية تعرف بـ«المساعدة الحمراء»، وهي مراقبة من المخابرات الداخلية. ولكن إيرالب لم تخف يوماً انتماءها للمجموعة، وأعلنت أعلنت أنها تركتها العام الماضي بسبب اختلاف حول قضايا أساسية.


«دي لينكا»... أمام شروط الحلفاء المحتملين

بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
TT

«دي لينكا»... أمام شروط الحلفاء المحتملين

بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)

نشطت المشاورات لتشكيل حكومة ائتلافية محلية في ولاية برلين، بعد أيام على صدور نتائج الانتخابات. ويقود المفاوضات حزب «دي لينكا» الفائز بالانتخابات بنسبة قاربت الـ26 في المائة، مع حزب «الخضر» الذي حصل على 14 في المائة من نسبة الأصوات والحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) الذي حصل على 12 في المائة منها.

الحزبان الأخيران حددا شروطاً أساسية قبل انطلاق المفاوضات؛ إذ طالب حزب «الخضر» حزب «دي لينكا» باتخاذ موقف واضح من «معاداة السامية»، ومن الاتهامات المرتبطة بذلك التي تلاحق أفراداً في الحزب. وقالت كاتارينا دروغه، زعيمة الكتلة البرلمانية لحزب «الخضر» في ولاية برلين، إن على «دي لينكا» اتخاذ «موقف أقوى ضد معاداة السامية في صفوفه، فنحن لا نتكلّم عن حوادث معزولة بل عن مشاكل هيكلية». وأضافت أنه إذا «لم يحدد (دي لينكا) بشكل واضح الخطوات الصارمة التي سيصار إلى اتخاذها للتعامل مع هذه المشكلة، فلن يمكن إجراء مشاورات لتشكيل حكومة معهم».

أما الحزب الديمقراطي الاجتماعي فقال إنه يتوقع «تفسيراً» من إيرالب حول انتمائها لمجموعة «المساعدة الحمراء» المتطرفة والتي تخضع لمراقبة المخابرات الداخلية. وقال شتيفان كراخ، زعيم الكتلة البرلمانية للحزب في برلمان برلين، إن المشاورات لن تبدأ قبل الحصول على تفسير حول عضويتها تلك، وأيضاً بعد مناقشة ارتباط الحزب بمعاداة السامية والجريمة المنظمة.

أما فيما يخص حزب «دي لينكا»، فهو حزب من أقصى اليسار، شكّل عام 2007 من مجموعة أحزاب يسارية وشيوعية من بينها حزب «الوحدة العمالية» الألماني، وهو حزب ماركس لينيني أسس عام 1946 في مناطق شرق ألمانيا التي كانت تحت حكم الاتحاد السوفياتي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.

ولدى الحزب تجربة بحكم محلي في ولاية ثورينجيا (الشرقية سابقاً) التي حكمها طوال 10 سنوات، وكان رئيس حكومة الولاية فيها هو بودو راميلو الذي تمتع بشعبية كبيرة طوال فترة حكمه. ويستعين فرع الحزب في برلين من تجربة «دي لينكا» في تورينجيا في الحكم، لإجراء المشاورات الحكومية ووضع برنامج الحكومة في حال نجحت المشاورات.