المتطرفون.. مشكلة تواجه المثقفين العرب المغتربين

يشبهون أوروبيّي العصور الوسطى الغابرة وقد خرجوا من قبورهم

المتطرفون.. مشكلة تواجه المثقفين العرب المغتربين
TT

المتطرفون.. مشكلة تواجه المثقفين العرب المغتربين

المتطرفون.. مشكلة تواجه المثقفين العرب المغتربين

من المؤسف أن وسائل الإعلام لا تتحدث عن الهجرة والمهاجرين إلا في أوقات الانتخابات عندما تحمى النفوس كثيرا. وعندئذ يستغل اليمين المتطرف هذه الظاهرة لتعبئة الرأي العام ضد العمال المغتربين أو العرب والمسلمين والأفارقة السود أيضا. نقول ذلك في حين أن دراسة موضوع حساس وخطير كموضوع الهجرة تحتاج إلى برودة أعصاب لمعالجته. السؤال المطروح بداية هو التالي: كم عدد المهاجرين في فرنسا؟ طبقا لبعض الإحصاءات يمكن القول بأنه يوجد في فرنسا نحو خمسة ملايين عربي أو مسلم مغترب. وهذا يعني أنهم يشكلون نسبة 8 في المائة من عدد سكان فرنسا. ونسبة أربعين في المائة من هؤلاء يحملون الجنسية الفرنسية؛ أي نحو المليوني نسمة. أما أولئك الذين لا يحملون الجنسية الفرنسية فيصل عددهم إلى 2.96 مليون نسمة؛ أي نسبة 60 في المائة من كل المهاجرين. بالطبع فهذه الأرقام تقريبية.
ينبغي العلم بأن الهجرات الوافدة إلى فرنسا للعيش فيها قديمة العهد؛ ففي القرون الوسطى كما في العصور الحديثة استقبلت فرنسا أناسا من مختلف الأنواع والأصناف. ولكن موجات الهجرة لم تكبر ولم تأخذ كل أبعادها إلا في نهاية القرن التاسع عشر مع الثورة الصناعية؛ فقد احتاجت فرنسا عندئذ إلى أيدٍ عاملة كثيرة لإدارة عجلات المصانع كما يقال. وبما أن فرنسا عانت آنذاك من نقص في الولادات، وبالتالي من تدهور في عدد السكان، فإنها اضطرت لاستقبال الموجة الكبرى الأولى من موجات الهجرة. وقد استمرت من عام 1870 حتى عام 1910. وبعد الحرب العالمية الأولى وسقوط مليون ونصف المليون قتيل في ساح الوغى، اضطرت فرنسا من جديد لاستقبال موجة ثانية من الهجرة الأجنبية نظرا لنقص الرجال لديها. وأصبحت عندئذ البلد الثاني لاستقبال المهاجرين في العالم بعد الولايات المتحدة الأميركية. ولكن هذه الهجرات الأولى كانت أوروبية في معظمها؛ أي إيطالية، وإسبانية، وبرتغالية، وبولونية، إلخ. لم يكن هناك عرب أو مسلمون إلا القليل.
ولكن بعد الحرب العالمية الثانية أيضا اضطرت فرنسا إلى استقبال الموجة الثالثة من الهجرة لنفس السبب، ثم لأن اليد العاملة الأجنبية أرخص ولا تسبب مشكلات واحتجاجات ومطالبات، على عكس العامل الفرنسي. وكانت الهجرة هذه المرة في معظمها من دول شمال أفريقيا وبعض دول أفريقيا السوداء. بمعنى آخر فإنها كانت عربية إسلامية أمازيغية في معظمها. وهي التي تشكل الآن التحدي الأكبر للمجتمع الفرنسي بعد أن وصلت هذه الهجرة إلى مستوى الجيل الثاني والثالث بل وحتى الرابع.
إن اليمين المتطرف يستخدم مشكلة المغتربين كسلاح فعال للحصول على أصوات الناخبين الفرنسيين. وللأسف فإن متطرفي الجالية يقدمون له الحجج على طبق من ذهب؛ فهو يحذر السكان من خطورة الأجانب عليهم وأنهم يأكلون خبزهم اليومي. ويرفع اليمين المتطرف الشعار التالي: فرنسا للفرنسيين. وهناك حجة أخرى يستخدمها ألا وهي أن الهجرات السابقة؛ أي الإيطالية والبولونية والبرتغالية، كانت مسيحية أوروبية، وبالتالي يسهل امتصاصها ودمجها في المجتمع لأنها تنتمي إلى نفس الحضارة والدين. هذا في حين أن الهجرات الأخيرة كانت مغاربية أو عربية إسلامية أو أفريقية، وبالتالي فيستعصي دمجها داخل الحضارة الفرنسية. ولكن هذا اليمين المتطرف ينسى أن الشعب الفرنسي كان يستخدم ضد موجات المهاجرين الأولى - وهي أوروبية - نفس المحاجات السلبية التي يستخدمها الآن ضد العرب والمسلمين. فقد كان يكره الإيطاليين ويتهمهم بأنهم جاءوا لسرقة خبزه اليومي، وأنهم متخلفون، وسخون، لا يحبون فرنسا. ويكفي أن نفتح جرائد تلك الحقبة التي تعود إلى أوائل القرن العشرين لكي نتأكد من ذلك. عندئذ سنجد نفس الشتائم واللعنات التي استخدمت ضد الإيطاليين تُستخدم ضد المغاربة حاليا. وهذا ما يؤكده المطرب الشهير إيف مونتان الذي هو من أصل إيطالي. انظروا الكتاب الجميل الذي صدر عنه بعنوان «كما ترى. لم أنس ولن أنسى».. بالطبع بعد أن أصبح نجما عالميا لم يعد أحد يمارس ضده أو ضد عائلته أي عنصرية، بل على العكس أصبحوا يفتخرون به ويتباهون. ولكن قبل ذلك؟
وبالتالي فما أشبه الليلة بالبارحة! ثم من قال بأن المسلمين أو العرب لا يندمجون في المجتمع الفرنسي أو الأوروبي عموما؟ الكثيرون اندمجوا بمئات الآلاف حاليا. فهناك العمال المحترفون، والأطباء، والصيادلة، وأساتذة الجامعات، والمهندسون، ورؤساء الشركات، بل وحتى النواب والوزراء! وزيرة التربية والتعليم في فرنسا حاليا مغربية: نجاة فالو بلقاسم. وعمدة مدينة روتردام في هولندا السيد أحمد أبو طالب هو مغربي أيضا، إلخ.. وروتردام مدينة ضخمة وليست بلدة صغيرة.. وبالتالي فوصوله إلى سدة السلطة فيها يعتبر شبه معجزة. وهذا يعني أن المسلم الحضاري المستنير قادر على قيادة أوروبا وليس فقط على الاندماج فيها. إنه مؤهل للتفاعل مع مجتمع الحداثة إذا ما أتيحت له الفرصة لكي يثبت جدارته وكفاءاته. وقد تصدى أحمد أبو طالب مؤخرا للمتطرفين داخل الجالية قائلا: «إما أن تقبلوا بالقوانين الهولندية والأوروبية عموما، وإما أن تغادروا هذه البلاد فورا، فلا أحد يجبركم على البقاء فيها أو العيش في ظل قوانينها». وأضاف: «عندما تصبح مواطنا هولنديا فهذا يعني أنك قبلت ضمنيا بالدستور الهولندي والقيم الأساسية للمجتمع التنويري الحديث. وهي قيم حضارية لا تكفيرية. إنها تقر بحق الاختلاف في الرأي والمعتقد. فهنا توجد عدة أديان وعدة مذاهب لا دين واحد أو مذهب واحد، وكلها تتعايش بشكل سلمي وأخوي؛ فلا أحد يكفر أحدا أو يعتدي على أحد لأنه لا ينتمي إلى دينه أو طائفته ومذهبه. والجميع لهم الحق في ممارسة طقوسهم وشعائرهم دون استثناء، سواء أكانوا مسيحيين من سكان البلاد الأصليين أو مسلمين أو يهودا أو بوذيين.. إلخ. كما يحق لهم عدم ممارستها على الإطلاق دون أن يخشوا على وظيفتهم أو حياتهم أو حقوقهم المدنية. فالتدين أو عدم التدين مسألة شخصية، ولكن ليس الإخلال بالواجب. هنا يكمن مكتسب الحداثة الذي لا يقدر بثمن. وبالتالي فكفانا أوصياء على الدين أو متاجرون به». ثم وصف المتطرفين الهولنديين الذين يذهبون إلى منطقة الشرق الأوسط لمشاركة الدواعش القتل والذبح بأنهم خانوا المبادئ الإنسانية وقيم العالم المتحضر. وقال لا شيء يبرر قطع رؤوس الأبرياء باسم الله! الإسلام الوسطي العقلاني الصحيح لا يقر هذا إطلاقا. والمسلمون لا يمكن أن يقبلوا بأن تُستغل عقيدتهم بمثل هذا الشكل الفاضح. ولحسن الحظ فإن غالبية المسلمين في هولندا لا تصطف خلف هذا الفكر الهمجي المتطرف. هذا كلام رجل عاقل ومسؤول وحريص على مصلحة جالياتنا المهاجرة ويعرف كيف يدافع عنها بشكل مقنع وحضاري.
لكن ينبغي الاعتراف بأن المسألة أعوص من ذلك وأكبر بكثير. إنها تتجاوزنا جميعا ولا حل لها في المدى المنظور. ينبغي العلم بأن الأصولية الظلامية الداعشية وغير الداعشية تمثل أكبر مشكلة للفكر العربي، وقد تكسر ظهره للوهلة الأولى. وبالتالي فمواجهتها قد تستغرق عشرات السنين. ولن تكون المعركة الفكرية أقل شراسة من المعركة العسكرية الدائرة حاليا. ولكن المسار الحضاري الذي هضمته الشعوب الأوروبية خلال ثلاثة قرون لا يمكن أن تهضمه الشعوب العربية أو الإسلامية خلال ثلاثة عقود!
أحيانا يخيل إلي أن المتطرفين الذين حطت بهم الطائرة فجأة في مجتمعات الحداثة أو ما بعد الحداثة يشبهون أوروبيّي العصور الوسطى الغابرة وقد خرجوا من قبورهم بقدرة قادر ورأوا ما رأوه فصعقوا وجن جنونهم. ما هذا المجتمع الكافر؟ ما هذا المجتمع المتحرر من كل دين أو تدين؟ الكنائس فارغة وقد تحولت إلى ما يشبه المتاحف! لقد اختفى الدين المسيحي كليا من الساحة العامة للمجتمع. ما هذا المجتمع المليء بالحريات الدينية والسياسية بل وحتى الجنسية؟ هل يعقل هذا؟ (تذكروا سيد قطب عندما سافر إلى أميركا ورأى ما رآه وكانت الصدمة المروعة!). ولذلك لووا أعناقهم وفضلوا العودة إلى قبورهم سالمين، ناجين بأرواحهم من هذا المجتمع الشيطاني النجس الرجس. أبالغ بطبيعة الحال بل وأهلوس إلى حد ما، ولكن فقط لتوضيح الصورة. ألا تعلمون بأن الظلامية المسيحية، وبخاصة في نسختها البابوية الكاثوليكية، حاربت الحداثة طيلة ثلاثة قرون متواصلة؟ فلماذا لا تحاربها ظلاميتنا الداعشية طيلة أربعين أو خمسين سنة على الأقل. إنكم واهمون إذا ما اعتقدتم أننا سنخرج من هذه المحنة في ظرف سنوات معدودات. نحن دخلنا الآن في نفق مظلم نرى بداياته ولا نرى نهاياته. ولا أقول ذلك لتثبيط عزيمتكم أو للتمتع بإحباطكم والتلذذ بتعذيبكم وإنما فقط على سبيل «تشاؤم الفكر وتفاؤل الإرادة» كما يقال. فأنا شخصيا لن أستسلم حتى ولو بلغ السيل الزبى. وقد وطنت نفسي على المقاومة حتى النفس الأخير. هنا تكمن مقاومتي الحقيقية، قضيتي الأساسية. والله ستكون روحي رخيصة في سبيلها. أنا مسؤول عنها شخصيا أمام ملايين العرب والمسلمين.



الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي