تحليل: هل نقلت طهران معركتها ضد الغرب إلى أوروبا؟

طائرات مسيّرة إيرانية (رويترز)
طائرات مسيّرة إيرانية (رويترز)
TT

تحليل: هل نقلت طهران معركتها ضد الغرب إلى أوروبا؟

طائرات مسيّرة إيرانية (رويترز)
طائرات مسيّرة إيرانية (رويترز)

لأول مرة، تخوض إيران حرباً كبرى في القارة الأوروبية. المستشارون العسكريون الإيرانيون، على الأرجح أعضاء في «الحرس الثوري» الإيراني، موجودون على الأرض في أوكرانيا - وربما بيلاروسيا - لمساعدة روسيا في تشغيل الطائرات من دون طيار الإيرانية الانتحارية التي تستهدف المدن الأوكرانية والبنية التحتية المدنية. وفقاً لتقرير إخباري إسرائيلي نقلاً عن مسؤول أوكراني، قُتل 10 إيرانيين في هجوم أوكراني على مواقع روسية. تستعد طهران اليوم لتزويد روسيا ليس فقط بآلاف محتملة من الطائرات من دون طيار الإضافية ولكن أيضاً، وللمرة الأولى، بنوعين من الصواريخ الباليستية لتكملة مخزون روسيا المتضائل.
وحسب تقرير نشرته مجلة «فورين بوليسي»، فإن الدعم العسكري لطهران يترك بصماته القاتلة على الحرب، لكن العواقب الجيوسياسية تمتد إلى أبعد من ذلك بكثير. من خلال تصعيد دعمها لمحاولة روسيا إخضاع أوكرانيا، تأمل إيران في دفع مشروعها في الشرق الأوسط. من المرجح أن تسعى طهران إلى الاستفادة من الشراكة الروسية - الإيرانية العميقة في صفقات أسلحة جديدة مع موسكو كما تسعى للاستفادة من ساحة المعركة الأوكرانية لتحسين قدرات طائراتها المسيرة وصواريخها. في الوقت نفسه، من المرجح أن يأمل النظام في إيران أن يؤدي تأجيج الأزمة في أوكرانيا إلى تشتيت انتباه الغرب عن مواجهة سعي إيران للهيمنة في الشرق الأوسط. ومع ذلك، فإن دخول طهران «الحرب الأوروبية» يمكن أن يساعد في دفع واشنطن وحلفائها الغربيين نحو سياسة أكثر قوة لمواجهتها.

روسيا تلجأ إلى إيران

لمعالجة نقاط الضعف في ساحة المعركة التي تعيق حربها التي استمرت ثمانية أشهر ضد أوكرانيا، وجدت روسيا مؤيداً. طهران، التي أنفقت موارد وجهوداً كبيرة في برامج الطائرات من دون طيار والصواريخ منذ الحرب الإيرانية العراقية في الثمانينات، زودت موسكو بمئات المسيرات من مختلف الأنواع أبرزها «شاهد - 136» المصممة لتنفيذ عمليات انتحارية. بالإضافة إلى مساعدة القوات الروسية في القضاء على أهداف ثابتة بالقرب من الخطوط الأمامية، مكّنت الذخيرة الإيرانية، روسيا، من شن العديد من الضربات على مدن عبر أوكرانيا في الأسابيع الأخيرة مع الحفاظ على مخزونها الصاروخي المتضائل.
قال مشرع أوكراني هذا الأسبوع، إن طائرة «شاهد - 136» ساعدت روسيا في تدمير نحو 40 في المائة من البنية التحتية للكهرباء في أوكرانيا؛ مما أثر على نصف قدرة توليد الطاقة غير النووية في البلاد. ونتج من ذلك انقطاعات هائلة في التيار الكهربائي وتقنين للطاقة. مع اقتراب فصل الشتاء، تأمل موسكو أن تؤدي حملة العسكرية إلى تآكل إرادة أوكرانيا للقتال.
يقول مسؤولون إيرانيون وحلفاء للولايات المتحدة اليوم، إن طهران ستزود موسكو ليس فقط بطائرات «شاهد - 136» ولكن أيضاً بصاروخي «فاتح 110» و«ذو الفقار» الباليستيين القصيري المدى - وهو تصعيد آخر للدعم الإيراني للحرب الروسية. يعمل هذان الصاروخان بالوقود الصلب وهما من بين أكثر الصواريخ دقة في الترسانة الباليستية الإيرانية، والتي تعد الأكبر في الشرق الأوسط. صاروخ «فاتح 110» قديم ويبلغ مداه من 250 إلى 300 كيلومتر (أو ما يقرب من 150 إلى 190 ميلاً)، في حين تم الكشف عن «ذو الفقار» عام 2016، كتحديث لـ«فاتح 110»، ويصل مداه إلى 700 كيلومتر (435 ميلاً).
استخدمت إيران أنواعاً مختلفة من هذه الصواريخ في العديد من العمليات العسكرية على مدار نصف العقد الماضي، بما في ذلك الضربات على المواقع الأميركية في العراق في يناير (كانون الثاني) 2020 والتي تسببت في أكثر من 100 إصابة دماغية بين أفراد الخدمة الأميركية. على الرغم من أن إيران نشرت أنواعا مختلفة من هذه الأسلحة إلى وكلائها في الشرق الأوسط، فإن النظام لم يأتِ بها من قبل إلى أوروبا الشرقية. ومن المتوقع أن تساعد طائرات «شاهد - 136» موسكو في الحفاظ على ما تبقى من صواريخ إسكندر الباليستية قصيرة المدى وغيرها من الصواريخ، والتي استخدمتها روسيا بشكل مقتصد مع استمرار الحرب.
فاجأ التعاون بين طهران وموسكو في أوكرانيا العديد من المراقبين - بما في ذلك بعض الخبراء الروس البارزين في شؤون إيران. على الرغم من تحالفهما الأخير، تتمتع إيران وروسيا بتاريخ طويل من العداء وانعدام الثقة يعود إلى الحقبة القيصرية، بما في ذلك سلسلة من الحروب الروسية الفارسية والتدخل الروسي المتكرر في السياسة الإيرانية. خلال الحرب الباردة، كانت علاقاتهما متوترة عندما كانت إيران بقيادة الشاه المتحالف مع الولايات المتحدة، وظلت أسوأ بعد الثورة الإيرانية عام 1979. أطلق النظام الإيراني الجديد على الاتحاد السوفياتي لقب «الشيطان» إلى جانب الولايات المتحدة ودعم الأفغان ضد السوفيات، تماماً كما ساعدت موسكو بغداد خلال الحرب العراقية - الإيرانية. تحسنت العلاقات فيما بعد، حيث قدمت روسيا المساعدة للبنية التحتية النووية الإيرانية المتنامية وبرامج الصواريخ في التسعينيات، إلا أنها ظلت تخضع للتجاذب بعد مواقف روسيا من العديد من قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة التي تفرض عقوبات على إيران بسبب برنامجها النووي المتنامي.
ومع ذلك، اكتسبت العلاقات الروسية - الإيرانية زخماً منذ عودة فلاديمير بوتين إلى الرئاسة عام 2012، وخاصة منذ تدخله العسكري في سوريا عام 2015 لإنقاذ حليفهما المشترك، بشار الأسد. على الرغم من استمرار الشك والمنافسة، يرى كلا الجانبين بشكل متزايد أن مصالحهما متشابكة ومدفوعة بالمعارضة المشتركة للغرب.
منذ غزوها لأوكرانيا، ضاعفت موسكو من شراكتها مع طهران، بما في ذلك جهودهما المشتركة لمواجهة العقوبات الغربية. في غضون ذلك، أصدر المرشد الإيراني علي خامنئي تعليمات لأتباعه بتطوير علاقات أقوى مع روسيا والصين. وبدعم من الكرملين، مُنحت إيران العضوية الكاملة في منظمة شنغهاي للتعاون التي تقودها الصين وروسيا العام الماضي. وتسعى طهران أيضاً للحصول على عضوية مجموعة «بريكس» وتتفاوض حالياً على اتفاقية تجارة حرة دائمة مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي بقيادة موسكو.
إذا نظرنا في هذا السياق، فإن صفقة تزويد روسيا بطائرات من دون طيار وصواريخ ومستشارين عسكريين لها معنى استراتيجي بالنسبة لإيران ويمكن أن تثبّت قيمة طهران لأحد شركائها الرئيسيين في الوفاق المناهض للغرب. ويثير الاتفاق أيضا التساؤل عما قد تحصل عليه إيران في المقابل. يمكن روسيا اليوم العرض على إيران طائرات مقاتلة متقدمة أو نظام الدفاع الجوي «S - 400»، الذي رفضت موسكو في السابق بيعه لطهران.

أوكرانيا ساحة تجارب لمسيرات إيران

وفي الوقت نفسه، ستحصل إيران على أرض تجارب واسعة النطاق لمنصاتها الصاروخية والطائرات من دون طيار، ضد أنظمة الدفاع الجوي الغربية الصنع وغيرها من الأسلحة. من المؤكد أن طهران ستطبق الدروس المستفادة من المسرح الأوكراني على تطوير الأسلحة والتكتيكات المستقبلية في الشرق الأوسط.
لكن بالنسبة لحكام إيران، فإن دعم الحرب الروسية في أوكرانيا هو أيضاً توسيع لهجومهم ضد الغرب. على مدى عقود، سعت إيران إلى توسيع نفوذها وإضعاف منافسيها من خلال توفير الأسلحة - بما في ذلك بعض الطائرات من دون طيار والصواريخ التي قدمتها لروسيا - إلى الجماعات المسلحة في الشرق الأوسط، مثل «حزب الله» في لبنان والمتمردين الحوثيين في اليمن. اليوم طهران تطبق نفس هذه الاستراتيجية في أوروبا.
من خلال تأجيج الأزمة في أوكرانيا، من المحتمل أن تأمل إيران في قيادة الولايات المتحدة لمواصلة تحويل انتباهها عن الشرق الأوسط. في ظل ثلاثة رؤساء متعاقبين، أشارت واشنطن إلى أنها تفضل سحب استثماراتها إلى حد كبير من المنطقة لتحويل الموارد العسكرية إلى مكان آخر وتركيز الانتباه على المشاكل في الداخل. والآن بعد أن استحوذت حرب بوتين في أوكرانيا على اهتمام الغرب وموارده، ترى طهران فرصة لتغذية هذا الاتجاه.
بدلاً من ذلك، يجب على واشنطن أن توضح أن دعم إيران للحرب الروسية لن يؤدي إلا إلى عزيمة أميركية أقوى في الشرق الأوسط. ومع استمرار الاحتجاجات في جميع أنحاء إيران، سيكون الآن وقتاً مناسباً لإدارة الرئيس جو بايدن لمراجعة سياستها تجاه إيران للتركيز على دحر النفوذ الإيراني في المنطقة. الإدانات والعقوبات الأميركية لن تحققا سوى القليل إن لم تكن جزءاً من استراتيجية أكبر.
ومن المفارقات أن دعم طهران للحرب الروسية في أوكرانيا قد يدفع الغرب إلى إيلاء المزيد من الاهتمام لـ«الشرق الأوسط»، خاصة إذا تبنت أوروبا خطأ أكثر صرامة تجاه إيران. اتبعت بريطانيا والاتحاد الأوروبي خطى واشنطن الأسبوع الماضي وفرضتا عقوبات مستهدفة على عناصر برنامج الطائرات من دون طيار الإيراني.
وحسب التقرير، يجب على الولايات المتحدة أيضاً حشد المزيد من الدعم ضد موسكو من إسرائيل ودول الخليج العربي من خلال الإشارة إلى علاقات روسيا المتينة مع إيران. من المؤكد أن دعم طهران للحرب الروسية في أوكرانيا لا يغير على الفور الحسابات الإسرائيلية أو الخليجية تجاه روسيا. تل أبيب، على سبيل المثال، لا تزال غير راغبة في تلبية طلبات كييف لأنظمة الدفاع الجوي. لكن يمكن لحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة تغيير موقفهم إذا بدأت روسيا في بيع أسلحة متطورة لإيران (وهذا جزئياً سبب امتناع موسكو سابقاً عن القيام بذلك).
في الوقت نفسه، يجب على الولايات المتحدة أن تعمل على ضمان أن حلفاءها الإسرائيليين والعرب، الذين عاشوا لسنوات على الخطوط الأمامية لتهديد الطائرات من دون طيار والصواريخ الإيرانية، لديهم القدرات العسكرية والدعم الذي يحتاجون إليه لمواجهة العدوان الإيراني. يجب على واشنطن أيضاً مضاعفة جهودها لتشجيع وتسهيل التعاون الأمني العربي - الإسرائيلي. بالإضافة إلى المساعدة في مواجهة إيران، فإن الدعم الأميركي القوي لحلفائها في الشرق الأوسط قد يجعلهم بدورهم أكثر انفتاحاً على طلبات الولايات المتحدة فيما يتعلق بروسيا.
أخيراً، أعطت تصرفات إيران في أوكرانيا أيضاً إدارة بايدن وشركائها الأوروبيين سبباً آخر للتخلي عن سعيهم لإحياء اتفاق 2015 النووي مع طهران. بالإضافة إلى الفشل في احتواء طموحات إيران في مجال الأسلحة النووية، فإن الصفقة ستمكّن من مزيد من التعاون الروسي - الإيراني في المشاريع النووية المدنية والتهرب من العقوبات بينما تقدم لطهران الأموال التي تحتاج إليها لشراء أسلحة تقليدية متطورة من روسيا وأماكن أخرى.



ما هو الوضع الراهن للمنشآت النووية الرئيسية بإيران؟

مفتش من «الطاقة الذرية» يركّب كاميرات للمراقبة بمنشأة «نطنز» في أغسطس 2005 (أ.ب)
مفتش من «الطاقة الذرية» يركّب كاميرات للمراقبة بمنشأة «نطنز» في أغسطس 2005 (أ.ب)
TT

ما هو الوضع الراهن للمنشآت النووية الرئيسية بإيران؟

مفتش من «الطاقة الذرية» يركّب كاميرات للمراقبة بمنشأة «نطنز» في أغسطس 2005 (أ.ب)
مفتش من «الطاقة الذرية» يركّب كاميرات للمراقبة بمنشأة «نطنز» في أغسطس 2005 (أ.ب)

انحسرت المخاوف الإقليمية من هجوم أميركي على إيران، بعد أن قال الرئيس دونالد ترمب إن طهران أكدت له أن المحتجين لن يتم إعدامهم، وبالرغم من ذلك قال البيت الأبيض إنه يبقي «جميع خياراته على الطاولة».

ونفّذت إسرائيل والولايات المتحدة آخر الهجمات الكبيرة على إيران في يونيو (حزيران) الماضي، واستهدفت بشكل أساسي المنشآت النووية الرئيسية.

ما هي المواقع النووية التي ​قصفت؟

تعرضت 3 محطات إيرانية لتخصيب اليورانيوم للقصف، محطتان في نطنز، وثالثة داخل جبل في فوردو، إضافة إلى مجمع واسع في أصفهان يضم منشآت مرتبطة بدورة الوقود النووي، ومنطقة تحت الأرض يقول دبلوماسيون إن جزءاً كبيراً من مخزون إيران من اليورانيوم المخصب كان مخزناً فيها.

صورة بالأقمار الاصطناعية تُظهر حُفَراً في منشأة «نطنز» لتخصيب اليورانيوم عقب الضربات الأميركية (أرشيفية - رويترز)

ما حجم الضرر الذي وقع؟

لم يسمح للوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي كانت تجري عمليات تفتيش منتظمة على المنشآت النووية قبل الهجوم، بما في ذلك نطنز وفوردو، بالوصول إلى تلك المواقع منذ قصفها.

مدخل منشأة فوردو في ضواحي مدينة قم (أرشيفية - أرنا)

وأجرت الوكالة عمليات تفتيش في منشآت أخرى لم تتضرر، لكن الحالة الدقيقة للمواقع التي تعرضت للقصف تبقى غير معروفة.

وفي تقريرها الفصلي عن إيران، الصادر في نوفمبر (تشرين الثاني)، قالت الوكالة إن 7 منشآت نووية معروفة «تأثرت بالهجمات العسكرية»، بينما لم تتأثر 13 منشأة أخرى. ولم توضح هذه التقارير حجم الأضرار التي لحقت بالمواقع المتضررة.

وبعد ‌القصف، قالت الوكالة ‌الدولية للطاقة الذرية إن أصغر محطات التخصيب الثلاث، وهي محطة التخصيب التجريبية للوقود في ‌نطنز الواقعة فوق ​الأرض، دمرت.

ورجحت ‌الوكالة أن تكون المنشآت الأكبر تحت الأرض في نطنز وفوردو قد تعرضت لأضرار بالغة على الأقل.

أما حجم الانتكاسة التي تعرض لها البرنامج النووي الإيراني فهو محل جدل. وبينما أكد ترمب مراراً أن المنشآت النووية الإيرانية دمرت، قال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، في يونيو، إن إيران قد تستأنف تخصيب اليورانيوم على نطاق محدود خلال أشهر.

أجهزة طرد مركزي في صالة لتخصيب اليورانيوم بمنشأة «نطنز» قبل تعرضها لهجوم أميركي يونيو 2025 (المنظمة الذرية الإيرانية)

ماذا حدث لليورانيوم الإيراني المخصب؟

مصير اليورانيوم المخصب ليس واضحاً تماماً. فبعضه دمر في الغارات الجوية، لكن إيران لم تقدم بعد تقريراً إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية حول ما حدث لمنشآتها التي تعرضت للقصف، ومخزون اليورانيوم المخصب، وذلك بالرغم من تأكيد الوكالة على أن ذلك أمر عاجل وتأخر. ولا يمكن للوكالة الدولية للطاقة الذرية التحقق من ذلك إلا عندما تقدم إيران التقرير.

وقال غروسي، لوكالة «رويترز»، في سبتمبر (أيلول): «أعتقد أن هناك فهماً عاماً بأن المواد لا تزال موجودة بشكل عام. ولكن، بالطبع، يجب التحقق منها. وقد يكون ‌البعض منها قد فقد». ويقول دبلوماسيون إن الوضع لم يتغير كثيراً على ما يبدو منذ ذلك الحين.

وأضاف غروسي: «ليست لدينا مؤشرات تقودنا إلى الاعتقاد بحدوث نقل كبير للمواد».

صورة أرشيفية لمركز «نطنز» للأبحاث النووية الإيرانية على بُعد 270 كيلومتراً جنوب طهران (أ.ف.ب)

وكانت إيران تخصب اليورانيوم بدرجة نقاء تصل إلى 60 في المائة قبل وقوع الضربات. ويمكن بسهولة رفع نقاء هذا اليورانيوم إلى نحو 90 في المائة تقريباً، وهي الدرجة المطلوبة لصنع الأسلحة النووية.

وتقدر الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران كان لديها 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب إلى هذا المستوى عندما بدأ القصف. ويكفي هذا نظرياً، وفقاً لمقياس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لصنع 10 أسلحة نووية، في حالة رفع درجة النقاء بشكل أكبر. ولدى إيران أيضاً يورانيوم مخصب بمستويات أقل.

ولا تعلن الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن مكان تخزين إيران لتلك المواد. ​ويقول دبلوماسيون إن إحدى منشآت التخزين الرئيسية تحت الأرض في أصفهان يبدو أنها لم تتضرر، باستثناء قصف مدخل النفق المؤدي إليها.

مفتش من «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» يجري فحصاً داخل محطة «نطنز» النووية يوم 20 يناير 2014 (أرشيفية - أ.ف.ب)

ما هي المخاوف المتبقية؟

كان أحد الأسباب التي قدّمتها الولايات المتحدة وإسرائيل لتبرير القصف هو أن إيران كانت تقترب كثيراً من القدرة على إنتاج سلاح نووي. وإذا جرى تخصيب اليورانيوم إلى درجة تسمح بصنع أسلحة، يمكن استخدام اليورانيوم لصنع نواة قنبلة نووية. كما يمكن استخدامه لتغذية محطات الطاقة النووية بمستويات تخصيب مختلفة.

وتقول القوى الغربية إنه لا يوجد مبرر مدني معقول لتخصيب إيران لليورانيوم إلى هذا المستوى الانشطاري العالي. وقالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إن ذلك يثير قلقاً بالغاً. ولم تقدم أي دولة أخرى على ذلك دون أن تتجه لإنتاج أسلحة نووية في نهاية المطاف.

وفي الوقت نفسه، وقبل الهجمات، قالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إنها ليس لديها أي مؤشر موثوق على وجود برنامج منسق لامتلاك أسلحة نووية في إيران، وكان هناك كثير من الجدل حول المدة التي ستستغرقها إيران لتطوير قنبلة نووية إذا قررت الاتجاه لذلك.

وتنفي طهران سعيها لامتلاك أسلحة نووية. وبصفتها طرفاً في معاهدة حظر الانتشار النووي، يحقّ لها تخصيب اليورانيوم لأغراض إنتاج الطاقة والأبحاث، ما دامت لا توجه هذه العملية نحو تطوير سلاح نووي.

منشأة «نطنز» لتخصيب اليورانيوم كما تبدو من الداخل في وسط محافظة أصفهان (رويترز)

وتمتلك إيران عدداً غير معروف من أجهزة الطرد المركزي، وهي الآلات التي يمكنها تخصيب اليورانيوم، مخزنة في مواقع غير معروفة. ولأن حجم مخزونها من اليورانيوم المخصب غير معروف الآن، فهناك خطر من أن ‌تتمكن إيران من دمج الاثنين معاً سرّاً وإنتاج يورانيوم من الدرجة التي يمكن استخدامها في صنع الأسلحة، في انتهاك لالتزاماتها بموجب معاهدة منع الانتشار النووي.

وفي الوقت الحالي، يبدو من المرجح أن عملية البحث عن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب ستستمر لبعض الوقت.


مؤتمر ميونيخ للأمن يسحب دعوته لوزير الخارجية الإيراني

عراقجي على متن طائرة تقلّه إلى بيروت في 8 يناير الحالي (الخارجية الإيرانية)
عراقجي على متن طائرة تقلّه إلى بيروت في 8 يناير الحالي (الخارجية الإيرانية)
TT

مؤتمر ميونيخ للأمن يسحب دعوته لوزير الخارجية الإيراني

عراقجي على متن طائرة تقلّه إلى بيروت في 8 يناير الحالي (الخارجية الإيرانية)
عراقجي على متن طائرة تقلّه إلى بيروت في 8 يناير الحالي (الخارجية الإيرانية)

سحب مؤتمر ميونيخ للأمن الدعوة الموجهة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، على خلفية الحملة الأمنية التي شنّتها حكومة طهران على ‌الاحتجاجات الشعبية، التي اندلعت في 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وجاء في ​بيان، ‌أُرسل بالبريد الإلكتروني، اليوم (الجمعة): «منذ عدة أسابيع، جرى توجيه الدعوات لممثلين حكوميين من إيران». وأضاف: «في ضوء الأحداث الراهنة، لن يُبقي مؤتمر ميونيخ للأمن ⁠على هذه الدعوات».

ويعدّ مؤتمر ميونيخ من بين أهم ​المنتديات الأمنية في العالم. ويُعقد اجتماع هذا ‌العام لخبراء الأمن ‍وصانعي ‍السياسات في الفترة من 13 ‍إلى 15 فبراير (شباط).

وقال المنظمون إنهم يهدفون إلى دعوة المشاركين الذين يمكنهم تقديم ​رؤى سياسية مهمة، لكنهم دائماً ما يأخذون في الاعتبار ⁠المستجدات السياسية قبل وضع اللمسات الأخيرة على قائمة المدعوين.

وقالت وزارة الخارجية الألمانية إن برلين تعارض دعوة مسؤولين إيرانيين نظراً للأحداث في إيران، حيث أشارت تقارير إلى مقتل آلاف الأشخاص في حملة قمع الاحتجاجات ‌المناهضة لنظام الحكم.


تباين بشأن حصيلة قتلى الاحتجاجات الإيرانية

محتجون يحرقون لافتة معلقة فوق جسر للمشاة في حي بونك شمال غربي طهران الجمعة (تلغرام)
محتجون يحرقون لافتة معلقة فوق جسر للمشاة في حي بونك شمال غربي طهران الجمعة (تلغرام)
TT

تباين بشأن حصيلة قتلى الاحتجاجات الإيرانية

محتجون يحرقون لافتة معلقة فوق جسر للمشاة في حي بونك شمال غربي طهران الجمعة (تلغرام)
محتجون يحرقون لافتة معلقة فوق جسر للمشاة في حي بونك شمال غربي طهران الجمعة (تلغرام)

أسفرت موجة الاحتجاجات التي هزّت إيران في الأسابيع الأخيرة عن مقتل الآلاف، وفقاً لمراقبين ومنظمات حقوقية، إلا أن هناك تبايناً في تقدير عدد القتلى الذي تشير بعض التقديرات إلى أنه قد يصل إلى 20 ألفاً.

تؤكد جميع الجهات العاملة على حصر عدد القتلى أن حجب السلطات الإيرانية خدمة الإنترنت على نحو شامل عقَّد مهمتها؛ ما يعني أن بعض الأرقام المنشورة حالياً لا تمثل سوى الحد الأدنى من الحالات المؤكدة.

فيما يلي تفصيل لحصائل القتلى المختلفة، حسب «وكالة الصحافة الفرنسية»:

منظمات حقوقية معنية بإيران

أكدت منظمة «إيران لحقوق الإنسان» ومقرها النرويج، مقتل 3428 متظاهراً على يد قوات الأمن.

وتستند هذه الحصيلة إلى الحالات التي تحققت منها المنظمة بنفسها أو عبر مصدرين مستقلين. كما تشمل بيانات وردت من مصادر داخل وزارة الصحة للفترة من 8 إلى 12 يناير (كانون الثاني)، وفقاً لتقرير حديث صادر عن المنظمة.

وأشارت المنظمة إلى أن عدد القتلى قد يكون أعلى بكثير، مستشهدة بتقديرات تراوح بين 5000 و20 ألف قتيل، إلا أن انقطاع الإنترنت الذي فُرض في 8 يناير جعل التحقق من المعلومات مهمة صعبة جداً.

وفي 15 يناير، أعلنت منظمة نشطاء حقوق الإنسان في إيران (هرانا) أنه تم التأكد من 2677 حالة وفاة، وأنها تحقق في 1693 حالة أخرى. وأضافت أن 2677 شخصاً آخرين أصيبوا بجروح خطيرة.

وسائل إعلام خارج إيران

قالت قناة «إيران الدولية»، وهي قناة معارضة ناطقة بالفارسية مقرها خارج البلاد، نقلاً عن مصادر حكومية وأمنية رفيعة المستوى، إن ما لا يقل عن 12000 شخص قُتلوا خلال الاحتجاجات، وأن معظم القتلى سقطوا في 8 و9 يناير.

وأضافت القناة: «بعد التحقق من المعلومات الواردة من مصادر موثوقة، بما في ذلك المجلس الأعلى للأمن القومي ومكتب الرئاسة، تشير التقديرات الأولية لمؤسسات الأمن في الجمهورية الإسلامية إلى مقتل ما لا يقل عن 12000 شخص».

وذكرت شبكة «سي بي إس» الإخبارية هذا الأسبوع أن «مصدرين، أحدهما من داخل إيران»، أبلغا الشبكة الإخبارية الأميركية «بأن ما لا يقل عن 12 ألف شخص قُتلوا، وربما يصل العدد إلى 20 ألفاً».

مسؤولون إيرانيون

صرح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لقناة «فوكس نيوز» بأن عدد القتلى «بالمئات»، نافياً الأرقام التي نشرتها منظمات في الخارج ووصفها بأنها «مبالَغ فيها» وتندرج ضمن «حملة تضليل» تهدف إلى دفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب لتنفيذ تهديده بضرب إيران في حال مقتل متظاهرين.

وأفادت السلطات الإيرانية بمقتل عشرات من عناصر قوات الأمن، لكن لم يُعلن عن حصيلة إجمالية حديثة. وتحولت جنازات عناصر قوات الأمن مسيرات حاشدة داخل الجمهورية الإسلامية.

منظمات دولية

أعرب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك هذا الأسبوع عن «صدمته» إزاء العنف ضد المتظاهرين، قائلاً إن «التقارير تشير إلى مقتل المئات».

وتحدثت منظمة العفو الدولية عن وقوع «مجزرة»، مشيرة إلى أن عدد القتلى، وفقاً لتقرير صدر في 14 يناير، بلغ ألفي قتيل «باعتراف رسمي»، إلا أن منظمات حقوقية أخرى قدّرت العدد بأكثر من ذلك بكثير.

وقالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» إنه «يُعتقد أن آلاف المتظاهرين والمارة قد قُتلوا... القيود الصارمة التي فرضتها الحكومة على الاتصالات أخفت الحجم الحقيقي للفظائع».

في جنيف، صرّح متحدث باسم الأمم المتحدة لشؤون حقوق الإنسان لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بأن المنظمة على اتصال بالكثير من المنظمات، بما فيها منظمة «إيران لحقوق الإنسان» بشأن حصيلة القتلى، وأنها «تتلقى تقارير تشير إلى ارتفاع عدد القتلى، وهو أعلى بكثير من عدد قتلى الاحتجاجات السابقة؛ ما يدل على مستويات محتملة من العنف لم نشهدها من قبل».