الخروج إلى بيئة جديدة يعزز الذاكرة

دراسة أكدت أن الفوائد مقصورة على الشباب

المذاكرة خارج المنزل قد تكون أفيد للذاكرة
المذاكرة خارج المنزل قد تكون أفيد للذاكرة
TT

الخروج إلى بيئة جديدة يعزز الذاكرة

المذاكرة خارج المنزل قد تكون أفيد للذاكرة
المذاكرة خارج المنزل قد تكون أفيد للذاكرة

قد يكون من المُغري لك كطالب، أن تحبس نفسك في غرفتك أو في ركن المكتبة المفضَّل في الأيام التي تسبق اختباراً مهماً، لكن عالمة الأعصاب بجامعة لايدن، جوديث شوماكر، تخبرك بأن ذلك ليس اختياراً حكيماً تماماً.
ويشير أحدث أبحاث شوماكر، التي أُجريت، بالتعاون مع زملائها ماريت روتنبرغ وفالنتين باومان، ونُشرت في العدد الأخير من دورية «ساينتفيك ريبورتيز»، إلى أنه «عندما تبدأ التعلم، احرص على أن يكون ذلك في بيئة جديدة، فمن المرجح أن يساعد ذلك على تذكر المواد التعليمية، ويُفضَّل أن يكون ذلك في مكان لم تزُره من قبل، مثل مدينة جديدة تماماً».
من ناحية أخرى، بالنسبة لكبار السن، لا ينطبق هذا التأثير الجديد المفيد، حيث وجدت شوماكر، في بحثها الجديد، أنه كلما تقدمتَ في العمر، قلّت استفادة ذاكرتك من البيئة الجديدة.
وهذه النتيجة لا تتفق مع ما توقّعه الباحثون سابقاً، فقد اقترحت الأدبيات، منذ حوالي عقد من الزمان، أنه يمكن استخدام بيئة جديدة لتحسين الذاكرة لدى كبار السن، لكن البحث الجديد يُظهر أنه لا يوجد في الواقع أي تحسن في الذاكرة لدى الأكبر سناً.
وتوصّل الباحثون إلى هذه النتائج بعد إجراء مسح شامل لأكثر من 400 مشارك تتراوح أعمارهم بين 8 و67 عاماً، طُلب منهم استكشاف بيئة غابة افتراضية مرتين، وسار نصفهم في البيئة نفسها مرتين، بينما زار النصف الآخر مكاناً جديداً في المرة الثانية، ثم خضع المشاركون لمجموعة من الاختبارات، بما في ذلك حفظ سلسلة من الكلمات.
ووجد الباحثون أن المراهقين والشباب على وجه الخصوص، الذين زاروا بيئة جديدة، يتذكرون قائمة الكلمات بشكل أفضل، ويرجع ذلك إلى نظام «الدوبامين»، فالبيئة الجديدة تعزز «الدوبامين» الخاص بك، والذي يُسقط على الحُصين؛ المنطقة في دماغك المتعلقة بالتعلم.
وتقول شوماكر، في تقريرٍ نشره، السبت، الموقع الإلكتروني لجامعة لايدن: «من منظور تطوريّ، يبدو هذا منطقياً، ففي بيئة جديدة؛ عليك إجراء مسح سريع، أين أجد مكافأة؟ وأين يوجد خطر؟ ومسبقاً لا تعرف ما الذي سيكون مناسباً لك».
وتضيف: «يكمن السبب المحتمل لفشل تأثير الذاكرة المفيد هذا عند كبار السن، وكذلك عند الأطفال الصغار؛ لأنه في كبار السن يتدهور نظام الدوبامين، ولا يزال هذا النظام في تطور لدى الأطفال».



التجربة السعودية... عندما تتحوّل اللحظة التاريخية إلى مشروع حكم

قوانين حركة التاريخ (رسمة أعدها الباحث الشقير)
قوانين حركة التاريخ (رسمة أعدها الباحث الشقير)
TT

التجربة السعودية... عندما تتحوّل اللحظة التاريخية إلى مشروع حكم

قوانين حركة التاريخ (رسمة أعدها الباحث الشقير)
قوانين حركة التاريخ (رسمة أعدها الباحث الشقير)

يضع الدكتور عبد الرحمن الشقير، الباحث وعالم الاجتماع، تجربة تأسيس الدولة السعودية داخل إطار تفسيري غير مسبوق، إذ يتعامل مع التاريخ بوصفه نظاماً تحكمه علاقات معقدة قابلة للقياس بين السكان والموارد والنخب، بعد أن كان يدرس بوصفه سلسلة وقائع معزولة، موضحاً أن هذا المنظور يعتمد على مقاربات علم التعقيد ونظرية الكليو-دايناميكس (قوانين التاريخ)، لفهم كيف تتولّد الدول وتنمو ثم تدخل مراحل الضغط بسبب تضخم النخب، ما يولد الأزمة فالذروة، ثم تبرز شخصية قيادية تُعيد إنتاج الاستقرار.

وأوضح الشقير لـ«الشرق الأوسط»، أنه من خلال هذا الإطار نفهم أن الدرعية قبل الإمام محمد بن سعود كانت نظاماً محلياً بلغ حد التشبع النخبوي والاضطراب البنيوي، فتُفسر لحظة صعود الإمام محمد بن سعود بوصفها لحظة إعادة ضبط تاريخية، أعادت تشكيل مركز الحكم، وأطلقت دورة سياسية جديدة.

علم التعقيد

وذكر الشقير أن علم التعقيد، وهو دراسة الأنظمة التي تتكون من أجزاء كثيرة مترابطة، مثل المجتمعات أو الاقتصاد؛ حيث يؤثر كل جزء صغير في الآخر، وتنتج من كثافة التفاعل أنماط وسلوكيات جديدة لا يمكن فهمها بمجرد دراسة كل جزء وحده، ومن ثم فهو يهتم بكيفية نشوء الاستقرار أو الفوضى أو التغير الكبير نتيجة تراكم تفاعلات صغيرة عبر الزمن.

الدورة الخماسية لتحول الدول

وعرج الشقير إلى الحديث عن الدورة الخماسية لتحول الدول، موضحاً أن تحولات الدول تخضع لديناميات يمكن قياسها وتوقع اتجاهاتها العامة؛ إذ تتحرك المجتمعات في هذا الإطار عبر دورة خماسية تتشكل كما يلي:

  • مرحلة النمو، وهي طور تتسع فيه الموارد وترتفع قدرة الدولة على الضبط، ويتزامن ذلك مع زيادة سكانية وتكاثر في النخب، وتقاس هذه المرحلة بمعرفة تقريبية للسكان والموارد الاقتصادية والتنبؤ بها وفق مؤشرات، دون الحاجة إلى نصوص مؤرخين.
  • مرحلة الضغط حين تتراجع وفرة الموارد نسبياً، ويزداد عدد الطامحين إلى المناصب وتمسك النخب القديمة بمناصبها، بما يفوق قدرة الدولة على استيعاب الجميع؛ وذلك لأن زيادة السكان تزيد من ظهور النخب السياسية والاقتصادية والعلمية والاجتماعية، فيكون عدد النخب أكثر من المناصب المتاحة.
  • مرحلة الأزمة التي تتصدع فيها وحدة النخب، وتبدأ فيها الصراعات الكامنة بالتحول إلى مواجهات مفتوحة.
  • مرحلة الذروة، وهي قمة الأزمة واللااستقرار التي تتفكك عندها التحالفات، وتتسارع فيها الإقصاءات والانشقاقات.
  • مرحلة الاستقرار، حيث تتمكن قيادة جديدة أو منظومة حكم معدّلة من إعادة ضبط العلاقة بين السكان والموارد والنخب بما يتلاءم مع روح المجتمع الجديد؛ حيث تبدأ دورة جديدة أشد تماسكاً من سابقتها.

تنافس غير قابل للاحتواء

ذكر الشقير أن مرحلة الذروة ظهرت في السنوات القريبة من 1139هـ، عندما بلغ التنافس بين الفروع الحاكمة مستوى غير قابل للاحتواء، وتسارعت وتيرة الانشقاقات داخل النخب حالات إمارة لمدد قصيرة لبعض الشخصيات، وتقلّبت الولاءات بصورة كشفت عن انهيار القدرة على إدارة التوازن الداخلي. وفي هذا الوضع بلغ النظام السياسي حدَّه الأقصى؛ إذ أصبح عدد الطامحين يفوق قدرة الإمارة على تنظيم السلطة، ما جعل الذروة لحظة تفكك بنيوي كامل مهّد لظهور قيادة قادرة على إعادة التأسيس.

قوانين حركة التاريخ (رسمة أعدها الباحث الشقير)

جاء صعود محمد بن سعود بوصفه نتيجة لاكتمال شروط الاستقرار داخل الدرعية، عقب بلوغ تضخم النخب حدّاً أعجز منظومة الحكم القديمة عن الاستمرار، فبرزت لحظة تاريخية تطلبت قائداً يقرأ ما تعجز عنه النخب المتصارعة، فجسّد انتقال السلطة إليه إعادة ضبط لتوازن القوى داخل الدرعية، واستعاد عبرها النظام المحلي قدرته على الاستقرار البنيوي.

بناء مركز الحكم

تمكن الإمام محمد بن سعود من تأسيس حي الطريف في الدرعية لبداية نمو جديد، وجعلها مقر الحكم، بعد أن كان أمراء الدرعية يقيمون في غصيبة أو المليبيد، وأعاد بناء مركز الحكم عبر توزيع النخب السياسية والدينية والعسكرية على مؤسسات الدولة الجديدة، وتنظيم هياكل السلطة داخل الدرعية، وتقليص فائض النخب، وضبط العلاقات بين الفروع المتنافسة. وأسفر هذا الضبط البنيوي عن استعادة قدرة الإمارة على إدارة السكان والموارد والنخب ضمن إطار موحد، الأمر الذي مهّد لانطلاق دورة تأسيس جديدة أصبحت نواة الدولة السعودية الأولى.

وعدّ الشقير بأن هذه القراءة الجديدة تفتح أفقاً بحثياً يفسر نشأة الدول في جزيرة العرب عبر دورات بنيوية تحكمها علاقة السكان والموارد والنخب، مع تباين آليات الضبط تبعاً لاختلاف البيئات المحلية، ويجعل بناء إحصاءات سكانية ومالية تقريبية مدخلاً لازماً لتحويل التاريخ إلى مادة قابلة للاختبار والمقارنة، ما يتطلب ضرورة تجميع البيانات وتوليد فرضيات قابلة للفحص عن تاريخ المنطقة، بما يدعم بناء نموذج تفسيري عربي طويل المدى أعلى دقة وأشد استقلالاً عن السرديات الجزئية.

وتظهر الكتابة عن الإمام محمد بن سعود محدودة في بُعدها السردي التحليلي؛ حيث لا سيرة تاريخية تشرح منطق الفعل التأسيسي، ولا تمدنا المدونات التاريخية بما يُسهم في معرفة ما حدث قبل وأثناء التأسيس؛ لذا تفرض هذه الفجوة مساراً بحثياً يعيد تركيب حياة الإمام من داخل بنية الأحداث عبر قراءة القرارات والتحالفات والصراعات بوصفها نظاماً دلالياً يكشف تصور الحكم وشروط الدولة، فتتشكل سيرة تاريخية مستخرجة من حركة الواقع، وتنتج تفسيراً لمسار المشروع السياسي.


حصار حوثي لمنزل الشيخ الأحمر في صنعاء

عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)
عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)
TT

حصار حوثي لمنزل الشيخ الأحمر في صنعاء

عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)
عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)

تفرض الجماعة الحوثية منذ أيام حصاراً أمنياً على منزل الزعيم القبلي حمير الأحمر، أحد أبرز مشايخ قبيلة حاشد اليمنية، في حي الحصبة شمال العاصمة المختطفة صنعاء، في خطوة أثارت حالة من الاستنكار داخل الأوساط القبلية والسياسية.

وأفادت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، بأن القيادي الحوثي يوسف المداني وجّه، قبل أيام، بفرض طوق أمني مُشدد حول منزل الأحمر، مع نشر مسلحين مُلثمين على متن مدرعات وعربات عسكرية في محيط الشوارع المؤدية إليه، وإقامة نقاط تفتيش لتقييد حركة الدخول والخروج.

وحسب المصادر، فقد شملت إجراءات الجماعة التدقيق في هويات الزائرين، ومنهم مشايخ من قبيلة حاشد وقبائل أخرى، ومنع بعضهم من الوصول إلى المنزل، فيما أرغمت زواراً آخرين على توقيع تعهدات بعدم مُعاودة زيارة الأحمر؛ في تصعيد لافت ضد شيوخ القبائل في مناطق قبضتها.

الشيخ حمير الأحمر أحد أبرز مشايخ قبيلة حاشد اليمنية (فيسبوك)

وأوضح سكان مجاورون لمنزل الأحمر شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»، أن الحي شهد تعزيزات أمنية غير مُعتادة، الأمر الذي انعكس على الحركة اليومية وأثار مُخاوف كبيرة من تطور الموقف إلى اندلاع مواجهات قبلية، خصوصاً في ظل الاحتقان الشعبي المُتصاعد.

كما يخشى السكان من أن يؤدي ذلك التحرك الذي يصفونه بـ«الاستفزازي» إلى مزيد من الاحتقان القبلي، خصوصاً إذا طال أمد الحصار أو توسعت دائرة الاستهداف لتشمل شخصيات أخرى.

رسائل إخضاع

يُعد الشيخ حمير الأحمر من أبرز الوجاهات الاجتماعية في قبيلة حاشد، إحدى كبرى القبائل اليمنية وأكثرها تأثيراً في المشهد السياسي. ويرى مراقبون أن استهداف شخصية قبلية بهذا الوزن قد يُنظر إليه على أنه رسالة سياسية تتجاوز الإطار الأمني المباشر.

وعبّر وجهاء قبليون من عمران وصنعاء وريفها لـ«الشرق الأوسط»، عن استيائهم الكبير من الإجراءات الحوثية المُتبعة، معتبرين أن التضييق المُستمر على الرموز القبلية يُشكل تجاوزاً للأعراف الاجتماعية المُتعارف عليها، ويُهدد بإثارة حساسيات واسعة في محيط القبائل الشمالية.

وأشاروا إلى أن استمرار مثل هذه الإجراءات يُعد «استفزازاً مباشراً» للأعراف القبلية المتجذرة في المجتمع اليمني، التي تجرّم محاصرة المنازل بمختلف أنواع الأسلحة أو انتهاك حرمتها.

الحوثيون يفرضون قبضة أمنية على السكان خشية أي انتفاضة ضدهم (إ.ب.أ)

كانت مصادر محلية قد أفادت بأن مسلحي الجماعة اختطفوا الشيخ القبلي جبران مجاهد أبو شوارب، أحد مشايخ حاشد في إحدى نقاط التفتيش شمال صنعاء خلال عودته من زيارة منزل الأحمر، واقتادوه إلى جهة غير معلومة دون معرفة الأسباب.

تواصُل الزيارات

على وقع الإجراءات الحوثية المُشددة، تتواصل في صنعاء زيارات عدد من شيوخ القبائل ووجهائها إلى منزل الشيخ حمير الأحمر، غير آبهين بالقيود التي تفرضها الجماعة في محيط المنزل منذ أيام.

ووفق مصادر قبلية، فإن شخصيات اجتماعية بارزة حرصت على الوصول إلى منزل الشيخ الأحمر، تعبيراً عن التضامن ورفض ما وصفوه بـ«انتهاك الأعراف القبلية» في ظل استمرار انتشار المسلحين وإقامة نقاط تفتيش حول المنطقة.

وأكدت المصادر أن الزيارات تتم وسط أجواء من التوتر، إلا أنها تعكس تمسك القبائل بموقفها الداعم والمؤيد للشيخ الأحمر.

وأشار مراقبون إلى أن هذه التحركات القبلية تحمل رسائل واضحة برفض سياسة التضييق ومحاصرة المنازل، معتبرين أن الأعراف القبلية في اليمن تضع حرمة خاصة للبيوت وتحظر استهدافها بأي شكل من الأشكال.

لقطة من كاميرا مراقبة تُظهر عرضاً عسكرياً حوثياً سابقاً أمام منزل الشيخ الأحمر (فيسبوك)

تأتي هذه التطورات في سياق علاقة مُتوترة بين الحوثيين وعدد من شيوخ ووجهاء القبائل، منذ اجتياحهم صنعاء ومدن أخرى، حيث سعت الجماعة إلى إعادة تشكيل موازين النفوذ القبلي وإخضاع القيادات التقليدية لسلطتها.

كانت الجماعة الحوثية، وفي سياق أعمال الاستفزاز المُتكررة، قد نظمت في أغسطس (آب) من العام الفائت، عرضاً عسكرياً أمام البوابة الرئيسية لمنزل الراحل الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر في صنعاء مع ترديد «الصرخة الخمينية».

Your Premium trial has ended


المحكمة العليا تطيح بـ«جمارك ترمب» وتفتح أبواب الفوضى المالية

رافعات شحن تعلو سفن حاويات محمّلة بحاويات في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)
رافعات شحن تعلو سفن حاويات محمّلة بحاويات في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)
TT

المحكمة العليا تطيح بـ«جمارك ترمب» وتفتح أبواب الفوضى المالية

رافعات شحن تعلو سفن حاويات محمّلة بحاويات في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)
رافعات شحن تعلو سفن حاويات محمّلة بحاويات في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)

في لحظة فارقة أعادت رسم حدود السلطة التنفيذية في الولايات المتحدة، سددت المحكمة العليا ضربة قاصمة إلى جوهر الأجندة الاقتصادية للرئيس دونالد ترمب، معلنةً بطلان أضخم وأجرأ حزمة رسوم جمركية فرضها خلال ولايته الثانية. لم يكن الحكم مجرد انتصار قانوني للشركات المستوردة، بل كان بمنزلة زلزال دستوري أكد فيه القضاة أن «سلطة الجباية» هي حق أصيل للكونغرس لا يمكن انتزاعه تحت عباءة قوانين الطوارئ. وبينما غادر القضاة منصاتهم، تركوا خلفهم تساؤلاً بمليارات الدولارات يتردد صداه في أروقة الكابيتول هيل: كيف ستعيد الحكومة 133 مليار دولار جُمعت بالفعل بشكل غير قانوني؟ وكيف سيتعامل البيت الأبيض مع هذا الانهيار المفاجئ لأدوات نفوذه في التجارة الدولية؟

مبنى المحكمة العليا الأميركية (رويترز)

حيثيات الحكم وانقسام المحكمة

جاء قرار المحكمة بأغلبية 6 إلى 3، حيث انضم رئيس المحكمة جون روبرتس وقضاة آخرون، بمن فيهم اثنان من مرشحي ترمب السابقين، إلى الجناح الليبرالي لرفض استخدام قانون القوى الاقتصادية الطارئة الدولية (IEEPA) الصادر عام 1977 لفرض ضرائب استيراد.

وأوضحت المحكمة في حيثياتها أن هذا القانون لا يمنح الرئيس سلطة «مطلقة» أو «غير محدودة» لفرض الرسوم، مشددةً على أن الدستور الأميركي كان واضحاً في منح الكونغرس وحده الحق في فرض الضرائب والرسوم.

المدافع الوحيد عن سلطة ترمب

في مقابل هذه الأغلبية، برز صوت القاضي بريت كافانو، وهو أحد القضاة الثلاثة الذين عيّنهم ترمب في المحكمة العليا عام 2018. كافانو، الذي يُعد من أبرز الوجوه المحافظة في القضاء الأميركي، كان الوحيد من بين «قضاة ترمب» الذي انبرى للدفاع عن شرعية الرسوم، حيث قاد جبهة المعارضة وكتب «رأياً مخالفاً» هاجم فيه زملاءه بحدة.

رأى كافانو أن الدستور والتاريخ والقوانين السابقة تمنح الرئيس سلطة واسعة لاستخدام الرسوم الجمركية في حالات الطوارئ الوطنية، مثل مواجهة تهريب المخدرات أو الاختلالات التجارية. ولم يكتفِ كافانو بالدفاع القانوني، بل وجَّه توبيخاً إلى زملائه القضاة لأنهم «تجاهلوا» العواقب الكارثية لقرارهم، محذراً من أن الحكومة الآن عالقة في مأزق مالي لا مخرج منه.

ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض (أرشيفية - رويترز)

ترمب يمتثل غاضباً

لم يتأخر رد فعل الرئيس ترمب، الذي وصف القضاة بـ«العار» واتهمهم بالرضوخ لمصالح أجنبية، معتبراً القرار خيانةً للدستور. ومع ذلك، امتثل للقرار عبر توقيع أمر تنفيذي بإلغاء الرسوم الباطلة، لكنه لم يستسلم لمبدأ التراجع التجاري. فرغم الضربة القضائية، سارع ترمب لتأكيد أن لديه «بدائل عديدة وعظيمة» لمواصلة سياسة الحماية التجارية.

وبدأ البيت الأبيض بتفعيل ترسانة قانونية بديلة للالتفاف على حكم المحكمة وتصعيد المواجهة:

- المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974: وقّع ترمب فوراً أمراً بفرض رسوم عالمية جديدة بنسبة 10 في المائة على الواردات كافة، مستخدماً هذه المادة التي تعالج عجز موازين المدفوعات. ورغم أنها تمنحه سلطة فورية، فإنها «سلاح مؤقت» ينتهي مفعوله بعد 150 يوماً ما لم يتدخل الكونغرس.

- المادة 301 و«التحقيقات السريعة»: أعلنت الإدارة بدء تحقيقات واسعة النطاق في الممارسات التجارية غير العادلة للدول الأخرى. هذه المادة تمنح واشنطن حق فرض رسوم انتقامية قوية، وهي «أكثر متانة قانونية» لأنها تستند إلى معالجة أضرار اقتصادية محددة بدلاً من إعلان طوارئ عام.

- المادة 338 من قانون 1930: يُلوِّح البيت الأبيض باستخدام هذا القانون «المهجور» منذ الكساد الكبير، والذي يسمح بفرض رسوم تصل إلى 50 في المائة على الدول التي تميز ضد التجارة الأميركية.

- سلاح التراخيص والقيود الكمية: أشار ترمب إلى إمكانية استخدام نظام التراخيص لتقييد حجم الواردات بدلاً من فرض ضرائب عليها، وهي وسيلة أخرى للضغط على الشركاء التجاريين دون الاصطدام المباشر بسلطة الكونغرس الضريبية.

معضلة الـ133 مليار دولار

في حين يتحضر البيت الأبيض للتصعيد عبر البدائل المذكورة، تواجه وزارة الخزانة ضغوطاً هائلة لإعادة المبالغ المحصَّلة بشكل غير قانوني. فبينما تطالب كبرى الشركات مثل «كوسكو» و«ريفلون» باستعادة أموالها، حذَّر خبراء قانونيون من أن الطريق لن يكون مفروشاً بالورود. ومن المتوقع أن تتولى وكالة الجمارك وحماية الحدود، بالتعاون مع محكمة التجارة الدولية في نيويورك، هندسة عملية الاسترداد التي قد تستغرق ما بين 12 و18 شهراً. وتكمن الصعوبة في أن المستهلكين العاديين، الذين تحملوا العبء الأكبر من ارتفاع الأسعار، قد لا يرون فلساً واحداً من هذه التعويضات، حيث ستذهب الأموال غالباً إلى الشركات المستوردة التي دفعت الرسوم مباشرةً للحكومة.

رافعات شحن تعلو سفن حاويات محملة بحاويات في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)

الصفقات الدولية والتحركات الديمقراطية

على الصعيد الدولي، حذَّر القاضي كافانو من أن الحكم يُزعزع استقرار اتفاقات تجارية بمليارات الدولارات مع الصين واليابان والمملكة المتحدة، التي أُبرمت تحت تهديد تلك الرسوم الملغاة.

أما داخلياً، فلم يفوّت الديمقراطيون الفرصة لتحويل الأزمة إلى ضغط سياسي؛ حيث قاد حاكم إيلينوي، جي بي بريتزكر، حملة تطالب بـ«إعادة الأموال المنهوبة» للعائلات، مرسلاً «فاتورة» لترمب تطالبه برد 8.7 مليار دولار لسكان ولايته. وانضم إليه حاكم كاليفورنيا غافن نيوسوم وحكام ولايات أخرى، معتبرين أن الرسوم كانت «ضريبة خلفية» غير قانونية أثقلت كاهل المزارعين والطبقة الوسطى. هذا الحراك السياسي يزيد من تعقيد المشهد أمام وزارة الخزانة، التي تحاول موازنة استقرار الميزانية مع الضغوط القانونية المتزايدة للوفاء برد المبالغ.

سيارات سوبارو متوقفة في وكالة بيع سيارات بمنطقة بيدفورد أوتو مايل بأوهايو (أ.ب)

ختاماً، فإن «قص» أجنحة ترمب الاقتصادية لم يُنهِ المعركة، بل نقلها إلى ساحة أكثر تعقيداً؛ فبينما تحاول الأسواق العالمية استيعاب هذا التحول، يبقى الاقتصاد الأميركي رهين حالة من عدم اليقين بين مطالبات قانونية برد الـ133 مليار دولار ولجوء ترمب إلى بدائل قانونية مؤقتة. ورغم أن إلغاء الرسوم قد يخفف من الضغوط التضخمية، فإن النزاعات الطويلة المتوقعة في ساحات القضاء الأدنى ومكاتب الجمارك ستُبقي المستثمرين في حالة ترقب، بانتظار المواجهة الكبرى في أروقة الكونغرس الذي بات الآن «صاحب الكلمة الفصل» في تقرير مصير السياسة التجارية. ويبقى السؤال الأهم الذي سيحدد ملامح الاقتصاد الأميركي لسنوات مقبلة: هل سينجح ترمب في إعادة بناء جدار الحماية التجاري الخاص به قبل أن تنتهي صلاحية أدواته المؤقتة وتصطدم بحائط الصد التشريعي؟

Your Premium trial has ended