ماذا حل بحزب المحافظين البريطاني؟

موردنت تترشح رسمياً... وجونسون يستكشف حظوظه... وسوناك يحشد الدعم

رئيسة الوزراء البريطانية المستقيلة ليز تراس (رويترز)
رئيسة الوزراء البريطانية المستقيلة ليز تراس (رويترز)
TT

ماذا حل بحزب المحافظين البريطاني؟

رئيسة الوزراء البريطانية المستقيلة ليز تراس (رويترز)
رئيسة الوزراء البريطانية المستقيلة ليز تراس (رويترز)

انتقل حزب المحافظين البريطاني من فوز انتخابي كاسح في 2019، إلى استعراض سياسي أثار سخرية الخصوم وشفقة الحلفاء.
فبعد أسبوع من اليوم، ستنصّب بريطانيا ثالث رئيس لحكومتها خلال أربعة أشهر، في خضمّ انقسامات غير مسبوقة وأزمة غلاء معيشة هي الأسوأ منذ أربعة عقود. وبينما يتخبّط حزب المحافظين لاختيار زعيم جديد له، سخرت موسكو من «الجهل الكارثي» لرئيسة الحكومة المستقيلة، فيما تمنّت باريس عودة الاستقرار، وأكّدت واشنطن متانة العلاقة مع لندن.
فكيف ساءت أوضاع حزب مارغريت ثاتشر إلى هذا الحد؟ وهل يعود بوريس جونسون إلى زعامته رغم انسحابه مُجبراً قبل أسابيع قليلة فقط؟

*خلافة تراس
أطلق سقوط ليز تراس، بعد 44 يوماً كاملاً في رئاسة الحكومة، سباقاً مختصراً لخلافتها. وأعلن الحزب عن عملية انتخابية خاطفة تستمر 7 أيام فقط، يختار النواب المحافظون والأعضاء خلالها زعيمهم الجديد، على أن يتم تنصيبه رئيساً للوزراء بحلول ظهر الجمعة 28 أكتوبر (تشرين الأول). والهدف وراء اختصار حملة انتخابية تستمر شهوراً في العادة، هو إعادة تنظيم صفوف الحزب وتفادي اضطراب الأسواق الذي قد ينبع عن تأجيل الإعلان عن الموازنة المرحلية المتوقّعة في 31 أكتوبر.
واشترطت لجنة 1922، المعنية بتنظيم شؤون الحزب، حصول المتقدّمين لخلافة تراس على تأييد مائة نائب (من بين 357 نائباً محافظاً في مجلس العموم) على الأقل بحلول الاثنين، ما يحدّ عدد المرشحين المحتملين بثلاثة فقط. وتأمل اللجنة في أن يتّفق النواب على مرشحين اثنين فقط، وأن يتنحى الأقل شعبية منهما، ما يتيح توحيد الحزب وراء مرشّح واضح. وشهد الحزب سيناريو مماثلاً في عام 2016، بعدما تنحّت أندريا ليدسوم لصالح تيريزا ماي في سباق خلافة ديفيد كاميرون. أما إن نجح ثلاثة مرشحين في الحصول على التأييد اللازم، فسيتفق النواب على اثنين منهم، ثم يُفتح التصويت الإلكتروني أمام أعضاء الحزب المتراوح عددهم بين 160 و180 ألفاً.
وبمجرّد إعلان تراس استقالتها، ظهر الخميس، مدعومة بزوجها خارج «10 داونينغ ستريت»، برزت ثلاث شخصيات بديهية لخلافتها؛ هم: منافساها السابقان على الزعامة ريشي سوناك وبيني موردنت، فضلاً عن بوريس جونسون رئيس الوزراء السابق الذي استقال قبل 4 أشهر فقط.
وفيما لم تعلن سوى بيني موردنت عن ترشّحها رسمياً حتى اللحظة، فإن عدداً من الوزراء والنواب بدأوا في إعلان ولاءاتهم، بينما استكشفت استطلاعات رأي مبكّرة ميول القاعدة الشعبية المحافظة.
وصدر أبرز تصريح، الجمعة، من وزير الدفاع بن والاس، الذي رفض الترشح لزعامة الحزب للمرة الثانية رغم الدعوات المتكررة، وعبّر عن ميله لدعم بوريس جونسون. وقال والاس: «أشعر أن بوسعي إضافة أفضل قيمة في الحفاظ على أمن الناس بكوني وزيراً للدفاع... إنها الوظيفة التي أعتزم مواصلة الاضطلاع بها، ولذا لن أترشح لمنصب رئيس الوزراء هذه المرة».
وقال والاس إن القضايا الرئيسية التي تحسم دعمه للمرشح تتمثل في الالتزام بالأمن القومي والاقتصادي، واحترام التفويض الذي فاز به الحزب في الانتخابات الوطنية عام 2019 بقيادة جونسون، والقدرة على توحيد الحزب. وأضاف: «هذا سيكون ثالث رئيس محتمل لوزرائنا منذ الانتخابات العامة... وهذا يعني أنه يتعين علينا التفكير في مسألة الشرعية التي سيسأل الجمهور أنفسهم عنها، وكذلك بشأن القدرة على الفوز في الانتخابات المقبلة».

* عودة «المُنقذ»
يختلف المحافظون حول قدرة جونسون على توحيد صفوفهم وقيادتهم إلى الانتخابات التشريعية بعد سنتين ونصف السنة، وسط استطلاعات رأي تتوقّع تكبّد الحزب هزيمة مدوية أمام حزب العمال المعارض.
ويرى معارضو جونسون أنه يتحمّل مسؤولية الفوضى التي عمّت الحزب في السنوات الأخيرة، مذكّرين بتراجع شعبيته وانهيار حكومته في يوليو (تموز) الماضي، عقب استقالة أكثر من 50 مسؤولاً من مناصبهم في ظرف 48 ساعة.
وعلى الرغم من أن عودة بوريس السريعة لـ«10 داونينغ ستريت» قد تنجح في استعادة بعض الهدوء، فإن هؤلاء يحذّرون من أن تتسبب زلاته وتجاوزاته المتكرّرة في استمرار الأزمة التي يعيشها الحزب وتعميق خلافاته. وعبّر وزير الدولة جيسي نورمان عن تخوفه من عودة جونسون، وقال في تغريدة إن «هناك العديد من المرشحين المحتملين الجيدين جداً لقيادة حزب المحافظين. لكن اختيار بوريس الآن سيكون (...) قراراً كارثياً للغاية».

ويخيّم تحدّ كبير على حظوظ جونسون في الفوز بالزعامة؛ إذ إنه يخضع لتحقيق برلماني حول مزاعم تضليل المشرعين فيما يتعلق بانتهاك قواعد إغلاق «كوفيد-19». وفي حال ثبتت التهمة فإنه يواجه احتمال تعليق عضويته في المجلس. وأقر وزير الدفاع بأنه «ما زال يتعين على (جونسون) الإجابة عن بعض الأسئلة حول هذا التحقيق».
في المقابل، يهوّن أنصاره من أهمية التحقيق، ويرون أن جونسون هو الوحيد القادر على «إنقاذ» الحزب من هزيمة مهينة في صناديق الاقتراع، بفضل قدرته على حشد دعم الناخبين، والبناء على وعود الانتعاش الاقتصادي ما بعد «بريكست». كما يستذكرون الفوز التاريخي الذي حققه في عام 2019 ضد جيرمي كوربن، حين نجح في كسر «الجدار الأحمر»، واستقطب مقاعد عمالية تقليدية. إلا أن نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة بعثت مؤشرات على تراجع جزء من هذا الدعم، بعد سلسلة الفضائح التي انخرط فيها جونسون.
وعلى الرغم من ذلك، فإن استطلاعات الرأي المبكرة بين الأعضاء المحافظين تتوقّع فوز جونسون بغالبية مريحة في حال انحصر السباق بينه ووزير خزانته السابق ريشي سوناك. أما عموم الناخبين فيعارضون عودة رئيس الحكومة السابق بأكثر من 50 في المائة، وفق استطلاع لـ«يوغوف».

*المرشح «الجاد»
إلى جانب جونسون، لا يستبعد نجاح سوناك في حشد تأييد مائة نائب بحلول الاثنين. وكان سوناك المرشح المفضّل لدى النواب لخلافة جونسون، وتفوّق على منافسيه في غالبية المراحل الانتخابية الأولى، إلا أن قاعدة الحزب فضّلت تراس.
وسوناك، الذي كان من أقرب حلفاء جونسون قبل استقالته من حكومته احتجاجاً على توجّه الحكومة الاقتصادي، عارض استراتيجية تراس الاقتصادية بشدّة، ووصفها بـ«المغامرة غير المسؤولة». ويُنظر إلى سوناك، مهندس برامج الدعم المليارية خلال جائحة «كوفيد-19»، على أنه مرشّح جاد يملك رؤية اقتصادية واضحة لإخراج البلاد من أزمتها.

وقال كريسبن بلانت، النائب المحافظ البارز، إن «تنبؤات ريشي سوناك حول (سياسة تراس الاقتصادية) كانت دقيقة للغاية. علينا الآن أن نتبع الطريق الوحيد المتاح لنا ونحشد (الدعم) لصالح ريشي».
أما النائب ريتشارد هولدن، فقال: «أؤيد ريشي ليكون رئيس الوزراء المقبل. لقد تحدثت إلى عدد من الزملاء الذين دعموا تراس، وهم الآن يدعمون ريشي». وتابع: «نواجه تحدياً وطنياً كبيراً، ونحتاج إلى أفضل مرشح لاستعادة المصداقية الاقتصادية. هذه هي الطريقة الوحيدة لتوحيد حزب المحافظين».
في المقابل، يخشى معارضوه أن يفشل التكنوقراطي المتحدّر من أصول مهاجرة في كسب أصوات الناخبين. أما أنصار جونسون فيتّهمونه بالتآمر على رئيس الحكومة السابق والتسبب في انهيار حكومته.

*وجه جديد
تتمتّع بيني موردنت، بدورها، بحظوظ جيّدة، وإن كانت الاستطلاعات تضعها وراء كل من بوريس وسوناك.

وسطع نجم موردنت، وزيرة العلاقات مع البرلمان والتي كُلّفت بحقيبة الدفاع في عام 2019، في الأسابيع الماضية. فقد لعبت دوراً بروتوكولياً بارزاً في مراسم تنصيب الملك تشارلز الثالث، كما قدّمت أداء جيّداً في مجلس العموم أمام المعارضة العمالية. ويعتبر أنصار موردنت، التي حظيت بدعم واسع لخلافة جونسون قبل أن تخرج من السباق في مراحل متأخرة، أنها قادرة على تقديم صورة جديدة لحزب المحافظين وتوحيد مختلف أطيافه. وقالت النائبة البالغة 49 عاماً، على «تويتر»: «أعلن ترشحي لأكون زعيمة حزب المحافظين ورئيسة وزرائكم، لتوحيد بلدنا، والوفاء بالتزاماتنا والفوز في الانتخابات التشريعية المقبلة».


مقالات ذات صلة

مساعٍ عالمية لإيجاد «توازن» بين سلبيات ومزايا الذكاء الصناعي

يوميات الشرق مساعٍ عالمية لإيجاد «توازن» بين سلبيات ومزايا الذكاء الصناعي

مساعٍ عالمية لإيجاد «توازن» بين سلبيات ومزايا الذكاء الصناعي

في ظل النمو المتسارع لتطبيقات الذكاء الصناعي، تسعى حكومات دول عدة حول العالم لإيجاد وسيلة لتحقيق التوازن بين مزايا وسلبيات هذه التطبيقات، لا سيما مع انتشار مخاوف أمنية بشأن خصوصية بيانات المستخدمين. وفي هذا السياق، تعقد نائبة الرئيس الأميركي كامالا هاريس، اليوم (الخميس)، لقاءً مع الرؤساء التنفيذيين لأربع شركات كبرى تعمل على تطوير الذكاء الصناعي، بحسب وكالة «أسوشييتد برس» الأميركية. في حين تدرس السلطات البريطانية تأثير «تشات جي بي تي» على الاقتصاد، والمستهلكين.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
لماذا تُعد العادات الصحية مفتاحاً أساسياً لإدارة أموالك؟

لماذا تُعد العادات الصحية مفتاحاً أساسياً لإدارة أموالك؟

يُعد النشاط البدني المنتظم والنظام الغذائي المتوازن والنوم الكافي من أكثر الممارسات الموصى بها للحفاظ على صحتك العامة. هذه العادات لها أيضاً تأثير إيجابي على أموالك الشخصية ومدخراتك بشكل عام. للوهلة الأولى، قد يكون من الصعب التعرف على الصلة بين العادات الصحية والأمور المالية الشخصية. ومع ذلك، هناك الكثير من القواسم المشتركة بين هذه المفاهيم. عندما تعتني بصحتك الجسدية والعقلية، فإنك تعزز أيضاً تطورك الشخصي والمهني.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم بريطانيا: روسيا تتبنى استراتيجية جديدة للضربات الصاروخية

بريطانيا: روسيا تتبنى استراتيجية جديدة للضربات الصاروخية

أفادت وكالات الاستخبارات البريطانية بأن أحدث هجمات صاروخية روسية تردد أنها قتلت 25 مدنيا في أوكرانيا، تشير إلى استراتيجية هجومية جديدة وغير تمييزية بشكل أكبر، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية. وقالت وزارة الدفاع في لندن في تغريدة اليوم (السبت): «اشتملت الموجة على صواريخ أقل من تلك التي استخدمت في الشتاء، ومن غير المرجح أنها كانت تستهدف البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا». وأضافت الوزارة في أحدث تحديث استخباراتي أنه كان هناك احتمالية حقيقية أن روسيا حاولت أمس (الجمعة) الهجوم على وحدات الاحتياط الأوكرانية، وأرسلت مؤخرا إمدادات عسكرية. كانت وزارة الدفاع الروسية قد أعلنت أمس، أنه تم شن سلسلة من الهجم

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ ميغان ماركل توقّع عقداً مع وكالة مواهب كبرى في هوليوود

ميغان ماركل توقّع عقداً مع وكالة مواهب كبرى في هوليوود

وقّعت ميغان ماركل، زوجة الأمير البريطاني هاري، عقداً مع وكالة مواهب كبرى تُمثّل بعض أكبر نجوم هوليوود، وفقًا للتقارير. سيتم تمثيل ميغان من خلال «WME»، التي لديها عملاء من المشاهير بمَن في ذلك ريهانا ودوين جونسون (ذا روك) ومات دامون. وأفاد موقع «فارايتي» الأميركي بأنه سيتم تمثيلها من قبل آري إيمانويل، الذي عمل مع مارك والبيرغ، ومارتن سكورسيزي، وتشارليز ثيرون، وغيرهم. يقال إن التطور يأتي بعد معركة طويلة لتمثيل الدوقة بين عديد من وكالات هوليوود. وتركيز ميغان سينصب على الإنتاج السينمائي والتلفزيوني، وشراكات العلامات التجارية، بدلاً من التمثيل. وشركة «آرتشيويل» الإعلامية التابعة لميغان وهاري، التي

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم البرلمان الياباني يوافق على اتفاقيتي التعاون الدفاعي مع أستراليا وبريطانيا

البرلمان الياباني يوافق على اتفاقيتي التعاون الدفاعي مع أستراليا وبريطانيا

وافق البرلمان الياباني (دايت)، اليوم (الجمعة)، على اتفاقيتين للتعاون الدفاعي مع أستراليا وبريطانيا، ما يمهّد الطريق أمام سريان مفعولهما بمجرد أن تستكمل كانبيرا ولندن إجراءات الموافقة عليهما، وفق وكالة الأنباء الألمانية. وفي مسعى مستتر للتصدي للصعود العسكري للصين وموقفها العدائي في منطقة المحيطين الهادئ والهندي، سوف تجعل الاتفاقيتان لندن وكانبيرا أول وثاني شريكين لطوكيو في اتفاق الوصول المتبادل، بحسب وكالة كيودو اليابانية للأنباء. ووافق مجلس المستشارين الياباني (مجلس الشيوخ) على الاتفاقيتين التي تحدد قواعد نقل الأفراد والأسلحة والإمدادات بعدما أعطى مجلس النواب الضوء الأخضر لها في وقت سابق العام

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.