مارك ريتش.. ملك النفط والهارب الشهير

باع النفط الإيراني لإسبانيا عبر إسرائيل.. دون علم أحد

مارك ريتش
مارك ريتش
TT

مارك ريتش.. ملك النفط والهارب الشهير

مارك ريتش
مارك ريتش

كان يوم الجمعة السادس والعشرين من يونيو (حزيران) هو الذكرى الثانية لوفاة مارك ريتش الملياردير الأميركي من أصل يهودي والذي ارتبط نجاحه بأسماء شخصيات مثل فيديل كاسترو والشاه محمد رضا بهلوي والذي بنى ثروته من خلال تجارة النفط وكان أحد أهم الشخصيات خلف قيام السوق الفورية للبترول.
إن سيرة ريتش والتي وردت في كتاب باسم «ملك النفط» غنية بالأحداث ولكن أكثر ما يميزها هو أنها ملهمة لأي شاب يريد أن يصبح ناجحًا في عالم المال والأعمال إلا أنها لا تخلو من محاذير كثيرة. فريتش رغم كفاحه وعمله الجاد كان أحد أشهر المطلوبين للعدالة نظير تهربه من الضرائب في الولايات المتحدة وإجراء معاملات تجارية غير قانونية مع إيران إضافة إلى تهم أخرى.
لقد بدأ ريتش حياته بالكثير من الصعوبات فلقد انتقل في طفولته إلى الولايات المتحدة من أوروبا هربًا من جحيم النازية ومحارق الهولوكست. وبعد إتمام الثانوية التحق بالجامعة في عام 1952 لدراسة التسويق ولكنه كحال الكثير من الشخصيات الغنية الشهيرة ترك الجامعة واتجه للعمل لأنه أحس أن الخبرة العملية أهم من الخبرة النظرية.
وتمكن عن طريق معارف لوالده أن يلتحق بالعمل في شركة «فيليب براذرز» أي (إخوان فيليب) في نيويورك في عام 1954 والتي كانت حينها أكبر شركة لتجارة السلع في العالم والتي أسسها الأخوان الألمانيان أوسكار ويوليوس فيليب في عام 1901 في هامبورغ والتي انتقل مقرها إلى نيويورك مع الحرب العالمية.
وتحولت «فيليب إخوان» فيما بعد إلى شركة فيبرو وهي موجودة إلى اليوم والتي عمل لها تاجر نفط آخر شهير وهو أندرو هول والذي كون ثروة بعد مراهنته أن أسعار النفط ستصل إلى 100 دولار في عام 2008 وهو الأمر الذي لم يكن أحد يصدقه حينما بدأ بالترويج له في بداية الألفية الثانية.
ولكن هول مثل ريتش كان صاحب نظرة بعيدة المدى وكلاهما انفصل عن الشركة لاحقًا لنفس السبب وهو مطالبتهما بمكافآت عالية نظير المداخيل الكبيرة التي أدراها على الشركة من تجارة النفط. ففي عام 1973 طلب ريتش من «فيليب إخوان» أن تعطيه مكافأة 500 ألف دولار وفي عام 2009 طلب هول من فيبرو 100 مليون دولار مقابل ملياري دولار حققها كمكاسب للشركة.
عندما بدأ ريتش عمله في «فيليب إخوان» صدم من نظام الشركة. فهذه الشركة تعمل على نظام صارم يقوم على تعليم الموظف طريقة العمل من الصفر قبل أن يصعد لغرفة تجارة السلع وكل الموظفون المسؤولون عن تجارة السلع في الشركة يبدأون مسيرتهم في غرفة البريد. هذا الأمر أزعج ريتش الذي قال فيما بعد: «كنت أرى أني أستحق أعلى من هذا العمل فأنا معي شهادة ثانوية ودرست قليلاً في الجامعة».
وعمل ريتش في غرفة البريد لمدة سنتين. لقد كانت غرفة البريد مكانًا مهمًا ففيها تصل جميع البرقيات بالأسعار ومواعيد تسليم الشحنات وتفاصيلها. لقد كان العمل في الغرفة درسًا في تسعير السلع لمن أراد أن يتعلم. وبعد سنتين انتقل ريتش إلى غرفة الحركة حيث يتعلم كيف يقوم بإرسال وتسلم الشحنات وقياسها ومتابعتها في الموانئ حاله حال باقي التجار. وفي غرفة الحركة بدأ الجميع يلاحظ ذكاء ريتش وقدرته على العمل الشاق حيث كان يتعلم كل شيء من المرة الأولى.
إن أكثر ما يميز الناجحين هو قدرتهم على الاستفادة من كل الظروف والقبول بالبدء من الصفر. فكلما بدأ الإنسان طريقه من الأسفل نحو الأعلى زادت معرفته بكل التفاصيل ونمت لديه نظرة شمولية عن العمل وسيره.
وعندما دخل ريتش إلى غرفة التجارة بدأت أبواب النجاح تفتح أمامه. لقد كان في مطلع العشرينات حينها ولكنه كان ذكيًا لتعلم أمر هام وهو التخصص في سلعة وكيفية خلق سوق لها. وهذا ما فعله ريتش مع الزئبق والذي كان معدنًا ذا استخدامات بسيطة لا تتجاوز ميزان حرارة الجسم وأمورا بسيطة أخرى. ولكن ريتش كان ذكيًا لفهم اتجاهات السوق وسرعان ما أدرك أن الطلب على الزئبق سينمو إذ إنه دخل في صناعة البطاريات وبدأ الجيش الأميركي في استخدام كميات كبيرة منه لبطاريات الأجهزة إذ إن عمر بطارية الزئبق أطول من عمر البطاريات العادية.
هذا النبوغ جعل مديري الشركة يرسلونه إلى بوليفيا وهو في الرابعة والعشرين من عمره لمدة ستة أشهر للتعامل مع النظام الديكتاتوري حيث أممت الدولة المناجم التي كانت تتعامل معها «فيليب إخوان». وهناك تعلم ريتش شيئين مهمين الأول هو الإسبانية والثاني هو التعامل مع الأنظمة الديكتاتورية. وأجاد ريتش الإسبانية وقادته لأن يعيش في إسبانيا لاحقًا ويصبح مدير «فيليب إخوان» في مدريد، وهناك بنى علاقات قوية مع الحكومة الديكتاتورية تحت قيادة الجنرال فرانكو. وقبل ذهابه إلى إسبانيا ابتعثته الشركة إلى كوبا للتعامل مع نظام كاسترو وجيفارا وتمكن ريتش من إبهار الجميع إذ إنه بنى علاقات قوية مع النظام الكوبي وظل في تعامل مستمر معه وهذا يفسر تعلقه الشديد طيلة حياته بالسيجار الكوبي من نوع هافانا.
ولكن نقطة الانطلاق الحقيقية نحو الثروة كانت مع النفط وتحديدًا في عام 1969 عندما بدأت تونس في بيع كميات قليلة من النفط في السوق العالمية بشكل مباشر عن طريق «فيليب إخوان». لقد كانت الصفقة الأولى من نوعها وكانت ناجحة للشركة إذ تم الشراء وتحويل الشحنة مباشرة لمصفاة في إيطاليا. هذه الصفقة لم تتم على يد ريتش بل على يد زميل له ولكنها جعلته يفكر كثيرًا في مستقبل النفط وكيف أن السوق ستشهد تحولات. فحتى عام 1973 ميلادية كانت تجارة النفط عالميًا تسيطر عليها سبع شركات عرفت باسم الأخوات السبع وهي (موبيل، واكسون، وبي بي، وشل، وتكساكو، وغلف، وشيفرون).
وأدرك ريتش أن دول منظمة أوبك بدأت في مقاومة هذه الشركات وتأميم شركاتها النفطية وسرعان ما ستحتاج هذه الدول إلى شركة تتولى تجارة وتسويق نفطها. ويقول ريتش في سيرته «لقد كنت الشخص المناسب في التوقيت المناسب».
وبدأ ريتش وموظف آخر في شركة «فيليب إخوان» في قسم الحركة اسمه بينكس غرين التواصل مع نظام الشاه محمد رضا بهلوي والذي كان حينها في مفاوضات مع إسرائيل لبناء خط أنابيب سري يصل بين ميناء إيلات على خليج العقبة إلى عسقلان على شاطئ البحر الأبيض. والسبب في سرية هذا الأنبوب هو أن إيران لم تعترف بإسرائيل ولم ترد أن تخسر علاقاتها مع جيرانها في ذلك الحين بحسب ما ذكرته سيرة ريتش. وقال ريتش: «لقد كان هذا الأنبوب في بداياتي سر نجاحي». وبسبب علاقات ريتش القوية مع إسرائيل وإيران أقنع الجميع ببيع النفط من الأنبوب إلى إسبانيا والتي كانت في ذلك الوقت لا تعترف بإسرائيل أيضًا. وظل ريتش هو الرجل الخفي الذي يبيع النفط من إيران إلى إسبانيا مرورًا بإسرائيل دون علم أحد.
ومن هنا انطلق ريتش في عالم تجارة النفط والتي أدرت عليه عشرات المليارات من الدولارات سنويًا فيما بعد وجعلته من أغنى الشخصيات في وقتها. ولكن تهربه من الضرائب وتعامله مع النظام الإيراني بعد الحظر جعلا منه مجرمًا في نظر النظام الأميركي والذي ظل يلاحقه بعد هروبه إلى سويسرا في عام 1983 تهربًا من الضرائب. وظل ريتش مطاردًا حتى عام 2001 عندما أصدر الرئيس السابق بيل كلينتون عفوًا عنه في الأيام الأخيرة له في البيت الأبيض بعد وساطات كثيرة من الحكومة الإسرائيلية وهو القرار الذي عرض كلينتون لانتقاد شديد أحس بعده بالندم.
وتوفى ريتش في سويسرا في السادس والعشرين من يونيو عام 2013 عن 78 عامًا بسكتة قلبية لتنتهي حياة عملاق من عمالقة تجارة النفط والمؤسس لها بعد حياة مليئة بالنجاحات والثراء والصفقات غير المشروعة مع أنظمة ديكتاتورية.



مسؤول أميركي: لا توجد دولة تعتزم الانسحاب من اتفاقيات التجارة بعد إلغاء رسوم ترمب

جيمسون غرير يتحدث إلى وسائل الإعلام خلال مأدبة عمل مع وزراء التجارة الأوروبيين في بروكسل - 24 نوفمبر 2025 (رويترز)
جيمسون غرير يتحدث إلى وسائل الإعلام خلال مأدبة عمل مع وزراء التجارة الأوروبيين في بروكسل - 24 نوفمبر 2025 (رويترز)
TT

مسؤول أميركي: لا توجد دولة تعتزم الانسحاب من اتفاقيات التجارة بعد إلغاء رسوم ترمب

جيمسون غرير يتحدث إلى وسائل الإعلام خلال مأدبة عمل مع وزراء التجارة الأوروبيين في بروكسل - 24 نوفمبر 2025 (رويترز)
جيمسون غرير يتحدث إلى وسائل الإعلام خلال مأدبة عمل مع وزراء التجارة الأوروبيين في بروكسل - 24 نوفمبر 2025 (رويترز)

صرّح الممثل التجاري الأميركي، جيمسون غرير، الأحد، بأنه تجري محادثات مكثفة مع الدول التي أبرمت اتفاقيات رسوم جمركية مع الولايات المتحدة، مؤكداً أنه لم تُبْدِ أي منها نيتها الانسحاب في أعقاب قرار المحكمة الأميركية العليا، يوم الجمعة، بإلغاء جزء كبير من الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب.

وأضاف غرير، في حديثه لقناة «سي بي إس»، أنه تحدث بالفعل مع نظيره من الاتحاد الأوروبي، وستجري محادثات مع مسؤولين من دول أخرى.

وقال غرير: «لم أسمع حتى الآن عن أي جهة تعلن إلغاء الاتفاق».

كانت المحكمة العليا الأميركية، قد قضت، في صفعة قضائية لترمب، بعدم قانونية أجزاء واسعة من نظامه الجمركي السابق؛ ما دفع ترمب إلى البحث عن مسارات قانونية بديلة لضمان استمرار استراتيجيته القائمة على حماية الأسواق المحلية، ومعاقبة الخصوم التجاريين.

وقال ترمب، على منصته الاجتماعية «تروث سوشيال»، إنه بعد مراجعة شاملة لقرار المحكمة، الذي وصفه بأنه «معادٍ لأميركا للغاية»، قرَّر رفع رسوم الاستيراد «إلى المستوى المسموح به بالكامل، الذي تمَّ اختباره قانونياً، وهو 15 في المائة».

وكان ترمب قد أعلن في البداية عن رسوم بنحو 10 في المائة فور صدور الحكم، إلا أنه سرعان ما زاد النسبة، مستنداً هذه المرة إلى مادة قانونية تختلف عن «قانون القوى الاقتصادية الطارئة لعام 1977» الذي أسقطته المحكمة.


العراق: 5 % رسوماً على مستلزمات الطاقة الشمسية

حدد العراق 5 % جمارك على نسبة الخلايا الشمسية وبطاريات الليثيوم والإنفريتر والكيبل لكل مادة (إكس)
حدد العراق 5 % جمارك على نسبة الخلايا الشمسية وبطاريات الليثيوم والإنفريتر والكيبل لكل مادة (إكس)
TT

العراق: 5 % رسوماً على مستلزمات الطاقة الشمسية

حدد العراق 5 % جمارك على نسبة الخلايا الشمسية وبطاريات الليثيوم والإنفريتر والكيبل لكل مادة (إكس)
حدد العراق 5 % جمارك على نسبة الخلايا الشمسية وبطاريات الليثيوم والإنفريتر والكيبل لكل مادة (إكس)

حددت الهيئة العامة للجمارك العراقية، الأحد، نسبة الرسوم على مستلزمات الطاقة الشمسية عند 5 في المائة فقط، وذلك لتشجيع المواطنين على استخدام الطاقة النظيفة.

ويشهد العراق انقطاعات في التيار الكهربائي مع كل موسم صيف، إذ يرتفع الطلب مع درجات الحرارة الملتهبة، وسط تهالك شبكة الكهرباء المحلية.

وقال مدير عام الهيئة، ثامر قاسم، وفقاً لـ«وكالة الأنباء العراقية»: «إنه جرى توجيه كتاب إلى الفريق الوطني لتنفيذ مشروع الأتمتة، بتحديد رمز ونسبة الرسم الجمركي لمستلزمات الطاقة الشمسية والمعدات والألواح».

وأضاف أن «نسبة الخلايا الشمسية وبطاريات الليثيوم والإنفريتر والكيبل تبلغ جميعها 5 في المائة لكل مادة».


عواصم العالم تعيد تقييم صفقات التريليونات بعد التفاف ترمب على القضاء برسوم مؤقتة

سفينة تعبر بجانب سفينة حاويات محملة بحاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)
سفينة تعبر بجانب سفينة حاويات محملة بحاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)
TT

عواصم العالم تعيد تقييم صفقات التريليونات بعد التفاف ترمب على القضاء برسوم مؤقتة

سفينة تعبر بجانب سفينة حاويات محملة بحاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)
سفينة تعبر بجانب سفينة حاويات محملة بحاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)

دخل النظام التجاري العالمي مرحلة من الغليان القانوني والسياسي إثر قرار المحكمة العليا الأميركية الذي قيَّد صلاحيات الرئيس دونالد ترمب الجمركية، مما أطلق شرارة «ثورة صامتة» في عواصم القرار. هذا القرار، الذي وصف بأنه «نزع سلاح» استراتيجي لواشنطن، دفع الدول الكبرى فوراً إلى إعادة تقييم جدوى صفقات التريليونات التي وقَّعتها تحت ضغط الترهيب؛ إذ بدأ العالم يستشعر لأول مرة أن «عقيدة المقايضة» الجمركية التي انتهجها البيت الأبيض باتت تفتقر إلى السند القانوني القوي.

لقد استند ترمب في «حربه الشاملة» على التجارة العالمية إلى قانون القوى الاقتصادية الطارئة الدولية لعام 1977، والمعروف اختصاراً بـ«IEEPA»، وهو تشريع يمنح الرئيس سلطات واسعة في حالات الطوارئ الوطنية. لكن ترمب ذهب بعيداً حين فسر هذا القانون بطريقة تمنحه الحق في فرض رسوم جمركية عقابية مرتفعة جداً «في أي وقت ولأي سبب»، مستخدماً إياه كـ«بازوكا تجارية» لمعاقبة الدول في ملفات لا علاقة لها بالتجارة، مثل الضغط على أوروبا في قضية غرينلاند أو تهديد المكسيك وكندا بسبب ملفات الهجرة.

وبحكم المحكمة الأخير الذي جاء بأغلبية 6 قضاة مقابل 3، فقدت هذه الأداة قانونيتها، حيث رأت المحكمة أن فرض الرسوم سلطة حصرية للكونغرس، مما حرم الرئيس من عنصر «المفاجأة والردع» الذي كان يرهب به الأسواق.

ترمب محاطاً بوزير التجارة هوارد لوتنيك والمدعي العام دي جون ساوير في مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض عقب قرار المحكمة العليا (رويترز)

خطة بديلة

ومع ذلك، لم يستسلم البيت الأبيض لهذا الانكسار القضائي؛ ففي غضون ساعات قليلة، أعلن ترمب عن تفعيل «الخطة البديلة» عبر اللجوء إلى المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974. هذه المادة تتيح للرئيس فرض رسوم لمواجهة العجز التجاري الخطير، لكنها تظل أداة «مقصوصة الأجنحة» مقارنة بالقانون السابق، فهي تضع سقفاً للرسوم لا يتجاوز 15 في المائة، وتحدد مدتها بـ 150 يوماً فقط ما لم يتدخل الكونغرس لتمديدها. هذا الالتفاف السريع، الذي بدأ برسم 10 في المائة قبل أن يرفعه ترمب إلى الحد الأقصى (15 في المائة) في أقل من يوم، يعكس إصرار الإدارة على إبقاء الشركاء التجاريين في حالة تأهب دائم، رغم أن الإجراءات الجديدة تتطلب تحقيقات فيدرالية مطولة بموجب المادتين 301 و232، مما يسلب ترمب قدرته على الضرب المفاجئ ويمنح الدول الأخرى «نَفساً» تفاوضياً لم يكن متاحاً من قبل.

كما يملك ترمب سلاح المادة 232 الذي لا يُقهر قضائياً؛ حيث تتيح فرض رسوم باسم «الأمن القومي» (مثل رسوم الـ50 في المائة على الصلب والسيارات)، وهي أداة دائمة وقاسية يصعب الطعن فيها. وكذلك سلاح المادة 301 وهي «سيف العقاب» للممارسات غير العادلة، والتي يخطط ترمب لاستخدامها عبر «تحقيقات نشطة» لشرعنة الرسوم التي أبطلتها المحكمة، مما يبقي بكين تحت ضغط دائم.

مصير الصفقات الكبرى

تكمن المعضلة الكبرى الآن في مصير الاتفاقيات الإطارية الضخمة التي وقعتها واشنطن مع نحو 20 دولة وقوة اقتصادية، وهي الصفقات التي كانت قائمة في جوهرها على معادلة «الاستثمار مقابل الحماية».

وتتصدر اليابان وكوريا الجنوبية قائمة الدول التي سارعت لإرضاء واشنطن بصفقات «تريليونية» لتأمين استقرار قطاعاتها الصناعية الكبرى. اليابان، التي تعد السيارات وقطع غيارها العمود الفقري لصادراتها، نجحت في خفض الرسوم من 27.5 في المائة إلى 15 في المائة مقابل تعهد تاريخي بضخ 550 مليار دولار في الاقتصاد الأميركي.

وقد وصف أحد المسؤولين البارزين في «الحزب الليبرالي الديمقراطي» الحاكم في اليابان، الرسوم الجديدة بأنها «فوضى حقيقية»، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ»، عن إيتسونوري أونوديرا، الذي يشغل حالياً منصب رئيس مجموعة بحثية عن الضرائب تابعة للحزب.

واستبعد أونوديرا إمكانية أن تسعى اليابان من أجل إعادة التفاوض على الاتفاقية التجارية، مشيراً إلى أن جوهر المفاوضات التجارية التي جرت العام الماضي، كان خفض الرسوم الجمركية المفروضة على السيارات، حيث إنها تعدُّ أكبر مصدر للصادرات اليابانية، ومصدراً رئيسياً للوظائف والاستثمارات.

حاويات مكدسة في ميناء لونغ بيتش (أ.ب)

ورغم وصف الوضع الحالي بـ«الفوضى الحقيقية»، فإن الحكومة اليابانية تجد نفسها في موقف حرج؛ فهي لا تزال تخطط للمضي قدماً في استثماراتها، بينما تكتنف الضبابية جولة التمويل القادمة المقرر الإعلان عنها خلال زيارة رئيسة الوزراء لواشنطن في مارس (آذار) المقبل.

أما كوريا الجنوبية، التي التزمت بـ350 مليار دولار كاستثمارات مقابل سقف رسوم 15 في المائة على الصلب والألمنيوم والسيارات، فتعيش حالة من الترقب المشوب بالحذر. فبينما هدَّد ترمب مؤخراً برفع الرسوم إلى 25 في المائة متهماً سيول بالمماطلة في المصادقة البرلمانية على الاتفاق، جاء قرار المحكمة العليا ليمنح المفاوض الكوري «ورقة قوة» غير متوقعة، حيث يرى المحللون في سيول أن الحكم «يُبطل» فعلياً قانونية التهديد بالرسوم المتبادلة، مما يضعف من قدرة ترمب على ممارسة المزيد من الضغوط دون غطاء قانوني صلب.

أما إندونيسيا وماليزيا وكمبوديا والتي وافقت على رسوم بنسبة 19 في المائة مقابل مشتريات ضخمة من السلع الأميركية، فإنها تجد نفسها في وضع غير مواتٍ، مقارنة بمنافسيها الآسيويين.

الهند ترجئ الزيارة

وفي خضم هذه التطورات، قررت الهند إرجاء خططها لإرسال وفد تجاري إلى واشنطن هذا الأسبوع، وفق ما أفاد مصدر في وزارة التجارة الهندية. ويُعد هذا القرار من أوائل ردود الفعل الملموسة بين الدول الآسيوية على هذا القرار.

وقال المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن هويته نظراً لحساسية الموضوع: «اتُخذ قرار تأجيل الزيارة بعد مناقشات بين مسؤولين من البلدين. ولم يُحدَّد موعد جديد للزيارة».

وكان من المقرر أن يغادر الوفد يوم الأحد لإجراء محادثات لوضع اللمسات الأخيرة على اتفاقية تجارية مؤقتة، بعد أن اتفق البلدان على إطار عمل لخفض واشنطن الرسوم الجمركية العقابية بنسبة 25 في المائة على بعض الصادرات الهندية المرتبطة بمشتريات نيودلهي من النفط الروسي.

وكان من المقرر خفض الرسوم الجمركية الأميركية على البضائع الهندية إلى 18 في المائة، بينما وافقت الهند على شراء سلع أميركية بقيمة 500 مليار دولار على مدى خمس سنوات، تشمل إمدادات الطاقة والطائرات وقطع غيارها والمعادن الثمينة والمنتجات التكنولوجية.

متداول يعمل في بورصة نيويورك بينما يعقد ترمب مؤتمراً صحافياً عقب قرار المحكمة العليا (إ.ب.أ)

إندونيسيا مستعدة لأي نتيجة

وفي الإطار نفسه، أكَّد الرئيس الإندونيسي، برابوو سوبيانتو، استعداد بلاده للتكيف مع أي تغييرات في السياسات التجارية الأميركية، مشدداً على أن جاكرتا تحترم السياسة الداخلية للولايات المتحدة، وتبقى مستعدة للتعامل مع أي مستجدات.

ونقلت وكالة أنباء «أنتارا» الإندونيسية، عن سوبيانتو قوله للصحافيين في واشنطن العاصمة، إن قرار المحكمة العليا الأخير قضى بعدم أحقية السلطة التنفيذية في فرض رسوم جمركية عالمية واسعة النطاق استناداً إلى «قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية». وأبدى تفاؤله قائلاً: «إننا على استعداد لأي احتمال، ونحترم السياسة الداخلية للولايات المتحدة».

الجبهة الأوروبية

لم تكن القارة العجوز بمنأى عن هذا الزلزال؛ ففي بروكسل، انتقل التوتر من أروقة المكاتب إلى منصات القرار التشريعي. وأعلن بيرند لانغ، رئيس لجنة التجارة الدولية في البرلمان الأوروبي، يوم الأحد، اعتزامه التقدم باقتراح رسمي لتعليق كافة الأعمال التشريعية المتعلقة بالاتفاق التجاري الضخم مع واشنطن.

هذا التحرك جاء رداً مباشراً على ما وصفه بـ«الفوضى الجمركية العارمة» التي أحدثتها إدارة ترمب، معتبراً أن الأساس القانوني الذي بُنيت عليه الاتفاقيات قد انهار تماماً.

وكان من المقرر أن يتم التصويت على اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي وأميركا هذا الأسبوع. وكان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة اتفقا في ملعب «غولف تيرنبيري» التابع لترمب في اسكوتلندا بيوليو (تموز) الماضي، على اتفاقية لتجنب حرب تجارية، بموجبها يلغي الاتحاد الأوروبي رسوم الاستيراد على العديد من المنتجات الأميركية مقابل فرض الولايات المتحدة تعريفة جمركية بنسبة 15 في المائة على معظم صادرات السلع الأوروبية.

وتحتاج الرسوم الجمركية المخفضة للاتحاد الأوروبي إلى موافقة حكومات الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي.

وعلَّق البرلمان الأوروبي الشهر الماضي أعماله بشأن الاتفاقية احتجاجاً على مطالب ترمب بضم غرينلاند وتهديداته بفرض تعريفات جمركية على الحلفاء الأوروبيين المعارضين لخطته، لكنه قرَّر لاحقاً طرح الاتفاقية للتصويت في نهاية فبراير (شباط).

ورغم إصرار وزارة الخزانة الأميركية على أن هذه الصفقات ستظل سارية، فإن المحللين يرون أن الدول قد تستعيد بعضاً من نفوذها التساومي، مستغلة الضعف القانوني لموقف ترمب الجديد، وإن كانت تخشى في الوقت ذاته من «انتقام رئاسي» غير متوقع عبر أدوات أخرى.

وتبرز مشكلة أخرى وهي أن القليل جداً من هذه الاتفاقيات قد تمت المصادقة عليه برلمانياً. وبينما كان ترمب يتصرف من جانب واحد، يحتاج المسؤولون في الطرف الآخر إلى موافقة تشريعية. وقد سارعت ماليزيا وإندونيسيا للإشارة إلى أنهما لم تصدِّقا بعد على اتفاقاتهما، حيث أكَّد وزير التجارة الماليزي أن بلاده ستعمل وفقاً لمصالحها الخاصة وتستمر في «تنويع علاقاتها التجارية».