الإرهاب يستهدف السياحة في تونس مجددًا.. ويحصد 37 قتيلاً وعشرات الجرحى

السبسي: تونس لا تستطيع وحدها مواجهة المتطرفين

قوات أمن تونسية تقتاد أحد المشتبه بهم في تنفيذ الهجوم الإرهابي الذي خلف 37 قتيلا أمس (إ.ب.أ)
قوات أمن تونسية تقتاد أحد المشتبه بهم في تنفيذ الهجوم الإرهابي الذي خلف 37 قتيلا أمس (إ.ب.أ)
TT

الإرهاب يستهدف السياحة في تونس مجددًا.. ويحصد 37 قتيلاً وعشرات الجرحى

قوات أمن تونسية تقتاد أحد المشتبه بهم في تنفيذ الهجوم الإرهابي الذي خلف 37 قتيلا أمس (إ.ب.أ)
قوات أمن تونسية تقتاد أحد المشتبه بهم في تنفيذ الهجوم الإرهابي الذي خلف 37 قتيلا أمس (إ.ب.أ)

قال محمد علي العروي، المتحدث باسم وزارة الداخلية التونسية، إن الهجوم الإرهابي الذي استهدف أمس فندقين بمدينة سوسة السياحية خلف 27 قتيلا، وأكثر من ستة جرحى في حصيلة أولية، كما تم القضاء على أحد المهاجمين من طرف قوات الأمن، وحجز سلاح كلاشنيكوف استعمله خلال الهجوم الدامي.
ومباشرة بعد انتشار خبر الهجوم، توجه الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، والحبيب الصيد رئيس الحكومة، إلى مكان الحادث، بالإضافة إلى قاضي التحقيق وممثل النيابة العامة، لمعاينة جثث الضحايا في انتظار فتح بحث قضائي حول العملية الإرهابية.
وأعلن الرئيس السبسي أن بلاده لا تستطيع «وحدها» مواجهة المتطرفين، وقال من الفندق الذي تعرض للهجوم: «لقد أدركنا اليوم أن تونس تواجه حركة عالمية لا يمكنها أن تواجهها وحدها. والدليل أنه في اليوم نفسه وفي الساعة نفسها استهدفت عملية مماثلة فرنسا.. والكويت»، مضيفا أن «هذا يقيم الدليل على وجوب وضع استراتيجية شاملة (لمواجهة المتطرفين) وعلى ضرورة أن توحد كل الدول الديمقراطية حاليا جهودها ضد هذه الآفة».
من جانبها، أعلنت وزارة الصحة في بيان أن الهجوم أسفر، وفق حصيلة جديدة غير نهائية، عن مقتل 37 شخصا وإصابة 36 آخرين في الهجوم، إذ قال شكري النفطي المكلف بالإعلام في وزارة الصحة إن الهجوم أسفر عن «37 قتيلا و36 جريحا بعضهم في حالة حرجة»، وإن القتلى يتكونون من تونسيين وسياح من جنسيات بريطانية وألمانية وبلجيكية.
وهرعت قوات أمنية وعسكرية إلى مكان الحادث وطوقت المنطقة قبل أن تكثف من عمليات التمشيط خشية وجود متشددين آخرين بالقرب من المنطقة. وأكد العروي أن تسجيل الإصابات بين عدد من المقيمين جاء نتيجة إطلاق النار العشوائي من قبل المهاجمين، وتبادل إطلاق النار مع منفذي الهجوم. وأشار محللون مختصون في مجال الإرهاب إلى أن تزامن الهجوم الدامي الذي عرفته مدينة سوسة مع هجوم مماثل في مدينة ليون الفرنسية، قد يخفف قليلا من تأثير ووقع هذا الهجوم. وكان إيمانويل فالس، رئيس الحكومة الفرنسية قد تطرق للهجومين الإرهابيين المتزامنين في موقعه على الشبكة العنكبوتية بقوله: «إن الإرهاب أعمى ولا يستثني أمة دون أخرى، حيث ضرب فرنسا وتونس في وقت واحد».
ووفق تفاصيل قدمتها مصادر أمنية حول الحادث، فإن إرهابيين اثنين تسللا إلى النزل الأول من جهة البحر، وبعد دخولهما إلى الفندق أطلقا وابلا من الرصاص على المقيمين بالنزل، لكن تمكنت قوات الأمن من القضاء على عنصر واحد، فيما تمكن العنصر الثاني من الفرار.
وقال شاهد عيان للتلفزة التونسية الحكومية إنه شاهد الإرهابي في قاعة الاستقبال عندما أطلق النار على الموجودين داخل النزل، قبل أن يخرج في اتجاه مرأب للسيارات، ويواصل إطلاق النار على الجميع بشكل عشوائي، مضيفا أنه نجا من الموت بأعجوبة، حيث لم تكن تفصله عن المهاجم سوى أمتار قليلة. وأظهرت الصورة الأولى لمنفذ الهجوم الذي قتل على مسرح العملية، أنه كان يرتدي لباسا صيفيا، يرجح أنه استخدمه للتمويه وإبعاد شكوك عناصر الأمن، غير أن وجود سلاح الكلاشنيكوف بحوزتهما يثير، حسب عدد من المراقبين، الكثير من الشكوك حول كيفية وصول السلاح إليهما.
ورجحت بعض المصادر الأمنية أن الهجوم الدامي جاء بعد تسلل عنصر إرهابي إلى شاطئ النزل قادما من البحر، وهو من قام بإطلاق الرصاص بطريقة عشوائية على السياح قبل أن تتدخل قوات الأمن على الفور، وهو ما قلل، حسب شهود عيان، من الخسائر الناجمة عن الهجوم. إلا أن بعض المحللين الأمنيين رجحوا كذلك أن يكون نقص الحماية الأمنية داخل الفنادق التونسية وراء إقدام المسلحين على الدخول إلى النزل ومهاجمة السياح.
روايات شهود عيان أكدت لـ«الشرق الأوسط» أن المهاجم باغت طاقم الأمنيين التابعين للفندق ولقوات الأمن التونسية لأنه تسلل من الشاطئ وليس من أبواب الفندق، وباعتبار أن الشواطئ عمومية في تونس فقد «أخفى الإرهابي سلاح الكلاشنيكوف» وسط مظلة مضادة للشمس كان يسير بها في اتجاه الشاطئ المجاور للبحر، ثم استعملها في العدوان على العمال والسياح.
من جهته، قال حسين جنيح، وهو رجل أعمال من سوسة شهد تفاصيل الهجوم، إن الإرهابيين نزلا عبر زورق سريع (زودياك) من البحر، وإن العملية انطلقت من الشاطئ، موضحا أن أحد منفذي الهجوم كان يخفي السلاح داخل مظلة شمسية، وكان يحمل في يده قنبلة.
واعتبر مختار بن نصر، العميد السابق في الجيش التونسي، أن عملية سوسة كانت متوقعة، خاصة بعد التهديدات السابقة بتنفيذ عمليات إرهابية خلال شهر رمضان. لكنه دعا إلى عدم السقوط في فخ الإرهاب، وبث جو من الرعب في صفوف التونسيين.
وألقت وحدات الأمن القبض على شخصين يشتبه في علاقتهما بالعملية الإرهابية بالمنطقة السياحية في القنطاوي، التي كانت مسرحا للهجوم الدامي.
وإذ دعت زعامات الأحزاب السياسية الكبرى، وبينها وزيرة السياحة فوزية اللومي وقيادات في حزب الباجي قائد السبسي، إلى «الوحدة الوطنية»، فإن تزامن الهجوم الجديد مع قرب انطلاق محاكمة قتلة شكري بلعيد، اعتبر من قبل بعض المراقبين السياسيين «أخطر ضربة أمنية سياسية موجهة للدولة والمجتمع في تونس منذ انتخاب الرئيس الباجي قائد السبسي والبرلمان الحالي»، وبدأ الجميع يتساءل في تونس متى ستنتهي مرحلة الخطب السياسية والوجدانية؟ ومتى تعطى الفرصة لمئات العسكريين والأمنيين كي يساهموا في الحرب على الإرهاب وإجهاض مخططات عصابات خبروها عن قرب طوال مسيرتهم المهنية. وفي هذا السياق، دعا بن نصر إلى الاستفادة من خبرات نحو 300 من كبار الضباط الذين أحيلوا على التقاعد، والذين يمكن التعاون معهم مجددا باعتبارهم «من ضباط الاحتياط».
وتزامنت هذه العملية الإرهابية مع حملة غير مسبوقة من الإضرابات والاضطرابات الاجتماعية والاعتصامات والتحركات التي تداخلت فيها المطالب المشروعة للعاطلين عن العمال والموظفين بمطالب «الأطراف السياسية اليسارية المتشددة» التي أعلنت أنها تعمل على إسقاط حكومة الحبيب الصيد والائتلاف الحزبي الذي يدعمها، وتشكيل حكومة ثورية يسارية، تتبرأ من ديون تونس الخارجية على غرار ما فعل اليسار اليوناني، على حد تعبير حمه الهمامي، زعيم الحزب العمالي الشيوعي. لكن غالبية قيادات الأحزاب المشاركة في الائتلاف الرباعي الحالي ترفض إسقاط الحكومة الحالية، كما تطالب بتوظيف الهجمات الإرهابية لدعوة كل الأطراف إلى «الوحدة الوطنية، (وليس إلى التصدع) والمغامرة بدفع البلاد نحو المجهول». وأكدت تصريحات الرئيس السبسي ورئيس حكومته أمس بعد العملية الإرهابية على نفس المعاني التي صدرت عن الأمين العام لحزب النهضة علي العريض، والأمين العام للحزب الوطني الحرب سليم الرياح حول «دعم الحكومة الائتلافية الحالية»، واعتبار إضعافها أو إسقاطها «خدمة للإرهاب والإرهابيين ومغامرة غير مأمونة العواقب».



حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
TT

حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)

في أعقاب فشل محاولة المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل في تسيير مظاهرة غير مرخصة في مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت اليمنية، ومقتل مدنيَّين اثنين وإصابة آخرين، فتحت السلطات المحلية تحقيقاً فورياً في الأحداث، وتعهدت بملاحقة المتسببين والتصدي لأي محاولة لزعزعة الأمن، واتهمت مندسين بإطلاق النار على قوات الأمن.

وخلال ترؤسه اجتماعاً للجنة الأمنية، تلقى عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، من القيادات الأمنية والعسكرية إحاطة شاملة حول الأوضاع، والإجراءات التي جرى اتخاذها للتعامل مع المستجدات، ووجّه بفتح تحقيق عاجل وشفاف في الأحداث «المؤسفة» التي شهدتها عاصمة المحافظة، مؤكداً ضرورة محاسبة كل من يثبت تورطه أو تسببه فيها.

وعبّرت اللجنة الأمنية في المحافظة عن أسفها الشديد لإصرار ما وصفتها بـ«أدوات المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل» على تنظيم مظاهرة غير مرخصة، في مخالفة صريحة للقوانين، وما ترتب على ذلك من تداعيات مؤسفة ألحقت الضرر بالأمن والاستقرار والسكينة العامة.

نواب ووجهاء حضرموت يجددون دعمهم للسلطة المحلية في تثبيت الأمن (إعلام حكومي)

وأكدت اللجنة أن حماية المدنيين تمثل أولوية قصوى، رافضةً أي استهداف لهم أو للعسكريين، وتعهدت بضبط العناصر التخريبية وملاحقة كل من يسعى لزعزعة الأمن والاستقرار أو الإخلال بالسكينة العامة.

وحسب مصادر حكومية، ناقشت اللجنة الأمنية مستجدات الأوضاع، وجهود تثبيت الاستقرار وتعزيز الأمن، ورفع مستوى التنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية، واتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على الأمن العام وصون أرواح المواطنين وممتلكاتهم.

تكاتف محلي وأمني

وحسب المصادر الرسمية، أعقب ذلك لقاء جمع الخنبشي بأعضاء مجلسي النواب والشورى، إلى جانب أعضاء هيئة التوافق الحضرمي، خُصص لمناقشة التطورات العامة التي تشهدها المحافظة على مختلف الأصعدة.

ووفقاً للمصادر، استعرض عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني أمام الحاضرين آخر التطورات الأمنية في المكلا وسائر مديريات حضرموت، وأكد جاهزية السلطة المحلية للتعامل مع أي مستجدات، وقال إنها لن تتهاون مع أي محاولات تستهدف أمن المواطنين أو تمس المصالح العامة. وشدد على أن المرحلة الراهنة تتطلب مضاعفة الجهود لترسيخ دعائم الأمن والاستقرار، بوصفهما الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية وتحسين مستوى الخدمات.

وأبلغ الخنبشي نواب ووجهاء حضرموت باستمرار التنسيق مع مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، والسعودية، لدعم جهود السلطة المحلية في مجالات الخدمات والبنية التحتية، وتعزيز الجوانب الأمنية والعسكرية، إضافةً إلى متابعة استحقاقات المحافظة من النفط الخام والوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، ونصيبها من الإيرادات بما يخدم التنمية المحلية.

وعند مناقشة الأحداث الأخيرة ومحاولات زعزعة الأمن، استمع المحافظ إلى مداخلات الحاضرين التي عبّرت في مجملها عن دعمها لجهود السلطة المحلية، مؤكدين أهمية تكاتف الجميع للحفاظ على الأمن والاستقرار.

كما شددوا على ضرورة تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية، وتطوير أداء قوات النخبة الحضرمية، وتشديد الرقابة على مداخل المحافظة، ومنع تسلل العناصر التخريبية، إلى جانب تطبيق النظام والقانون والحفاظ على هيبة الدولة، ومعالجة التحديات الخدمية والاجتماعية وتحسين الأوضاع المعيشية.

التصدي للفوضى

ونقلت المصادر الرسمية عن وجهاء حضرموت تأكيدهم أن أمن المحافظة واستقرارها يمثلان «خطاً أحمر» لا يمكن التهاون فيه، داعين أبناء حضرموت إلى الالتفاف حول قيادتهم المحلية ومساندة الأجهزة الأمنية والعسكرية، والتصدي لأي محاولات لزعزعة الأمن أو نشر الفوضى. كما شددوا على أهمية تعزيز الوعي المجتمعي والتكاتف الوطني لمواجهة التحديات.

في سياق متصل، زار وكيل المحافظة حسن الجيلاني، برفقة مدير عام مديرية مدينة المكلا فياض باعامر، أسر ضحايا الأحداث وعدداً من المصابين من المدنيين والعسكريين، مؤكدين حرص قيادة السلطة المحلية على متابعة أوضاع الجرحى وتقديم الرعاية اللازمة لهم حتى تماثلهم للشفاء. وتعهدا بمواصلة متابعة التحقيقات لكشف ملابسات الأحداث، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتسببين.

وكيل محافظة حضرموت خلال زيارته جرحى أحداث المكلا (إعلام حكومي)

وفي بيان سابق، أكدت السلطة المحلية واللجنة الأمنية أن الأجهزة الأمنية نفَّذت انتشاراً محدوداً يندرج ضمن مهامها القانونية لحماية المدنيين وتأمين المرافق العامة، وأعلنت رصد عناصر مسلحة بلباس مدني أطلقت النار على القوات الأمنية في أثناء أداء مهامها، في «تصرف خطير» يعكس نيّات لجر المحافظة إلى العنف. وشددت على أن هذه الأعمال ستُواجه بحزم وفق القانون.

كما أعربت السلطة المحلية في حضرموت عن أسفها لعدم التزام بعض الجهات السياسية والأفراد بتوجيهات اللجنة الأمنية، ومضيّهم في تنظيم مظاهرات غير مرخصة، محمِّلةً الجهات المحرّضة كامل المسؤولية عن أي تداعيات تمس الأمن والاستقرار أو تعرِّض حياة المواطنين للخطر.

Your Premium trial has ended


غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
TT

غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

أثار قرار الجماعة الحوثية بشطب 4225 وكالة تجارية عاملة في مناطق سيطرتها، بذريعة عدم تجديد التراخيص، موجة غضب واسعة في الأوساط الاقتصادية اليمنية، وسط تحذيرات من تداعيات خطرة قد تطال استقرار السوق المحلية وتفاقم الأوضاع المعيشية.

وبحسب مصادر تجارية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن القرار المفاجئ أحدث حالة من الارتباك لدى مئات الشركات والوكلاء، الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد يهدد استمرار أنشطتهم ويعرضهم لخسائر مالية فادحة، خصوصاً في ظل بيئة تنظيمية توصف بغير المستقرة.

ويرى مراقبون أن الخطوة لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من الإجراءات الحوثية التي تستهدف إعادة تشكيل السوق في مناطق سيطرة الجماعة، بما يخدم مصالح فئات محددة على حساب بقية الفاعلين الاقتصاديين، وهو ما يثير تساؤلات حول مستقبل المنافسة التجارية في تلك المناطق.

ويأتي هذا القرار امتداداً لسلسلة من الإجراءات التي تنفذها ما تُسمى وزارة الصناعة والتجارة التابعة للحوثيين، والتي يصفها تجار بأنها تعسفية ومجحفة، إذ تستهدف ما تبقى من القطاع الخاص المحلي عبر فرض قيود معقدة ورسوم مرتفعة، إلى جانب تغييرات مستمرة في اللوائح والتعليمات.

الحوثيون يفرضون إتاوات متعددة على التجار ما دفع الكثير إلى الإفلاس أو الهجرة (أ.ف.ب)

وتؤكد مصادر أن شطب هذا العدد الكبير من الوكالات قد يفتح الباب أمام منح تلك التراخيص لاحقاً لجهات محسوبة على الجماعة، في خطوة يُعتقد أنها تسعى إلى إحكام السيطرة على مفاصل النشاط التجاري، خصوصاً في القطاعات الحيوية مثل الاستيراد والتوزيع.

ويحذر اقتصاديون من أن تقليص عدد الوكالات الفاعلة في السوق قد يؤدي إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد، ويزيد من احتمالات حدوث نقص في بعض السلع، فضلاً عن ارتفاع الأسعار نتيجة تراجع المنافسة. كما قد يدفع ذلك العديد من المستثمرين إلى تقليص أعمالهم أو مغادرة السوق بالكامل.

تبعات متنوعة

في هذا السياق، عبَّر عدد من ملاك الوكالات التجارية في صنعاء عن استيائهم من القرار، مؤكدين أنه جاء دون إنذار كافٍ، وأنهم واجهوا صعوبات كبيرة في استكمال إجراءات التجديد، نتيجة التعقيدات الإدارية وارتفاع الرسوم.

ويقول أحد التجار: «فوجئنا بإيقاف نشاطنا رغم محاولاتنا الالتزام بالإجراءات. التعليمات كانت تتغير باستمرار، ولم تكن هناك شفافية كافية بشأن المتطلبات، مما جعل من الصعب إتمام عملية التجديد في الوقت المحدد».

ولا تقتصر تداعيات القرار على الجانب التجاري فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اجتماعية مقلقة، إذ يهدد توقف هذه الوكالات بفقدان آلاف الوظائف، في بلد يعاني أصلاً من معدلات بطالة مرتفعة وأزمة إنسانية متفاقمة.

الحوثيون متهمون بإنهاك التجار وتدمير القطاع الاقتصادي اليمني (أ.ف.ب)

ويشير مالك شركة توزيع مواد غذائية، إلى أن القرار قد يجبره على تسريح عدد كبير من الموظفين، قائلاً: «نحن لا نتحدث عن شركات فقط، بل عن أسر تعتمد بشكل كامل على هذه الأعمال كمصدر وحيد للدخل».

ويضيف أن بيئة العمل في مناطق سيطرة الحوثيين أصبحت طاردة للاستثمار، نتيجة تكرار فرض الإتاوات غير القانونية، إلى جانب القرارات المفاجئة التي تفتقر إلى الوضوح والاستقرار، مما يدفع كثيراً من رجال الأعمال إلى البحث عن بدائل خارج تلك المناطق.


اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
TT

اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة حملات الملاحقة والاعتقال التي تنفذها الجماعة الحوثية في عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرتها، مستهدفة المدنيين الرافضين الانخراط في صفوفها، في وقت أصدرت فيه أجهزتها الأمنية بياناً أعلنت فيه ضبط ما وصفتها بـ«خلايا تجسس» مرتبطة بإسرائيل، في خطوة يرى مراقبون أنها تُستخدم لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية والتوسع في حملات القمع.

ويأتي هذا التصعيد في ظل خطاب حوثي يربط بين التطورات الداخلية في اليمن والصراع الإقليمي، حيث تؤكد الجماعة أن تحركاتها تأتي في إطار دعم ما تسميه «المحور الإيراني» ونصرة القضايا الإقليمية، في حين يحذر مراقبون من انعكاسات ذلك على الوضع الإنساني والأمني داخل البلاد.

وفي هذا السياق، أعلن ما يسمى جهاز الأمن والمخابرات، التابع للجماعة الحوثية، إلقاء القبض على عدد من الأشخاص الذين قال إنهم عملوا بصورة مباشرة مع أجهزة استخبارات إسرائيلية، بينها «أمان» و«الموساد»، إلى جانب جهات أخرى.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك بسلاح رشاش على متن عربة أمنية (إ.ب.أ)

وزعم البيان أن المعتقلين متهمون بتنفيذ أعمال تجسسية، شملت تزويد جهات خارجية بمعلومات عسكرية وأمنية، وإحداثيات لمواقع حساسة، فضلاً عن بيانات تتعلق بمنشآت اقتصادية.

وادّعت الجماعة الحوثية أن هذه العناصر استخدمت برامج «تجسسية» ووسائل اتصال خاصة لتنفيذ مهامها، وأن ضبطها يمثل «إنجازاً أمنياً» تحقق بفضل ما وصفته بتعاون المواطنين. كما دعا البيان السكان إلى مزيد من «اليقظة»، محذراً من مخاطر ما اعتبره «مؤامرات» تستهدف الجماعة.

ويرى محللون أن توقيت هذا البيان ليس معزولاً عن تصاعد حملات الاعتقال، إذ يُستخدم، بحسب تقديراتهم، لتعزيز السردية الأمنية التي تبرر ملاحقة المعارضين أو الرافضين للتجنيد، عبر ربطهم ضمنياً بتهديدات خارجية.

ملاحقات واعتقالات

وفي محافظة حجة، أفادت مصادر محلية بأن الجماعة كثّفت حملات الملاحقة بحقّ شبان رفضوا الاستجابة لدعوات التجنيد، حيث جرى اعتقال عدد منهم من منازلهم، فيما تم توقيف آخرين في نقاط تفتيش. وتحدثت المصادر عن استمرار احتجاز عشرات المدنيين منذ أسابيع، دون معلومات واضحة عن مصيرهم.

كما أشار شهود إلى استخدام قوائم بأسماء مطلوبين، إلى جانب تهديدات بفرض عقوبات على الرافضين، في إطار حملة تقودها جهات إشرافية محلية لتجنيد مزيد من المقاتلين، في ظل استنزاف بشري تشهده الجبهات.

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)

وفي محافظة الحديدة، شهدت مديرية جبل راس حملات مشابهة، طالت شباناً وأولياء أمور، على خلفية رفضهم إرسال أبنائهم إلى القتال. وأفاد سكان باستخدام وسائل ضغط متعددة، بينها التهديد بالعقوبات أو الاحتجاز، لإجبار العائلات على الامتثال.

ويقول مراقبون إن ربط هذه الحملات بملفات أمنية، مثل «التجسس»، يعكس اتجاهاً نحو توسيع دائرة الاشتباه، بما يسمح بملاحقة فئات أوسع من السكان تحت مبررات أمنية.

وفي محافظة إب، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل معلمين وموظفين وشرائح مدنية مختلفة، في عدد من المديريات. وأكدت مصادر محلية أن الحملات ترافقت مع خطاب تعبوي يربط بين التجنيد و«نصرة المحور الإيراني» ومواجهة ما تصفه الجماعة بالتحديات الإقليمية.

في المقابل، أدّت هذه التطورات إلى حالة من القلق داخل المجتمعات المحلية، حيث لجأت بعض الأسر إلى إخفاء أبنائها أو نقلهم إلى مناطق أخرى، خشية الاعتقال أو إجبارهم على القتال.

تداعيات حقوقية وإنسانية

يثير تصاعد حملات الاعتقال المرتبطة بالتجنيد القسري مخاوف حقوقية متزايدة، حيث يؤكد ناشطون أن العديد من المحتجزين يتم توقيفهم دون أوامر قضائية، مع حرمانهم من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك التواصل مع أسرهم أو الحصول على تمثيل قانوني.

كما يشير هؤلاء إلى أن استخدام اتهامات مثل «التجسس» قد يفتح الباب أمام انتهاكات أوسع، في ظل غياب الشفافية والإجراءات القانونية الواضحة. ويرون أن هذه الممارسات تتعارض مع القوانين الدولية التي تحظر إجبار المدنيين على المشاركة في النزاعات المسلحة.

الجماعة الحوثية أعلنت الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ويربط محللون تصاعد هذه الإجراءات بالضغوط التي تواجهها الجماعة لتعزيز قدراتها العسكرية، في وقت تشهد فيه الجبهات تعزيزات مستمرة، ما يدفعها إلى تكثيف عمليات التجنيد، حتى عبر وسائل قسرية.

وفي ظل هذه التطورات، دعت منظمات حقوقية إلى وقف حملات الاعتقال والتجنيد القسري، والإفراج عن المحتجزين، واحترام المعايير الدولية، محذرة من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية في اليمن.