هل تنقذ القوة غير الناعمة هوليوود؟

من «بلاك آدم» الأول إلى «بلاك بانثر» الثاني

هل تنقذ القوة غير الناعمة هوليوود؟
TT

هل تنقذ القوة غير الناعمة هوليوود؟

هل تنقذ القوة غير الناعمة هوليوود؟

ينطلق في الأسبوع المقبل في جميع أنحاء العالم، الفيلم الجديد «بلاك آدم» للمخرج جوام كولِت - سيرا وبطولة دواين جونسن.
كولِت - سيرا ليس بالاسم المميّز في أفلام (السوبرهيرو)، وهو النوع الذي ينتمي إليه هذا الفيلم المأخوذ عن شخصية كوميكس لم تُطلق منفصلة من قبل. لكن شركة «وورنر» بعد سلسلة مرموقة من نجاحات المخرج شملت أفلام «Non‪ - ‬Stop» و«The Shallows» و«Run All Night» وآخرها، «Jungle Cruise». هذا الأخير كان من بطولة دواين جونسون أيضاً الذي لا يفتأ يبحث عن تحديات جديدة لتثبيت صورته كبطل «أكشن» أول في السينما الحالية.‬‬
بدنياً لديه المطلوب. طويل. عريض. على بعض الوسامة. رياضي القوام. جماهيرياً، لديه شعبية كبيرة وحضور جيد في كل أفلامه، مما يرفع من إيراداتها.
شركة «وورنر» تراهن على «بلاك آدم» لرفع إيراداتها فيما تبقى من أشهر في العام الحالي، لكن «هوليوود» بأسرها تراهن عليه للغاية نفسها. هو واحد من حفنة من الأفلام التي قد ترفع من مستوى الإيرادات المعتدل الذي طغى على السوق السينمائية مباشرة بعد أفلام الصيف التي قادها «Top Gun‪:‬ Maverick».‬‬

نجم وحيد

ذلك الفيلم كان مقدّراً له النجاح، لكن ما لم يكن بالحسبان هو أن يأتي هذا النجاح ضخماً إلى حد تسجيله ملياراً و180 مليون دولار من عروضه العالمية. رؤساء إدارات شركة باراماونت لم يذوقوا طعم النوم قبيل إطلاق هذا الفيلم العسكري (نكهة ونوعاً) في منتصف شهر مايو (أيار) الماضي.
كانت الشركة ضخّت فيه 170 مليون دولار وراقبت خط سير تنفيذه من عام 2019 عندما بوشر بتصويره إلى حين إتمام عملياته التقنية الأخيرة قبيل إرساله للاشتراك، خارج المسابقة، في مهرجان «كان» الدولي حيث شوهد أول مرّة.


من «بلاك آدم»

تعرّض الفيلم إلى مشاكل أدّت إلى إيقاف تصويره بضع مرّات تبعاً لوباء «كورونا» الذي قيل إنه أصاب توم كروز، والمخرج جوزيف كوزينسكي. كلاهما لم يتناول اللقاح وكروز أنكر أن توعكه كان بسبب الـ«كورونا». بعد زوال الجائحة إلى حد كافٍ في أواخر العام الماضي، استكمل التصوير ومن ثَم نُقل ما صُوّر على جناح السرعة إلى مرحلة التوليف وعمليات ما بعد التصوير.
الخوف الآخر، لا علاقة له بـ«كورونا» ومشاكلها التي أصابت قطاعات سينمائية عديدة بالشلل. إنه في الحقيقة أن «توب غن: ماڤيريك» ما هو إلا جزء ثانٍ من جزء سابق أُطلق قبل 30 سنة. السؤال الذي دار بحدة قبل إطلاق هذا الجزء هو ما إذا كان الجمهور سيكترث لفيلم شاهده الجيل السابق وأعجبوا به.
الجواب تشكّل على هيئة الإيراد الضخم الذي حققه. هذا يجرنا للحديث عن وجه آخر تميّز العام الحالي بعد الجائحة: بين كل الممثلين الذين خرجت أفلامهم للسوق الأميركية والعالمية، امتلك توم كروز وحده ما يعرف بـ«سُلطة النجم» أو «The Star Power». فيلمان لبراد بيت (هما The Lost City وBullet Train) بالكاد حققا المأمول منهما في السوق.
مثله روبرت باتنسن في «The Batman»، ونيكولاس كايج «The Unbearable Weight of Massive Talent»، وآدم ساندلر «Hustle»، وسيلفستر ستالون «Samaritan» عن (سوبر هيرو منسي يعود إلى الواجهة)، وتوم هانكس (Elvis)، وإينان هوك «The Black Phone». هؤلاء وسواهم لم يشهدوا نجاحاً يناسب ما حققوه سابقاً، علماً بأن بعض أفلامهم العام الحالي، عُرضت على المنصّات، مما يعكس ضعف القوّة الشرائية في الأسواق الرئيسية.


مشهد من «أفاتار- طريق الماء»

أعلى المراتب

رهان «هوليوود» الحالي ليس وقفاً على فيلم دواين جونسون الذي هو الوحيد بين نجوم الشاشة القادر على زج توم كروز في هذا العرين. هناك ثلاثة أفلام أخرى (على الأقل) ستنطلق تباعاً خلال الأسابيع المقبلة وحتى قبيل آخر السنة، وكل منها يحتوي على ما يلزم من عناصر وأعتدة ليواجه احتمالات النجاح الكبير.
أول هذه الأفلام تُطلق اليوم الجمعة. إنه «Halloween Ends» لشركة «يونيفرسال»، الذي يعرض بمناسبة عيد هالووين. هو، كما يعرف الجميع، جزء من سلسلة «هالووين» التي باشرها في أواخر السبعينات المنتج والمخرج مصطفى العقاد واستكملها ابنه مالك العقاد بعد رحيله سنة 2005.
قصّة نجاح هذه السلسلة مثيرة بقدر أي من أفلامها: أنتج العقاد الفيلم الأول، وتكلّف ما يوازي مصروف يوم تصوير لأي فيلم كبير حينها، أو اليوم إذ بلغت ميزانيّته 325 ألف دولار فقط. إيراداته كانت بمثابة اكتشاف الذهب إذ تجاوزت 147 مليون دولار.
مجمل ما جنته السلسلة من إيرادات من حينها إلى اليوم 558 مليون و866 ألف دولار، هذا يضعه في أعلى مراتب الأفلام المنتمية إلى سينما الرعب نجاحاً. مما يجعل احتمالات نجاح جديد لهذا الجزء الـ12 من المسلسل عالية، هو أنه يحمل عنواناً يدل على أن القاتل الشرس، مايكل مايرز، سيُقتل بطريقة أو بأخرى. سيواجه نهايته الحتمية بعد كل تلك المحاولات غير المجدية لقتله في 10 أفلام سابقة (الجزء الثالث اختلف في قصّته كلياً). كيف؟ هي كلمة السر التي من أجلها سيؤمه ملايين المشاهدين.
سيليه، كما ذكرت، «بلاك آدم». الفيلم الثالث في حوزة «هوليوود» هو «بلاك بانثر 2» والرهان عليه يعود إلى ثلاثة عوامل:
1 - النجاح الكبير الذي حققه الفيلم السابق سنة 2018 (كان أول فيلم تعرضه صالات السعودية بعد إعادة افتتاحها).
2 - حقيقة أنه من شخصيات مجلات الكوميكس التي تنتجها (Marvel) بالتعاون مع «ديزني ستديو» والتي نافست شخصياتها (مثل «ذا أفنجرز» و«فلاش غوردون» و«آيرون مان» و«ثور») تلك التي بحوزة شركة «DC” التي تموّلها شركة وورنر وتضم، فيمن تضم، «باتمان» و«سوبرمان» و«بلاك آدم» من بين أخرى.
3 - السبب الثالث هو أنه فيلم الكوميكس الوحيد الذي تسود فيه البطولة السوداء التي كانت سبباً في تسويق ديزني الحذر آنذاك. الآن وبعد أن حقق الفيلم السابق مليار و348 مليون دولار تطلق «ديزني» الجزء الثاني بثقة.
الفيلم الرابع هو «Avatar‪:‬ The Way of Water»، الذي قُرر له النزول إلى ساحة المعارك التجارية في 16 ديسمبر (كانون الأول) المقبل. «أفاتار: طريق الماء» (أو «أفاتار 2») سيحاول اللحاق بنجاح الجزء الأول بعد 13 سنة من إطلاق ذلك الجزء. «هوليوود» تتوقع نجاحاً كبيراً له، لكنها لا تتوقع أن يتجاوز هذا النجاح ما أنجزه الفيلم السابق. ‬‬تعداد التذاكر والدولارات هنا سيتوزع على عامين فعلياً، فبما أن الفيلم سيعرض قبل أسبوعين فقط من نهاية العام، سيكون الفيلم الكبير الوحيد الذي سينتقل من عامنا الحالي إلى العام المقبل 2023. هذا لا يهم كثيراً إلا أنه من ناحية إحصائية لن يستطع الوصول إلى قمة الإيرادات لعام 2022 بسبب أن مدخوله في السنة الحالية سيكون جزئياً وليس كاملاً، لكنه سيحقق مليار دولار سهلة خلال هذين العامين.

خارج المنافسة

‫الأفلام الأخرى التي ستُعرض في الفترة الممتدة من الآن وحتى نهاية العام الحالي، لن تكون قادرة على منافسة هذه الأفلام مطلقاً. بعضها سجل حضوراً مقبولاً لكنه متواضع مثل «The Fabelmans» لستيفن سبيلبرغ (يونيفرسال)، و«She Said» لماريا شرادر (يونيفرسال)، و«Armageddon Times» لجيمس غراي (فوكاس إنترتينمنت).‬‬‬
هذه ثلاثة من الأفلام التي تنوي طرح نفسها على منصّة الأوسكار. فيلمان منها، لسبيلبرغ وغراي، هما من السيرة الذاتية كذلك شأن فيلم «باردو» لأليخاندرو غونزاليز إيناريتو. أيضاً على موجة الأوسكارات، ولكن من دون الزاوية الشخصية «The Whale» لدارن أرونوفسكي (توزيع A24) و«Women Talking” لساره بولي (أورايون بيكتشرز).
هذه الأفلام التي لن تستطيع منافسة تلك الأعمال الضخمة المذكورة آنفاً ستجد نفسها في منافسة صعبة أيضاً حين يدخل «أفاتار 2» و«Black Panther 2» الحلبة نفسها.
وبينما خيوط النجاح الأوسكاري بيد جيش من المصوّتين أعضاء أكاديمية العلوم والفنون السينمائية، فإن نجاح الأفلام الأربعة التي تراهن «هوليوود» عليها في قبضة يد جمهور لا يزال من الصعب معرفة توجهاته بدقة. أي خلل في الإقبال على أي من هذه الأفلام الكبيرة سيخل بمدخول «هوليوود» لهذه السنة الذي هو أعلى من مدخولها في العام الماضي بنسبة 50 في المائة، لكنه وحتى الآن أقل من إيراداتها سنة 2019.


مقالات ذات صلة

إرجاء جديد لـ«القومي للسينما» في مصر يثير تساؤلات

يوميات الشرق جانب من إعلان تفاصيل الدورة الجديدة بالمهرجان القومي للسينما (وزارة الثقافة المصرية)

إرجاء جديد لـ«القومي للسينما» في مصر يثير تساؤلات

أثار قرار إرجاء المهرجان القومي للسينما في مصر مجدداً تساؤلات عن مدى إمكانية عودة المهرجان المتوقف منذ 4 سنوات.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق أحمد السعدني - مهرجان مالمو

أحمد السعدني: «ولنا في الخيال حب» نجح في المعادلة الصعبة

قال الفنان المصري أحمد السعدني إن تجربته في فيلم  «ولنا في الخيال حب» تمثل محطة مميزة في مشواره.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق يستثمر الفيلم في مرافق البوليفارد ليحولها إلى بيئة درامية جديدة (لقطة من الفيديو الدعائي للفيلم)

«عوو»... أول فيلم سعودي يُصوَّر بالكامل في «بوليفارد وورلد»

بدأ في الرياض، مطلع الأسبوع الحالي، تصوير الفيلم السعودي «عوو»، المعروف سابقاً باسم «البوليفارد»، في خطوة تعكس توسّع الإنتاج السينمائي المحلي

«الشرق الأوسط» ( الدمام)
يوميات الشرق الممثلة السعودية خلال كلمتها المصوَّرة في حفل ختام «هوليوود للفيلم العربي» (إدارة المهرجان)

لمار فادان «أفضل ممثلة صاعدة» في «هوليوود للفيلم العربي»

أكّدت في كلمتها المسجَّلة، لعدم تمكّنها من السفر إلى أميركا، أنّ الجائزة ليست لها وحدها، بل لجميع فريق العمل...

أحمد عدلي (القاهرة)
سينما فيصل العيسى البطل الرئيسي للفيلم في دور «عامر» في مشهد من الجزء الثاني (نتفليكس)

«شباب البومب 3»... كوميديا الرحلة تصمد أمام الأفلام العالمية

لطالما شكّلت «كوميديا الرحلة» ثيمة راسخة في السينما العالمية، حين تتحول الرحلات العائلية إلى مساحات للمغامرة والمواقف الطريفة.

إيمان الخطاف (الدمام)

«شباب البومب 3»... كوميديا الرحلة تصمد أمام الأفلام العالمية

فيصل العيسى البطل الرئيسي للفيلم في دور «عامر» في مشهد من الجزء الثاني (نتفليكس)
فيصل العيسى البطل الرئيسي للفيلم في دور «عامر» في مشهد من الجزء الثاني (نتفليكس)
TT

«شباب البومب 3»... كوميديا الرحلة تصمد أمام الأفلام العالمية

فيصل العيسى البطل الرئيسي للفيلم في دور «عامر» في مشهد من الجزء الثاني (نتفليكس)
فيصل العيسى البطل الرئيسي للفيلم في دور «عامر» في مشهد من الجزء الثاني (نتفليكس)

لطالما شكّلت «كوميديا الرحلة» ثيمة راسخة في السينما العالمية، حين تتحول الرحلات العائلية إلى مساحات للمغامرة والمواقف الطريفة، وهو ما يتضمنه الجزء الثالث من فيلم «شباب البومب»، محافظاً على مكانته المتقدمة في شباك التذاكر السعودي، ضمن قائمة الأفلام الأعلى إيراداً للأسبوع الخامس على التوالي، في وقت تشهد فيه صالات السينما ازدحاماً بنحو 46 فيلماً، يتصدر بعضها الإيرادات عالمياً.

وينطلق الفيلم من فكرة بسيطة تتمثل في رحلة صيفية إلى جورجيا، يقوم بها عامر (فيصل العيسى) مع عائلته، قبل أن تتقاطع الأحداث بشكل غير متوقع بسبب وجود أصدقائه في الوجهة نفسها، لتفتح هذه المصادفة المجال أمام سلسلة من المواقف التي تتحرك بين الكوميديا والارتباك، وتعيد تشكيل الرحلة من تجربة ممتعة إلى مساحة مليئة بالاختلالات اليومية الصغيرة.

ويرتبط هذا البناء مباشرة بتقاليد كوميديا الرحلة، التي تعتمد على إخراج الشخصيات من محيطها المألوف ووضعها في بيئة جديدة تُعيد ترتيب علاقاتها.

وانعكس هذا الإيقاع على أداء الفيلم في شباك التذاكر، حيث يحتفظ «شباب البومب 3» بالمركز الثاني، وفق التقرير الأسبوعي لهيئة الأفلام، بتسجيله 30 مليون ريال (8 ملايين دولار)، جراء بيع نحو 700 ألف تذكرة، بما يجعله الفيلم المحلي الأنجح جماهيرياً حتى الآن خلال العام الحالي.

الشخصيات... بين الألفة والتكرار

يستفيد الفيلم من رصيد طويل لسلسلة «شباب البومب»، التي بدأت كمسلسل كوميدي عام 2012 واستمرت لعدة مواسم، ثم انتقلت إلى السينما بنفس الشخصيات، حيث تعرّف الجمهور على «عامر» وأصدقائه: «كفتة» و«شكش» و«تركي» و«صالح» و«ياسر» و«عزوز»... ويمنح هذا الامتداد الفيلم نقطة قوة واضحة، إذ يدخل المشاهد وهو على معرفة مسبقة بطبائع الشخصيات، مما يختصر مراحل التقديم ويتيح تركيزاً أكبر على المواقف.

في المقابل، يطرح هذا الاعتماد على الألفة تحدياً يتعلق بحدود التجديد، حيث تتحرك الشخصيات ضمن أنماط ثابتة ومتكررة، تحد من سقف التغيير، وتجعل الفيلم أقرب إلى إعادة إنتاج نمط معروف أكثر من كونه مساحة لاكتشاف جديد.

وفي الجزء الثالث، يبتعد «عامر» عن أصدقائه ويقترب من عائلته، بوصفه الأخ الأكبر الذي يحاول ضبط الرحلة وتحمّل المسؤولية، مقابل أخوه الأصغر سليمان (محمد الحربي) الذي يسعى إلى إثبات نضجه والخروج من صورة المراهقة، وتؤدي الأخت نوف (طرفة الشريف) دور الوسيط بينهما، بينما يرسخ الأب (علي المدفع) حضوره بوصفه سلطة حازمة تحدد الحدود العامة، وتقدم الأم (شفيقة يوسف) نبرة هادئة تخفف من حدة التوتر.

في مقابل حضور الأصدقاء الذين يدفعون الأحداث نحو الفوضى، مما يخلق تصادماً واضحاً بين نظامين مختلفين داخل الخطة العائلية والعفوية الشبابية.

وفي خط موازٍ، تدخل 3 عمّات إلى المشهد بطبقات متباينة، حيث تختار العمّة الميسورة (أميرة محمد) الرفاهية وتُظهرها بوضوح، مقابل عمّتين من دخل محدود، مما يخلق مفارقة طبقية تُترجم إلى مواقف مضحكة خلال رحلة السفر، تتراوح بين التباين في الخيارات وطريقة التعامل مع التفاصيل، وبما يضيف بعداً مألوفاً للكوميديا التي يقدمها الفيلم، حيث تتحول الفروقات الاقتصادية إلى مادة مباشرة للضحك، دون أن تتجاوز ذلك إلى قراءة أعمق لهذه التباينات، مع تقاطع الاختلافات العائلية مع وجود الأصدقاء، لتتسع مساحة التفاعل والصدامات.

الكوميديا... إيقاع مستمر

يعتمد «شباب البومب 3» على كوميديا الموقف بوصفها المحرك الأساسي، حيث تُبنى المشاهد على مفارقات تنشأ من التناقض بين التوقع والواقع، داخل التفاصيل اليومية من سوء الفهم، وردود الفعل السريعة، والتعليقات الساخرة، والتصادم بين أساليب مختلفة في التعامل مع المواقف.

وتنتقل الأحداث من موقف إلى آخر في بناء تقليدي يصل إلى ذروة واضحة، مع ظهور عصابة خطيرة في النصف الثاني من الفيلم، بما يشمله ذلك من أكشن ومعارك بالأيدي وانفجار ضخم لأوتوبيس الرحلة في أثناء تجوّل العائلة، وهو تحوّل يغيّر نبرة الفيلم من صخب الكوميديا إلى مواجهة مباشرة مع الخطر، دون تمهيد كافٍ لهذا الانتقال.

يأتي اختيار جورجيا كوجهة للرحلة ليضيف بعداً بصرياً للعمل، حيث تنتقل الشخصيات إلى بيئة تختلف في تفاصيلها اليومية، حيث الغابات الكثيفة والشوارع الهادئة، إلا أن معظم مشاهد الفيلم تم تصويرها داخلياً، ما بين المطار والطائرة والفندق الذي حاز نصيب الأسد من المشاهد، مما يجعل حضور المدينة محدوداً، أقرب إلى خلفية للأحداث منها إلى عنصر فاعل في تشكيلها، مع غياب واضح لملامحها الثقافية واليومية، وهو ما أعطى مشهد رحلة الغابة روحاً مختلفة، رغم برود المدينة التي لم تظهر تفاصيلها في الفيلم، كأنها مجرد مكان لم تندمج فيه العائلة، في مقابل شعور بالانتماء يتجلى في النهاية السعيدة مع العودة إلى الوطن والنجاة من العصابة الخطيرة، حيث تصور العودة كأنها لحظة استقرار بعد سلسلة من الاختلالات.

الصمود أمام خريطة المنافسة

يأتي أداء الفيلم في شباك التذاكر امتداداً مباشراً لهذه المعادلة، حيث يواصل حضوره ضمن قائمة الأفلام الأعلى إيراداً في صالات السينما السعودية، حتى مع دخول أفلام جديدة وتنوع العروض، بالنظر إلى قوة الأفلام المعروضة خلال شهر أبريل (نيسان) الحالي، من الأعمال العائلية والأنيميشن إلى الرعب والخيال العلمي.

ويأتي من بين أبرز العناوين التي ظهرت في القائمة فيلم «Project Hail Mary»، إلى جانب أفلام جماهيرية أخرى مثل «The Super Mario Bros. Movie».

وتشير الأرقام إلى استقرار نسبي في الإقبال، مع توزيع واضح للجمهور بين الأفلام، دون سيطرة مطلقة لعمل واحد، ويبرز استمرار «شباب البومب 3» في المراكز الأولى دليلاً على ثبات الطلب.

كما لعب توقيت عرضه دوراً مهماً، إذ جاء ضمن أفلام إجازة عيد الفطر، ليواصل حضوره مع مواسم ترتفع فيها الرغبة في مشاهدة أعمال خفيفة وقابلة للمشاهدة الجماعية، خصوصاً لدى فئة الشباب وصغار السن، الذين يشكلون الشريحة الكبرى من جمهور الفيلم.

وفي ظل تعدد الخيارات، يقدّم العمل تجربة مباشرة وسهلة، مما يعزز استمراره ضمن دائرة المنافسة، حتى في ظل وجود أفلام عالمية ذات إنتاج ضخم.


أفلام ستانلي كوبريك العسكرية تقاوم منطق الحرب

«ممرات المجد» (يونايتد آرتستس)
«ممرات المجد» (يونايتد آرتستس)
TT

أفلام ستانلي كوبريك العسكرية تقاوم منطق الحرب

«ممرات المجد» (يونايتد آرتستس)
«ممرات المجد» (يونايتد آرتستس)

أنجز المخرج الأميركي ستانلي كوبريك (1928 - 1999) 13 فيلماً طويلاً، من بينها 5 أفلام تدور حول حروب مختلفة. بدأ مصوراً صحافياً لمجلة «لايف»، ثم أخرج فيلمين قصيرين على الأقل قبل أن ينتقل إلى الأفلام الطويلة، بدءاً بفيلم «خوف ورغبة» (Fear and Desire) سنة 1952.

أما الأفلام التي لا تدور حول حروب عسكرية مباشرة أو احتمالاتها فهي: «قبلة القاتل» (Killer’s Kiss، 1955)، و«القتل» (The Killing، 1956)، و«سبارتاكوس» (1960)، و«لوليتا» (1962)، و«2001: أوديسا الفضاء» (1968)، و«البرتقالة الآلية» (A Clockwork Orange، 1971)، و«باري ليندون» (1975)، و«اللمعان» (The Shining، 1980)، و«عينان مغمضتان باتساع» (Eyes Wide Shut، 1999).

ستانلي كوبريك في التصوير (وورنر برذرز)

الخوف الكبير

أفلام كوبريك الحربية 5، يتبع كل منها أسلوباً مختلفاً في نقد الحرب. بدأت هذه السلسلة سنة 1952 بفيلمه المتواضع «خوف ورغبة»، وانتهت سنة 1987 بفيلم «سترة معدنية كاملة» (Full Metal Jacket).

أفلام كوبريك الحربية ليست أفلام إثارة أو أكشن بالمعنى التقليدي، بل تضمن التشويق من خلال طرح إنساني عميق، وشخصيات تستحق التأييد والتعاطف، بصرف النظر عن مواقعها. قد تكون الحرب هي الحرب العالمية الأولى، أو حرب ڤيتنام، أو حرباً غير محددة المكان. ما يهم كوبريك هو تصوير شخصياته في الأزمات، والربط بين تصرفاتهم الفردية وبنية الحرب العامة وعبثها.

يتبدّى ذلك في فيلمه الأول في هذه المجموعة «خوف ورغبة»: 4 جنود في حرب غير محددة الجبهات أو الهوية، حيث يتوازى الخوف من العدو مع الخوف من الضياع في أرض مجهولة، وتتداخل الرغبة في النجاة مع غريزة البقاء. الفيلم متواضع التنفيذ، لكنه ذو دلالة.

«سترة معدنية كاملة» (وورنر برذرز)

لم يكن كوبريك راضياً عن هذا الفيلم، وتشير بعض الروايات إلى أنه حرق النيغاتيف، غير أن نسخاً منه مسجلة بقيت متداولة حتى اليوم.

الفيلم التالي هو «ممرات المجد» (Paths of Glory) سنة 1957، وهو أول فيلم كبير الإنتاج (والرابع في مسيرته) ينجزه كوبريك. الفيلم مقتبس عن رواية معادية للحرب ألّفها همفري كوب، وكتب السيناريو الروائي البوليسي جيم تومسون، الذي سبق أن كتب فيلم «القتل» (The Killing)، ولاحقاً شارك في كتابة فيلم سام بيكنباه «The Getaway». ينتمي الفيلم إلى الأعمال التي أرَّخت للحرب العالمية الأولى، مثل All Quiet on the Western Front» (1930)» للويس مايلستون، وThe Big Parade» (1925)» لكينغ ڤيدور، وكلاهما من أبرز الأفلام الحربية.

يقدّم كوبريك منظوراً يقوم على الدفاع عن الجندي العادي واتهام القيادة العسكرية بالفشل والتضحية بالجنود. أدَّى كيرك دوغلاس دور الضابط داكس، الذي يعارض إرسال فرقته الفرنسية لمواجهة الألمان في مهمة محكوم عليها بالفشل.

من خلال هذه الشخصية، يبرز الفيلم بوصفه عملاً معادياً للحرب، إذ يدرك داكس أن أوامر القيادة الفرنسية بمهاجمة القوات الألمانية غير واقعية، وأن مصيرها الفشل، مؤيداً تمرُّد بعض جنوده في مواجهة القيادة العسكرية.

كما يعقد كوبريك مقارنة واضحة بين حياة الجنرالات المريحة، من طعام وشراب ونوم بعيداً عن أصوات المدافع، وحياة الجنود في الخنادق تحت خطر الموت، مع نقص حاد في المؤن. وقد دفعت هذه الرسالة السلطات الفرنسية إلى منع عرض الفيلم حتى عام 1975.

تضحيات مجانية

الفيلم اللاحق لم يكن حربياً بالمعنى التقليدي، إذ لا تدور أحداثه في ساحة حرب مباشرة، بل يتناول حرباً محتملة بين القوتين العظميين: الولايات المتحدة والاتحاد السوڤياتي. إنه «دكتور سترينجلوڤ، أو: كيف تعلمت التوقف عن القلق وأحببت القنبلة» (1964).

الفيلم كوميديا سوداء عن الحرب الباردة، تنضح بمواقف سوريالية. تدور أحداثه حول طائرة لا يمكن استعادتها بعد إطلاقها، وهي تحمل قنبلة نووية متجهة لضرب موسكو. يحاول رئيس الجمهورية الأميركي (بيتر سلرز) تفادي ضربة انتقامية عبر الاتصال بالرئيس السوڤياتي (نسمعه ولا نراه)، معتذراً عن الخطأ ومشيراً إلى أن بعض صقور اليمين في إدارته يقفون وراءه.

إلى جانبه يظهر الدكتور سترينجلوڤ (يؤدي دوره سلرز أيضاً)، المستشار المقعد ذو الأطراف الميكانيكية، الذي يبدو خالياً من أي عاطفة إنسانية. كما يؤدي سلرز دور الضابط البريطاني ليونيل، الذي يحاول فهم السبب الذي دفع الجنرال ريبر (سترلينغ هايدن) إلى إطلاق الهجوم النووي. وفي الطائرة، يظهر الطيار الذي يؤدي دوره سليم بيكنز، والذي اختاره كوبريك لما عُرف به من أدوار في أفلام الغرب الأميركي. الفيلم ذو تركيبة مجنونة، يحمل تحذيراً واضحاً من ويلات حرب نووية محتملة.

يصوِّر كوبريك شخصياته في الأزمات رابطاً بين أفعالهم الفردية وبنية الحرب وعبثها

أما فيلمه الحربي الأخير فهو «سترة معدنية كاملة» (1987)، وقد قسَّمه كوبريك بإحكام إلى جزأين متكاملين. يدور الجزء الأول في مركز تدريب عسكري أميركي، حيث يتعرض أحد المجندين (ڤنسنت دونوفريو) لمعاملة قاسية من قبل الضابط المسؤول، مما يدفعه في النهاية إلى الانتحار.

ومع موته، ينتقل الفيلم إلى ساحة المعركة في ڤيتنام، حيث يطرح كوبريك نقداً مباشراً للحرب وتساؤلات حول مغزاها ومعناها. الجنود الأميركيون يقتلون ويُقتلون، ويقدّم المخرج مشهداً لفتاة ڤيتنامية شابة تتصدى لهم، في دلالة رمزية واضحة.

في معظم أفلام كوبريك، ثمة مواجهة حاسمة مع «الآخر»: مع الحاسوب في «2001: أوديسا الفضاء»، ومع المجتمع الذي ينتج العنف في «البرتقالة الآلية»، ومع الانهيار النفسي الفردي في «اللمعان».

أما فيلمه الأخير «عينان مغمضتان باتساع»، فيدور حول جماعة سريَّة تتيح لأعضائها الانغماس في الشهوات بلا قيود، وليس هذا العالم السري الذي يرسمه كوبريك بعيداً تماماً عن الواقع، إذ كشفت قضايا حديثة، مثل قضية جيفري إبستين، عن شبكات مغلقة تتقاطع فيها السلطة مع الرغبات والنفوذ.


شاشة الناقد- من الانقلاب إلى الطوفان: 3 أفلام بين السياسة والكارثة

«الحظيرة الحمراء» (مهرجان برلين)
«الحظيرة الحمراء» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد- من الانقلاب إلى الطوفان: 3 أفلام بين السياسة والكارثة

«الحظيرة الحمراء» (مهرجان برلين)
«الحظيرة الحمراء» (مهرجان برلين)

THE RED HANGAR

★★★★★

إخراج:‫ خوان بابلو سالاتو‬

تشيلي/ فرنسا (2026)

فيلم آخر من أفلام أميركا اللاتينية السياسية

ما زالت بعض أهم الأفلام السياسية تأتي من دول أميركا اللاتينية التي عايشت أوضاعاً وتقلبات عنيفة مع انتقال سلطة قائمة إلى أخرى، غالباً بالعنف وحملات الاعتقال والاضطهاد.

في «الحظيرة الحمراء» (والمقصود بها حظيرة مطار)، مستوحى من قصة واقعية عن ضابط الطيران جورج سيلڤا (يؤديه نيكولاس زاراتي)، يشهد الانقلاب العسكري الذي طوى صفحة الرئيس المنتخب ديمقراطياً سلڤادور أليندي عام 1973. صاحب الانقلاب العسكري حملات اعتقال لآلاف المؤيدين واليساريين.

الضابط سيلڤا يؤكد التزامه بالتعليمات العسكرية، ويكرِّر أنه مجرد بيدق في الخدمة وسينفذ ما يُؤمر به، لكنه في الوقت نفسه يشعر بالأسى لما يشاهده. يحاول السيطرة على مشاعره والبقاء على الحياد، لكن علاقته بالكولونيل الذي أشرف على تحويل الحظيرة إلى سجن تعذيب كانت متوترة.

في النهاية يُطرد من الخدمة ويدخل السجن لثلاث سنوات (وقد توفي في لندن قبل عامين).

لا مجال لسرد أحداث الفيلم (83 دقيقة)، إذ يقوم على حكاية محدودة التنوع تُمعن في تصوير المشاعر، يواكبها حوار مقتصد، ويرتكز أساساً على أداء زاراتي المتماسك خارجياً والمنفعل داخلياً.

هذا هو الفيلم الأول لمخرجه، وقد اختار تصويره بالأبيض والأسود تعبيراً عن ظلام تلك الفترة. لا تفوته لمحات تفصيلية ولا ملامح مكبوتة يعكسها الممثلون. هناك لقطات عديدة تنتمي إلى التفاصيل الملتقطة بعناية، وكل واحدة منها تؤكد موهبة مخرج يدرك تماماً كيف يلتقط اللحظة ويوظفها في فيلمه.

وتبرز هذه الصياغة الفنية في استخدام الصوت والموسيقى، في المقابل يعرض الفيلم ببساطة كيف تؤول التطورات، التي تدفع بقيادة المطار العسكري نحو القبول المطلق، خوفاً من عاقبة الكولونيل الذي بات الحاكم بأمره، ويحمل ثأراً قديماً ضد سيلڤا سيستخدمه حين يشاء.

ANCESTOR

★★★

إخراج: آدم خليل وزاك خليل

تسجيلي | الولايات المتحدة (2026)

بحث عن عظام مسروقة للسكان الأصليين

يستخدم هذا الفيلم عنواناً أصلياً لقبيلة من مواطني الولايات المتحدة، يعود تاريخ وجودها في ولاية ميشيغان إلى آلاف السنين، شأنها شأن باقي قبائل السكان الأصليين في أميركا. العنوان المستخدم هو «Aanikoobijigan»، ويعني «الأجداد».

الفيلم، من إخراج الأخوين آدم وزاك خليل، معني بسرد كيف تمكنت تلك القبيلة، عبر سنوات طويلة، من استعادة العظام التي نُبشت وسُرقت لتوضع في المتاحف من دون إذن أو حقوق.

«أسلاف» (مهرجان صندانس)

حسب المعتقدات المتوارثة، فإن أرواح الموتى الذين سُرقت عظامهم ستبقى هائمة إلى أن تعود تلك العظام إليها. المهمة صعبة، لذلك شُكِّلت مؤسسة ثقافية لحفظ التراث، وقد وُوجهت هذه المؤسسة، في البداية ولسنوات عدة، بتمنُّع المتاحف عن الاستجابة.

يشرح الفيلم ذلك عبر مقابلات مع شخصيات عدة (من القبيلة ومن البيض المؤيدين)، وينتهي بنجاح المحاولة واستعادة تلك العظام المنهوبة.

إنه فيلم غير متوقع من حيث الموضوع، ومباشر في تنفيذه وصنعته، يراد به توجيه الاهتمام إلى صورة من سوء معاملة البيض للسكان الأصليين. وفي فحواه، هو فيلم عن تاريخ من النظرة الفوقية التي لا تعير اهتماماً لأي معتقد أو تراث، ما يعكس عنصرية سادت التاريخ الأميركي منذ مئات السنين وحتى اليوم.

كان من الممكن إحداث بعض التنوع في الأسلوب المباشر للفيلم وانتقالاته بين الأطراف المختلفة ومواقفها، لكن، مع ذلك، فإن ما يقدمه ببساطة كافٍ لإثارة الموضوعات التي يطرحها.

THRASH

★★

إخراج: تومي ويركولا

كوارث | الولايات المتحدة (2026)

طوفان وأسماك قرش وضحايا

أفلام الكوارث، غالباً، كوارث فنية، تستغل فكرة: ماذا يمكن أن يحدث لو ضرب زلزال أو إعصار أو فيضان أو نيزك الأرض؟ خلال استعراض الحكايات، يتم تقديم أشخاص في أزمات ومواقف تنذر بالموت؛ بعضهم يموت فعلاً، والبعض الآخر ينجو قبيل إسدال الستار.

«سحق» (نتفليكس)

«سحق» (وهو عنوان غريب لفيلم) يدور حول إعصار يضرب بلدة ساحلية. ينجح قليلون في الفرار قبل وصوله، الذي يسبب فيضان البحر ويغطي الشوارع والطوابق السفلية من المنازل. لكن هذا ليس كل شيء؛ فهناك أسماك قرش تجول الآن في البلدة، تبحث عما تأكله من البشر.

ينتقل الفيلم، وفق إيقاع المخرج، بين حكايات شخصيات عدة تواجه العاصفة والطوفان والأسماك في وقت واحد، بدلاً من أن يمسك بزمام السرد عبر قصة واحدة أو اثنتين.

هناك تنفيذ نمطي بعيد عن الإبداع، وتمثيل مبرمج يسوده الخوف والصراخ. بعض الشخصيات مقدَّم على أساس أنه يستحق الموت، وأخرى تستحق الحياة، هكذا، وبكل سذاجة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز