AMSTERDAM
< إخراج: ديفيد أو. راسل
< الولايات المتحدة - 2022
> لا تدع آراء بعض النقاد الذين يرتاحون أكثر للشكل المبسط والسرد المفهوم الذي لا يحتاج إلى جهد المتابعة يشغلك عن مشاهدة هذا الفيلم. دراما بوليسية - لغزية - تشويقية وتاريخية ومروية بأسلوب «غير شكل» عن المعتاد. طبعاً «غير شكل» ليست ضمانة. العديد من الأفلام التي اتخذت أشكال سرد وأساليب روي مختلفة عن السائد لم تكن جيّدة (هل Nomadland أو Annette جيدان لأنهما مختلفان). لكن «أمستردام» هو فيلم جيد لمخرج طالما حقق أفلامه على نحو مستقل. ما يميّز «أمستردام» حياكته المليئة بالأحداث المتوازية من دون تعقيد أو تشابك أو افتعال. إنه فيلم من تأليف المخرج أو. راسل (Three Kings، The Fighter، American Hustle) لكنه يبدو كما لو كان مقتبساً عن رواية نظراً للطريقة التي نُفذ بها وللشخصيات المثيرة للاهتمام في كل مشهد تقوم به.
يفتح الفيلم على نحو ثلث ساعة تقع أحداثها في نيويورك سنة 1933. الطبيب غير المرخص بيرت (كرستيان بايل)، والمحامي هارولد (جون ديفيد واشنطن)، صديقان منذ أن اشتركا في الحرب العالمية الأولى. هذا ما ينقلنا إلى فرنسا سنة 1918. لكن ليس من قبل أن يحاول دكتور بيرت والطبيبة الموكل إليها تشريح جثة رجل وصل ميتاً لتوه من أوروبا. الطبيبة (زو سالدانا) تكتشف وجود سوائل سامّة في أمعاء الرجل. هو والد الممرضة فاليري (مارغوت روبي) التي عالجت بيرت وهارولد عندما أصيبا خلال إحدى معارك تلك الحرب. بيرت يخسر عينه فيركّب عيناً صناعية بدلاً من الحقيقية، وهبها له رجلان أحدهما بريطاني (مايك مايرز) يعرّف نفسه على أنه تاجر عيون زجاجية، والآخر أميركي (مايكل شانون) يعرّف نفسه كرجل أعمال. لكن الأول عميل للمخابرات البريطانية (M16)، والثاني ينتمي لمخابرات البحرية الأميركية، وسنراهما لاحقاً في هذا الفيلم الذي يفتح باب لغز قبل أن يغلق الباب السابق.
هذه التفاصيل ترد في سياق سهل المتابعة كذلك ما يحدث لاحقاً في نيويورك عندما يلتقيان بصديقتهما فاليري التي تحاول الإفصاح عن سر، لكنها تلقي حتفها على يدي رجل غامض النوايا (ولو إلى حين). هذا كله يقع في أقل من نصف مدة العرض (134 دقيقة)، والباقي شغل ثابت على الكيفية التي ينتقل الفيلم فيها من خيط لآخر بسلاسة من يعرف طريقه وسط حقل الألغام.
القصّة الجادة مشغولة بمعالجة كوميدية من دون أن تسود هويات الفيلم الأخرى. اللغز بوليسي، لكن المطروح أكثر تنوعاً، يتعامل ومفادات عديدة (بينها دخول الحروب والخروج منها، والعنصرية والمؤامرات السياسية). في عمقه هو فيلم من تلك الأفلام التي نراها من حين لآخر وهي تهز السائد. ليس فقط أنها لا تقوم على حبكات مجانية تستعرض مطاردات ومعارك وسيارات طائرة وقوى خارقة، بل توفر للمشاهد متعة اكتشاف التأليف الشكلي والنصّي للفيلم على نحو مختلف بجدارة عن المتوفر. هو وفيلم أدم ماكاي «لا تنظر لفوق» عملان سياسيان كشأن فيلمي بول شرادر «First Reformed» و«The Card Counter” ومجمل أفلام سبايك لي. كل هذه تنضح بالرغبة في مناوئة المفهوم الذي يشع من الأفلام الجماهيرية المعتادة. إنها المعادلة التي تسبح ضد التيار. يحيط المخرج فيلمه بلقطات مشغولة بإتقان. التصاميم الفنية والإنتاجية. التصوير. اختيار الألوان والملابس وفهم البيئة الحياتية داخل الأماكن المتعددة وخارجها، حيث تقع الأحداث وأمور تشغل العين وتجذب الاهتمام.
ما يجذب الاهتمام أيضاً، اختيار المخرج لممثليه. هذا فيلم مطرّز بالمواهب الكبيرة: كريستيان بايل (يدخل دوراً صعباً بسهولة مثالية)، وآنيا تايلور - جوي، ومارغوت روبي، ومايكل شانون، وكريس روك، وتيموثي أوليفنت، وزو سالدانا، ورامي مالك وروبرت دي نيرو. عين هذا الناقد كانت مهتمة بمعرفة ما إذا كان جون ديفيد واشنطن (ابن أبيه دنزل واشنطن) تقدّم في أدائه بعد سلسلة من الأدوار الضعيفة (أفكّر خصوصاً بفيلميه Tenet وBeckett). ربما للمرّة الأولى يملأ حضوره بحسن تشخيص الدور الذي يؤديه ببساطة وبعمق أيضاً.
BACK HOME
< إخراج: نيشا بلاتزر |
< كندا- كوبا - 2022
> كانت المخرجة في الحادية عشرة من عمرها عندما انتحر شقيقها جوش الذي يكبرها بأربع سنوات. الآن هي العشرينات، وانتظرت الفرصة لتحقيق فيلم تسترجع فيه حياة شقيقها، وتبحث عن الأسباب التي جعلته يقدم على الانتحار. تستجوب العائلة وتدلي بصوتها وتتحدث عن أثر انتحاره عليها.
تصوّر مشاهد للطبيعة كما تستخدم اللقطات غير الواضحة (كما لو أن الفيلم الذي تصنعه صوّر في زمن كانت لا تزال السينما فيه وليدة)، وكل ذلك لإيصال المرغوب، وهو أن تصيغ العمل بنحو شبه تجريبي وتمنحه السبب الكافي لطرح الموضوع الذي ترغب فيه على نحو مختلف. النتيجة لا تخلو من التكلّف، والحديث يطول من دون اكتشافات تستدعي ذلك أو تبرره. لا يخلو العمل من إعادة بناء (تمثيل) في بعض مشاهده بما في ذلك المشهد الأخير.
THE WOODCUTTER STORY
< إخراج:ميكو ميليلهتي |
< فنلندا - 2022
> يصف أحدهم في الفيلم الحطّاب بوب (ياركو لاهتي)، بأنه مثل كوب نصفه مملوء بالماء. النصف الثاني فارغ. هذا وصف دقيق لحال بوب ونظرته إلى كل شيء. بعد قليل من بداية الفيلم يُغلق المصنع الذي يعمل فيه ويُحال وأصحابه إلى البطالة. الجميع يشكو ويتذمّر، لكنه الوحيد الذي ينظر للأمور على أساس نصف الكوب. يرى التفاؤل واجباً. أحد أصدقائه يأخذ الفأس ويهوي به على رأس حلاق البلدة (تقع في الشمال البارد من البلاد) ويقتله لأنه عشيق زوجته، ومن ثَم ينتحر. أما بوب فيبدو، أمام هذا الحدث وبعده، كما لو كان يشاهد مسلسلاً تلفزيونياً لا يمت إليه بصلة.
هناك روحانيات في هذا الفيلم المؤلف من فصلين تشغلهما كاميرا ثابتة وكادرات تؤطر الشخصيات والمشاهد جيداً. لكن المشكلة هي في المفادات التي تنتظر تبلورها عبر هذه الحكاية المجرّدة من العواطف (باستثناء علاقة بوب مع ابنه) لكن الفيلم يستمر من دونها أو هو غير قادر على بلورتها لتمنح الفيلم بعض أسبابه. هذا هو الفيلم الأول للمخرج ويستحق، بسبب اختياراته من المواضيع والمفارقات، فرصة ثانية.



