«داعش» يهدد بعطش وجفاف 4 محافظات عراقية

إغلاقه سد الرمادي حول نهر الفرات إلى أرض يابسة

«داعش» يهدد بعطش وجفاف 4 محافظات عراقية
TT

«داعش» يهدد بعطش وجفاف 4 محافظات عراقية

«داعش» يهدد بعطش وجفاف 4 محافظات عراقية

تسبب إغلاق بوابات سد الرمادي من قبل تنظيم داعش، بعد أن سيطر مسلحوه على مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار منتصف الشهر الماضي، وتحويلُه جزءًا من مياه نهر الفرات باتجاه بحيرة الحبانية عبر ناظم الورار الذي يبعد عن سد الرمادي مسافة 500 متر، بانخفاض كبير في كميات المياه في عدّة مناطق من مدن شرق الأنبار، فضلاً عن المحافظات الجنوبية.
وحذر مسؤولون محليون في الأنبار ومحافظات الوسط والجنوب الفراتية أخيرا من التناقص المتسارع في كميات المياه الواردة إلى مناطقهم بعد إغلاق تنظيم داعش سد الرمادي وانعكاسات ذلك على حياة مواطني تلك المدن والمناطق.
وأعلن معاون محافظ الأنبار، مهدي صالح النومان، أن عملية تحرير سد الرمادي وناظم الورار باتت أمرًا في غاية الأهمية ولا بد من الشروع فيها بأسرع وقت ممكن، خصوصًا مع تزايد هلاك مساحات زراعية واسعة في الأنبار والمحافظات الجنوبية.
وقال النومان في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن معركة تحرير مدينة الرمادي أصبحت من الضروريات الحتمية، خصوصًا مع استمرار إغلاق سد الرمادي من قبل تنظيم داعش، الأمر الذي جعل الكثير من المدن الواقعة على خط سير نهر الفرات تعيش حالة كارثية بسبب جفاف حوض الفرات».
إلى ذلك، حذرت محافظة ذي قار في جنوب العراق من مخاطر تفشي مرض الكوليرا نتيجة انحسار المياه عن مناطق واسعة من أهوار الناصرية، وتأثير ذلك على نوعية مياه الشرب في المناطق المتضررة. وأعرب مدير عام دائرة صحة ذي قار، سعدي الماجد، لـ«الشرق الأوسط» عن «قلق المؤسسات الصحية من تلوث مياه الشرب في مناطق الأهوار التي انحسرت عنها المياه»، داعيا الجهات المعنية في الحكومة المركزية إلى «التدخل لمعالجة شح المياه، والحيلولة دون تجفيف الأهوار».
من جهته، قال محافظ ذي قار، يحيى محمد باقر الناصري، لـ«الشرق الأوسط» إن «أهوار جنوب الناصرية أصبحت مناطق منكوبة، بعد تعرض مناطق واسعة منها إلى الجفاف نتيجة شح المياه وانخفاض منسوب نهر الفرات». وأضاف: «أدعو الحكومة الاتحادية إلى تدارك الأمر وإطلاق المياه في الأنهر المغذية لمناطق الأهوار، حيث تأكد تسجيل نحو ألف إصابة بمرض جدري الماء، ونفوق كميات كبيرة من الأسماك والثروة الحيوانية».
وتشكل الأهوار في الناصرية خمس مساحة محافظة ذي قار، وتتوزع على 10 وحدات إدارية من أصل 20 تضمها المحافظة. وكانت مساحة أهوار الناصرية قبل تجفيفها مطلع تسعينات القرن الماضي، تقدر بمليون و48 ألف دونم، في حين تبلغ المساحة التي أعيد غمرها بالمياه بعد عام 2003 نحو 50 في المائة من مجمل المساحة الكلية.
واقترح مجلس محافظة ذي قار ربط نهر دجلة بالفرات لتعويض جزء من النقص بمناسيب مياه الفرات بسبب إغلاق سدة الرمادي وتقليص الإطلاقات المائية من سدتي حديثة والثرثار. وقال رئيس مجلس المحافظة حميد الغزي لـ«الشرق الأوسط» إن «وزارة الموارد المائية أبلغتنا بوجود مقترح لربط نهر دجلة بالفرات عن طريق هور أبو زرك أو نهر الغراف بشكل وقتي لتعويض النقص الشديد في مناسيب المياه في نهر الفرات».
من جانبه قال عضو مجلس محافظة بابل رياض عداي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن «الإطلاقات المائية من السدود في أعالي نهر الفرات انخفضت من 320 مترا مكعبا في الثانية إلى 90 مترا مكعبا في محافظات بابل والديوانية وكربلاء، وإن آلاف الدونمات والمزارع والبساتين بدأت تموت لعدم وصول المياه إليها فضلا عن أن الجفاف يهدد الثروة الحيوانية التي انخفض إنتاجها لنفس السبب».
وبهذا الشأن أوضحت لجنة الزراعة والمياه البرلمانية أنّه بعد أن أغلق التنظيم سدّة الرمادي فإن «غزارة نهر الفرات التي كانت قبل الحرب المائية تبلغ 200 متر مكعب في الثانية، هبطت إلى نسبة لا تتجاوز 50 في المائة من كميته المعتادة، متوقعة انخفاض تلك الغزارة خلال الفترة المقبلة».
وقال رئيس لجنة الزراعة والمياه في مجلس النواب، النائب فرات التميمي، في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن «(داعش) استطاع أخيرًا السيطرة على سدّ الرمادي بعد فرض سيطرته على معظم مساحة الأنبار، الأمر الذي جعله يتحكم بمياه أربع محافظات جنوبية، وهي بابل وكربلاء والنجف والقادسية، كما يعمل التنظيم على السيطرة على بحيرة الثرثار في المحافظة نفسها لاستكمال حرب المياه بعد سيطرته على السدود المقامة على الفرات في سوريا والعراق».
وأضاف التميمي: «إن المحافظات المذكورة تعيش حالة كارثية من الجفاف، نتيجة قلة المخزون المائي الذي لا يكفيها للخروج من هذه الأزمة التي لا بد من حلها قبل أن يمتد تأثيرها إلى محافظات أخرى».
ويلفت مختصون إلى أن المخاطر الناجمة عن سيطرة «داعش» على سدّي الرمادي والفلوجة قد تتزايد مع الوقت فيما إذا أقدم التنظيم على عمليات تخريبية لبوابات ومنشآت السدود.
وقال الخبير في وزارة الموارد المائية الدكتور عون ذياب في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن «تنظيم داعش الإرهابي أربك بسيطرته على السدّين في مدينة الرمادي نظام تشغيل منظومة مياه نهر الفرات، وتحكم بنسبة كبيرة من مياه النهر بما يتسبب بأضرار متزايدة على المدن الفراتية في الوسط وجنوب العراق».
وأضاف ذياب أن «تنظيم داعش لا يتحكم حاليًا بكامل المنظومة المائية لنهر الفرات، لكن الخطورة تكمن في تمكنه من إرباك برنامج العمل الإروائي للنهر الذي تعده وزارة الموارد المائية سنويا، من خلال منظومة السدود والنواظم والخزانات المتعددة، فقد ارتبك تدفق المياه وفق الخطة الموضوعة، وحبست كميات منها ما أثر على نوعية المياه الواصلة إلى المدن في الوسط والجنوب، وخصوصا منطقة أهوار الناصرية التي تعرضت إلى نقص حاد بالمياه، فضلا عن مدن سوق الشيوخ وكرمة حسن وبني سعيد والعكيكة».



مخاوف أممية من أمطار استثنائية تضرب اليمن

التجمعات السكنية في اليمن القريبة من مجاري السيول معرضة للخطر (الأمم المتحدة)
التجمعات السكنية في اليمن القريبة من مجاري السيول معرضة للخطر (الأمم المتحدة)
TT

مخاوف أممية من أمطار استثنائية تضرب اليمن

التجمعات السكنية في اليمن القريبة من مجاري السيول معرضة للخطر (الأمم المتحدة)
التجمعات السكنية في اليمن القريبة من مجاري السيول معرضة للخطر (الأمم المتحدة)

في وقت لم يلتقط فيه اليمنيون أنفاسهم بعد من موجات السيول والفيضانات التي اجتاحت مناطق واسعة خلال الأسابيع الماضية، عادت التحذيرات الدولية من موجة جديدة من الأمطار الغزيرة وغير المعتادة، إذ يُتوقع أن تضرب أجزاء واسعة من البلاد خلال الشهر الحالي.

وأظهرت نشرة الإنذار المبكر والأرصاد الزراعية الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو) مؤشرات مقلقة بشأن تفاوت كبير في معدلات هطول الأمطار على مستوى اليمن، مع توقعات بهطول أمطار غزيرة في المرتفعات الوسطى، خصوصاً في محافظتي ذمار وإب، قد تصل إلى نحو 150 ملم، وهو مستوى يرفع من احتمالات حدوث فيضانات مفاجئة وسيول جارفة قد تمتد آثارها إلى المناطق السهلية المجاورة.

ولم تقتصر التحذيرات على المرتفعات، إذ نبّهت النشرة إلى ارتفاع خطر الفيضانات في وادي زبيد بمحافظة الحديدة، مع مخاطر متوسطة في أودية مور وسردود وريمة، في حين يُتوقع أن تشهد المناطق الساحلية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب أمطاراً أخف، لكنها تبقى مؤثرة في المناطق الهشة والمعرضة عادة لتجمع المياه.

نقص التمويل في اليمن حال دون وصول المساعدات إلى كل المتضررين (الأمم المتحدة)

وتمثل الأمطار الموسمية في الظروف الطبيعية عاملاً حاسماً في دعم الزراعة المطرية في اليمن، لإنبات محاصيل رئيسية مثل الذرة الرفيعة والدخن، وهي محاصيل يعتمد عليها اليمنيون بشكل واسع في الأمن الغذائي المحلي، كما تسهم في تعزيز خصوبة التربة وتحسين فرص الإنتاج الزراعي في بعض المناطق.

لكن في المقابل، ترجّح النشرة أن يؤدي الهطول الكثيف إلى غمر الحقول المنخفضة وسيئة التصريف، ما يتسبب في تأخير الزراعة وتعطل عمليات البذر نتيجة تشبع التربة وصعوبة الوصول إلى الأراضي الزراعية، فضلاً عن أن المحاصيل في مراحلها الأولى تكون أكثر هشاشة أمام الرطوبة الزائدة، مما يرفع احتمالات تعرضها للتلف وانتشار الأمراض النباتية والآفات المرتبطة بالبيئات الرطبة.

مخاطر متعددة

وفي حين لن تكون الزراعة وحدها في مرمى التأثيرات المناخية في اليمن، توقعت النشرة الأممية أن تواجه الثروة الحيوانية بدورها تحديات كبيرة، خصوصاً في المناطق الرعوية التي قد تتراجع فيها قدرة المراعي على توفير الغذاء الطبيعي نتيجة الفيضانات وتشبع الأراضي بالمياه، وهو ما يقيّد حركة القطعان ويزيد من صعوبة تنقل المربين في المناطق المتضررة.

كما تُهيئ الظروف الرطبة بيئة مناسبة لانتشار أمراض حيوانية متعددة، بينها تعفن القدم وبعض الأمراض المعدية المرتبطة بارتفاع الرطوبة وتلوث مصادر المياه، وهي عوامل قد تؤدي إلى انخفاض إنتاجية الحيوانات، سواء في اللحوم أو الألبان، وتكبّد الأسر الريفية خسائر إضافية في مصادر رزقها المحدودة.

وتحذر تقديرات زراعية من أن استمرار هذا النمط المناخي دون تدابير وقائية سريعة قد يُدخل المجتمعات الريفية في حلقة جديدة من الهشاشة الاقتصادية، خصوصاً في المحافظات التي تعتمد على الزراعة والرعي كركيزة أساسية للعيش.

تأثر البنية التحتية

ويمتد أثر الأمطار الغزيرة في اليمن إلى ما هو أبعد من الحقول والمراعي، ليطال البنية التحتية الريفية الهشة أصلاً، إذ تتوقع النشرة الأممية تعرض الطرق الترابية والمسارات الفرعية لأضرار واسعة بفعل الانجرافات، بينما قد تؤدي المعابر المغمورة بالمياه إلى عزل تجمعات سكانية بأكملها، وعرقلة وصول الإمدادات الزراعية والخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية.

كما أن شبكات الري والصرف في كثير من المناطق تحتاج إلى أعمال صيانة عاجلة لاستيعاب تدفقات المياه، في حين تبقى التجمعات السكنية المقامة في السهول الفيضية، لا سيما المنازل الطينية والمخيمات المؤقتة، الأكثر عرضة للانهيار والتضرر المباشر.

السيول غمرت المئات من المساكن أغلبها للنازحين في المخيمات (الأمم المتحدة)

وفي مواجهة هذه المخاطر، شدَّدت النشرة على أهمية تفعيل أنظمة الإنذار المبكر المجتمعية، وتسريع نشر تحذيرات الطقس والفيضانات إلى المناطق النائية عبر وسائل متعددة، تشمل الإذاعات المحلية وشبكات الهاتف المحمول ونقاط الاتصال المجتمعية، بما يضمن وصول الرسائل التحذيرية في الوقت المناسب.

كما أوصت باتخاذ تدابير استباقية تشمل حماية البذور والمدخلات الزراعية، وتشجيع الحصاد المبكر حيثما أمكن، ونقل الماشية إلى مناطق مرتفعة، وتأمين مصادر مياه نظيفة، إلى جانب تنظيف قنوات التصريف وصيانة العبارات والمنشآت المائية قبل ذروة الأمطار.


تحذيرات دولية ومحلية من مجاعة وشيكة في اليمن

تراجع تمويل الإغاثة في اليمن تسبب في زيادة مخاطر انعدام الأمن الغذائي (إ.ب.أ)
تراجع تمويل الإغاثة في اليمن تسبب في زيادة مخاطر انعدام الأمن الغذائي (إ.ب.أ)
TT

تحذيرات دولية ومحلية من مجاعة وشيكة في اليمن

تراجع تمويل الإغاثة في اليمن تسبب في زيادة مخاطر انعدام الأمن الغذائي (إ.ب.أ)
تراجع تمويل الإغاثة في اليمن تسبب في زيادة مخاطر انعدام الأمن الغذائي (إ.ب.أ)

أجمع عدد من الجهات الأممية والدولية والمحلية على أن اليمن يقترب مجدداً من حافة كارثة إنسانية واسعة، بزيادة رقعة الجوع، واستمرار النزوح، وتراجع التمويل الإنساني، وتفاقم الضغوط الاقتصادية والمناخية التي تدفع ملايين السكان نحو مستويات أشد من الحرمان، في وضع غير مستقر سياسياً واقتصادياً.

وكشفت أحدث التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة والمنظمات الدولية أن الأزمة لم تعد تقتصر على نقص الغذاء، بل باتت تشمل تهديداً متزامناً للطعام والمأوى والدخل، في وقت تتآكل فيه قدرة الأسر على الصمود بعد أكثر من عقد من الحرب والانهيار الاقتصادي.

وتتزامن هذه التحذيرات مع توجُّه حكومي لإنشاء الهيئة العليا للإغاثة، وتنظيم سلسلة ورش وطنية لمعالجة تداخل الصلاحيات، والذي أعلن وزير الإدارة المحلية، بدر باسلمة، عنه ضمن خطة لإعادة تنظيم العلاقة بين الحكومة المركزية والسلطات المحلية في المحافظات المحررة، إذ سيكون من شأن إنشاء الهيئة تنظيم العمل الإنساني وإنهاء الازدواجية في إدارة المساعدات،

وأكَّد برنامج الأغذية العالمي أن نحو 18 مليون شخص في اليمن يعانون من انعدام الأمن الغذائي، محذِّراً من أن الاضطرابات في سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الوقود والشحن والتأمين نتيجة التوترات الإقليمية قد تدفع أعداداً أكبر إلى مستويات أشد من الجوع، خصوصاً وأن اليمن يستورد قرابة 90 في المائة من احتياجاته الغذائية.

الأمم المتحدة تتحدث عن استمرار النزوح في اليمن (رويترز)

ووفق برنامج الأغذية العالمي، يبلغ عدد النازحين في اليمن نحو 5.2 مليون شخص، يعيش كثير منهم في ظروف بالغة الهشاشة، حيث أظهرت البيانات أن 39 في المائة منهم عانوا من جوع متوسط إلى حاد خلال مارس (آذار) الماضي، أي أكثر من ضعف المعدل المسجَّل بين غير النازحين. وترتفع النسبة إلى 50 في المائة بين المقيمين في مخيمات النزوح، بينما بينت 17 في المائة من الأسر النازحة بأن أحد أفرادها قضى يوماً وليلة دون طعام.

ويشير إلى أن 92 في المائة من النازحين غير قادرين على تحمل تكاليف الإيجار، مما يضعهم أمام خطر الإخلاء والتشرد، ويتجسد هذا بوضوح في محافظة مأرب، أكبر مراكز النزوح في البلاد، حيث حذّرت السلطات المحلية من أن نحو 285 ألف نازح، بينهم عشرات الآلاف من النساء والأطفال، مهددون بفقدان مساكنهم بسبب تراكم الإيجارات وانعدام مصادر الدخل.

نزوح مستمر

ويظهر تقرير للوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في محافظة مأرب (جهة حكومية)، الأسبوع الماضي، أزمة إنسانية طاحنة تهدد حياة أكثر من ربع مليون نازح في المحافظة، بعد أن أصبحوا على بعد خطوة من فقدان مأواهم بسبب استمرار التدهور الاقتصادي، وارتفاع تكاليف الإيجارات وتراكمها، وضعف مصادر الدخل.

داخل أحد المساجد في صنعاء يجري توزيع أطعمة للإفطار خلال شهر رمضان الماضي (أ.ف.ب)

وتشمل الفئات الأكثر تضرراً 118 ألف امرأة و72 ألف طفل، إضافة إلى 8200 من كبار السن، قد يجدون أنفسهم في العراء خلال الأشهر القادمة.

ودعت الوحدة الجهات الإنسانية إلى توسيع برامج «النقد مقابل الإيجار»، لإنقاذ 48500 أسرة تعتبر الأكثر عرضة للخطر، كحل أخير لحمايتها من التشرد والحد من موجات النزوح المتكررة.

وفي الوقت ذاته، تستمر حركة النزوح، وإن كانت بوتيرة أقل، إذ أفادت المنظمة الدولية للهجرة، الثلاثاء الماضي، بأن 923 أسرة يمنية نزحت مرة واحدة على الأقل منذ مطلع عام 2026، في مؤشر على أن عوامل الطرد المرتبطة بالصراع وتدهور الأوضاع المعيشية ما تزال قائمة.

وتشير تقديرات شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة إلى أن ملايين اليمنيين سيظلون بين مرحلتي «الأزمة» و«الطوارئ» الغذائية حتى سبتمبر (أيلول) المقبل، مع بقاء بعض المناطق، خصوصاً في محافظتي الحديدة وحجة وأجزاء من محافظة تعز، عند المستوى الرابع من التصنيف الدولي، وهو المستوى الذي يسبق المجاعة مباشرة.

مناطق سيطرة الحوثيين هي الأكثر تضرراً من الأزمة الإنسانية (أ.ف.ب)

وأرجع التقرير هذا الوضع إلى التدهور الاقتصادي، والقيود المفروضة على الأنشطة التجارية، وارتفاع أسعار الوقود والغذاء، إضافة إلى الأضرار التي خلّفتها السيول في المناطق الزراعية ومخيمات النازحين.

كما حذَّر تقرير مشترك أعدته مجموعة البنك الدولي ومنظمة أكابس بالتعاون مع وكالات أممية، من بينها منظمة الأغذية والزراعة ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة ومنظمة الصحة العالمية، من أن الصراع الإقليمي، والتقلبات المناخية، والتراجع الحاد في التمويل الإنساني، تشكل معاً مزيجاً خطيراً يهدد بتفاقم الأزمة خلال الأشهر المقبلة.

أثر أكبر على المهمشين

وجاءت هذه التحذيرات أيضاً من مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي التي نبهت إلى أن التغير المناخي يفاقم معاناة فئة المهمشين في اليمن، بتداخل آثاره مع الحرب المستمرة والانهيار الاقتصادي وتدهور البنية التحتية، مما جعل البلاد من أكثر الدول عرضة للفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة وشح المياه.

ممارسات الحوثيين ضد موظفي الإغاثة ساهمت في تراجع نشاط الوكالات الأممية (أ.ف.ب)

ويعدّ المهمشون، بحسب التقرير، من أكثر الفئات هشاشة، بسبب تمركزهم في مناطق عشوائية منخفضة تفتقر إلى الخدمات الأساسية والبنية التحتية، إلى جانب ما يواجهونه أصلاً من تمييز اجتماعي يحد من فرص حصولهم على التعليم والرعاية الصحية والعمل.

وبيَّن أن الكوارث المناخية لا تتسبب فقط في خسائر مباشرة، بل تُعمِّق أيضاً دوائر الفقر والإقصاء الاجتماعي وتضعف قدرة هذه المجتمعات على التكيف والصمود.

وشدَّد التقرير على أن مواجهة هذه التحديات تتطلب تدخلات طويلة الأمد تتجاوز المساعدات الطارئة، وتشمل تعزيز العدالة الاجتماعية وتحسين الوصول إلى الخدمات الأساسية وإدماج الفئات المهمشة في خطط التكيف المناخي والتنمية المستدامة.

ونبه إلى أن بناء قدرة اليمن على مواجهة التغير المناخي لن يكون ممكناً دون معالجة جذور التهميش وعدم المساواة.

وتتفق مختلف الجهات التي أطلقت التحذيرات على أن استمرار الصراع وتراجع الدعم الإنساني قد يحول الأزمة المزمنة إلى مجاعة واسعة النطاق، لا تهدد الحياة فقط، بل ما تبقى من قدرة المجتمع على الاحتمال.


الزنداني يضع الأمن والخدمات في صدارة أولويات اليمن

جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية بالعاصمة المؤقتة عدن (إعلام حكومي)
جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية بالعاصمة المؤقتة عدن (إعلام حكومي)
TT

الزنداني يضع الأمن والخدمات في صدارة أولويات اليمن

جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية بالعاصمة المؤقتة عدن (إعلام حكومي)
جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية بالعاصمة المؤقتة عدن (إعلام حكومي)

وضعت الحكومة اليمنية ملفي الأمن والخدمات في صدارة أولوياتها، خلال اجتماع لمجلس الوزراء في العاصمة المؤقتة عدن، في وقتٍ تواجه فيه البلاد تحديات متشابكة تتزامن مع الصدام المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران، وما تسبَّب فيه من تبعات اقتصادية وأمنية وسياسية على مستوى المنطقة.

وشدد رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني، وفق الإعلام الرسمي، على أن المرحلة الراهنة تتطلب سرعة أعلى في الاستجابة، وكفاءة أكبر في التنفيذ، بما يعزز الأداء ويحقق نتائج ملموسة على الأرض، موجهاً الوزارات والجهات المختصة بالتركيز على مهامّها الأساسية، والعمل المباشر على معالجة الاختلالات، مع تعزيز التنسيق بين المؤسسات الرسمية بما يضمن تكامل الجهود ومواكبة المستجدّات.

وأكد رئيس الوزراء اليمني أن الأمن والخدمات يمثلان الركيزة الأساسية لاستقرار الدولة وتعزيز ثقة المواطنين بمؤسساتها، مشيراً إلى أن الحكومة تنظر إلى استعادة الاستقرار بوصفه مدخلاً ضرورياً لأي تحسن اقتصادي أو خِدمي، في ظل ما تعانيه البلاد من ضغوط متزايدة على مختلف المستويات.

وفي الملف الأمني، وصف الزنداني جريمتي اغتيال القائم بأعمال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية وسام قايد، ومدير مدارس النورس عبد الرحمن الشاعر، بأنهما «جرس إنذار» يكشف وجود أطراف تعمل على زعزعة الأمن وضرب الاستقرار واستهداف فكرة الدولة وبيئة العمل المدني والتنموي.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني (إعلام حكومي)

وثمّن الزنداني جهود الأجهزة الأمنية في ملاحقة المتورطين في الجرائم الأخيرة والقبض عليهم، كما أشاد بجهود السلطات المحلية في تعزيز الأمن والاستقرار، ولا سيما ما يتعلق بتأمين خطوط الإمداد والطرق الرئيسية بين المحافظات، منوهاً بما قامت به السلطة المحلية في محافظة أبين بوصفه نموذجاً في الحزم وفرض سلطة القانون.

وحرص رئيس الحكومة اليمنية على توجيه رسالة طمأنة إلى المنظمات الدولية ومجتمع المانحين، مؤكداً التزام الحكومة بحماية العاملين في المجال التنموي، وأن مثل هذه الحوادث لن تثنيها عن مواصلة برامج التنمية وتطبيع الأوضاع، بل ستدفعها إلى مزيد من الإصرار على ترسيخ الأمن وسيادة القانون.

وأشار الزنداني إلى أن التطورات الأخيرة تؤكد أن المواجهة مع الحوثيين لا تقتصر على الجبهات العسكرية، بل تمتد إلى محاولات استهداف الأمن الداخلي وضرب السكينة العامة وتقويض ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، متعهداً بعدم السماح بتحويل عدن أو أي محافظة محرَّرة إلى ساحة للفوضى أو تصفية الحسابات، أو أي شكل من أشكال التخادم مع الجماعة الحوثية.

أولوية الخدمات والإصلاح

في الجانب الخِدمي، ناقش اجتماع الحكومة اليمنية التحديات المرتبطة بالكهرباء وتوفير الوقود وانتظام صرف الرواتب، في ظل أزمة معيشية متفاقمة، حيث أكد رئيس الوزراء أن الحكومة تمضي في تنفيذ حزمة من الإصلاحات الاقتصادية والإدارية بهدف تحسين الأوضاع المعيشية وتحقيق نتائج ملموسة، خلال الفترة المقبلة.

ووجّه الزنداني الوزارات المعنية بتقديم حلول عاجلة وواقعية، والعمل بروح الفريق الواحد، إلى جانب تفعيل آليات الرقابة والمساءلة؛ لضمان كفاءة الأداء وتحقيق أفضل استفادة ممكنة من الموارد المتاحة، في ظل محدودية الإمكانات واتساع حجم الاحتياجات.

وفي سياق الإصلاحات المؤسسية، وافق مجلس الوزراء اليمني على تمويل إنشاء نظام للأسواق يهدف إلى تمكين وزارة الصناعة والتجارة من مراقبة الأسواق بصورة دقيقة، وتوفير رؤية أشمل لحركة الأسعار ومستويات المخزون وتوفر السلع، بما يساعد في بناء سياسات اقتصادية تستند إلى معلومات موثوقة.

كما أقرّ المجلس الاتفاقية النمطية للصيد الصناعي لأسماك التونة في أعالي البحار خارج المنطقة الاقتصادية الخالصة لليمن، واعتمد مذكرة تفاهم بين وزارة النقل اليمنية والأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، إضافة إلى استعراض مذكرتيْ تفاهم للتعاون الزراعي والغذائي مع الأردن وسلطنة عمان.

رسائل رئاسية

بالتوازي مع التحرك الحكومي، برزت رسائل سياسية صادرة عن رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، خلال استقباله سفيرة المملكة المتحدة لدى اليمن عبدة شريف، حيث ثمّن الدعم البريطاني وحرص لندن على دعم الاستقرار والإصلاحات الاقتصادية والإنسانية، مؤكداً أهمية تعزيز الشراكة مع المملكة المتحدة بوصفها حاملة القلم في مجلس الأمن بشأن اليمن وشريكاً مؤثراً في دعم الدولة اليمنية وأمن الملاحة والاستقرار الإقليمي.

وفي حديثه عن التطورات الإقليمية، أكد رئيس مجلس القيادة اليمني أهمية معالجة جذور التهديد الإيراني، وليس فقط احتواء تداعياته، داعياً إلى مقاربة تقوم على تحقيق مكاسب مستدامة للأمن والاستقرار، والعمل بشكل حاسم على إنهاء خطر التنظيمات المسلَّحة التابعة لطهران في المنطقة، بوصفها - وفق تعبيره - أداة رئيسية لتقويض الدول الوطنية وتهديد الممرات الدولية.

وجدَّد العليمي دعم مجلس القيادة والحكومة أي جهد حقيقي لخفض التصعيد وتحقيق سلام مستدام، مشدداً على أن هذا السلام لا يمكن أن يتحقق دون معالجة مصادر الخطر في البر والبحر، وإنهاء تهديد الجماعات المسلّحة العابرة للحدود.

Your Premium trial has ended