«في البحث عن الزمن المفقود»... بحث عن الذات بمواجهة تفاهة العالم

مائة عام على رحيل مارسيل بروست صاحب أطول رواية في تاريخ الأدب إلى اليوم

مارسيل بروست - غلاف الكتاب
مارسيل بروست - غلاف الكتاب
TT

«في البحث عن الزمن المفقود»... بحث عن الذات بمواجهة تفاهة العالم

مارسيل بروست - غلاف الكتاب
مارسيل بروست - غلاف الكتاب

تتفق غالبية مؤرخي الثقافة على أن عام 1922 كان مفتتح تاريخ الحداثة الأدبيّة. وهذا أمرّ قلّما يحدث؛ إذ تنحو كل محاولات التأريخ إلى اعتماد فترات زمنيّة أطول؛ جسوراً للانتقال بين المراحل. على أن ذلك العام شهد تصادفاً عجيباً لظهور 3 روايات غيّرت قواعد اللعبة التي اعتادها القرّاء في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين: «يوليسيس» للآيرلندي جيمس جويس، و«غرفة جاكوب» للبريطانيّة فرجينيا وولف، كما الترجمة الإنجليزيّة لـ«البحث عن الزمن الضائع» للفرنسي مارسيل بروست. وبينما عاش جويس ووولف ليشهدا وقع عمليهما الأشهران على المزاج الأدبي الغربيّ، فإن بروست رحل عن العالم في العام ذاته ولمّا تكن حتى المجلدات الثلاثة الأخيرة من روايته قد رأت النّور بعد في لغتها الأم، ونشرها أخوه روبرت لاحقاً كما هي دون تدقيق أو مراجعة. لكن «البحث عن الزّمن الضائع» - التي تعد بمجلداتها السبع أطول رواية معروفة لنا في تاريخ الأدب كلّه إلى اليوم - لقيت مزيجاً غريباً من الاحتفاء والشهرة والذكر المستدام مع ندرة في عدد القرّاء الذين أقدموا على قراءتها بالفعل. ويبدو أن الرواية اكتسبت لشدة ترحيب النّقاد بها مهابة جعلتها أقرب إلى أن تكون نخبوية لا يجرؤ على تعاطيها سوى الخاصة من المثقفين، وزادها امتدادها إلى 7 مجلدات عزلة عن القراء الملولين، وسقط كثير من الفضوليين منهم بعدما أتموا بالكاد أول 50 أو 60 صفحة منها عندما أفزعتهم جمل بروست الطويلة، ولم يعودوا مطلقاً. ولذلك فقد يستحيل أن تجد معنياً بالأدب والقراءة لم يسمع بـ«البحث عن الزمن الضائع»، لكن من قرأوها بالفعل يشكلون نوعاً من عملة نادرة.
على أن هذه التحفة؛ التي قالت فرجيينا وولف بعدما اطلعت على مجلدها الأوّل: «آه؛ لو كان بإمكاني الكتابة هكذا!»، ووصفها الكاتب والروائي الأميركيّ إدموند وايت بأنّها «الرواية الأكثر مدعاة للاحترام في القرن العشرين»، وعدّها الناقد روجر شاتوك «أعظم رواية وأكثرها مكافأة لقارئها في القرن العشرين»، فيما تكرر تصنيفها بين مختلف النقّاد بوصفها نسقاً مؤسساً للروايات الحداثيّة لقطعها الصارم مع صيغة روايات القرن التاسع عشر... تمتلك من الثراء والعمق والمتعة النادرة التي تكافئ كل من يعبر أوّل مائة صفحة منها، فكأنها صممت عمداً مثل مقابر ملوك مصر العظيمة التي كانت تمتلك أبواباً مزيفة لإبعاد اللّصوص والمترددين. كما أن ثيماتها المتعلقة بالبحث عن الذّات في مواجهة تفاهة العالم، ومعنى الحبّ والعلاقات والإخفاقات، وتحولات حظوظ الطبقة الاجتماعيّة، والاستعادة الجبريّة اللاوعية للذكريات، وقيمة تجارب الماضي وخيباته... لا شكّ تظل جميعها بعد مائة عام على غياب كاتبها طازجة، وحيّة، وذات صلة عابرة للجغرافيا والتاريخ معاً.
لا يسهل بالطبع تلخيص «البحث عن الزمن الضائع» في سطور قليلة. فهذه الرواية نقيض تام لمبدأ الحبكة، ومتطلبات لزوم الواقع، التي طبعت الرواية البرجوازيّة قبلها، ونهجها تجريبي فجّ يُخَلَّق عوالم متوالدة تعيد إنتاج ذاتها مع تقدّم السّرد، في حالة من التدفّق النثري المستمر على نحو يجعل من مهمة وضعها في صندوق من أسطر قليلة مهمّة مستعصية. وإن كان لا بدّ من ذلك على نحو ما، فإنّ جلّ ما يمكن قوله إنّها قصّة حياة إنسان بين الطفولة والنضوح تعاش على الصفحات حتى تتداخل فيها حكاية الرّاوي مع سيرة الكاتب حد الامتزاج، إلى أن تنتهي في لحظة ما متأخرة من منتصف عمر الرّاوي يبلغ فيها ذروة تجربته بالعيش عندما يجد ذاته في الكتابة، ولنجد نحن القراء حينها أيضاً أنّها أنتجت الرّواية التي كنّا نقرأ طوال المجلدات السّبع. ولذلك؛ فإن نسيج الرواية الأصلي مطابق لحياة الكائن البشري: ثمة حكاية ما، وحكايات تتوالد على هامش الحكاية، وعبث اللاحكاية، في آن. ويستتبع هذا التشكيل الفنيّ مسارات متوازية من خيبات الأمل والبدايات المجهضة والنهايات المبكرة التي يسلكها الراوي والكاتب والقارئ معاً في سياق رحلة التيه في البحث عن الزّمن الضائع (أو المفقود؛ حيث لا يمكن نقل الفرق الدّقيق بينهما كما في الفرنسيّة إلى قراء اللّغات الأخرى) مع شعور ممضّ يطبق على الصدر بغياب المعنى والجمال عن هذا العالم، وغلبة الحماقة والتعاسة على من نلقاهم من البشر، وضياع الوقت ونزفه اللحظيّ، وشعورنا الدائم بأنه لا بدّ ثمّة شيء أو شخص ما ينتظرنا ونعجز عن العثور عليه. لكنّها مع ذلك رحلة تكافئهم جميعاً في نهايتها بصور مختلفة، فينتهون ثلاثتهم ممتنين، مكتفين، شاكرين لتجربة العيش التي جمعتهم، ويفترقون بينما استرد كل منهم زمنه الضائع. إنها رواية تستنفد قارئها، لكنّها تمنحه الأمّل بأنّه لم يفت الأوان بعد، مهما تأخر الوقت، للعثور على مزاج عيش يتماهى معه ويجد ذاته فيه، ويسابق الموت لاختباره حتى الثمالة...
رواية بروست ورغم عالميّة وأبديّة ثيماتها إنسانياً، فإنّها مع ذلك نصّ متموضع بالكليّة - زمانياً ومكانياً - في دنيا الكاتب. وبينما نرافق الرّاوي في رحلته عبر منعطفات حياته، فإننا نحن القراء نلج معه عالماً تسوده حالة عميقة من الانحطاط الذي عاشته فرنسا خلال مرحلة الاضطرابات الاجتماعية والاقتصاديّة والسياسية التي رافقت مرحلة قضيّة الضابط اليهوديّ «درايفوس»، كما صدمة الحرب العالمية الأولى، ونشهد معه تلك التحولات الطبقيّة العميقة لاندثار فضاء الأرستقراطيّة المتلألئ لكن الضحل، مقابل صعود البرجوازيّات المبتذلة بعدما أصبحت الثروة المكتسبة حديثاً كفيلة بتجاوز نبل المُحتد عندما يتعلق الأمر بالمكانة.
بدأ بروست ببلورة فكرة «البحث عن الزمن الضائع» في 1909، واستمر في العمل عليها حتى أجبره مرضه الأخير على ترك الكتابة في خريف 1922. وبعدما أنجز المجلّد الأوّل منها (في 1912) كان منتهى ظنّه أنها ستكون في 3 مجلدات تأخر ظهورها لبعض الوقت بعدما آلمته وفاة سكرتيره الخاص.
تطورت الحكاية لاحقاً بين يديه، فاستمر بإضافة مواد جديدة وتحرير السابق؛ لا سيّما خلال سنوات الحرب، حتى أصبحت 7 مجلدات، نشر 4 منها في حياته بداية من عام 1913. ومن اللّافت أن دور نشر فرنسيّة مرموقة حينها رفضتها، فاضطر لطبع المجلّد الأول منها على نفقته، ليتسابق الناشرون بعدها على حقوق نشر المجلدات الباقية، والتي توالى صدورها بالفرنسيّة حتى اكتملت عام 1927. وقد نشرت نسخة مكتملة محققة من العمل في 1954 تعد الآن النّسخة المرجعية.
ولد مارسيل بروست عام 1871 في ناحية أوتويل، بالقرب من باريس، لأب طبيب كاثوليكيّ بارز وأمّ من عائلة يهوديّة ثريّة. وتحصّل على إجازات جامعيّة في القانون والعلوم السياسية والأدب، وتأثر فكريّاً بالفلاسفة هنري بيرغسون (ابن عمه بالزواج) وبول ديجاردان، كما المؤرخ ألبرت سوريل، وخبر الحياة العسكريّة لفترة قبل أن يصبح ضيفاً معتاداً على صالونات مجتمع باريس المخملي الأكثر تميزاً. وقد تعاطى الكتابة بداية من خلال قصص قصيرة نشرها في مجلات العاصمة الفرنسيّة (1892) قبل أن يعبر إلى عالم الرواية من خلال رواية أولى كانت سيئة البناء لكنّها حملت إرهاصات ولادة موهبة عظيمة، ثمّ محاولات أخرى ساخرة حاكى فيها كتابات روائييه المفضلين بلزاك وفلوبير ورينان وسان سيمون... وغيرهم. لكنّ تجربته شُحذت بعدما اكتشف كتاب «النقد الفنيّ» لجون راسكين الذي قلب حياته رأساً على عقب، وغيّر من سلوكه ونظرته للحياة وللفن وللأدب، حتى كتب عن ذلك: «لقد استعاد الكون فجأة في عيني قيمة لا حصر لها». وقد اشتدت عليه تالياً حالة الربو التي رافقته منذ صغره، وتراجعت صحته، فانسحب من الحياة الاجتماعيّة وانصرف بكليته للبحث عن زمنه الضائع؛ تحفته الخالدة، قبل أن يقضي عليه الالتهاب الرئوي بعدما وضع بالكاد قدمه الأولى على قمّة المجد الأدبيّ.


مقالات ذات صلة

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

كتب تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً...

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

واجهت الأقليات في المجتمع المصري متغيرات وتحولات سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية حادة في حقبة الخمسينيات من القرن الماضي في أعقاب عملية «التمصير» وما تلاه...

رشا أحمد (القاهرة)
كتب كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية

كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية

في كتابه «رواد الواقعية في السينما المصرية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة ضمن سلسلة «آفاق السينما»، يتوقف الناقد والمؤرخ الفني دكتور وليد سيف..

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب «زوج شبه مثالي» يكشف عن الوجه الخفي لعلاقة ماكرون وبريجيت

كتاب يكشف علاقة ماكرون وبريجيت... ورسائل تربط الرئيس بفراهاني تثير الجدل

يرصد كتاب فلوريان تارديف علاقة ماكرون وبريجيت وكيف تحولت حياتهما الخاصة وأزمات الإعلام جزءاً من صورة السلطة والسياسة في فرنسا.

كوثر وكيل (لندن)
ثقافة وفنون فتحي عبد السميع... «شاعر الكائنات الهشة»

فتحي عبد السميع... «شاعر الكائنات الهشة»

يتناول كتاب «فتحي عبد السميع... شاعر الكائنات الهشة والتفاصيل الصامتة» تجربة الشاعر والباحث فتحي عبد السميع، ويضيء جوانب متعددة من مشروعه الشعري والفكري...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص
TT

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً مركزياً حول إمكانية «النجاة» في عالم يتعرض فيه كل شيء للهدم والاقتلاع القسري.

صدرت الرواية أخيراً عن «دار الكرمة» للنشر بالقاهرة، وتبدأ من لحظة ذروة؛ من خبر منشور عن استشهاد الطبيب المصري «عمر المهدي» في أثناء قيامه بجراحة لطفل بالمستشفى المعمداني في «غزة»، وهي اللحظة التي تُصيب البطلة «إيمان» بصدمة عنيفة، لتفتح السرد على مسارين متوازيين؛ الأول يعود بها إلى سنوات الجامعة وبدايات علاقتها العاطفية بـ«عمر»، بينما يتتبع المسار الثاني حياتها المعاصرة بعد أن أصبحت زوجة لمهندس زراعي طموح، اختارته امتثالاً لضغوط أسرتها للابتعاد عن حبيب سنواتها الجامعية، وزواجها ممن «تنطبق عليه شروط عائلتها الميسورة»، ليصبح اقتلاع الحب من منابته الأولى أحد الاختبارات المبكرة التي ستترك أصداءها العميقة في حياة البطلين لاحقاً.

منذ تلك اللحظة المبكرة، لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم، واكتشاف لهوية دفنتها البطلة طويلاً تحت حياة أكثر امتثالاً واستقراراً ظاهرياً، قبل أن يُعيد استشهاد «عمر» استدعاء نبوءة «السماء الثامنة» التي أخبرها بها ذات يوم، تحت ظلال أشجار عتيقة، حين تبادلا الحديث عن الحب وسماواته السبع وهما في سنوات الجامعة، وهي السماء التي ستدرك إيمان معناها بعد أن صار الوصول إليها مستحيلاً.

دين قديم

يطل السرد على سنوات الجامعة، وتشكّل حب «إيمان» و«عمر» داخل فضاء مُشبّع برومانسية البدايات وجسارة الأحلام، وتبدو نزهات الحبيبين وثيقة الصلة بالأماكن التي يعبرانها معاً، كاشفةً عن وعيهما بامتدادها التاريخي؛ لا سيما في حديقة الحيوان، بأشجارها العتيقة الممتدة منذ عصر الخديو إسماعيل.

وعبر جولات تتقاطع فيها الثقافة بالفن والتاريخ، تظهر المدينة كذاكرة حيّة مُهددة، خاصة مع الإشارات المتكررة في الرواية إلى هدم الفيلات ذات الطُرز المعمارية التاريخية، وتحويل البيوت القديمة إلى أبراج سكنية، وكأن الرواية تضع مصير العلاقات الإنسانية ومصير المدينة داخل المسار نفسه؛ فكما يُنتزع العاشقان من حلمهما القديم، تُنتزع الأمكنة بدورها من ذاكرتها، لتتحول القاهرة تدريجياً من فضاء حميمي للتجوال والحب، إلى مدينة تفقد ملامحها القديمة تدريجياً.

يعتني السرد برسم شخصية «عمر» بوصفه نموذجاً متسقاً مع الحب والقضية معاً؛ فهو طالب كلية الطب الحالِم الذي يقود مظاهرات منذ كان طالباً ضد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين حتى يستشهد بعد سنوات وهو يمارس مهنته متطوعاً في غزة، يتحدث عن «السماوات السبع للعشق»، حيث تمثل المرتبة السابعة «الهُيام»، قبل أن يلمّح إلى معنى آخر للحب يتجاوز المشاعر الفردية: «لا تقتصر السماء الثامنة على المشاعر التي تجمع العاشقين، إنما تسمو بهما معاً إلى مرحلة التضحية في سبيل القضايا الكبرى».

إلا أن حلم «عمر» بالوصول مع حبيبته إلى «السماء الثامنة» لا يكاد يتجاوز عتبة الحلم، بعد أن تخضع «إيمان» لضغوط أسرتها وتبتعد عنه، لتتحوّل تلك السماء تدريجياً إلى ما يشبه النبوءة الروحية التي تظل الرواية تستدعيها باستمرار.

ولا تدرك «إيمان» المعنى الحقيقي لهذه النبوءة إلا متأخرة، عبر الفقد والذنب، حين يتحوّل خبر استشهاد «عمر» من مجرد صدمة عاطفية إلى لحظة تعيد فيها تقييم حياتها التي تكتشف زيفها، فتغدو رحلتها إلى «رفح» محاولة متأخرة لإنقاذ ما تبقّى من ذاتها القديمة، وسداد دين قديم تجاه رجل عجزت يوماً عن التمسك باختياره له: «اعذرني يا عمر، تأخرت في اتخاذ قراري ولكني اتخذته أخيراً، وهأنذا قد جئتك بكامل إرادتي».

رغم غلبة القضية الفلسطينية على عالم الرواية، فإن حضورها لا يأتي بوصفه مساراً منفصلاً عن الحياة الشخصية للأبطال، بل يتسلل تدريجياً داخل نسيجهم العاطفي والإنساني، بحيث تبدو التحوّلات السياسية جزءاً من تكوين الوعي نفسه، لا مجرد خلفية للأحداث، فمنذ الإحالة إلى الحرب الأخيرة على غزة، تفتح الرواية طبقات متعددة من الذاكرة السياسية المصرية، عبر استدعاء مظاهرات الطلبة ضد الاحتلال الإسرائيلي في زمن الرئيس السادات، وما ارتبط بها من لحظات استقطاب سياسي، في إشارة إلى التشققات التي أصابت المجال العام مبكراً، وإلى هشاشة فكرة التضامن نفسها تحت ضغط الانقسامات السياسية.

في هذا السياق، لا تظهر جماعات «الإسلام السياسي» في الرواية كعنصر منفصل عن المشهد، بل كقوة تتغلغل تدريجياً داخل النسيج الوطني، مستفيدة من مساحات سمحت بها الدولة ذاتها في لحظات معينة، قبل أن تتحوّل إلى بنية تعمل في الخفاء وتعيد تشكيل المجال الاجتماعي والسياسي من الداخل، غير أن الرواية لا تتوقف طويلاً عند التحليل المباشر، بقدر ما تترك هذه التحوّلات تنعكس على مصائر الشخصيات.

لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم

إحالات فنية

ومع انتقال السرد إلى غزة، يقترب النص من الجانب الأكثر قسوة في الحرب، خاصة عبر تفاصيل العمل داخل مستشفياتها، حيث يصبح الجسد الفلسطيني نفسه مساحة يومية للعنف والحصار، ليقترب السرد مع نهاية الرواية من المشهد الذي يضطر فيه «عمر» إلى إجراء عملية بتر لمصاب من دون استخدام «مُخدر»، بعدما منع الاحتلال الإسرائيلي دخول الإمدادات الطبية، هنا لا تكتفي الرواية بإدانة الحرب من بعيد، بل تقترب من أثرها المادي المباشر على الجسد الإنساني، كاشفة كيف يتحوّل الطب نفسه من فعل إنقاذ إلى مواجهة شبه مستحيلة مع الألم.

تمتلئ الرواية بإحالات فنية وأدبية بوصفها امتداداً شعورياً للشخصيات نفسها، فعندما تُزيّن «إيمان» شعر «عمر» بزهور البنفسج، يحيلنا السرد إلى صورة الإله «باخوس» في لوحة «كارافاجيو» الشهيرة، وحين تعثر البطلة لاحقاً بين أشيائها القديمة على الرواية الفرنسية «الأميرة دي كليف» تجد نفسها متقاطعة مصيرياً مع بطلتها؛ امرأة ممزقة بين حب حقيقي وحياة اختارتها تحت ضغط، قبل أن يفيض بها الذنب هي الأخرى، وتستدعي الرواية تحديداً قرار «الأميرة دي كليف» في نهايتها «باللجوء إلى الخدمة العامة للتكفير عن ذنبها»، وهو ما ينعكس بدوره على رحلة «إيمان» إلى رفح، بوصفها محاولة متأخرة للخلاص، أو لسداد دين عاطفي وأخلاقي قديم، ليصبح توظيف الفنون في الرواية أقرب إلى انعكاسات مرآوية شجية.

ولا تبدو هذه الإحالات الفنية والأدبية منفصلة عن التكوين النفسي للأبطال، بقدر ما تكشف عن الطريقة التي يرى بها «عمر» و«إيمان» العالم؛ فالحب عندهما لا يتشكل في فراغ، بل عبر الفن، والموسيقى، والكتب، والمدينة القديمة بكل طبقاتها الثقافية والرمزية لذلك تأتي استعادة اللوحات والروايات والأماكن التاريخية بوصفها محاولة لمقاومة القبح والعنف المحيطين بهما، وكأن الشخصيتين تحاولان الاحتماء بالجمال من عالم يتآكل تدريجياً تحت وطأة الحرب والهدم والخسارات المتتالية.

من ثم، في موازاة رثاء الحب، تبدو «السماء الثامنة» في أحد مستوياتها رثاءً لأبرياء الحرب، ومحاولة للتمسك بما تبقى من الحب والحقوق والذاكرة، في عالم يتآكل فيه البشر والمدن معاً.


اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد
TT

اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

واجهت الأقليات في المجتمع المصري متغيرات وتحولات سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية حادة في حقبة الخمسينيات من القرن الماضي في أعقاب عملية «التمصير» وما تلاه من هيمنة مفهوم «العروبة»، وهو ما أثار أسئلة تتعلق بمن يكون عربياً ومن لا يكون كذلك، على نحو دفع «الآخرين» إلى هوامش محصورة.

هذا ما تذهب إليه الباحثة الفلسطينية نجاة عبد الحق، الحاصلة على الدكتوراه من قسم «التاريخ الحديث للشرق الأوسط» بمعهد العلوم السياسية بجامعة فريدريش ألكسندر إيرلانجن نورنبرغ الألمانية، في كتابها «اليهود واليونانيون في مصر - ودورهم الاقتصادي حتى 1960»، الصادر عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة عبد الرحيم يوسف.

تشير المؤلفة إلى أن المسار الاقتصادي لمصر منذ 1857 والذي وصل إلى ذروته مع تأميم الشركات والمصانع والمؤسسات في عامي 1960-1961 لم يستهدف القطاع الخاص وإنما قلل من شأنه، إضافة إلى النقد اللاذع الموجه إلى «البرجوازية الزراعية» من أجل الترويج لفكر الاشتراكية.

واعتبر صناع هذا المسار أن وكلاء هذه البرجوازية لم يكونوا أكثر من رأسماليين جشعين قاموا باستغلال الشعب أبشع استغلال في الوقت الذي كانت فيه الأقليات سواء محلية أو أجنبية، أرمنية أو يونانية أو إيطالية أو يهودية أو سورية منخرطة بشدة في القطاع الخاص وهيمنت بالفعل على نسبة منه، وهو ما أثر على الصورة النهائية لتك الأقليات.

تبرز هنا الأقليتان اليهودية واليونانية باعتبارهما الأقليتين الأكبر من ناحية العدد والتأثر الاقتصادي، فبرغم الجدل المثار حول كلتا الجماعتين، يبين تحليل بيانات 759 شركة مساهمة جرى توثيقها في الفترة من 1885إلى 1960، فإنَّ مشاركة اليهود واليونانيين المصريين في تأسيس هذه الشركات قد تجاوز النصف وكان العنصر المركزي في ريادة الأعمال وهو الابتكار حاضراً بوضوح بينهم، حيث بلغ عدد الشركات الابتكارية المصرية نحو الثلث من إجمالي عدد الشركات في السوق مع هيمنة واضحة لليهود واليونانيين على هذا الثلث.

تراوح عدد اليونانيين المصريين ما بين عامي 1937و1947 من 8 آلاف إلى 57 ألف فرد، فيما تراوح عدد اليهود المصريين في الفترة نفسها بين 63 ألف إلى 100 ألف فرد من إجمالي عدد السكان الذي بلغ نحو إلى 19 مليون نسمة في عام 1947، بحسب الإحصاءات والبيانات التي تستند إليها المؤلفة، وهى معلومات مهمة على صعيد تحليل الدور الاقتصادي لكل جالية مقارنة بالعدد التقريبي لأفرادها.

في الفترة بين 1929 و1948 لم يتغير قانون الجنسية المصرية لكن السياق الداخلي والخارجي كان هو ما تغير ومعه تغير الموقف تجاه الأقليات، حيث يكشف تعداد عام 1947 أن نحو 75 في المائة من يهود مصر كانت لديهم جنسية مصرية، لكن مع تطبيق السياسات المتعلقة بقانون الشركات رقم 138 وما يرتبط به من حقوق منح الجنسية، أدى إلى أن تصبح نسبة كبيرة للغاية من هؤلاء بلا جنسية وبالتبعية إلى الخروج من مصر.

كان قانون الشركات رقم 138 لسنة 1947 السبب الرئيسي وراء احتياج اليهود المصريين إلى دليل توثيقي لوضعهم بوصفهم مواطنين مصريين بصرف النظر عما إذا كانت جذورهم ممتدة في هذا البلد لأجيال، وقد توجه ذلك القانون في الأساس نحو مراجعة حالة الحرية واسعة النطاق التي كان يتمتع بها القطاع الخاص في الثلاثينيات والأربعينيات، وفي الوقت نفسه نحو محاولة توفير وظائف للشباب المصريين عن طريق تحديد عدد الموظفين والعمال غير المصريين.

مثَّل عام 1956 وما شهده من عدوان ثلاثي ضد مصر قادته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل نقطة تحول جوهرية بالنسبة إلى وضع الأقليات في مصر وتزايدت معدلات هجرتها العكسية، وهو ما تزامن مع القانون رقم 315 لسنة 1955 والقرار الوزاري رقم 10 لسنة 1956 الخاص بتحويل كل الشركات الأجنبية والممتلكات الأجنبية إلى أيدي المصريين.

ومع تراجع دور القطاع الخاص، تأثَّرت الروح الريادية في الأعمال وهي التي كانت قاطرة الاقتصاد منذ أواخر القرن التاسع عشر، فالأفراد الذين كانوا هم العقول المدبرة للنمو الاقتصادي سواء كانوا يهوداً أو يونانيين أو حتى مسلمين وأقباطاً غادروا مواقعهم، حيث ظلت مباني الشركات وماكيناتها وعمالها قائمين، ولكن من دون عناصر الإلهام والبراعة التي كانت تتمثل في القيادات المغادرة.

ورغم تلك التطورات، تؤكد الباحثة أن جميع أفراد الطائفتين اليونانية واليهودية التي التقتهم عبر المقابلات الشخصية والحوارات العامة والاستبيانات يؤكدون على عنصر واحد يشتركون فيه جميعاً، وهو انتماؤهم القوي إلى مصر كبلد عظيم بطعامه وثقافته وأهله، فضلاً عما يشعرون به من حنين لا شفاء منه.


كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية

كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية
TT

كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية

كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية

في كتابه «رواد الواقعية في السينما المصرية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة ضمن سلسلة «آفاق السينما»، يتوقف الناقد والمؤرخ الفني دكتور وليد سيف طويلاً أمام تجربة المخرج كمال سليم باعتباره أول من أخذ على عاتقه تقديم دراما مستلهمة من الحارة الشعبية والشارع عبر الشاشة الفضية، على نحو يعكس الصورة الحقيقية للمجتمع، لتصبح أعماله بمثابة نقطة تحول غير مسبوقة في تاريخ الفن، ويطلق عليه البعض لقب «أبو السينما المصرية».

ويشير المؤلف إلى أن كمال سليم وُلد في حي «القلعة» العريق بالقاهرة عام 1913، لينشأ في بيئة شعبية خصبة كانت بمثابة المنبع الأول لوعيه السينمائي الذي تشكَّل مبكراً في فترة تميزت بحراك وطني وثقافي، حيث كانت البلاد تسعى لترسيخ هويتها في مواجهة الاستعمار، وكانت الفنون، والسينما تحديداً، تبحث عن لغة تعبر عن «المصري الأفندي» و«المصري الكادح» بعيداً عن القصص المقتبسة حرفياً من الروايات الفرنسية أو الأفلام الهوليودية التي كانت سائدة آنذاك.

بدأ شغف كمال سليم بالسينما يتجاوز مجرد المشاهدة، فسافر إلى فرنسا لدراسة السينما بجهد ذاتي، وهناك احتك بالتيارات الواقعية الأوروبية الناشئة التي كانت تنادي بالنزول بالكاميرا إلى الشارع والاهتمام بقضايا الإنسان البسيط، وهو ما جعله يعود إلى مصر محملاً برؤية مغايرة تماماً لما كان يقدمه رواد السينما الأوائل مثل يوسف وهبي أو عزيزة أمير الذين غلب على أعمالهم الطابع الميلودرامي المسرحي.

عند عودته، واجه سليم تحديات عديدة في إقناع المنتجين بجدوى تقديم أفلام تخلو من القصور والباشوات، لكن محطته الأبرز والأهم في تاريخ السينما العربية جاءت عام 1939 حين أخرج فيلمه الخالد «العزيمة»، الذي لم يكن عملاً سينمائياً عابراً، بل جاء بمثابة «بيان الواقعية الأول».

تدور أحداث الفيلم في حارة شعبية حقيقية، متناولاً قصة (محمد) الشاب المتعلم الذي يكافح من أجل الحصول على وظيفة ويرغب في الزواج من ابنة جاره، ليصطدم بآلام البطالة والفساد والمحسوبية، عبر شريط سينمائي أتاح للجمهور المصري لأول مرة أن يرى نفسه على الشاشة ويشاهد الحارة بتفاصيلها اليومية، ويسمع لغة الشارع الصادقة، فضلاً عن الصراع الطبقي والاجتماعي الذي طُرح بجرأة فنية لم يسبق لها مثيل.

نجح كمال سليم في «العزيمة» في توظيف الإضاءة والزوايا ليجعل من «المكان» بطلاً موازياً للشخصيات، مما جعل الفيلم يتصدر قائمة أفضل مائة فيلم في تاريخ السينما المصرية حتى يومنا هذا.

امتدت مسيرة كمال سليم لتشمل مجموعة من الأعمال التي حاولت تكريس هذا المنهج رغم الضغوط الإنتاجية، منها فيلم «إلى الأبد» عام 1941، و«شهداء الغرام» عام 1944 الذي قدم فيه رؤية سينمائية لقصة روميو وجولييت بروح مصرية، كما تميز أسلوبه بقدرة فائقة على إدارة الممثلين، حيث استطاع استخراج أداء طبيعي وتلقائي من نجوم مثل فاطمة رشدي وحسين صدقي، بعيداً عن المبالغات المسرحية التي كانت شائعة في ذلك التوقيت.

كما اهتم سليم بالبناء الدرامي المتماسك، فكان يكتب السيناريو والحوار لأغلب أفلامه، ليمنح أعماله وحدة فنية ورؤية إخراجية متكاملة، من خلال رؤية فكرية ترى في السينما رسالة اجتماعية قبل أن تكون وسيلة ترفيه، ولذلك كانت أفلامه دائماً ما تنتهي ببارقة أمل أو دعوة للعمل والكفاح، وهو ما يفسر تسمية فيلمه الأهم باسم «العزيمة».

غيَّب الموت كمال سليم في ريعان شبابه عام 1945 عن عمر ناهز 32 عاماً فقط، غير أن الأثر الذي تركه كان عميقاً ومستداماً بعد أن مهَّد الطريق لظهور جيل كامل من مخرجي الواقعية الذين جاءوا من بعده، أمثال صلاح أبو سيف وصلاح التهامي، الذين استلهموا من مدرسته ضرورة الالتصاق بقضايا المجتمع.

وتكشف شهادات من ممثلين ومخرجين ونقاد عن عمق تجربة كمال سليم وخصوصيتها البارزة، باعتباره أحد الرواد الأوائل الذين لم يحظوا بما يستحقون من تقدير، ومنهم المخرج صلاح أبو سيف الذي كان يعتبره أستاذه الأول، وأكد مراراً بأنه هو من أخرجه من جدران الاستوديوهات الضيقة إلى الحارة المصرية الحقيقية، لافتاً إلى أنه لولا «العزيمة» لما وجدت المدرسة الواقعية التي اشتهر بها أبو سيف لاحقاً.

أما يوسف شاهين فوصفه بأنه المخرج الذي «كسر القالب التقليدي» للسينما الغنائية والكوميدية التي كانت سائدة، ونجح في جعل «الحارة» بطلاً درامياً يضاهي الشخصيات البشرية، بينما يشير الناقد سمير فريد في دراساته التاريخية إلى أن سليم كان يمتلك رؤية سوسيولوجية سابقة لعصره، حيث لم يكتفِ بنقل الواقع، بل حلل الصراع الطبقي بذكاء سينمائي، معتبراً رحيله خسارة فادحة.

وذكر الفنان أنور وجدي في مذكراته أن العمل مع كمال سليم كان بمثابة درس في «الأداء الطبيعي»، حيث كان سليم يرفض المبالغة المسرحية ويصر على أن يتحدث الممثلون كما يتحدث الناس في الشارع.