التداعيات الاقتصادية لانفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي

الامتحان الصعب مع الشريك التجاري الأهم

رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون أثناء وصوله إلى مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل أمس (رويترز)
رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون أثناء وصوله إلى مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل أمس (رويترز)
TT

التداعيات الاقتصادية لانفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي

رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون أثناء وصوله إلى مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل أمس (رويترز)
رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون أثناء وصوله إلى مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل أمس (رويترز)

تقف بريطانيا عند مفترق طُرق خلال العامين القادمين، مع إقبال البريطانيين على إعطاء كلمتهم حول ما إذا كان على بلادهم أن تكون داخل أم خارج عضوية الاتحاد الأوروبي. فبعد 42 عامًا من اندماج بريطانيا داخل كيان الاتحاد، عاد الحديث عن إجراء استفتاء بشأن الانفصال، وهو الأمر الذي لم يكن وليد اللحظة بل كان نتاجًا لسنوات طويلة من الجدل والخلافات المستمرة والآثار الناتجة عن تحمل المملكة المتحدة أعباء ومشكلات الاتحاد.
وصدق البرلمان البريطاني في التاسع من يونيو (حزيران) الحالي، على مشروع قانون بشأن إجراء استفتاء يتعلق بالخروج من عضوية الاتحاد الأوروبي، لتصبح أول دولة على الإطلاق تشرع في ذلك الإجراء. وقد لاقى القانون دعمًا كبيرًا بأغلبية 544 صوتًا مقابل معارضة 53.
وأثيرت قضية الاستفتاء، الذي من المفترض تنظيمه بحلول نهاية عام 2017، بعد فوز حزب المحافظين بقيادة ديفيد كاميرون بأغلبية غير متوقعة في الانتخابات العامة مايو (أيار) الماضي.
ولم تكن المملكة المتحدة مُرحبة منذ البداية بالانضمام لكيان واحد تحكمه معاهدات واتفاقات محددة، لكن بعد مداولات انضمت بريطانيا للمجموعة الأوروبية في عام 1973، وبعد عامين فقط من الانضمام دعت لاستفتاء في عام 1975 لإعادة طرح فكرة الانضمام على الشعب البريطاني، والذي جاءت نتيجته تأييد ثُلثي الناخبين للبقاء في المجموعة الاقتصادية الأوروبية.
ويسعى كاميرون، المؤيد لبقاء بلاده عضوًا بالاتحاد، إلى إعادة التفاوض على علاقة بريطانيا بالاتحاد قبل إجراء الاستفتاء، وذلك من أجل استعادة بعض السلطات التي تنازلت عنها بريطانيا للاتحاد فضلاً عن التخوف البريطاني من سيطرة دول منطقة اليورو الـ17 على عملية اتخاذ القرار في القارة الأوروبية.
ويُعد الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأهم للمملكة المتحدة، بما يمثله من 45 في المائة من الصادرات و53 في المائة من واردات السلع والخدمات في عام 2014، رغم أن البعض يشكك في أن حصة تجارة المملكة المتحدة مع الاتحاد الأوروبي مبالغ فيها باعتبار أن جزءا من التجارة سُجل على أنه مع هولندا، وهو في الواقع كان مع دول من خارج الاتحاد، لكن ذلك لن يغير حقيقة أن الاتحاد الأوروبي هو الشريك التجاري الرئيسي للمملكة المتحدة.
ووفقًا لبيانات مكتب المملكة المتحدة للإحصاءات الوطنية، بلغ حجم واردات الاتحاد الأوروبي من السلع والخدمات البريطانية في أبريل (نيسان) 2015 نحو 11 مليار جنيه إسترليني، فيما بلغت صادرات الاتحاد للمملكة نحو 17.6 مليار جنيه إسترليني.
وتُطالب المملكة المتحدة، بإبعادها عن أي اتحاد أو اندماج سياسي للاتحاد الأوروبي مستقبلاً، ومنع مواطني الاتحاد من الاستفادة من أي إعانات اجتماعية في بريطانيا لمدة 4 سنوات متتالية، بالإضافة إلى حماية المركز المالي لبريطانيا في وقت يتوجه فيه الاتحاد الأوروبي نحو اندماج نقدي ومالي وثيق.
في الوقت نفسه يعارض البريطانيون الخروج من الاتحاد، حيث أظهر استطلاع أجرته مؤسسة «Ipsos MORI» لصالح صحيفة «Evening Standard» في التاسع عشر من يونيو الحالي، أن 66 في المائة من المستطلعين (1005)، يرغبون في البقاء عضوًا بالاتحاد، مقابل 22 في المائة يرغبون في الرحيل و12 في المائة لا يعرفون.
فالبريطانيون أمام معضلة كبيرة ما بين الالتزام بقوانين الاتحاد والمغادرة وتحمل الثمن، فالاتحاد الأوروبى بدوله الـ28 مجتمعة يعتبر الشريك التجاري الأهم لأميركا وغيرها من دول العالم وليست بريطانيا منفصلة، وهنا ستحرص دول العالم على استمرار شراكاتها مع الدول الـ27 في الاتحاد وتهميش التعاون مع بريطانيا.
وقالت Ipsos إن التأييد الشعبي للبقاء في الاتحاد يأتي في أعلى مستوياته في 24 عامًا، بعدما قامت معاهدة «ماستريخت» في عام 1991، بتعديل مسمى الجماعة الأوروبية إلى «الاتحاد». ولخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي الكثير من العواقب، أهمها فقدان تصنيفها الائتماني الممتاز، وتزايد احتمالات انسحاب عدد كبير من الشركات العالمية التي قد تجد نفسها في مفاضلة ما بين الاستثمار في دولة واحدة أو تعزيز العلاقات مع 27 دولة أخرى داخل الاتحاد، فضلاً عن مخاطر تهديدات انفصال اسكوتلندا عن المملكة المتحدة في حال خرجت الأخيرة من الاتحاد.
وذكرت مؤسسة «ستاندارد آند بورز» للتصنيفات الائتمانية، بداية الأسبوع الثالث من يونيو الحالي، أن «بريطانيا تواجه احتمالاً متزايدًا بفقدان التصنيف الممتاز ‭AAA‬بسبب قرار كاميرون إجراء استفتاء على عضويتها في الاتحاد الأوروبي».
وأضافت المؤسسة الوحيدة التي لا تزال تمنح بريطانيا التصنيف الممتاز، أنها خفضت توقعاتها لتصنيف ديون الحكومة البريطانية إلى «سلبية» من «مستقرة».
وقالت صحيفة «صنداي تايمز»، في 14 يونيو الحالي، إن كثيرين من مديري أكبر صناديق الاستثمار التي تتّخذ من لندن مقرًّا لها، يُعدون خططًا لنقل أرصدة يبلغ حجمها تريليوني جنيه وآلاف الوظائف إلى خارج بريطانيا، إذا صوتت لصالح الانسحاب من الاتحاد الأوروبي.
ويُفترض أن يجري الاستفتاء أواخر عام 2017 على أقصى تقدير، لكن يمكن أن يتم خلال أكتوبر (تشرين الأول) عام 2016، ويتوقف تحديد الموعد على مدى تقدم المفاوضات التي يعتزم ديفيد كاميرون إجراءها مع قادة الدول الأوروبية لتهيئة الظروف المواتية لانتماء بلاده إلى الاتحاد الأوروبي.
ويرى مديرو صناديق الاستثمار أنهم قد يضطرون للرحيل بسبب قوانين الاتحاد الأوروبي التي تسمح فقط ببيع منتجات الاستثمار في الاتحاد، عندما يكون المقر الأوروبي الرئيسي للصندوق موجودًا في دولة عضو. وشهدت المملكة المتحدة أداء جيدًا في جذب الاستثمار الأجنبي، الذي ارتفع إلى أكثر من تريليون جنيه إسترليني (1.58 تريليون دولار) خلال عام 2014، بحسب هيئة التجارة والاستثمار البريطانية.
وتُحذر «ستاندارد آند بورز» من تراجع حجم الاستثمارات طويلة الأجل بالمملكة، في حال خرجت من الاتحاد، مع تآكل مكانة لندن كمركز مصرفي عالمي بل وقد يفقد الإسترليني مكانته كعملة احتياط عالمية.
وقد تجد بريطانيا حال خروجها من الاتحاد صعوبة في النفاذ إلى أسواق 27 دولة أوروبية تحكمها معاهدات واتفاقيات معينة، بل قد يضطر عدد كبير من الدول خارج الاتحاد إعادة تقييم علاقاتها الثنائية مع بريطانيا. وسبق أن حذر اتحاد غرف التجارة والصناعة في ألمانيا، في مايو الماضي، من أن عددًا كبيرًا من الشركات الألمانية قد تفكر في خفض استثماراتها في بريطانيا، في حال قررت الأخيرة الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، علما بأن الشركات الألمانية توظف 400 ألف شخص تقريبًا في المملكة المتحدة.
وقال دانيال بوسيه، الذي يدير وحدة التدريب والتعليم بمصانع شركة «فيستو» الألمانية، في حوار لمجلة «Wired» البريطانية، إن عدم اليقين بشأن عضوية المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي في المستقبل يعني أنها «ليست فكرة جيدة» للشركات لاتخاذ المخاطر بالاستثمار في بريطانيا.
ويقول «دويتشه بنك»، إنه قد يفكر في الانتقال من بريطانيا لألمانيا إذا انفصلت المملكة المتحدة، في حين قالت عملاق الطيران «إيرباص» إنها ستعيد النظر في الاستثمار في المملكة المتحدة. ولن تخسر بريطانيا، جراء الخروج من الاتحاد، على المستوى الاقتصادي فحسب، بل قد تفقد جزءا مهما من مساحتها الجغرافية والسياسية.
فمن بين المعارضين للاستفتاء على الخروج، الحزب الوطني الاسكوتلندي، فقد هددت زعيمة الحزب «نيكولا ستورجيون»، بإقامة استفتاء آخر على استقلال اسكوتلندا عن المملكة ‏المتحدة، إذا خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وهناك الكثير من المخاطر التي تحيط ببريطانيا في حال استقل عنها إقليم اسكوتلندا، الذي سيفقدها نحو 8 في المائة من مساحتها، وخصوصا في المجال الاقتصادي، حيث تمثل اسكوتلندا مركز ثقل استثماري واقتصادي مهمًا للبلاد.
وسيواجه «رويال بنك أوف سكوتلاند»، وهو الأكبر في اسكوتلندا، وأحد أكبر المصارف في بريطانيا والقارة الأوروبية أزمة محتملة في حال الانفصال، فضلاً عن خسائر بعشرات المليارات قد تتكبدها الشركات البريطانية الكبرى مثل «بريتيش بتروليوم» وغيرها.
وكذلك فمغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي يشكل تهديدًا خطيرًا للصناعات والعلوم والتكنولوجيا في المملكة المتحدة، حيث حذر الأكاديميون وخبراء المال ورجال الأعمال على حد سواء من أن رغبة المملكة الحالية من الانفصال تضر سمعتها.
ففي مايو الماضي نُشر خطاب مفتوح في صحيفة «التايمز»، حذر المملكة المتحدة من أن ترك الاتحاد الأوروبي يهدد تمويل البحوث العلمية. ويقول مضمون الخطاب: «نتمنى أن نكشف عن دعمنا للاتحاد الأوروبي وتوجيهه العلمي لنا ورغبتنا في استمرار عضويتنا». وشارك في توقيع الخطاب، الفلكي الملكي «مارتن ريس»، عالم بريطاني في الكونيات والفيزياء الفلكية.
* الوحدة الاقتصادية
بـ«الشرق الأوسط»



صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.


بين وعود ترمب وهواجس «هرمز»... الأسواق العالمية تعبر «مارس الأسود» بـ«انتعاش واسع»

متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
TT

بين وعود ترمب وهواجس «هرمز»... الأسواق العالمية تعبر «مارس الأسود» بـ«انتعاش واسع»

متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)

شهدت الأوساط المالية العالمية، يوم الأربعاء، تحولاً دراماتيكياً في المعنويات، حيث تحولت حمى البيع التي سيطرت على شهر مارس (آذار) إلى «طوفان من الشراء».

وجاء هذا التحول مدفوعاً بتصريحات متفائلة من البيت الأبيض تشير إلى قرب نهاية الصراع في إيران، مما أدى إلى موجة صعود جماعي في بورصات آسيا وأوروبا و«وول ستريت»، فيما سجلت أسعار الطاقة تراجعاً ملحوظاً، رغم بقاء حالة الحذر من تعقيدات «ما بعد الحرب».

فقد أشعل الرئيس الأميركي دونالد ترمب شرارة التفاؤل بتصريحاته من المكتب البيضاوي، مؤكداً أن العمليات العسكرية في إيران قد تنتهي «قريباً جداً»، ربما في غضون أسبوعين أو ثلاثة. ومع إعلان البيت الأبيض عن خطاب مرتقب لترمب للأمة فجر الخميس (01:00 بتوقيت غرينتش)، سارعت الأسواق إلى تسعير نهاية قريبة للأزمة.

ورغم أن الأسواق تفاعلت إيجاباً، فإن تصريح ترمب بأن القوات الأميركية لن تعمل على «فتح مضيق هرمز» وترك المهمة لدول أخرى، أثار تساؤلات حول أمن الملاحة المستقبلي، خاصة أن خُمس تجارة النفط العالمية يمر عبر هذا الشريان الحيوي.

متداول يقدم عرضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)

آسيا وأوروبا... انتفاضة خضراء

في آسيا، كان المشهد احتفالياً بامتياز؛ حيث قاد مؤشر «كوسبي» في سيول الارتفاعات بقفزة تجاوزت 8 في المائة، مدعوماً بصعود صاروخي لأسهم «سامسونغ» (13 في المائة) و«إس كيه هاينكس» (11 في المائة)، فيما أغلق مؤشر «نيكي» الياباني مرتفعاً بنسبة 5.2 في المائة.

وانتقلت العدوى الإيجابية إلى أوروبا، حيث ارتفع مؤشر «ستوكس 600» بنحو 2.1 في المائة. وكان قطاع الطيران والمصارف الرابح الأكبر؛ فقفزت أسهم «إير فرانس» بنسبة 7.9 في المائة و«لوفتهانزا» بنسبة 6.7 في المائة، مستفيدة من هبوط أسعار الوقود. كما شهدت الأسواق اليونانية خبراً إيجابياً بعودتها إلى مؤشر «إم إس سي آي» للأسواق المتقدمة بحلول مايو (أيار) 2027، مما دفع بورصة أثينا للصعود بنسبة 3.4 في المائة.

مؤشر «داكس» الألماني في بورصة فرانكفورت (رويترز)

كما ارتفعت السندات الحكومية في بريطانيا وأوروبا على نحو متسارع، ما دفع العوائد إلى التراجع. وانخفضت عوائد السندات البريطانية والألمانية لأجل 10 سنوات لليوم الثالث على التوالي، لتصل إلى أدنى مستوياتها في أسبوعين قبل أن تقلص بعض خسائرها، فيما تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار أربع نقاط أساس إلى 4.27 في المائة.

تذبذب «برميل الحرب»

لم تكن أسعار النفط العالمية بمعزل عن ضجيج الطائرات وصداها في أروقة السياسة؛ فقد عاش الذهب الأسود يوماً عاصفاً من التداولات المتذبذبة، ليهبط خام برنت دون حاجز الـ100 دولار للبرميل متراجعاً بنسبة 5 في المائة للمرة الأولى منذ أكثر من أسبوع قبل أن يقلص خسائره ويسجل 102.88 دولار للبرميل، بانخفاض قدره 1.05 في المائة.

لكن رغم انخفاض عقود نفط برنت قرب 100 دولار للبرميل، فإن هذا التراجع لا يعكس نظرة مؤسسات مالية كبرى ومسؤولين إقليميين وعالميين لمسار أسعار النفط في 2026.

فالتقديرات الصادرة من عدة جهات ترجح سيناريوهات صعود حاد، قد تدفع الخام إلى مستويات غير مسبوقة تصل إلى 200 دولار للبرميل، في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز لبضعة أسابيع أخرى وغياب حل فوري للأزمة. فيما تتمسك إدارة ترمب وحدها بالتوقعات الهبوطية للخام هذا العام.

وكالة الطاقة تحذر

وحذرت وكالة الطاقة الدولية من أن اضطرابات إمدادات النفط من الشرق الأوسط تتصاعد وتطول أوروبا. وقال رئيس الوكالة فاتح بيرول إن اضطرابات إمدادات النفط من الشرق الأوسط سترتفع خلال أبريل (نيسان)، وستطول أوروبا مع تراجع الإمدادات نتيجة إغلاق مضيق هرمز.

وأضاف بيرول: «فاقد النفط في أبريل سيكون ضعف الخسارة في مارس، إلى جانب فقدان إمدادات الغاز الطبيعي المسال... المشكلة الأكبر حالياً هي نقص وقود الطائرات والديزل. نرى ذلك في آسيا، لكن قريباً، أعتقد في أبريل أو مايو، سيصل التأثير إلى أوروبا»، وفق «رويترز».

متداول عملات يتفاعل بالقرب من شاشة تعرض مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب (كوسبي) (أ.ب)

الذهب يتنفس الصعداء

لم تكن سوق المعادن النفيسة بعيدة عن موجة التفاؤل التي اجتاحت الأسواق؛ فقد قفزت أسعار الذهب بنسبة 2 في المائة لتلامس أعلى مستوياتها في أسبوعين عند 4755.50 دولار للأوقية، مستفيدة من تراجع مؤشر الدولار وهبوط عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات. يأتي هذا الارتفاع بمثابة رحلة استشفاء للمعدن الأصفر بعد أن سجل في مارس الماضي أسوأ أداء شهري له منذ نحو 17 عاماً، بفعل الضغوط التضخمية الهائلة والرهانات على سياسات نقدية متشددة.

ويرى المحللون أن تحول السردية في السوق من الذهب كتحوط ضد التضخم إلى الذهب كملاذ آمن تأثر مباشرة بتلميحات الرئيس ترمب حول قرب نهاية الحرب؛ حيث أدى احتمال خفض التصعيد إلى تقليل تكلفة الفرصة البديلة لحيازة السبائك التي لا تدر عائداً.

ورغم القفزة الحالية، ظل المستثمرون في حالة ترقب لخطاب البيت الأبيض المرتقب.

شاشة تعرض معلومات مالية في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

تأثير الحرب على «الفيدرالي» وقرارات الفائدة

أعادت هذه التطورات ترتيب أوراق السياسة النقدية الأميركية؛ فبعد أن كان المستثمرون قد استبعدوا تماماً أي خفض للفائدة هذا العام بسبب التضخم الناتج عن الحرب، عادت الآمال مجدداً لإمكانية التيسير النقدي إذا ما انتهى الصراع بسرعة. وتترقب الأسواق الآن بيانات الوظائف غير الزراعية ومبيعات التجزئة للحصول على قراءة أدق لمدى صمود الاقتصاد الأميركي في وجه صدمة الطاقة الإيرانية.