الصراعات الملتهبة... تحاصر خريطة العرب

6 من أبرز 10 صراعات بالعالم تقع في منطقة الشرق الأوسط وحولها

الصراعات الملتهبة... تحاصر خريطة العرب
TT

الصراعات الملتهبة... تحاصر خريطة العرب

الصراعات الملتهبة... تحاصر خريطة العرب

لم تخلُ خريطة العالم يوماً من صراعات ملتهبة. أغلب تلك الصراعات اندلع في قلب قارات العالم القديم (آسيا، وأفريقيا، وأوروبا)، والقليل منها طال العالم الجديد. وبينما يقف العالم اليوم «خائفاً يترقب» من حرب عالمية ثالثة على وقع تصاعد القتال في أوكرانيا، واحتمالات تمدد أطراف المواجهة، فإن صراعات ملتهبة أخرى لا تقل احتداماً، وإن بدت أقل بروزاً على أجندة الاهتمامات العالمية، المتخمة بمتابعة مجريات الحرب الروسية- الأوكرانية، بينما تواصل صراعات عدة اشتعالها في جنبات الخريطة العالمية، وفي القلب منها منطقة الشرق الأوسط، صاحبة النصيب الأوفى من تلك الصراعات المحتدمة.
ويُقدِّر «مرصد الصراعات العالمية» التابع لمجلس العلاقات الخارجية بالولايات المتحدة، بؤر الصراع الساخنة التي لا تزال مضطرمة خلال العام الحالي حول العالم، بنحو 27 صراعاً. ويصنف المرصد تلك البؤر في 3 مجموعات: «متفاقمة»، و«لا تتغير»، و«تتحسن». ويخلص المرصد بعد دراسة مستفيضة لطبيعة تلك الصراعات ومآلاتها، إلى رؤية مثيرة للتشاؤم، مفادها أنه لا يوجد صراع واحد يوصف بأنه «يتحسن».
وبحسب خبراء دوليين ومحللين سياسيين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن تداعيات تلك الصراعات المحتدمة في منطقة الشرق الأوسط وحولها، تبدو أكثر تعقيداً مما يتصور كثيرون؛ لأنها تستقطب تدخلات قوى إقليمية ودولية تدير مصالحها عبر وكلاء محليين، وهو ما يمثل مؤشراً ليس فقط على إطالة أمد تلك الصراعات؛ بل التهديد الدائم بتطورها وامتدادها إلى أطراف ومناطق مجاورة، وهو ما يضاعف حدة الخطر والتهديد.
- أفريقيا... أرض الفرص والمخاطر
وبحسب تقرير أعدته مجموعة الأزمات الدولية، فإن 6 من أصل أبرز 10 صراعات في العالم خلال العام الحالي، تقع داخل منطقة الشرق الأوسط أو في تخومها، إذ أشار التقرير إلى أن الصراعات بين إسرائيل والفلسطينيين، وفي اليمن، وأفغانستان، وإثيوبيا، وإيران، وانتشار الإرهاب في دول الساحل والصحراء بأفريقيا، تحتل صدارة قائمة الصراعات الأكثر بروزاً خلال 2022، وتضاف إليها الصراعات الساخنة في أوكرانيا، وميانمار، وبين الصين وتايوان، وأخيراً الصراع في هاييتي.

د. سيد غنيم

ولا تقتصر تهديدات بؤر الصراع المحيطة بمنطقة الشرق الأوسط على الصراعات داخل المنطقة العربية؛ إذ تبدو القارة الأفريقية أرضاً للفرص وللمخاطر أيضاً، فوفقاً لتقرير صندوق السلام لعام 2021 -وهو مؤسسة فكرية أميركية- تقع 11 دولة من بين 15 دولة هي الأكثر هشاشة في العالم، في قارة أفريقيا.
كما أن الانهيار البطيء للدول في منطقة الساحل والصحراء، وتمدد الجماعات الجهادية الإرهابية من مالي إلى البلدان المجاورة، مثل النيجر وبوركينا فاسو. واضطراب الأوضاع عقب الانقلابات العسكرية التي شهدتها مالي وتشاد وغينيا، يضع تلك المنطقة في قلب عاصفة الصراعات التي لا تهدأ. وإذا أضفنا الحرب الأهلية المتواصلة إلى الآن في إثيوبيا منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، باستثناء هدنة هشة لنحو 5 أشهر فقط قبل تجدد القتال في أغسطس (آب) الماضي، فإن «قوس الصراعات» الأفريقية يتسع ليشمل شرق القارة وغربها.

ويليام ديفيسون

ويبدو الصراع الإثيوبي متجهاً نحو سيناريو حافة الهاوية، بما يعنيه من تأثيرات سلبية على وحدة الدولة وسلامة دول الإقليم، وهو ما يشرحه كبير محللي الشؤون الإثيوبية في «مجموعة الأزمات الدولية»، ويليام ديفيسون، لـ«الشرق الأوسط»، بقوله: «إن إثيوبيا دولة كبيرة ومهمة في الإقليم، ولها حدود مشتركة مع عدة دول، كما أن غياب حكومات قوية ومستقرة بالبلاد يدفع الأمور في كثير من الأحيان نحو التقلب، وهو ما ينعكس بالتبعية على علاقات أديس أبابا بدول المنطقة، ليس فقط فيما يتعلق بالنزاعات الحدودية كما حدث مع السودان في منطقة (الفشقة)؛ بل إن تلك الأزمات والصراعات الداخلية التي تشهدها إثيوبيا تلقي بظلالها على العلاقات مع دول مثل مصر والسودان فيما يتصل بأزمة (سد النهضة)».
ويضيف الخبير الدولي الذي عمل لسنوات طويلة مراقباً ومحللاً للأوضاع السياسية والميدانية بمنطقة شرق أفريقيا، أن التركيز الإثيوبي على اتخاذ خطوات دبلوماسية مهمة من أجل التوصل إلى حل للخلاف مع القاهرة والخرطوم بشأن السد «يتراجع بوضوح مع ازدياد تعقد الأزمة الداخلية»، فالقيادة الإثيوبية تبدو «مشتتة الذهن» بسبب التحديات الأمنية والانقسامات الداخلية التي تصاعدت في الفترة الأخيرة، وهو ما يدفع الحكومة إلى «التركيز أحياناً على البعد الخارجي، وإلقاء اللوم على مصر والسودان لتخفيف الضغوط المرتبطة بالأزمات الداخلية المتصاعدة، وبالتالي تتحول الأزمة الداخلية إلى واحدة من العقبات التي تحول دون التوصل إلى اتفاق بين الدول الثلاث».

د. سعيد الصديقي

ويبدي ديفيسون تخوفه بوضوح من أن «إطالة أمد الصراع وامتداده إلى دول مجاورة، وتفاقم حالة الانقسام الداخلية في إثيوبيا، قد تُنتج تداعيات خطيرة على امتداد منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وهي منطقة هشة أمنياً وسياسياً، الأمر الذي قد يؤدي إلى مزيد من التفكك، وظهور مزيد من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يفتح المجال أمام نشاط جماعات إرهابية وأطراف فاعلة غير نظامية، لتجد لها موضع قدم بالمنطقة».
- خصوصية لافتة لـ«دول المسرح»
وتكتسب الصراعات الملتهبة في المنطقة العربية وحولها خصوصية لافتة، لا تقتصر فقط على الأمد الزمني؛ بل تمتد إلى التشابك والتعقيد، بالنظر إلى تعدد القوى الفاعلة في الصراع، وتداخل المصالح، الأمر الذي يصنع خريطة ملتبسة وبالغة التعقيد من التقاطعات بين الأطراف الداخلية والخارجية، وهي في معظمها خريطة متحركة زمانياً ومكانياً. وتمثل الأزمتان السورية والليبية نموذجاً لهذه الحالة من التداخل بين ما هو داخلي وما هو خارجي، فالصراعات في المناطق الملتهبة رهينة مسارين رئيسيين -حسبما يرى زميل «أكاديمية ناصر العسكرية العليا»، والأستاذ الزائر بـ«الناتو» و«الأكاديمية العسكرية الملكية» ببروكسل، اللواء دكتور سيد غنيم- يتجسد المسار الأول في تأثير عناصر الأزمة الداخلية، وهي الأطراف المتصارعة، بينما يتجلى المسار الثاني في القوى الإقليمية أو الدولية الفاعلة، وذات المصلحة في هذا الصراع.
ويؤكد غنيم لـ«الشرق الأوسط»، أنه «من العبث تصور أن هناك مؤامرات كونية تدير الصراعات الساخنة في العالم، فهناك دائماً صراعات مصالح تحوِّل العالم إلى شقين: شق فاعل في مسار الأزمات، والآخر ما نسميه (دول المسرح)، أي الدول التي تجري على أراضيها الصراعات المسلحة أو الأزمات الملتهبة، وللأسف الشديد فقد توسع مفهوم (دول المسرح) في منطقتنا العربية ليشمل 5 دول، هي: سوريا، والعراق، واليمن، وليبيا، ولبنان الذي انضم أخيراً، بينما يمكن تلخيص الدول الفاعلة في إقليمنا الشرق أوسطي في قوى غير عربية (تركيا، وإيران، وإسرائيل)، وقوى عربية (السعودية، والإمارات، وقطر، ومصر)، وأخيراً تراجع الدور القطري لأسباب عديدة، واقتصر الدور المصري على حماية ضرورات الأمن القومي وتأمين الحدود».
ويرى غنيم أن عديداً من بؤر الصراعات الملتهبة في المنطقة العربية وحولها، تجتذب اهتمام القوى الإقليمية والدولية بشكل لافت، معتبراً أن هذا الانجذاب «أمر طبيعي» بالنظر إلى ما تتمتع به المنطقة من أهمية عالمية على مستوى أمنَي الطاقة والملاحة الدوليين، فالمنطقة تتحكم في أكبر موارد الطاقة العالمية من نفط وغاز، كما أنها تشرف على أهم المضايق والشرايين الملاحية التي تتحكم في حركة التجارة العالمية، وكذلك قناة السويس التي تعد الشريان الملاحي الأهم.
- «صراع تاريخي» في فلسطين
ولا يقف الأمر عند «جغرافية» بؤر الصراع؛ بل يمتد كذلك إلى «تاريخيتها»، فالمنطقة تحتضن واحداً من أقدم الصراعات التي لم تعرف الهدوء، ولا تزال بلا أفق لحل قريب، وهو الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني. ويقدّر الباحث الفلسطيني جهاد الحرازين، أنه «من غير المتصور حدوث استقرار في المنطقة في ظل استمرارية الاحتلال الإسرائيلي، وانتهاكاته المستمرة للقانون الدولي والمعاهدات والمواثيق الدولية». ويقول الحرازين لـ«الشرق الأوسط»، إن «استمرار الاقتحامات، وسياسات التهجير المتعمد من الأحياء العربية في الأرض المحتلة، وانتزاع المنازل المملوكة للفلسطينيين، معاناة مستمرة ومتواصلة منذ عام 1948، ما يجعل الصراع تاريخياً بحق».
وبشأن تقديره للدور الدولي في المرحلة الراهنة، يعتقد الحرازين أنه «إذا توفرت الإرادة الدولية لدى القوى الفاعلة، وخصوصاً الولايات المتحدة والدول الأوروبية، باتجاه إطلاق عملية سلام، فهي قادرة على ذلك»، مستدركاً: «لكن يبدو أن سياسة الكيل بمكيالين ما زالت المسيطرة على المواقف والأفكار؛ بل إن تلك القوى توفر غطاءً قانونياً وسياسياً للاحتلال الإسرائيلي، عبر آليات أممية، منها حق النقض (الفيتو)».
- ثمن باهظ يدفعه العالم
هذه الحقائق تطرح مزيداً من التساؤلات حول الثمن الذي يدفعه العالم جراء هذه الصراعات الملتهبة، كما تثير مزيداً من علامات الاستفهام حول نجاعة ما يُطرح من حلول. فوفقاً لأحدث تقرير من «مؤشر السلام الدولي» الذي يصدر عن «معهد الاقتصاد والسلام» بالعاصمة الأسترالية، سيدني، فإن التكلفة الاقتصادية العالمية للصراعات المسلحة وللعنف بلغت 16.5 تريليون دولار في عام 2021، بينما توقعت مجموعة «الدول الهشة» التابعة للبنك الدولي أنه بحلول عام 2030، قد يعيش ما يصل إلى ثلثي الفقراء المدقعين في العالم في بلدان ذات أوضاع هشة ومتأثرة بالصراع والعنف، وهو ما يعني أن التكلفة التي يدفعها العالم جراء تلك الصراعات لا تقتصر على البعد الاقتصادي فقط. وهو ما يؤكده أستاذ العلاقات الدولية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله، بفاس، الدكتور سعيد الصديقي لـ«الشرق الأوسط»، فيرى أن النزاعات والحروب تعطل العجلة الاقتصادية كاملة، وتصيب سلاسل الإنتاج بالشلل، لذلك فهي تعيق كل المشروعات التنموية. والدول التي تشهد نزاعات داخلية أو تدخل في حروب دولية تحتاج إلى عقود حتى تستعيد عافيتها الاقتصادية، لذلك فإن هذه النزاعات لا تستنزف القدرات الاقتصادية للدول المعنية فقط؛ بل تلقي بعبء كبير على الأجيال المقبلة، كما أن تأثيراتها قصيرة وطويلة المدى تطول أيضاً الدول المجاورة.
ويعتقد الصديقي أن المنطقة العربية محاطة بحزام من التوترات والنزاعات، لا سيما من الجهتين الجنوبية والشرقية، وهذا له تأثير مباشر على دول المنطقة؛ لا سيما ما يتعلق بالتهديدات الأمنية العابرة للحدود، وموجات الهجرة واللجوء التي تكون الدول العربية لها إما دول العبور أو دول المقصد، لذلك فإن جانباً من معيقات تقدم الدول العربية يعود إلى هذا الجوار الإقليمي غير المستقر، والمعادي أحياناً.
- تهديدات مستجدة وحلول تقليدية
ويؤكد كثير من تحليلات بؤر الصراع الملتهبة في العالم أن طبيعة النزاع والعنف تغيرت بشكل كبير، منذ تأسيس الأمم المتحدة قبل 77 عاماً، فالنزاعات باتت أقل فتكاً عن ذي قبل؛ لكنها أطول أمداً، وأكثر تعقيداً وتطوراً؛ الأمر الذي يتطلب استجابات مبتكرة، تختلف عن تلك الحلول التقليدية التي تبنتها الأمم المتحدة طيلة العقود الماضية. وهي قضية تثير تبايناً واضحاً بين المختصين، فمن جانب يعتقد الدكتور سيد غنيم -الذي عمل تحت مظلة الأمم المتحدة في عدة مهام، منها منصب رئيس أركان عملية الأمم المتحدة لدعم السلام بنيبال، كما شارك في مهام أخرى لحفظ السلام والمساعدات الإنسانية في الصحراء الغربية ورواندا- أن «التهوين من دور الأمم المتحدة في التعامل مع النزاعات الدولية المسلحة أمر يعكس عدم فهم دقيق لدور المنظمة ورسالتها».
ويشير إلى أنه لمس خلال عمله تحت المظلة الأممية، حجم الجهود التي تبذل في إحلال السلام بعديد من المناطق الملتهبة عالمياً، وقد تحقق تلك الجهود نجاحاً ملموساً، كذلك الذي حققته البعثة الأممية التي شارك فيها في نيبال، وقد لا تحقق النجاح المنشود، كما هو الحال في سوريا وليبيا.
ويرجع غنيم السبب إلى تعقد وتشابك علاقات القوى الفاعلة في الأزمات، وطبيعة دورها بوصفها جزءاً من الأزمة أو من الحل، علاوة على أن مصالح القوى الدولية الكبرى، وعقبات التمويل والتدخلات السياسية والعسكرية والقانونية أحياناً (استخدام «الفيتو» في مجلس الأمن) قد تعرقل جهود الأمم المتحدة، وتحول دون تمكنها من التوصل إلى حل؛ لا سيما أن المنظمة الدولية ملتزمة بـ«مبدأ القبول»، أي موافقة جميع الأطراف المنخرطة في الصراع على الدور الأممي، وهي مسألة جوهرية في رسالة وعمل الأمم المتحدة، إلا أن الواقع يكشف أن صراعات المصالح سواء من جانب الأطراف الداخلية أو الإقليمية والدولية، تؤدي في كثير من الأحيان إلى عرقلة جهود الأمم المتحدة، وظهورها في مظهر الضعيف غير القادر على الحل.
في المقابل، يجزم الدكتور سعيد الصديقي بأن «دور الأمم المتحدة كان دائماً ضعيفاً للغاية في حل النزاعات الدولية، وجُل نجاحاتها يأتي بعد أن تتهيأ الشروط الملائمة، وخصوصاً التوافق بين الأطراف المتنازعة على الوضع القائم، لذلك فإن الدول تعتمد على نفسها أو على تحالفاتها الدولية والإقليمية لحماية مصالحها الوطنية».
ويرى أستاذ العلاقات الدولية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله، بفاس، أن البديل المثالي هو تشكيل منظومة عربية حقيقية وفعالة، كما هو الشأن في الاتحاد الأوروبي، وأميركا اللاتينية، والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، إلا أنه يستدرك قائلاً: «لكن مع الأسف، الظروف العامة في المنطقة غير ملائمة حالياً لإنشاء آليات فعالة للعمل العربي المشترك؛ لا على مستوى المنطقة كلها، ولا في جهات فرعية، مثل المنطقة المغاربية، بسبب عدم الثقة والتوجس اللذين يطبعان علاقات الدول العربية؛ لا سيما المتجاورة».


مقالات ذات صلة

تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

العالم العربي تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

أعلن النائب التونسي ثابت العابد، اليوم (الثلاثاء) تشكيل «الكتلة الوطنية من أجل الإصلاح والبناء»، لتصبح بذلك أول كتلة تضم أكثر من 30 نائباً في البرلمان من مجموع 151 نائباً، وهو ما يمثل نحو 19.8 في المائة من النواب. ويأتي هذا الإعلان، بعد المصادقة على النظام الداخلي للبرلمان المنبثق عمن انتخابات 2022 وما رافقها من جدل وقضايا خلافية، أبرزها اتهام أعضاء البرلمان بصياغة فصول قانونية تعزز مصالحهم الشخصية، وسعي برلمانيين لامتلاك الحصانة البرلمانية، لما تؤمِّنه لهم من صلاحيات، إضافة إلى الاستحواذ على صلاحيات مجلس الجهات والأقاليم (الغرفة النيابية الثانية)، وإسقاط صلاحية مراقبة العمل الحكومي. ومن المنت

المنجي السعيداني (تونس)
العالم العربي مصر تبدأ تحريكاً «تدريجياً» لأسعار سلع تموينية

مصر تبدأ تحريكاً «تدريجياً» لأسعار سلع تموينية

بدأت مصر في مايو (أيار) الحالي، تحريكا «تدريجيا» لأسعار سلع تموينية، وهي سلع غذائية تدعمها الحكومة، وذلك بهدف توفير السلع وإتاحتها في السوق، والقضاء على الخلل السعري، في ظل ارتفاعات كبيرة في معدلات التضخم. وتُصرف هذه السلع ضمن مقررات شهرية للمستحقين من أصحاب البطاقات التموينية، بما يعادل القيمة المخصصة لهم من الدعم، وتبلغ قيمتها 50 جنيهاً شهرياً لكل فرد مقيد بالبطاقة التموينية.

محمد عجم (القاهرة)
العالم العربي «الوطنية للنفط» في ليبيا تنفي «بشكل قاطع» دعمها أطراف الحرب السودانية

«الوطنية للنفط» في ليبيا تنفي «بشكل قاطع» دعمها أطراف الحرب السودانية

نفت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا «بشكل قاطع»، دعمها أياً من طرفي الحرب الدائرة في السودان، متوعدة بتحريك دعاوى قضائية محلياً ودولياً ضد من يروجون «أخباراً كاذبة»، وذلك بهدف «صون سمعتها». وأوضحت المؤسسة في بيان اليوم (الاثنين)، أنها «اطلعت على خبر نشره أحد النشطاء مفاده أن المؤسسة قد تتعرض لعقوبات دولية بسبب دعم أحد أطراف الصراع في دولة السودان الشقيقة عن طريق مصفاة السرير»، وقالت: إن هذا الخبر «عارٍ من الصحة». ونوهت المؤسسة بأن قدرة مصفاة «السرير» التكريرية «محدودة، ولا تتجاوز 10 آلاف برميل يومياً، ولا تكفي حتى الواحات المجاورة»، مؤكدة التزامها بـ«المعايير المهنية» في أداء عملها، وأن جُل ترك

جمال جوهر (القاهرة)
العالم العربي طرفا الصراع في السودان يوافقان على تمديد الهدنة

طرفا الصراع في السودان يوافقان على تمديد الهدنة

أعلن كلّ من الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» تمديد أجل الهدنة الإنسانية في السودان لمدة 72 ساعة إضافية اعتباراً من منتصف هذه الليلة، وذلك بهدف فتح ممرات إنسانية وتسهيل حركة المواطنين والمقيمين. ولفت الجيش السوداني في بيان نشره على «فيسبوك» إلى أنه بناء على مساعي طلب الوساطة، «وافقت القوات المسلحة على تمديد الهدنة لمدة 72 ساعة، على أن تبدأ اعتباراً من انتهاء مدة الهدنة الحالية». وأضاف أن قوات الجيش «رصدت نوايا المتمردين بمحاولة الهجوم على بعض المواقع، إلا أننا نأمل أن يلتزم المتمردون بمتطلبات تنفيذ الهدنة، مع جاهزيتنا التامة للتعامل مع أي خروقات». من جهتها، أعلنت قوات «الدعم السريع» بقيادة م

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
العالم العربي «السفر عكس التيار»... سودانيون يعودون إلى الخرطوم رغم القتال

«السفر عكس التيار»... سودانيون يعودون إلى الخرطوم رغم القتال

في وقت يسارع سودانيون لمغادرة بلادهم في اتجاه مصر وغيرها من الدول، وذلك بسبب الظروف الأمنية والمعيشية المتردية بالخرطوم مع استمرار الاشتباكات بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع»، يغادر عدد من السودانيين مصر، عائدين إلى الخرطوم. ورغم تباين أسباب الرجوع بين أبناء السودان العائدين، فإنهم لم يظهروا أي قلق أو خوف من العودة في أجواء الحرب السودانية الدائرة حالياً. ومن هؤلاء أحمد التيجاني، صاحب الـ45 عاماً، والذي غادر القاهرة مساء السبت، ووصل إلى أسوان في تمام التاسعة صباحاً. جلس طويلاً على أحد المقاهي في موقف حافلات وادي كركر بأسوان (جنوب مصر)، منتظراً عودة بعض الحافلات المتوقفة إلى الخرطوم.


رئيس الصومال يزور مدينة متنازعاً عليها مع إقليم أرض الصومال الانفصالي

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود لدى وصوله إلى لاسعانود (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود لدى وصوله إلى لاسعانود (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)
TT

رئيس الصومال يزور مدينة متنازعاً عليها مع إقليم أرض الصومال الانفصالي

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود لدى وصوله إلى لاسعانود (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود لدى وصوله إلى لاسعانود (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)

زار الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، يوم الجمعة، عاصمة إقليمية متنازعاً عليها مع إقليم أرض الصومال الانفصالي، وذلك في زيارة هي الأولى التي يُجريها رئيس في المنصب للمنطقة منذ نحو 50 عاماً.

تأتي الزيارة إلى لاسعانود، العاصمة الإدارية لمحافظة صول، في خِضم توترات تشهدها منطقة القرن الأفريقي، على خلفية اعتراف إسرائيل مؤخراً باستقلال جمهورية أرض الصومال المعلَنة من جانب واحد، وهو ما أثار حفيظة مقديشو.

وحضر محمود في لاسعانود مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرقي الصومال، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

تضم ولاية شمال شرقي الصومال أجزاء من ثلاث محافظات صومالية هي صول وسناج وعين، وعاصمتها لاسعانود.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارته لاسعانود لحضور مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرقي الصومال (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)

كانت جمهورية أرض الصومال الانفصالية تسيطر على لاسعانود منذ عام 2007، لكن قواتها اضطرت للانسحاب منها بعد اشتباكات عنيفة مع القوات الصومالية وميليشيات مُوالية لمقديشو، خلّفت عشرات القتلى.

وقالت الرئاسة الصومالية إن زيارة محمود ترمز إلى تعزيز الوحدة والجهود التي تبذلها الحكومة الفيدرالية لتكريس وحدة أراضي الدولة الصومالية وشعبها.

وسارعت جمهورية أرض الصومال للرد، إذ قال وزير شؤون الرئاسة في الإقليم الانفصالي، خضر حسين عبدي، إن لاسعانود هي أرض الصومال، مشدّداً على وجود تصميم على حل الخلافات بالحوار والوسائل السلمية.

وشدّد على أن الاعتراف بأرض الصومال أصبح، الآن، «واقعاً»، وعَدَّ أن «أحداً لا يمكنه تغيير ذلك».

Your Premium trial has ended


انطلاق أول اجتماع لـ«لجنة إدارة غزة» في القاهرة وسط «تفاؤل حذر»

فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

انطلاق أول اجتماع لـ«لجنة إدارة غزة» في القاهرة وسط «تفاؤل حذر»

فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

جرت مياه جديدة في مسار اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بأول اجتماع في القاهرة لـ«لجنة التكنوقراط» المعنية بإدارة القطاع، بعد تشكيلها بتوافق فلسطيني، وترحيب واشنطن، وعدم ممانعة رسمية إسرائيلية بعد تحفظات سابقة.

وجاء الاجتماع الأول بعد ساعات من قتل إسرائيل 8 فلسطينيين، واتهام «حماس» لها بـ«تخريب الاتفاق»، وهو ما يجعل خبراء «إزاء تفاؤل حذر بمسار الاتفاق، في ضوء تلك المتغيرات واستمرار الاستهدافات الإسرائيلية». وشددوا على «أهمية موقف أميركي حاسم لاستكمال استحقاقات المرحلة الثانية التي بدأت بتشكيل لجنة إدارة القطاع، وتشهد عقبات رئيسية منها إدخال المساعدات، وانسحاب إسرائيلي، ونزع سلاح (حماس)».

وتحدثت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية، الجمعة، عن بدء أول اجتماع تعقده اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، في العاصمة المصرية، برئاسة الفلسطيني علي شعث.

وفي أول ظهور إعلامي له، قال رئيس اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، علي شعث، إن اللجنة بدأت رسمياً أعمالها من العاصمة المصرية، وهي مكونة من 15 شخصية فلسطينية مهنية وطنية. ولفت إلى أن اللجنة تلقت دعماً مالياً، ووُضعت لها موازنة لمدة عامين هي عمر عمل اللجنة، وطالب بإنشاء صندوق في البنك الدولي لإعمار وإغاثة غزة، مشيراً إلى أن «هناك وعوداً من الدول الوازنة في المنطقة، لتقديم دعم مالي كبير وملموس».

وأوضح شعث أن خطة الإغاثة تستند إلى الخطة المصرية التي أقرّتها جامعة الدول العربية في مارس (آذار) 2025، (وتستغرق 5 سنوات بتكلفة نحو 53 مليار دولار)، ولقيت ترحيباً من الاتحاد الأوروبي، مؤكداً أن «أول خطوة تبنتها لجنة إدارة قطاع غزة هي توريد 200 ألف وحدة إيواء مسبقة الصنع للقطاع».

وفي حين قالت حركة «حماس»، الجمعة، إنها جاهزة لتسليم القطاع لإدارة التكنوقراط، ونبهت، في بيان، إلى أن «المجازر» التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي بغزة باستهداف 9 فلسطينيين بينهم سيدة وطفلة جراء غارات وإطلاق نيران صوب خيام النازحين، تؤكد استمرار تل أبيب في «سياسة تخريب اتفاق وقف الحرب، وتعطيل الجهود المعلنة لتثبيت الهدوء في القطاع».

ولفتت إلى أن تلك المجازر «تصعيد خطير» يأتي مع «إعلان الوسطاء تشكيل حكومة تكنوقراط، والدخول في المرحلة الثانية من الاتفاق (في بيان الأربعاء)، وكذلك مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، تشكيل مجلس السلام»، مطالبة الوسطاء والدول الضامنة للاتفاق بالوقوف أمام مسؤولياتها في ممارسة الضغط على إسرائيل لوقف انتهاكاتها، وإلزامها بما جرى الاتفاق عليه.

خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة بينما تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)

والخميس، أعلن ترمب، تأسيس «مجلس السلام» المعني بغزة، مشيراً إلى أنه تم الدخول رسمياً إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة. بينما قال المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، في بيان الخميس، إن إسرائيل ارتكبت 1244 خرقاً لوقف إطلاق النار في مرحلته الأولى؛ ما أسفر عن مقتل وإصابة واعتقال 1760 فلسطينياً، منذ سريان الاتفاق.

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، يرى أن انطلاق عمل اللجنة مهم للغاية، ويعدّ إنهاءً لإحدى ذرائع إسرائيل بشأن وجود «حماس»، خصوصاً أن اللجنة تكنوقراط ومحل توافق، لافتاً إلى أنه رغم إبطال إنهاء تلك الذرائع وإنهاء «حماس» لسلطتها السياسية، فإنه يجب التعامل بحذر مع تطورات المشهد الذي يجب أن يُستكمَل بقوات الاستقرار وشرطة فلسطينية حال لم توجد عراقيل إسرائيلية جديدة.

وفي ضوء ذلك، يبدي المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، تفاؤلاً حذراً أيضاً، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن هناك تحديات كبيرة تواجهها اللجنة، خصوصاً أنها تدير منطقة مدمرة كلياً، وأمامها تعقيدات إسرائيلية مرتبطة بسلاح المقاومة، ورفض الإعمار الكامل والانسحاب.

أطفال فلسطينيون يقفون بالقرب من حفرة في مخيم البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

في المقابل، هناك جهود لا تزال مستمرة من الوسطاء، وتلقّى وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، اتصالاً هاتفياً من المبعوث الأميركي للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، بشأن الخطوات والإجراءات المقبلة بعد الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترمب.

وشهد الاتصال الهاتفي بحسب بيان لـ«الخارجية المصرية» الجمعة، «التأكيد على ضرورة المضي قدماً في تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية، بما في ذلك بدء عمل لجنة التكنوقراط الفلسطينية عقب إعلان تشكيلها، ونشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من القطاع، وبدء مرحلة التعافي المبكر، وإعادة الإعمار».

حسن أكد لـ«الشرق الأوسط» أن الدور المصري مهم، ويواصل حرصه على استكمال الاتفاق وعدم عرقلته من جانب إسرائيل، خصوصاً أن فتح معبر رفح لم يتم من المرحلة الأولى ويتواصل التلكؤ في نشر قوات الاستقرار التي ستشرف على المعابر، مشدداً على أن واشنطن ستحاول أن تستكمل الاتفاق؛ حرصاً على مصداقيتها ألا تُفقَد.

في حين يعتقد الرقب أن أي تقدم في المرحلة الثانية وعدم تكرار جمود المرحلة الأولى، يتوقف على الدعم الأميركي لإنجاز استكمال الاتفاق، خصوصاً انسحاب إسرائيل وليس فقط نزع السلاح.


وجود لافت للسودانيين في مصر رغم مغادرة مئات الآلاف

مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
TT

وجود لافت للسودانيين في مصر رغم مغادرة مئات الآلاف

مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)

أمام فحم مشتعل على عربة قديمة، يقف الستيني محمد مرسي لشواء ذرة وبيعها، عين على عربته وأخرى على الشارع يتأمل المتجولين، وبينهم العديد من أبناء الجالية السودانية التي تسكن منطقة المساحة في شارع فيصل (جنوب العاصمة)، ممن باتوا مكوناً رئيسياً في التركيبة الديموغرافية للمنطقة التي تسكنها طبقات دُنيا ووسطى.

يتمركز بائع الذرة الستيني في المكان نفسه منذ 38 عاماً، فبات مرجعاً للمنطقة. يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد السودانيين ما زالت كبيرة، رغم عودة بعضهم للسودان»، مقدراً أعداد الباقين إلى العائدين بنسبة 85 إلى 15 في المائة. يقول ذلك فيما تقترب الشابة السودانية فاطمة (23 عاماً) من عربته لتسأل عن سعر الذرة، وتمضي دون أن تشتري لارتفاع سعره بالنسبة لها. فاطمة واحدة ممن اتخذوا قرار العودة بعد عامين من الإقامة بمصر، منتظرة دورها في مبادرة «العودة الطوعية»، وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط».

مصريون وسودانيون يتجولون في شارع فيصل (الشرق الأوسط)

ومكنت مبادرة «العودة الطوعية»، التي أطلقتها منظومة الدفاعات السودانية بالتعاون مع وزارة النقل المصرية في 21 يوليو (تموز) الماضي، مئات الآلاف من السودانيين خصوصاً محدودي الدخل من العودة، خلال قطارات تنقلهم من القاهرة إلى أسوان، ثم حافلات تصل بهم إلى المدن السودانية بالمجان، ورغم ذلك يظل الحضور السوداني لافتاً في الشارع المصري، خصوصاً في المناطق الشعبية مثل فيصل، وأخرى في مدينة العاشر من رمضان (شمال القاهرة) حيث أبرز نقاط تمركز السودانيين بمصر.

عودة مئات الآلاف

وقدّرت القنصلية السودانية في أسوان أعداد العائدين إلى السودان عبر المنافذ البرية حتى الأسبوع الأول من يناير (كانون الثاني) الحالي، بـ428 ألفاً و676 شخصاً، حسب القنصل عبد القادر عبد الله، قائلاً خلال مؤتمر صحافي الأسبوع الماضي، إن مشروع العودة سيستأنف رحلاته بمجرد توفير التمويل اللازم لذلك، بعد أن انطلقت 45 رحلة خلال الشهور الماضية.

ويفسر أمين الجالية السودانية في العاشر من رمضان، إبراهيم عز الدين، كثافة الحضور السوداني رغم ما تشير إليه الإحصاءات من سفر مئات الآلاف إلى أن «بعض من سافروا عادوا مرة أخرى بعدما وجدوا ظروف الحياة في السودان صعبة»، مشيراً إلى أن هؤلاء ممن تعتبر ظروفهم المادية جيدة، أما الأفقر فلا يستطيعون تحمل مصاريف السفر. ويرى عز الدين، في تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، أن أعداد من بقوا في مصر بمدينة العاشر أكبر ممن قرروا المغادرة.

بعض العائدين في الرحلة رقم 42 (مشروع العودة الطوعية المجانية للسودانيين - فيسبوك)

وتسببت الحرب الداخلية بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو مليون ونصف مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. وتقدر الحكومة مجمل أعداد السودانيين في مصر بنحو 4 ملايين سوداني.

توافد مستمر

لا يلاحظ الشاب الثلاثيني محمود صلاح، وهو يعمل في مطعم بمنطقة فيصل، انكماشاً في الحضور السوداني، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «السودانيين ما زالوا يتوافدون لمصر»، مدللاً على كثرتهم في منطقته باستمرار الأثر الأبرز لحضورهم بارتفاع الإيجارات، قائلاً: «أقل إيجار في شقة متواضعة بحارة جانبية 3 آلاف جنيه (الدولار يساوي 47.30 جنيه بالبنوك المصرية)».

عكسه يشعر الشاب العشريني فارس إسماعيل، وهو بائع ملابس متجول، بتراجع أثر السودانيين على عمله مع عودة «كثيرين منهم»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «الشغل نام (راكد) فقد كانوا زبائن أساسيين»، يقول ذلك بينما تقف الشابة السودانية حفصة محمد أمام عربته تختار بعض الملابس الشتوية.

تقول حفصة لـ«الشرق الأوسط» إنها لا تفكر في العودة حالياً في ظل عدم تحسن الأوضاع المعيشية هناك، خصوصاً أنها تعمل في مصر برسم الحناء للفتيات، ويوفر ذلك لها دخلاً جيداً تعيش منه أسرتها، فيما تشكو حفصة من استمرار ارتفاع الإيجارات في المنطقة، رغم سفر مئات الآلاف من السودانيين، موضحة أنها تدفع إيجار 5 آلاف جنيه.

وشهدت أسعار الإيجارات ارتفاعاً كبيراً مع توافد السودانيين إلى مصر، وقدّر سماسرة سبق أن تحدثت معهم «الشرق الأوسط» الارتفاعات بعدة أضعاف. وهدأت الأسعار نسبياً عن ذي قبل مع توفر أكبر للشقق، لكنها لم تعد إلى مستوى الأسعار قبل قدومهم.

834 ألف لاجئ سوداني

وتعدّ مصر واحدة من أكثر الدول استقبالاً للوافدين، وسط مطالب حكومية متكررة بزيادة الدعم الدولي لها للمشاركة في استيعاب أعباء اللاجئين. ووفق آخر إحصائية لمفوضية شؤون اللاجئين في يناير الحالي، تتجاوز أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء بمصر حتى نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي مليوناً و98 ألف شخص، من 60 جنسية مختلفة، يتصدرهم السودانيون بـ834 ألفاً و201 طلب.

مئات السودانيين في محطة رمسيس ضمن مبادرة العودة الطوعية للسودان (وزارة النقل المصرية)

يرصد المتجول في شارع فيصل أو منطقة الدقي والمهندسين وغيرها من مناطق بقاء السودانيين في مصر وجودهم اللافت؛ داخل المواصلات العامة، وفي الشوارع، والمطاعم، وداخل عيادات الأطباء، رغم أن الإحصائيات تشير إلى عودة مئات الآلاف منهم، في مؤشر على ضخامة أعدادهم الفعلية الوافدة إلى مصر.

شعبياً تأقلم كثير من المصريين على وجود الوافدين، بما يحمله ذلك من آثار إيجابية لبعضهم، وسلبية لآخرين، ورسمياً تظل الشكاوى الحكومية من «ثقل حمل الوافدين»، مع التمسك بوصفهم «ضيوفاً». وقدّرت تكلفة استضافة نحو 10 ملايين وافد أجنبي بنحو 10 مليارات دولار سنوياً.