«هذه إنجلترا»... هل من السابق لأوانه تصوير الوباء درامياً؟

مسلسل يحكي الأيام الأولى لـ«كورونا» في البلاد

الممثل كينيث براناغ في دور جونسون (سكاي أتلانتيك)
الممثل كينيث براناغ في دور جونسون (سكاي أتلانتيك)
TT

«هذه إنجلترا»... هل من السابق لأوانه تصوير الوباء درامياً؟

الممثل كينيث براناغ في دور جونسون (سكاي أتلانتيك)
الممثل كينيث براناغ في دور جونسون (سكاي أتلانتيك)

في اللحظات الأخيرة من مسلسل «هذه إنجلترا» الجديد، يُحدق بوريس جونسون، رئيس الوزراء البريطاني المنهك والمحاصر، خارج نافذة مقر رئاسة الوزراء، متذكراً شكسبير، كما يفعل غالباً.
يقول جونسون الذي يلعب دوره الممثل كينيث براناغ، في المسلسل الدرامي من 6 أجزاء عن المحنة البريطانية في مواجهة جائحة «كورونا»: «هذه البقعة المباركة، هذه الأرض، هذا العالم، هذه إنجلترا».
يقول مخاطباً كاري (أوفيليا لوفيبوند) زوجته المتوترة للغاية: «عادة ما نترك الأمر عند هذا الحد، كما تعلمين» التي تحتضن طفلهما المولود حديثاً. ثم يستطرد: «وننسى البقية تماماً».
لكن جونسون يواصل تلاوة المناجاة الأخيرة لنهاية جون أوف غاونت على فراش موت الملك ريتشارد الثاني، مع توبيخه القاسي للملك: «إن إنجلترا التي اعتادت غزو الآخرين، قد غزت نفسها أخيراً على نحو مخزٍ للغاية».
إنه مشهد ختامي مناسب للمسلسل الذي كثر الحديث عنه في بريطانيا، والذي يصور البطولة اليومية للبريطانيين خلال الوباء، كما يصور إخفاقات قادتهم، وكيف ساهمت في الاستجابة المعيبة التي فاقمت من معاناة الأمة، وأسفرت عن وفيات إضافية لا داعي لها.
يؤرخ مسلسل «هذه إنجلترا» تقريباً للأحداث يوماً بعد يوم، وكيف اجتاحت الموجة الأولى من الوباء أرجاء البلاد. وبالنسبة لكثيرين فإن التوقيت مثير للفضول، نظراً لأن الموجة الأخيرة من الفيروس لم تنحسر بعد.
قال مايكل وينتربوتوم، المخرج الوثائقي البريطاني الذي كتب السيناريو رفقة كيرون كويرك، إنه نظر إلى المسلسل بأنه «فسيفساء من تجارب كثير من الناس»، من تجارب جونسون ومستشاريه، إلى الأطباء والممرضات، والأهم من ذلك كله الذين يحتضرون في المستشفيات ودور الرعاية المتخمة بالمرضى.
وأضاف وينتربوتوم في مقابلة مشتركة مع الممثل كينيث براناغ: «كان الهدف أن تكون إنساناً؛ بل أن تكون إنسانياً على ما أعتقد. وأن نُكرم ونُقدر هذه الخسارة المؤلمة التي لا تصدق»، وتابع بأنه على الرغم من كل ارتباك الحكومة وعثراتها: «كان هناك شعور بأن كل شخص يبذل قصارى جهده».
مع ذلك، يعكس المسلسل عجز الناس وضعفهم بصفة عامة. وبعد الوقوع في فخ الوباء الغامض، استخف البعض في أروقة الحكومة، ومن بينهم بوريس جونسون نفسه، بحقيقة المخاطر الكامنة في بداية الأزمة. واضطر آخرون إلى اتخاذ خيارات شخصية سيئة، بما في ذلك كبير مستشاري رئيس الوزراء دومينيك كامينغز الذي قاد سيارته لمسافة 260 ميلاً، في خرق واضح لقرارات الإغلاق، لزيارة عائلته في أثناء تفشي الفيروس.
بدأ العمل على المسلسل في يونيو (حزيران) 2020، بعد فترة غير طويلة من اندلاع الموجة الأولى للفيروس في مختلف أرجاء البلاد، وصار للمشاهد اليائسة من سيارات الإسعاف ووحدات العناية المركزة في المستشفيات طابع فوري من الآلام الشديدة. وركز كثير من التعليقات على ذلك المسلسل في بريطانيا، على ما إذا كان الوقت مبكراً للغاية لتصوير كل ذلك درامياً.
توفي ما يقرب من 300 شخص بسبب الفيروس في إنجلترا خلال الأيام السبعة المنتهية في 17 سبتمبر (أيلول) الماضي، ودخل أكثر من 4000 شخص المستشفيات. ولا تزال الحكومة تناشد الناس الحصول على الجرعات المعززة من اللقاح. وكان جونسون قد غادر منصبه قبل شهرين فقط، إثر فضيحة بسبب الحفلات في مقر رئاسة الوزراء التي انتهكت قواعد الإغلاق العامة.
ولا يتجسد الاحتجاج على الحفلات في المسلسل الذي ينتهي -بدلاً من ذلك- بالرحلة غير القانونية التي قادها كامينغز إلى منزل والديه في شمال إنجلترا، بعد إصابة زوجته بالفيروس. ودفع المسار الزمني المختصر لأحداث المسلسل صحيفة «فايننشيال تايمز» إلى القول بأن المسلسل «نجح بصعوبة بالغة، وربما استثنائية، في استثارة الشعور بأنه سابق لأوانه للغاية، وذو صبغة تأريخية في آن واحد».
كان على «هذه إنجلترا» التعامل مع سيل متدفق آخر من الأنباء؛ إذ تراجعت شبكة «سكاي أتلانتيك» عن إذاعة المسلسل لمدة أسبوع، إثر وفاة الملكة إليزابيث الثانية في 8 سبتمبر الماضي، الأمر الذي أدى إلى إعلان الحداد في البلاد لمدة 10 أيام. وبدأ عرضه بالفعل في الوقت الذي تسبب فيه استبدال حكومة ليز تراس بحكومة جونسون، في ارتفاع قيمة الجنيه الإسترليني بصورة متوترة، عبر الإعلان عن خطة لخفض الضرائب، على الرغم من التضخم في المعدل المزدوج.
النقاش الكبير الآخر، يدور حول أداء كينيث براناغ لدور بوريس جونسون. كان الممثل الحائز جائزة «الأوسكار»، والبالغ من العمر 61 عاماً، يرتدي شعراً مستعاراً لونه أشقر، وأطرافاً صناعية، وبطانة، حتى ينال مظهر السياسي البالغ من العمر 58 عاماً.
أشاد بعض النقاد بأداء براناغ لتقليده مشية جونسون المتحفزة وطبيعته الغريبة. وانتقده آخرون؛ إذ اعتبروه انتحالاً للشخصية يعيد إلى الأذهان شخصيات الدمى الهزلية في برنامج «سبيتينغ بابيتس»، البرنامج التلفزيوني البريطاني الذي سخر من الشخصيات العامة في ثمانينات وتسعينات القرن العشرين.
قال براناغ الذي لعب أدواراً واقعية لشخصيات عامة أخرى، من بينهم الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت، والضابط الألماني النازي راينهارد هيدريش، إنه والكُتَّاب ناقشوا مدى التقارب الذي يجب عليه إبداؤه في تقليد شخصية جونسون. وخلصوا إلى أن رئيس الوزراء السابق كان حياً للغاية في أذهان الناس. واستطرد موضحاً: «بوجود شخصية بهذا الحجم والزخم في نظر الجمهور، أعتقد أنه من الصعب طرح شيء مختلف جداً عنها».
ولإدراك الحياة الداخلية لجونسون، كشف براناغ أنه قرأ جميع كتب رئيس الوزراء السابق، بما فيها سيرته الذاتية عن ونستون تشرشل، فضلاً عن مقالاته الصحافية في الـ«ديلي تلغراف». ولقد رأى جونسون آنذاك باعتباره نوعاً من «الشعراء السياسيين» ذوي الطموح والحماس المتقد؛ لكنه كان أيضاً منفصلاً عاطفياً عمن حوله، بسبب الثقل الساحق الذي بلغته وظيفته.
شاهد براناغ لقطات لجونسون وهو يتجول في مجلس العموم، لالتقاط وضعيته المتميزة المائلة دوماً إلى الأمام. وقال بأنه شعر بصدمة شديدة بسبب شريط فيديو يظهر فيه جونسون (عمدة لندن آنذاك) وهو يركض رفقة صبي عمره 10 سنوات في أثناء مباراة الـ«رغبي» خلال زيارة إلى اليابان، قائلاً: «إن شدة الانطلاق إلى الأمام التي لا يمكن إيقافها تقريباً، هي مجرد جزء من شخصيته الاندفاعية».
لكن مسلسل «هذه إنجلترا» يطرح أيضاً صورة متعاطفة لرجل مسرع يعيش حياة شخصية متشابكة. وبين اجتماعات الأزمة، والاستيقاظ في أوقات متأخرة من الليل لتهدئة طفله الباكي، يُصور جونسون وهو يترك بكل حزن رسائل البريد الصوتي لأولاده البالغين، مما يشير إلى صدع مؤلم بعد طلاق جونسون من زوجته الثانية مارينا، وانتقاله للعيش مع كاري التي كانت تعمل مساعدة الاتصالات في حزب المحافظين.
* خدمة: «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

كاريس بشَّار لـ«الشرق الأوسط»: «سَماهر» صدَمتني وأنا أغار منها

خاص الممثلة السورية كاريس بشَّار بشخصية «سماهر» في مسلسل «بخمس أرواح» (شركة الصبّاح للإنتاج)

كاريس بشَّار لـ«الشرق الأوسط»: «سَماهر» صدَمتني وأنا أغار منها

حديث خاص مع الممثلة السورية كاريس بشَّار عن شخصية «سماهر»، وتفاصيل عن الوصلات الغنائية المباشرة واللهجة الخاصة ببطلة مسلسل «بخمس أرواح».

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق طارق الدسوقي شارك في مسلسل «علي كلاي» بموسم رمضان الماضي (حسابه على فيسبوك)

طارق الدسوقي: تخوَّفت من الدراما الشعبية بعد غياب طويل

بعد غياب طويل، يعود طارق الدسوقي بعمل درامي يعكس صراعات إنسانية معقدة، ويكشف تحولات الصناعة الفنية بين الماضي الأكثر انضباطاً والحاضر المتغير.

مصطفى ياسين (القاهرة)
يوميات الشرق ياسر السقاف يحاور أحمد حلمي في جامعة عفت (الشرق الأوسط)

أحمد حلمي: الموهبة وحدها لا تكفي... والاستمرار هو التحدّي الحقيقي

لا يخلو حديث أحمد حلمي من الصدمات، إذ يكشف أنّ أكبر موقف واجهه لم يكن في الفنّ...

أسماء الغابري (جدة)
يوميات الشرق دخول قوي للشاعر مانع بن شلحاط في أولى تجاربه التمثيلية (نتفليكس)

لاعبون وشعراء في الأعمال السعودية... اختبار جديد للنجومية

في مشهد أصبح يتكرر مؤخراً في الأعمال السعودية، يشارك لاعب كرة قدم في فيلم سينمائي، ويظهر شاعر في عمل درامي، ويتصدر مغنٍّ بطولة سينمائية في أول مشاركة له.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق تشيد بمهنية الممثلة وفاء طربيه (إنستغرام الفنانة)

رهف عبد الله: دوري في «سر وقدر»... رسالة تُعزِّز ثقة المرأة بنفسها

تشارك الممثلة رهف عبد الله في مسلسل «سر وقدر» بشخصية امرأة تبدأ من الضعف لتصل إلى القوة، حاملة رسالة تؤكِّد أن الثقة بالنفس قادرة على تغيير المصير.

فيفيان حداد (بيروت)

تلويح نتنياهو باستئناف الحرب في غزة يُعقّد محادثات «نزع السلاح»

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

تلويح نتنياهو باستئناف الحرب في غزة يُعقّد محادثات «نزع السلاح»

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

تحاول القاهرة أن تصل إلى تفاهمات بين حركة «حماس»، والفصائل الفلسطينية، وممثل غزة في «مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف، لتثبيت اتفاق وقف إطلاق النار، بينما يلوِّح رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، باستئناف الحرب إذا لم يُنزع سلاح القطاع.

ذلك التلويح عدَّه خبراء تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» نوعاً من التأثير على المفاوضات، وتعقيداً لها، وإفساداً لمسار أي تفاهمات، وأكدوا «أهمية استمرار المحادثات والضغوط الأميركية لدفع الاتفاق الذي يراوح مكانه من قبل حرب إيران التي اندلعت نهاية فبراير (شباط) الماضي».

وغداة انطلاق مفاوضات تشهدها القاهرة، قال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان.

كانت حكومة نتنياهو قد أعلنت في 16 فبراير الماضي، عبر سكرتيرها يوسي فوكس، منح «حماس» مهلة لمدة 60 يوماً لنزع سلاحها، محذرةً من العودة إلى العمليات العسكرية إذا لم تستجب الحركة.

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، الأكاديمي المتخصص في الشأن الإسرائيلي، أحمد فؤاد أنور، يرى أن نتنياهو يحاول التأثير على محادثات القاهرة بهذه التصريحات سلباً، مما يعقِّد مسار المفاوضات ويُحرج الوسطاء ويضيف ضغوطاً على المحادثات. ولفت إلى أن إسرائيل جرَّبت من قبل مثل هذه التهديدات والتصعيد ولم تحصل على أسراها إلا عبر المفاوضات وعقد اتفاق لا تلتزم به حتى الآن، وما يتم حالياً هو محاولة للبحث عن صورة نصر بعد خسائر حرب إيران.

ويقول المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، إن نتنياهو يعود مجدداً للاشتباك مع الوضع في غزة مع قرب الانتخابات الإسرائيلية هذا العام. ويشير إلى أن «أنصاف الحروب التي يخوضها يريد أن يكملها معنوياً بهذا التلويح، لكنه يضع اتفاق غزة على المحكّ ويعقّد محادثات القاهرة بشأن «نزع السلاح».

خيام للنازحين الفلسطينيين جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وتبحث مفاوضات القاهرة ملفات من بينها نزع سلاح «حماس»، ولم يصدر عن القاهرة والحركة أي بيانات بشأن نتائجها حتى، مساء الاثنين، غير أن مصدراً فلسطينياً أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «وفد الحركة اجتمع مع السلطات المصرية والفصائل الفلسطينية وبانتظار عقد لقاء مع ميلادينوف».

ويُعدُّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ميلادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمَّن موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقُّق النهائي من خلو غزة من السلاح». وتقول إسرائيل إنَّها لن تنسحب من غزة ما لم يُنزَع سلاح «حماس» أولاً.

ويتوقع نزال أن يتجه نتنياهو لاستئناف الحرب في غزة مهما كانت نتائج محادثات القاهرة أو مفاوضات إيران والولايات المتحدة، خصوصاً وهو يرفض دفع أثمان سياسية بالانسحاب من غزة حالياً، لافتاً إلى أن السيناريو الأقرب أن يستمر الاتفاق في حالة الجمود والمفاوضات بلا نتائج ومهدَّدة بأي تصعيد إسرائيلي محتمل. فيما يؤكد الأكاديمي المتخصص في الشأن الإسرائيلي، أحمد فؤاد أنور، أن مصر حريصة على إنجاح المفاوضات رغم هذه التصريحات السلبية، وإبقاء اتفاق غزة تحت دائرة الأضواء الدولية، ويشير إلى أهمية أن يتم الدفع بـ«لجنة إدارة غزة» للعمل من داخل القطاع سريعاً، لتفادي أي تهديد للاتفاق مع أخذ ضمانات من واشنطن و«مجلس السلام» بتنفيذ إسرائيل التزاماتها كاملةً.


متابعة محاكمة محقق في ميليشيا «الدفاع الوطني» بجرائم حرب في سوريا

ميليشيا الدفاع الوطني التابعة لنظام الأسد شرق سوريا (أرشيفية)
ميليشيا الدفاع الوطني التابعة لنظام الأسد شرق سوريا (أرشيفية)
TT

متابعة محاكمة محقق في ميليشيا «الدفاع الوطني» بجرائم حرب في سوريا

ميليشيا الدفاع الوطني التابعة لنظام الأسد شرق سوريا (أرشيفية)
ميليشيا الدفاع الوطني التابعة لنظام الأسد شرق سوريا (أرشيفية)

تابعت السلطات القضائية في هولندا، اليوم الاثنين، محاكمة السوري رفيق القطريب، أحد عناصر ميليشيا «الدفاع الوطني» التابعة للنظام البائد، وذلك أمام محكمة جزئية في لاهاي، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق مدنيين سوريين.

وحسب بيان المحكمة، فإن المتهم، البالغ من العمر 58 عاماً والمنحدر من مدينة السلمية، أُوقف في ديسمبر (كانون الأول) عام 2023، وذلك على خلفية اتهامات تتعلق بارتكاب انتهاكات جسيمة خلال السنوات الماضية في سوريا.

ميليشيات الدفاع الوطني المرتبطة بحكومة الأسد في مدينة الحسكة شمال سوريا (أرشيفية)

تأتي المحاكمة في إطار ضمان ملاحقة ومحاسبة مسؤولي النظام البائد المتورطين بارتكاب جرائم وانتهاكات بحق الشعب السوري.

ووفق وسائل إعلام سورية، فإن القطريب «عمل محققاً في (ميليشيا الدفاع الوطني) التابعة للنظام المخلوع، في مدينة سلمية (بريف محافظة حماة وسط البلاد)».

ونقل «تلفزيون سوريا»، عن زياد دعاس، وهو معتقل سابق، قوله إن القطريب «كان يشرف على عمليات التعذيب التي ينفذها عناصر تابعون له».

وأضاف دعاس أن «معاملة القطريب اتسمت بالقسوة والإهانة، إذ كان يصدر أوامر مباشرة بضرب المعتقلين، إلى جانب استخدامه ألفاظاً مسيئةً وشتائم متكررة، وصلت إلى حد شتم الذات الإلهية».

وفي محكمة لاهاي، جرى استعراض قائمة طويلة من التفاصيل المروعة والعنيفة، منها كيف ضُرب رجل ورُكل واعتُدي عليه بمؤخرة بندقية، وكيف أُطفئت أعقاب السجائر على جسد رجل آخر، وكيف وُضع مسدس صعق كهربائي على صدر امرأة شابة ومهبلها، وكيف اغتُصبت امرأة أخرى.

وقرأ القاضي بصوت عالٍ من إفادة إحدى ضحاياه: «شعرتُ بخجل شديد وقذارة عندما أُطلق سراحي»، بحسب «تلفزيون سوريا».

و«من المتوقع أن تقدم النيابة العامة في هولندا مرافعاتها الختامية ومطالبها بالحكم في 21 أبريل (نيسان) الحالي، وستصدر المحكمة حكمها في هذه القضية في 9 يونيو (حزيران) المقبل»، وفق المصدر نفسه.

المسؤول السابق في أجهزة الأمن السورية إياد الغريب بمحكمة كوبلنز الألمانية حيث أُدين بجرائم ضد الإنسانية فبراير 2021 (أ.ب)

وشهدت دول أوروبية، بينها ألمانيا، خلال الأشهر الماضية، محاكمات لعناصر مرتبطين بالنظام السوري البائد، لارتكابهم «جرائم حرب» قبل فرارهم من البلاد نتيجة تدهور الأوضاع الأمنية.

وارتكب نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد انتهاكات بحق المدنيين خلال سنوات الثورة الـ14 (2011 - 2024)، عبر الجيش والأفرع الأمنية، فضلاً عن ميليشيا «الدفاع الوطني» التي تتشكل من مدنيين مؤيدين للنظام، يتلقون رواتب شهرية وميزات أمنية مقابل المشاركة في قمع السوريين.


24 قتيلاً وعشرات الجرحى جراء قصف بمسيّرات على مدن دارفور

نازحون سودانيون في تشاد ينتظرون لتقاسم حصص من مواد غذائية وزّعها برنامج الأغذية العالمي يوم 9 مايو 2023 (رويترز)
نازحون سودانيون في تشاد ينتظرون لتقاسم حصص من مواد غذائية وزّعها برنامج الأغذية العالمي يوم 9 مايو 2023 (رويترز)
TT

24 قتيلاً وعشرات الجرحى جراء قصف بمسيّرات على مدن دارفور

نازحون سودانيون في تشاد ينتظرون لتقاسم حصص من مواد غذائية وزّعها برنامج الأغذية العالمي يوم 9 مايو 2023 (رويترز)
نازحون سودانيون في تشاد ينتظرون لتقاسم حصص من مواد غذائية وزّعها برنامج الأغذية العالمي يوم 9 مايو 2023 (رويترز)

قُتل 24 مدنياً على الأقل وأُصيب العشرات، يومي الأحد والاثنين، في غارات منفصلة بطائرات مسيَّرة تابعة للجيش السوداني استهدفت مدن إقليم دارفور غرب السودان، الواقع تحت سيطرة «قوات الدعم السريع».

واتَّهم تحالف «تأسيس»، المدعوم من «الدعم السريع»، الجيش السوداني بقصف مدينة الضعين، عاصمة شرق دارفور، وبلدتَي السريف وتلولو، مما أسفر عن مقتل 15 شخصاً وإصابة 17 آخرين.

وتسببت غارة أخرى، مساء الأحد، في مقتل 9 أشخاص على الأقل وإصابة 12 آخرين بجروح متفاوتة، جراء قصف بطائرة مسيَّرة استهدف سوقاً في مدينة الجنينة بولاية غرب دارفور.

ودعا المتحدث الرسمي باسم التحالف، علاء الدين عوض نقد، في بيان نشره عبر «فيسبوك» إلى «تدخل المجتمع الدولي واتخاذ موقف قوي وواضح» تجاه مثل هذه الهجمات.

وأبلغ شهود عيان «الشرق الأوسط» بأن طائرة مسيَّرة قصفت مواقع بمدينة الضعين، مؤكدين سقوط قتلى وجرحى وسط السكان، وقالوا إنهم سمعوا دويَّ انفجار، صباح الاثنين، «أصاب الناس بحالة من الهلع والخوف».

بدوره قال «التجمع الاتحادي»، وهو فصيل رئيسي في التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود» الرافض للحرب، إن طائرة مُسيَّرة تابعة للجيش السوداني استهدفت سوق مدينة الجنينة، مما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى.

وذكر البيان أن القصف أدى إلى اندلاع حريق هائل التهم السوق بالكامل، مشيراً إلى أن الإحصائيات الأولية تؤكد مقتل 13 شخصاً على الأقل، بينما تم العثور على جثث متفحمة لم يتم التعرف على هويتها حتى الآن.

وقال «التجمع الاتحادي»: «إن الجهات المسؤولة تتحمل المسؤولية كاملةً عن استهداف المدنيين والبنى التحتية المدنية»، مطالباً بفتح تحقيق دولي عاجل ومستقل، ومحاسبة كل المتورطين.

ولم يُصدر الجيش رداً فورياً على هذه المزاعم.

طفل سوداني يعاني سوء التغذية في لقطة تعود إلى يونيو 2024 (رويترز)

ومنذ أشهر، تشهد ولايات دارفور هجمات متكررة من مسيّرات تابعة لـ«الجيش السوداني» تستهدف مواقع عسكرية في عدد من مدن الإقليم، لكن بعضها استهدف بنية مدنية، مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، بينهم مدنيون.

«مؤتمر برلين»

في سياق الأزمة السياسية، توافقت القوى المدنية السودانية في الاجتماع التحضيري لـ«مؤتمر برلين»، الذي عُقد الأحد، في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، على خفض التصعيد والاتفاق على عملية سياسية يعمل عليها السودانيون.

ودقَّ المشاركون في الاجتماع ناقوس الخطر بشأن الوضع الإنساني الكارثي في السودان، مشددين على أنه لا يوجد حل عسكري، وأن العملية السياسية الشاملة هي خريطة الطريق الوحيدة لوضع أسس الانتقال الديمقراطي بقيادة مدنية.

يأتي «مؤتمر برلين» تزامناً مع الذكرى الثالثة لاندلاع الحرب في السودان، ويمثل امتداداً لسلسلة من المؤتمرات التي عُقدت في باريس ولندن وواشنطن، والتي هدفت جميعها إلى دعم العمليات الإنسانية، والدعوة إلى وقف فوري لإطلاق النار وإنهاء النزاع.

ودعت القوى المشاركة في المؤتمر، أطراف النزاع إلى تعزيز خفض التصعيد والحد من العنف، وبذل كل الجهود بالتنسيق مع المبادرات المطروحة لمنع تمدد النزاع في البلاد ومحيطها الإقليمي.

وشدد النداء المشترك على وقف الهجمات العشوائية وإلزام الأطراف المتقاتلة بالامتثال للقانون الدولي بشأن حماية المدنيين في كل أنحاء السودان.

وحضَّ المشاركون في الاجتماع التحضيري على ضرورة التعاون مع المبادرات الدولية والمحلية والجهود المنادية بإقرار هدنة إنسانية لتخفيف معاناة السودانيين، بما يشمل تسهيل وصول المساعدات الإنسانية بشكل آمن ودون عوائق في جميع أنحاء البلاد.

تحالف «صمود» يرحِّب

من جانبه رحَّب التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود» بقيادة رئيس الوزراء السابق، عبد الله حمدوك، بالمؤتمر المزمع عقده في 15 أبريل (نيسان) الحالي، والذي يهدف إلى مناقشة الوضع الإنساني في السودان.

وفي وقت سابق رفضت الحكومة السودانية، برئاسة كامل إدريس، تنظيم المؤتمر دون موافقتها والتشاور معها في الترتيبات المتعلقة به.

ويُعقَد المؤتمر بمبادرة من ألمانيا وبريطانيا، إلى جانب الاتحاد الأوروبي وفرنسا والاتحاد الأفريقي، مع مشارَكة لدول «الآلية الرباعية»، التي تضم المملكة العربية السعودية، والولايات المتحدة، والإمارات ومصر.

وأكد تحالف «صمود» انخراطه بإيجابية مع القوى والشخصيات المدنية السودانية المشاركة في المؤتمر لتعزيز جهود وقف الحرب في البلاد.

في المقابل رأى تحالف «تأسيس»، الموالي لـ«قوات الدعم السريع»، قصوراً في التحضيرات الجارية للمؤتمر وتعرقل ضمان مسار سياسي يتسم بالمصداقية والشمول.

وقال في بيان إن أي مسار يتعلق بالأزمة السودانية ينبغي أن يرتكز على خريطة الطريق التي طرحتها دول الآلية الرباعية بشأن وقف الحرب في السودان.

وجدد التحالف التزامه بالانخراط في أي مسعى دولي أو إقليمي، يقود إلى تحقيق السلام العادل والشامل والمستدام.