«هذه إنجلترا»... هل من السابق لأوانه تصوير الوباء درامياً؟

مسلسل يحكي الأيام الأولى لـ«كورونا» في البلاد

الممثل كينيث براناغ في دور جونسون (سكاي أتلانتيك)
الممثل كينيث براناغ في دور جونسون (سكاي أتلانتيك)
TT

«هذه إنجلترا»... هل من السابق لأوانه تصوير الوباء درامياً؟

الممثل كينيث براناغ في دور جونسون (سكاي أتلانتيك)
الممثل كينيث براناغ في دور جونسون (سكاي أتلانتيك)

في اللحظات الأخيرة من مسلسل «هذه إنجلترا» الجديد، يُحدق بوريس جونسون، رئيس الوزراء البريطاني المنهك والمحاصر، خارج نافذة مقر رئاسة الوزراء، متذكراً شكسبير، كما يفعل غالباً.
يقول جونسون الذي يلعب دوره الممثل كينيث براناغ، في المسلسل الدرامي من 6 أجزاء عن المحنة البريطانية في مواجهة جائحة «كورونا»: «هذه البقعة المباركة، هذه الأرض، هذا العالم، هذه إنجلترا».
يقول مخاطباً كاري (أوفيليا لوفيبوند) زوجته المتوترة للغاية: «عادة ما نترك الأمر عند هذا الحد، كما تعلمين» التي تحتضن طفلهما المولود حديثاً. ثم يستطرد: «وننسى البقية تماماً».
لكن جونسون يواصل تلاوة المناجاة الأخيرة لنهاية جون أوف غاونت على فراش موت الملك ريتشارد الثاني، مع توبيخه القاسي للملك: «إن إنجلترا التي اعتادت غزو الآخرين، قد غزت نفسها أخيراً على نحو مخزٍ للغاية».
إنه مشهد ختامي مناسب للمسلسل الذي كثر الحديث عنه في بريطانيا، والذي يصور البطولة اليومية للبريطانيين خلال الوباء، كما يصور إخفاقات قادتهم، وكيف ساهمت في الاستجابة المعيبة التي فاقمت من معاناة الأمة، وأسفرت عن وفيات إضافية لا داعي لها.
يؤرخ مسلسل «هذه إنجلترا» تقريباً للأحداث يوماً بعد يوم، وكيف اجتاحت الموجة الأولى من الوباء أرجاء البلاد. وبالنسبة لكثيرين فإن التوقيت مثير للفضول، نظراً لأن الموجة الأخيرة من الفيروس لم تنحسر بعد.
قال مايكل وينتربوتوم، المخرج الوثائقي البريطاني الذي كتب السيناريو رفقة كيرون كويرك، إنه نظر إلى المسلسل بأنه «فسيفساء من تجارب كثير من الناس»، من تجارب جونسون ومستشاريه، إلى الأطباء والممرضات، والأهم من ذلك كله الذين يحتضرون في المستشفيات ودور الرعاية المتخمة بالمرضى.
وأضاف وينتربوتوم في مقابلة مشتركة مع الممثل كينيث براناغ: «كان الهدف أن تكون إنساناً؛ بل أن تكون إنسانياً على ما أعتقد. وأن نُكرم ونُقدر هذه الخسارة المؤلمة التي لا تصدق»، وتابع بأنه على الرغم من كل ارتباك الحكومة وعثراتها: «كان هناك شعور بأن كل شخص يبذل قصارى جهده».
مع ذلك، يعكس المسلسل عجز الناس وضعفهم بصفة عامة. وبعد الوقوع في فخ الوباء الغامض، استخف البعض في أروقة الحكومة، ومن بينهم بوريس جونسون نفسه، بحقيقة المخاطر الكامنة في بداية الأزمة. واضطر آخرون إلى اتخاذ خيارات شخصية سيئة، بما في ذلك كبير مستشاري رئيس الوزراء دومينيك كامينغز الذي قاد سيارته لمسافة 260 ميلاً، في خرق واضح لقرارات الإغلاق، لزيارة عائلته في أثناء تفشي الفيروس.
بدأ العمل على المسلسل في يونيو (حزيران) 2020، بعد فترة غير طويلة من اندلاع الموجة الأولى للفيروس في مختلف أرجاء البلاد، وصار للمشاهد اليائسة من سيارات الإسعاف ووحدات العناية المركزة في المستشفيات طابع فوري من الآلام الشديدة. وركز كثير من التعليقات على ذلك المسلسل في بريطانيا، على ما إذا كان الوقت مبكراً للغاية لتصوير كل ذلك درامياً.
توفي ما يقرب من 300 شخص بسبب الفيروس في إنجلترا خلال الأيام السبعة المنتهية في 17 سبتمبر (أيلول) الماضي، ودخل أكثر من 4000 شخص المستشفيات. ولا تزال الحكومة تناشد الناس الحصول على الجرعات المعززة من اللقاح. وكان جونسون قد غادر منصبه قبل شهرين فقط، إثر فضيحة بسبب الحفلات في مقر رئاسة الوزراء التي انتهكت قواعد الإغلاق العامة.
ولا يتجسد الاحتجاج على الحفلات في المسلسل الذي ينتهي -بدلاً من ذلك- بالرحلة غير القانونية التي قادها كامينغز إلى منزل والديه في شمال إنجلترا، بعد إصابة زوجته بالفيروس. ودفع المسار الزمني المختصر لأحداث المسلسل صحيفة «فايننشيال تايمز» إلى القول بأن المسلسل «نجح بصعوبة بالغة، وربما استثنائية، في استثارة الشعور بأنه سابق لأوانه للغاية، وذو صبغة تأريخية في آن واحد».
كان على «هذه إنجلترا» التعامل مع سيل متدفق آخر من الأنباء؛ إذ تراجعت شبكة «سكاي أتلانتيك» عن إذاعة المسلسل لمدة أسبوع، إثر وفاة الملكة إليزابيث الثانية في 8 سبتمبر الماضي، الأمر الذي أدى إلى إعلان الحداد في البلاد لمدة 10 أيام. وبدأ عرضه بالفعل في الوقت الذي تسبب فيه استبدال حكومة ليز تراس بحكومة جونسون، في ارتفاع قيمة الجنيه الإسترليني بصورة متوترة، عبر الإعلان عن خطة لخفض الضرائب، على الرغم من التضخم في المعدل المزدوج.
النقاش الكبير الآخر، يدور حول أداء كينيث براناغ لدور بوريس جونسون. كان الممثل الحائز جائزة «الأوسكار»، والبالغ من العمر 61 عاماً، يرتدي شعراً مستعاراً لونه أشقر، وأطرافاً صناعية، وبطانة، حتى ينال مظهر السياسي البالغ من العمر 58 عاماً.
أشاد بعض النقاد بأداء براناغ لتقليده مشية جونسون المتحفزة وطبيعته الغريبة. وانتقده آخرون؛ إذ اعتبروه انتحالاً للشخصية يعيد إلى الأذهان شخصيات الدمى الهزلية في برنامج «سبيتينغ بابيتس»، البرنامج التلفزيوني البريطاني الذي سخر من الشخصيات العامة في ثمانينات وتسعينات القرن العشرين.
قال براناغ الذي لعب أدواراً واقعية لشخصيات عامة أخرى، من بينهم الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت، والضابط الألماني النازي راينهارد هيدريش، إنه والكُتَّاب ناقشوا مدى التقارب الذي يجب عليه إبداؤه في تقليد شخصية جونسون. وخلصوا إلى أن رئيس الوزراء السابق كان حياً للغاية في أذهان الناس. واستطرد موضحاً: «بوجود شخصية بهذا الحجم والزخم في نظر الجمهور، أعتقد أنه من الصعب طرح شيء مختلف جداً عنها».
ولإدراك الحياة الداخلية لجونسون، كشف براناغ أنه قرأ جميع كتب رئيس الوزراء السابق، بما فيها سيرته الذاتية عن ونستون تشرشل، فضلاً عن مقالاته الصحافية في الـ«ديلي تلغراف». ولقد رأى جونسون آنذاك باعتباره نوعاً من «الشعراء السياسيين» ذوي الطموح والحماس المتقد؛ لكنه كان أيضاً منفصلاً عاطفياً عمن حوله، بسبب الثقل الساحق الذي بلغته وظيفته.
شاهد براناغ لقطات لجونسون وهو يتجول في مجلس العموم، لالتقاط وضعيته المتميزة المائلة دوماً إلى الأمام. وقال بأنه شعر بصدمة شديدة بسبب شريط فيديو يظهر فيه جونسون (عمدة لندن آنذاك) وهو يركض رفقة صبي عمره 10 سنوات في أثناء مباراة الـ«رغبي» خلال زيارة إلى اليابان، قائلاً: «إن شدة الانطلاق إلى الأمام التي لا يمكن إيقافها تقريباً، هي مجرد جزء من شخصيته الاندفاعية».
لكن مسلسل «هذه إنجلترا» يطرح أيضاً صورة متعاطفة لرجل مسرع يعيش حياة شخصية متشابكة. وبين اجتماعات الأزمة، والاستيقاظ في أوقات متأخرة من الليل لتهدئة طفله الباكي، يُصور جونسون وهو يترك بكل حزن رسائل البريد الصوتي لأولاده البالغين، مما يشير إلى صدع مؤلم بعد طلاق جونسون من زوجته الثانية مارينا، وانتقاله للعيش مع كاري التي كانت تعمل مساعدة الاتصالات في حزب المحافظين.
* خدمة: «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

كاريس بشَّار لـ«الشرق الأوسط»: «سَماهر» صدَمتني وأنا أغار منها

خاص الممثلة السورية كاريس بشَّار بشخصية «سماهر» في مسلسل «بخمس أرواح» (شركة الصبّاح للإنتاج)

كاريس بشَّار لـ«الشرق الأوسط»: «سَماهر» صدَمتني وأنا أغار منها

حديث خاص مع الممثلة السورية كاريس بشَّار عن شخصية «سماهر»، وتفاصيل عن الوصلات الغنائية المباشرة واللهجة الخاصة ببطلة مسلسل «بخمس أرواح».

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق طارق الدسوقي شارك في مسلسل «علي كلاي» بموسم رمضان الماضي (حسابه على فيسبوك)

طارق الدسوقي: تخوَّفت من الدراما الشعبية بعد غياب طويل

بعد غياب طويل، يعود طارق الدسوقي بعمل درامي يعكس صراعات إنسانية معقدة، ويكشف تحولات الصناعة الفنية بين الماضي الأكثر انضباطاً والحاضر المتغير.

مصطفى ياسين (القاهرة)
يوميات الشرق ياسر السقاف يحاور أحمد حلمي في جامعة عفت (الشرق الأوسط)

أحمد حلمي: الموهبة وحدها لا تكفي... والاستمرار هو التحدّي الحقيقي

لا يخلو حديث أحمد حلمي من الصدمات، إذ يكشف أنّ أكبر موقف واجهه لم يكن في الفنّ...

أسماء الغابري (جدة)
يوميات الشرق دخول قوي للشاعر مانع بن شلحاط في أولى تجاربه التمثيلية (نتفليكس)

لاعبون وشعراء في الأعمال السعودية... اختبار جديد للنجومية

في مشهد أصبح يتكرر مؤخراً في الأعمال السعودية، يشارك لاعب كرة قدم في فيلم سينمائي، ويظهر شاعر في عمل درامي، ويتصدر مغنٍّ بطولة سينمائية في أول مشاركة له.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق تشيد بمهنية الممثلة وفاء طربيه (إنستغرام الفنانة)

رهف عبد الله: دوري في «سر وقدر»... رسالة تُعزِّز ثقة المرأة بنفسها

تشارك الممثلة رهف عبد الله في مسلسل «سر وقدر» بشخصية امرأة تبدأ من الضعف لتصل إلى القوة، حاملة رسالة تؤكِّد أن الثقة بالنفس قادرة على تغيير المصير.

فيفيان حداد (بيروت)

أفلام ستانلي كوبريك العسكرية تقاوم منطق الحرب

«ممرات المجد» (يونايتد آرتستس)
«ممرات المجد» (يونايتد آرتستس)
TT

أفلام ستانلي كوبريك العسكرية تقاوم منطق الحرب

«ممرات المجد» (يونايتد آرتستس)
«ممرات المجد» (يونايتد آرتستس)

أنجز المخرج الأميركي ستانلي كوبريك (1928 - 1999) 13 فيلماً طويلاً، من بينها 5 أفلام تدور حول حروب مختلفة. بدأ مصوراً صحافياً لمجلة «لايف»، ثم أخرج فيلمين قصيرين على الأقل قبل أن ينتقل إلى الأفلام الطويلة، بدءاً بفيلم «خوف ورغبة» (Fear and Desire) سنة 1952.

أما الأفلام التي لا تدور حول حروب عسكرية مباشرة أو احتمالاتها فهي: «قبلة القاتل» (Killer’s Kiss، 1955)، و«القتل» (The Killing، 1956)، و«سبارتاكوس» (1960)، و«لوليتا» (1962)، و«2001: أوديسا الفضاء» (1968)، و«البرتقالة الآلية» (A Clockwork Orange، 1971)، و«باري ليندون» (1975)، و«اللمعان» (The Shining، 1980)، و«عينان مغمضتان باتساع» (Eyes Wide Shut، 1999).

ستانلي كوبريك في التصوير (وورنر برذرز)

الخوف الكبير

أفلام كوبريك الحربية 5، يتبع كل منها أسلوباً مختلفاً في نقد الحرب. بدأت هذه السلسلة سنة 1952 بفيلمه المتواضع «خوف ورغبة»، وانتهت سنة 1987 بفيلم «سترة معدنية كاملة» (Full Metal Jacket).

أفلام كوبريك الحربية ليست أفلام إثارة أو أكشن بالمعنى التقليدي، بل تضمن التشويق من خلال طرح إنساني عميق، وشخصيات تستحق التأييد والتعاطف، بصرف النظر عن مواقعها. قد تكون الحرب هي الحرب العالمية الأولى، أو حرب ڤيتنام، أو حرباً غير محددة المكان. ما يهم كوبريك هو تصوير شخصياته في الأزمات، والربط بين تصرفاتهم الفردية وبنية الحرب العامة وعبثها.

يتبدّى ذلك في فيلمه الأول في هذه المجموعة «خوف ورغبة»: 4 جنود في حرب غير محددة الجبهات أو الهوية، حيث يتوازى الخوف من العدو مع الخوف من الضياع في أرض مجهولة، وتتداخل الرغبة في النجاة مع غريزة البقاء. الفيلم متواضع التنفيذ، لكنه ذو دلالة.

«سترة معدنية كاملة» (وورنر برذرز)

لم يكن كوبريك راضياً عن هذا الفيلم، وتشير بعض الروايات إلى أنه حرق النيغاتيف، غير أن نسخاً منه مسجلة بقيت متداولة حتى اليوم.

الفيلم التالي هو «ممرات المجد» (Paths of Glory) سنة 1957، وهو أول فيلم كبير الإنتاج (والرابع في مسيرته) ينجزه كوبريك. الفيلم مقتبس عن رواية معادية للحرب ألّفها همفري كوب، وكتب السيناريو الروائي البوليسي جيم تومسون، الذي سبق أن كتب فيلم «القتل» (The Killing)، ولاحقاً شارك في كتابة فيلم سام بيكنباه «The Getaway». ينتمي الفيلم إلى الأعمال التي أرَّخت للحرب العالمية الأولى، مثل All Quiet on the Western Front» (1930)» للويس مايلستون، وThe Big Parade» (1925)» لكينغ ڤيدور، وكلاهما من أبرز الأفلام الحربية.

يقدّم كوبريك منظوراً يقوم على الدفاع عن الجندي العادي واتهام القيادة العسكرية بالفشل والتضحية بالجنود. أدَّى كيرك دوغلاس دور الضابط داكس، الذي يعارض إرسال فرقته الفرنسية لمواجهة الألمان في مهمة محكوم عليها بالفشل.

من خلال هذه الشخصية، يبرز الفيلم بوصفه عملاً معادياً للحرب، إذ يدرك داكس أن أوامر القيادة الفرنسية بمهاجمة القوات الألمانية غير واقعية، وأن مصيرها الفشل، مؤيداً تمرُّد بعض جنوده في مواجهة القيادة العسكرية.

كما يعقد كوبريك مقارنة واضحة بين حياة الجنرالات المريحة، من طعام وشراب ونوم بعيداً عن أصوات المدافع، وحياة الجنود في الخنادق تحت خطر الموت، مع نقص حاد في المؤن. وقد دفعت هذه الرسالة السلطات الفرنسية إلى منع عرض الفيلم حتى عام 1975.

تضحيات مجانية

الفيلم اللاحق لم يكن حربياً بالمعنى التقليدي، إذ لا تدور أحداثه في ساحة حرب مباشرة، بل يتناول حرباً محتملة بين القوتين العظميين: الولايات المتحدة والاتحاد السوڤياتي. إنه «دكتور سترينجلوڤ، أو: كيف تعلمت التوقف عن القلق وأحببت القنبلة» (1964).

الفيلم كوميديا سوداء عن الحرب الباردة، تنضح بمواقف سوريالية. تدور أحداثه حول طائرة لا يمكن استعادتها بعد إطلاقها، وهي تحمل قنبلة نووية متجهة لضرب موسكو. يحاول رئيس الجمهورية الأميركي (بيتر سلرز) تفادي ضربة انتقامية عبر الاتصال بالرئيس السوڤياتي (نسمعه ولا نراه)، معتذراً عن الخطأ ومشيراً إلى أن بعض صقور اليمين في إدارته يقفون وراءه.

إلى جانبه يظهر الدكتور سترينجلوڤ (يؤدي دوره سلرز أيضاً)، المستشار المقعد ذو الأطراف الميكانيكية، الذي يبدو خالياً من أي عاطفة إنسانية. كما يؤدي سلرز دور الضابط البريطاني ليونيل، الذي يحاول فهم السبب الذي دفع الجنرال ريبر (سترلينغ هايدن) إلى إطلاق الهجوم النووي. وفي الطائرة، يظهر الطيار الذي يؤدي دوره سليم بيكنز، والذي اختاره كوبريك لما عُرف به من أدوار في أفلام الغرب الأميركي. الفيلم ذو تركيبة مجنونة، يحمل تحذيراً واضحاً من ويلات حرب نووية محتملة.

يصوِّر كوبريك شخصياته في الأزمات رابطاً بين أفعالهم الفردية وبنية الحرب وعبثها

أما فيلمه الحربي الأخير فهو «سترة معدنية كاملة» (1987)، وقد قسَّمه كوبريك بإحكام إلى جزأين متكاملين. يدور الجزء الأول في مركز تدريب عسكري أميركي، حيث يتعرض أحد المجندين (ڤنسنت دونوفريو) لمعاملة قاسية من قبل الضابط المسؤول، مما يدفعه في النهاية إلى الانتحار.

ومع موته، ينتقل الفيلم إلى ساحة المعركة في ڤيتنام، حيث يطرح كوبريك نقداً مباشراً للحرب وتساؤلات حول مغزاها ومعناها. الجنود الأميركيون يقتلون ويُقتلون، ويقدّم المخرج مشهداً لفتاة ڤيتنامية شابة تتصدى لهم، في دلالة رمزية واضحة.

في معظم أفلام كوبريك، ثمة مواجهة حاسمة مع «الآخر»: مع الحاسوب في «2001: أوديسا الفضاء»، ومع المجتمع الذي ينتج العنف في «البرتقالة الآلية»، ومع الانهيار النفسي الفردي في «اللمعان».

أما فيلمه الأخير «عينان مغمضتان باتساع»، فيدور حول جماعة سريَّة تتيح لأعضائها الانغماس في الشهوات بلا قيود، وليس هذا العالم السري الذي يرسمه كوبريك بعيداً تماماً عن الواقع، إذ كشفت قضايا حديثة، مثل قضية جيفري إبستين، عن شبكات مغلقة تتقاطع فيها السلطة مع الرغبات والنفوذ.


توقيف 3 أشخاص بعد محاولة إحراق مقر وسيلة إعلام إيرانية في لندن

ضباط الشرطة في موقع طوق أمني بالقرب من كنيس فينشلي يوم 15 أبريل (أ.ف.ب)
ضباط الشرطة في موقع طوق أمني بالقرب من كنيس فينشلي يوم 15 أبريل (أ.ف.ب)
TT

توقيف 3 أشخاص بعد محاولة إحراق مقر وسيلة إعلام إيرانية في لندن

ضباط الشرطة في موقع طوق أمني بالقرب من كنيس فينشلي يوم 15 أبريل (أ.ف.ب)
ضباط الشرطة في موقع طوق أمني بالقرب من كنيس فينشلي يوم 15 أبريل (أ.ف.ب)

أعلنت الشرطة البريطانية، الخميس، توقيف ثلاثة أشخاص على خلفية محاولة إحراق مكاتب وسيلة إعلام ناطقة بالفارسية في شمال غربي لندن.

وقالت الشرطة، وفق وكالة «رويترز»، إن حاوية مشتعلة أُلقيت مساء الأربعاء باتجاه مقر الوسيلة الإعلامية، التي لم يُكشف عن اسمها، في منطقة ويمبلي، وسقطت في موقف سيارات حيث انطفأت النيران من تلقاء نفسها، من دون تسجيل أضرار أو إصابات. وأضافت أن عناصر الأمن طاردوا لاحقاً سيارة سوداء يُعتقد أن المشتبه بهم فرّوا على متنها من موقع الحادث، قبل أن تتعرض لحادث.

وأوقفت الشرطة شابين يبلغان 19 و21 عاماً، إلى جانب فتى يبلغ 16 عاماً، للاشتباه في ارتكاب جريمة حريق متعمّد مع تعريض حياة الآخرين للخطر، وتم احتجازهم قيد التحقيق. وأوضحت أن الحادث لا يُصنّف عملاً إرهابياً، لكن عناصر من مكافحة الإرهاب يشاركون في التحقيق.

وجاءت هذه الواقعة بعد يوم من توقيف مشتبه بهما على خلفية محاولة إحراق منفصلة استهدفت كنيساً في شمال لندن أيضاً، رغم تأكيد الشرطة أنه لا توجد صلة بين الحادثين حتى الآن.

وفي الشهر الماضي، أُضرمت النيران في عدد من سيارات الإسعاف التابعة لخدمة الطوارئ التطوعية اليهودية «هاتزولا»، أثناء توقفها قرب كنيس في منطقة غولدرز غرين شمال لندن.

وكانت السلطات البريطانية قد حذّرت سابقاً من تهديدات تستهدف صحافيين يعملون في وسائل إعلام ناطقة بالفارسية تنتقد الحكومة الإيرانية. ففي عام 2024، تعرّض صحافي يعمل في قناة «إيران إنترناشيونال» للطعن في ساقه قرب منزله في جنوب لندن.

كما كشف رئيس جهاز الأمن الداخلي البريطاني (MI5) في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي عن أن الجهاز والشرطة أحبطا أكثر من 20 مخططاً مدعوماً من إيران لخطف أو قتل مواطنين بريطانيين أو أفراد مقيمين في المملكة المتحدة تعتبرهم طهران تهديداً.


شاشة الناقد- من الانقلاب إلى الطوفان: 3 أفلام بين السياسة والكارثة

«الحظيرة الحمراء» (مهرجان برلين)
«الحظيرة الحمراء» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد- من الانقلاب إلى الطوفان: 3 أفلام بين السياسة والكارثة

«الحظيرة الحمراء» (مهرجان برلين)
«الحظيرة الحمراء» (مهرجان برلين)

THE RED HANGAR

★★★★★

إخراج:‫ خوان بابلو سالاتو‬

تشيلي/ فرنسا (2026)

فيلم آخر من أفلام أميركا اللاتينية السياسية

ما زالت بعض أهم الأفلام السياسية تأتي من دول أميركا اللاتينية التي عايشت أوضاعاً وتقلبات عنيفة مع انتقال سلطة قائمة إلى أخرى، غالباً بالعنف وحملات الاعتقال والاضطهاد.

في «الحظيرة الحمراء» (والمقصود بها حظيرة مطار)، مستوحى من قصة واقعية عن ضابط الطيران جورج سيلڤا (يؤديه نيكولاس زاراتي)، يشهد الانقلاب العسكري الذي طوى صفحة الرئيس المنتخب ديمقراطياً سلڤادور أليندي عام 1973. صاحب الانقلاب العسكري حملات اعتقال لآلاف المؤيدين واليساريين.

الضابط سيلڤا يؤكد التزامه بالتعليمات العسكرية، ويكرِّر أنه مجرد بيدق في الخدمة وسينفذ ما يُؤمر به، لكنه في الوقت نفسه يشعر بالأسى لما يشاهده. يحاول السيطرة على مشاعره والبقاء على الحياد، لكن علاقته بالكولونيل الذي أشرف على تحويل الحظيرة إلى سجن تعذيب كانت متوترة.

في النهاية يُطرد من الخدمة ويدخل السجن لثلاث سنوات (وقد توفي في لندن قبل عامين).

لا مجال لسرد أحداث الفيلم (83 دقيقة)، إذ يقوم على حكاية محدودة التنوع تُمعن في تصوير المشاعر، يواكبها حوار مقتصد، ويرتكز أساساً على أداء زاراتي المتماسك خارجياً والمنفعل داخلياً.

هذا هو الفيلم الأول لمخرجه، وقد اختار تصويره بالأبيض والأسود تعبيراً عن ظلام تلك الفترة. لا تفوته لمحات تفصيلية ولا ملامح مكبوتة يعكسها الممثلون. هناك لقطات عديدة تنتمي إلى التفاصيل الملتقطة بعناية، وكل واحدة منها تؤكد موهبة مخرج يدرك تماماً كيف يلتقط اللحظة ويوظفها في فيلمه.

وتبرز هذه الصياغة الفنية في استخدام الصوت والموسيقى، في المقابل يعرض الفيلم ببساطة كيف تؤول التطورات، التي تدفع بقيادة المطار العسكري نحو القبول المطلق، خوفاً من عاقبة الكولونيل الذي بات الحاكم بأمره، ويحمل ثأراً قديماً ضد سيلڤا سيستخدمه حين يشاء.

ANCESTOR

★★★

إخراج: آدم خليل وزاك خليل

تسجيلي | الولايات المتحدة (2026)

بحث عن عظام مسروقة للسكان الأصليين

يستخدم هذا الفيلم عنواناً أصلياً لقبيلة من مواطني الولايات المتحدة، يعود تاريخ وجودها في ولاية ميشيغان إلى آلاف السنين، شأنها شأن باقي قبائل السكان الأصليين في أميركا. العنوان المستخدم هو «Aanikoobijigan»، ويعني «الأجداد».

الفيلم، من إخراج الأخوين آدم وزاك خليل، معني بسرد كيف تمكنت تلك القبيلة، عبر سنوات طويلة، من استعادة العظام التي نُبشت وسُرقت لتوضع في المتاحف من دون إذن أو حقوق.

«أسلاف» (مهرجان صندانس)

حسب المعتقدات المتوارثة، فإن أرواح الموتى الذين سُرقت عظامهم ستبقى هائمة إلى أن تعود تلك العظام إليها. المهمة صعبة، لذلك شُكِّلت مؤسسة ثقافية لحفظ التراث، وقد وُوجهت هذه المؤسسة، في البداية ولسنوات عدة، بتمنُّع المتاحف عن الاستجابة.

يشرح الفيلم ذلك عبر مقابلات مع شخصيات عدة (من القبيلة ومن البيض المؤيدين)، وينتهي بنجاح المحاولة واستعادة تلك العظام المنهوبة.

إنه فيلم غير متوقع من حيث الموضوع، ومباشر في تنفيذه وصنعته، يراد به توجيه الاهتمام إلى صورة من سوء معاملة البيض للسكان الأصليين. وفي فحواه، هو فيلم عن تاريخ من النظرة الفوقية التي لا تعير اهتماماً لأي معتقد أو تراث، ما يعكس عنصرية سادت التاريخ الأميركي منذ مئات السنين وحتى اليوم.

كان من الممكن إحداث بعض التنوع في الأسلوب المباشر للفيلم وانتقالاته بين الأطراف المختلفة ومواقفها، لكن، مع ذلك، فإن ما يقدمه ببساطة كافٍ لإثارة الموضوعات التي يطرحها.

THRASH

★★

إخراج: تومي ويركولا

كوارث | الولايات المتحدة (2026)

طوفان وأسماك قرش وضحايا

أفلام الكوارث، غالباً، كوارث فنية، تستغل فكرة: ماذا يمكن أن يحدث لو ضرب زلزال أو إعصار أو فيضان أو نيزك الأرض؟ خلال استعراض الحكايات، يتم تقديم أشخاص في أزمات ومواقف تنذر بالموت؛ بعضهم يموت فعلاً، والبعض الآخر ينجو قبيل إسدال الستار.

«سحق» (نتفليكس)

«سحق» (وهو عنوان غريب لفيلم) يدور حول إعصار يضرب بلدة ساحلية. ينجح قليلون في الفرار قبل وصوله، الذي يسبب فيضان البحر ويغطي الشوارع والطوابق السفلية من المنازل. لكن هذا ليس كل شيء؛ فهناك أسماك قرش تجول الآن في البلدة، تبحث عما تأكله من البشر.

ينتقل الفيلم، وفق إيقاع المخرج، بين حكايات شخصيات عدة تواجه العاصفة والطوفان والأسماك في وقت واحد، بدلاً من أن يمسك بزمام السرد عبر قصة واحدة أو اثنتين.

هناك تنفيذ نمطي بعيد عن الإبداع، وتمثيل مبرمج يسوده الخوف والصراخ. بعض الشخصيات مقدَّم على أساس أنه يستحق الموت، وأخرى تستحق الحياة، هكذا، وبكل سذاجة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز