هل يستطيع الإنسان أن يحيا ويدرك ذاته خارج بني قومه؟

هل يستطيع الإنسان أن يحيا ويدرك ذاته خارج بني قومه؟

الاثنين - 15 شهر ربيع الأول 1444 هـ - 10 أكتوبر 2022 مـ رقم العدد [ 16022]
تجمع في نيويورك سبتمبر الماضي حول «ليتل أمل»، وهي دمية لمهاجرة سورية خيالية تبحث عن والدتها أسوة بالأطفال المنفصلين عن عائلاتهم (إ.ب.أ)

ثلاث حقائق ينطوي عليها ويضمنها الشعور القومي في وجدان الإنسان الفرد: الانتساب إلى هوية تاريخية، والانتماء إلى جماعة حاضنة، ومعاندة العدم من أجل البقاء في سجل الزمن. في مقابل الضمانات الوجودية الإيجابية النافعة هذه، يَضطرّ الشعورُ القومي الإنسان إلى الخضوع لمصالح الجماعة العليا، والائتمار بتقاليدها وأعرافها، ومناصرة قراراتها وأفعالها في معترك العلاقات الناشطة بين الأمم، أو بين الأقوام، أو بين المجتمعات. لذلك كانت القوميّات، منذ نشأتها القديمة وعلى تعاقب أطوارها، سبباً خلفياً في إثارة العصبيات وإذكاء الاضطرابات وإشعال الحروب. فهل يستطيع الإنسان المعاصر، من بعد أن عاين أهوال الاقتتال القومي، أن يختبر انتماءه وانتسابه واستمراره الزمني الرمزي من غير أن يخضع لأحكام الوعي القومي المتشنّج وإملاءات الأنظومة الجماعية الضاغطة؟

لن أخوض في غمار تأريخ القوميات القديمة والوسيطية والحديثة، بل أكتفي بتأييد النظريّة التي تعتمد القرن الثامن عشر منطلقاً حديثاً لتجلّيات القومية، وطوراً متقدماً من أطوار تكوُّن هيئتها التاريخية التي اكتملت ملامحها في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، إثر تفكك المتّحدات الملَكية والإمبراطورية والسلطانية الكبرى: الإمبرطورية البروسية، والإمبراطورية النمسوية-الهنغارية (الهابسبورغ)، والقيصرية الروسية، والسلطنة العثمانية. لا شك في أن ظاهرة الانحلال هذه بعثت الشعور القومي في وجدان الشعوب الصغيرة المقهورة التي كانت ملتئمة في متّحدات كيانية أصغر قبل أن يبتلعها المستبدّ المقتدر.

أما العروة الوثقى التي تربط كل جماعة قومية على حدة، فيستجليها المرء بيسر في ضمّة من العوامل التوحيدية: العرق، والأرض، واللغة، والدين، والتاريخ المشترك، والتقاليد والأعراف والممارسات، أو قلْ الثقافة الجماعية الشعبية الواحدة التي منها تنبثق تصورات الكون الجامعة وتذوّقات الحياة الصاهرة. إذا اجتمعت هذه الحقائق في وجدان الإنسان الفرد، أحس للتوّ أنها تضمن له هويّته، وتُرسخ فيه كينونته، وتُعزز عنده مناعته الجوّانية. فإذا به يهبّ لنصرة جماعته والذود عن قوميّته التي تنعقد على تواطؤ الحقائق الكيانية التوحيدية هذه. غير أن الإحساس القومي البدائي هذا ينبغي أن يخضع لعملية تهذيبية نقدية تستصفي جوهر هذه الحقائق، وتهبُ الإنسان الهويّة الأرحب التي تليق به. لذلك لا بد من النظر الفاحص الموضوعي في كل حقيقة على حدة، حتى تتبين لنا مخاطر التشويه التي تصيبها حين يعتصم بها الإنسان الفرد اعتصاماً تعصبياً متشنجاً.

أبدأ أولاً بالعرق، فأذكّر بأن الأعراق الصافية وهمُ الأوهام في علم الأنساب. صحيح أن الجماعات القومية تختلف من قارة إلى أخرى، ومن محيط إلى آخر، غير أن الاختلاط العرقي رافق تاريخ البشر منذ تفتّح وعيهم الأول. فضلاً عن ذلك، لم يثبت حتى اليوم أن الفوارق البيولوجية بين الناس ترتبط بالصفاء العرقي على قدر ما ترتبط بالأحوال البيئية المناخية السائدة.

أنتقل ثانياً إلى الأرض لأبيّن أن الترحالية كانت سمة الحياة البشرية منذ أقدم الأزمنة. لم يَثبت لنا أن الأرض مكتوبة لقوم من دون سواهم، أو مفروزة لشعب من دون غيره. ذلك بأن الأرض مِلك الكون الأرحب، لا قدر الشعوب الملتئمة عليها. من البديهي أن يستقر قوم من الأقوام على أرض من الأراضي وفقاً لتواطؤ الأقدار والمصادفات. غير أن مثل هذا الاستقرار لا يمنحه حق الملكية المطلق، بل ينبغي أن تتوافق الأمم كلها على توزيع بقاع الأرض توزيعاً عادلاً، لا سيّما حين تتفاوت كنوز الموارد والمواد الثمينة بين منطقة وأخرى.

أمضي ثالثاً إلى اللغة لأؤكد أن الإنسان الفرد يدرك الوجود بواسطة لغته الأم التي تزوّده الأدوات والوسائل والمقولات الأساسية حتى ينخرط انخراطاً سليماً في معترك التاريخ. فاللغة، بحسب الفيلسوف الألماني هانس غيورغ غادَمر (1900-2002)، أصل الأصول وتقليد التقاليد والمؤسسة الرمزية الحاضنة. بيد أن الإنسان ليس أسيرَ اللغة الواحدة، بل يستطيع أن يتذوق غنى الوجود بالاستناد إلى الاختبارات التعبيرية التي تختزنها اللغات الأخَر، بحيث ينحت لنفسه هوية أخرى كلّما أتقن لغة جديدة.

أمضي إلى الدين، وفي يقين معظم الناس أنه الحقيقة الأنثروبولوجية الأعمق والأرسخ والأفعل. ما من أحد ينكر الأثر الوجودي الدامغ الذي يستثيره الدين وحقائقه وأحكامه وطقوسه وشعائره في وجدان الإنسان الفرد. ولكن الدين اختبار إيماني حر يربط الكائن الإنساني بمطلق متعالٍ ما ورائيّ غيبي إلهيّ لا يقوى أحد على إدراكه والإمساك به واستغلاله في بناء الهويات التاريخية المتعارضة. من حقائق الإيمان الخالص، بخلاف ذلك كله، أن يحرر الوعي من كل انتمائية قومية وتاريخية ضيقة، إذ إن الانفتاح على المطلق يضمن للإنسان الانعتاق من عصبياته المتشنجة. ومن ثمّ، لا سبيل إلى استغلال الدين وتوظيفه في تسويغ القومية.

أمرُّ بالتاريخ المشترك لأوضح أن اختبارات الناس، في جواهرها القصيّة، واحدة مشتركة تكشف لهم عن طبيعة انتسابهم إلى الوجود التاريخي. فالناس، على الرغم من تنوع تواريخهم الجماعية، يختبرون الولادة والنضج والمرض والألم والموت، ويتناسلون ويتكاثرون، ويتحابّون ويتباغضون، ويتقاربون ويتباعدون، ويعانون الكوارث الطبيعية والاضطرابات العلائقية، ويُهرقون الدماء في الاحتراب والاقتتال، وينشئون الممالك والدول ويضعون الدساتير والشرائع، ويُفصحون عن جوّانيتهم بواسطة الكلمة والريشة والنغم وما إلى ذلك من ضروب التعبير الثقافي. لا ريب في أن جميع هذه الاختبارات تستند إلى التصورات الفكرية الكبرى الناظمة الشاملة التي يستلّها الناس من مصادر الطاقات الإيحائية الدلالية التي تنطوي عليها ألسنتهم. بيد أن تنوع الألسنة لا يُبطل وحدة الجوهر الاختباري.

أنتهي بالتصورات الثقافية الناظمة التي منها تنبثق التقاليد والأعراف والممارسات، فأستدلّ بها على تنوع شرعي ضروري إغنائيّ سليم. ذلك بأن المعنى الإنساني الكوني يحتمل ضروباً شتّى من التعبير. فالناس الطافحون بالحيوية الإيمائية في أفريقيا يعبرون عن سعادتهم على غير ما يُفصح عنها الناس المنضبطون الخفِرون في الأوطان الأوروبية السكانديناڤية. فهل يسوّغ مثل الاختلاف الرائع هذا أن تنغلق القوميات وتتشنّج وتتعصب وتتنابذ وتتقاتل؟

ذكرتُ جميع الحقائق الأنثروبولوجية التي تنطوي عليها فكرة القومية حتى أبيّن للقارئ أن الإنسان يتجاوز بغناه الكيانيّ جميع الانطوائيات القومية المهلكة. لا أنكر أن الإنسان ابنُ بيئته، ينشأ وينمو وينضج في قرائن الانتساب التاريخي إلى أرض ومحيط وثقافة ومجتمع. بيد أن هوية الإنسان تتخطى كل الانتماءات، إذ إن الكائن البشري لا تستغرقه وتُطبق عليه الهويّة القومية، ولا الهويّة الدينية، ولا أي أنظومة إيديولوجية تدّعي العصمة المطلقة في رسم آفاقه، وتحديد إمكاناته، وتعيين سبُله. ذلك بأن الإنسان كائن الانفتاحات المشرَّعة القصوى، على ما كان يذهب إليه الفيلسوف الألماني هايدغر (1889-1976) الذي تغنَّى بقوميّته الجرمانية، ولكنه عاد فأخضعها لإملاءات سر الكينونة المنغلّة في ثنايا الكائنات والموجودات والأشياء.

من الواضح أني لا ألغي واقع الانتماء القومي الطبيعي، ولكنّي أحثّ الناس على النظر في قومياتهم نظرة نسبية تضع الحقائق في نصابها التاريخي الملائم. عوضًا عن أن نتحارب من أجل إثبات هويّتنا القومية الرجراجة، يليق بنا أن نتضامن في سبيل نصرة الإنسان الفقير المعذَّب المضطهَد في أرجاء المسكونة قاطبة. ما دامت الذات الإنسانية الفردية أساس الهويّات جميعها، فإن حقوق الإنسان ينبغي أن تقوم مقام الصدارة المطلقة. أما تدبّر الخلافات القومية بين الشعوب، فتنظر فيها مجالس الأمم المتحدة التحكيمية التي يجب أن تناصر شرعة حقوق الإنسان العالمية وتراعي أوضاع التاريخ وتقلباته.

لا بدّ، في الختام، من استجلاء الالتباسات التي تكتنف الشعور القومي على وجه العموم. ذلك بأن القوميّين، على اختلاف مسوّغاتهم الفكرية، يعبّرون عن رغبة صادقة في الاستمتاع الشرعي بكرامة جماعية لا يفوزون بها إلا بفضل دفاعهم المستميت عن هويّتهم القومية المشتركة. ذلك بأنهم، في سعيهم إلى الفوز بمثل هذا الاعتراف، يصْبون إلى الانتماء إلى جماعة شريفة، تنتشب جذورُها في تاريخ بطوليّ استثنائي عريق، ويرعاها قدَرٌ غيبيّ رفيع المقام، ويسوسها قائد جليل نابغ منحدر من أرومة الأصفياء. حين تنعقد الشروط الاستثنائية هذه، يتعزز الانسجام داخل الجماعة المؤتلفة، وتتضح التباينات التي تُفضي إلى إقصاء المختلفين الذين يعاكسون مثل المشروع القومي هذا. فتضطرب العلاقات بين الأقوام، وتتحول المشاعر القومية إلى تنافرات عدائية، واصطفافات حقديّة، وانسدادات عنفيّة فتّاكة. حينئذ تنقلب القومية إلى عصبيات وطنية متشنّجة تستسهل عنف الإقصاء والإبادة. أعتقد أن التحليل النفسي الذي أنشأه عالم السياسة والعلاقات الدولية السويسري بيار دُسِناركلنس في كتابه «القومية: ماضي وهمٍ (Le nationalisme : le passé d’une illusion)» يعرّي الشعور القومي من الرغبات الدفينة التي تستوطنه وتَعطبه بانحرافاتها الضارة.

خلاصة القول أن شعوب الأرض في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، ينبغي أن تكفّ عن الاحتراب المهلك، وأن تعترف بأن تسويغاتها القومية لا تمنح حروبها الإبادية ما تُصرّ على نيله من شرعية قانونية دولية وضمانة أخلاقية عالمية. إذا قبل الناس مبدأ النسبية التاريخية وطبّقوه على تصوراتهم القومية، استطاعوا أن يتحرروا من محنة العنف المهلك، ومهّدوا لهم وللأجيال القادمة سبيل التسالم الكوني الذي يريح الأرض من مخاطر الإفناء المتربصة بنا. لا بدّ، والحال هذه، من أن يعترف القوميّون بأن قوميّتهم ليست الحقيقة المطلقة في فهم معنى الوجود الإنساني الفردي والجماعي.

* مفكر لبناني


اختيارات المحرر

فيديو