المفكر التونسي فوزي البدوي: الجدل الإسلامي ـ اليهودي كان هامشياً مقارنة بالجدل الإسلامي ـ المسيحي

قال لـ«الشرق الأوسط»: معرض الرياض مناسبة للتعريف بالثقافة التونسية وربط الصلة بين المشرق والمغرب

د. فوزي البدوي
د. فوزي البدوي
TT

المفكر التونسي فوزي البدوي: الجدل الإسلامي ـ اليهودي كان هامشياً مقارنة بالجدل الإسلامي ـ المسيحي

د. فوزي البدوي
د. فوزي البدوي

الدكتور فوزي البدوي، أستاذ الدراسات اليهودية ومقارنة الأديان بكليّة الآداب والفنون والإنسانيات في تونس، وعضو المجمع التونسي للآداب والعلوم والفنون (بيت الحكمة)، ومدير مجلة معهد الآداب العربية، وعضو مجلة حوليات الجامعة التونسية بكلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة، لديه عدد من الكتب والدراسات والأبحاث في علم الأديان والفنون والإنسانيات، من بينها كتابه المهم: «الجدل الإسلامي اليهودي»، وبحثه المعنون: «نبي الإسلام في مرآة اليهودية»، كما ترجم دراسة المستشرق البريطاني روبرت سيرجنت «العهود مع يهود يثرب وتحريم جوفها».
بمناسبة حضوره ومشاركته في معرض الرياض الدولي للكتاب، أجرت «الشرق الأوسط» معه الحوار التالي:

- صلة المشرق بالمغرب
> تشارك في فعاليتين خاصتين ضمن الفعاليات الثقافية لمعرض الرياض الدولي للكتاب. هل توضح لنا طبيعة هاتين المشاركتين؟
- مشاركتي في معرض الرياض هي تلبية لدعوة كريمة من إدارته، للحديث فيما اعتبره جزءاً من شواغلي الأكاديمية، وهو باب ترجمة النصوص الدينية، ضمن شاغل أعم، هو دورها في عملية المثاقفة بين الحضارات والأديان والقول الفلسفي في الحوار الثقافي المعاصر. وسوف أتحدث من خلال نماذج عن أهمية ترجمة أهم الآثار اللاهوتية في العصر الحديث، فيما تعرف بديانات الكتاب في مجالات اللاهوت، وفلسفة الدين، وتاريخ الأديان، وتأثيرها المنتظر والمرجو في عملية تجديد الفكر الإسلامي. هذا لأني أعتبر مشكلات الأديان في العصر الحديث متشابهة، وإن اختلفت الخصوصيات. ومثلما انشغل أجدادنا باستلهام الفكر اليوناني في تأسيس علوم الإسلام وضبطها، فإنّ المطلوب اليوم هو عدم الانغلاق، وربط الصلة من جديد بسُنة استنَّها أسلافنا. وسأخصص حيزاً لبيان أهمية دور الجامعات ومراكز الترجمة ومراكز الأبحاث في تحقيق هذه الغاية.
> كيف تجد الاحتفاء بالفكر والثقافة التونسية في معرض الرياض الدولي للكتاب؟
- معرض الرياض هو مناسبة مهمة جداً للتعريف بالفكر والثقافة في تونس، وربط الصلة بين المشرق والغرب الإسلامي، كما كانت تسميه المصادر القديمة. ومن المهم أن يطَّلع القارئ العربي والإسلامي من خلال هذا المعرض على إسهامات التونسيين في مجالات الفكر الإسلامي والترجمة، والأدب قصة ومسرحاً وشعراً، والفنون بشكل عام. ومن المهم أن يضع القارئ العربي في الحسبان أن تونس كانت إلى جانب لبنان ومصر موطن ما عرفت بالنهضة العربية في القرن التاسع عشر التي ساهمت في تجديد اللغة العربية والفكر السياسي والاجتماعي. فقد ساهم جامع الزيتونة من خلال أعلامه الكبار في دفع الإسلام إلى مواجهة العالم الحديث، من خلال تطوير الفكر المقاصدي علي يد العلامة الشيخ الطاهر بن عاشور، صاحب التفسير الشهير، والتنبيه إلى إصلاح التعليم الديني في كتابه «أليس الصبح بقريب»، علاوة على مساهمة الحركة الإصلاحية التونسية في قضايا تعليم المرأة وحريتها. وقدمت تونس للعالم العربي نصوصاً بالغة الأهمية علي يد المصلح الطاهر الحداد، لتلتقي بحركة الإصلاح المصرية والشامية. كما قدمت الشابي في مجال الشعر، وصولاً إلى ما تشهده تونس اليوم من ظهور روائيين كبار من الجنسين، تشهد الجوائز الكبرى التي يحصلون عليها على حيوية هذا الفكر في هذه الرقعة المهمة من العالم العربي الإسلامي. ولا شك أن لدى المركز التونسي للترجمة، والمجمع التونسي للآداب والفنون (بيت الحكمة) والجامعات التونسية، ومختلف دور النشر الحية، ما يقدمونه للإنسان العربي المهتم. والمملكة العربية السعودية باستضافتها تونس، وتنزيلها المنزلة التي تستحق باعتبارها «ضيف شرف» إنما تأتي فعلاً كريماً، وتعبر عن صداقة كبيرة ومتينة ممتدة، منذ الزعيمين الراحلين: الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود، والحبيب بورقيبة، اللذين كان لقاؤهما التاريخي سنة 1951 فاتحة علاقات ثرية ومستمرة.

- الدراسات اليهودية
> أنت أستاذ الدراسات اليهودية في الجامعة التونسية، ولك مساهمات فكرية عبر المؤلفات والكتابات والمقابلات، للدعوة إلى قراءة التيارات اليهودية وفهمها. ما هدف هذه القراءة؟
- فعلاً، أنا موكل باليهود واليهودية، أتتبع دراستها منذ زمن. وهذا الشغف بدأ من سنوات الشباب وامتد بعد ذلك إلى الجامعة، وما كان مجرد ولع صار مسألة خاضعة للشروط والضوابط الأكاديمية. والحقيقة أن الاهتمام باليهودية لا يحتاج إلى كبير تبرير؛ فالدواعي لا تخفى على أحد، فهي دينية وتاريخية ولغوية وسياسية بطبيعة الحال. ففيما يتعلق بالمسائل الدينية يعرف الجميع أن جزءاً كبيراً من التاريخ الإسلامي ونشأة الإسلام وظهور القرآن، مما له صلة باليهود واليهودية، وهو ما بينته في أكثر من مناسبة وفق مقاربة جديدة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى صلات النحو العبري والنحو العربي منذ أيام مروان بن جناح وسعديا الفيومي ويهودا حيوج.
أما في السياسة فالأمر لا يحتاج إلى فضل بيان، فنشأة الكيان الصهيوني ومن قبل الحركة الصهيونية احتاجت وتحتاج من العرب والمسلمين فهم هذه المستجدات، فهي ستظل تؤثر في تاريخ العرب الحديث وبقوة، وما لم يفهم العرب جيّداً وبطريقة علمية ما الذي حدث فإنهم لن يستطيعوا الإجابة عن كل التحديات الآنية والقادمة، والتي أزعم أنها خطيرة العواقب على وجودهم.
* هل لهذا السبب دعوتَ لتأسيس مراكز أبحاث في الدراسات اليهودية؟
- الحقيقة أني دعوت منذ سنوات طويلة، ولكني لم أفلح حتى اليوم، في أن ألفت النظر إلى ضرورة الإنفاق على تأسيس مراكز بحث حقيقية في الشؤون الإسرائيلية، وتخصص الدراسات اليهودية في الجامعات، وفق أفضل المعايير الدولية. وقد سعيت إلى فعل ذلك في تونس منذ بداية التسعينات، ولكني صرفت النظر تماماً عن الموضوع لكثرة العوائق، لأتفرغ إلى التدريس الجامعي، آملاً في تكوين جيل قد يتحمل المسؤوليات في المستقبل عندما تنضج العقليات، ولتكون للسياسيين الجرأة على فهم أن مكمن القوة هو المعرفة، وأن إسرائيل لا يمكن مواجهتها بالعنتريات التي ما قتلت ذبابة، كما يقول نزار قباني في «هوامش على دفتر النكسة».
> وهل ثمة منهج تقترحه؟
- في قضية المنهج، الأمر ليس معقداً؛ إذ يكفي امتلاك مناهج المعرفة التاريخية والفلسفية والدينية الحديثة في الوصف والتحليل والتوقع، والابتعاد قدر الإمكان عن العاطفيات، والاستعداد لتحمل كل التبعات التي يؤدي إليها البحث الحر، وهو ليس بالأمر الهين ولا المتوفر دوماً في عموم العالم العربي. وقبل هذا وبعده، يجب أن يتوفر القرار السياسي الذي يعتبر اليهودية والصهيونية وإسرائيل مسائل فائقة الأهمية، وتحتاج إلى أن توفر لها الدول العربية المال والكفاءات ومناخ الحرية الأكاديمية للعمل والإنتاج، إنارةً للقرار السياسي. وهذا أحد أوجه الحاجة إلى تفادي هذا التقصير الذي أدى –ويؤدي- إلى وخيم العواقب على العرب في العصر الحديث.
> هل قصّر العرب في الاشتغال بفهم اليهودية؛ ثقافةً وفكراً ومجتمعاً، عبر تأسيس مراكز دراسات متخصصة؟ أنت أشرتَ -في عديد من مشاركاتك- إلى أن إسرائيل فيها أكثر من 35 مركزاً للدراسات العربية، بينما لا يوجد سوى ثلاثة أو أربعة مراكز في العالم العربي!
- نعم، العرب مقصرون في الاشتغال باليهودية ومتعلقاتها من كل النواحي. وعلى الرغم من أن الريادة في الاهتمام في هذا المجال كانت للمصريين ثم السوريين والعراقيين واللبنانيين والتحق بهم المغاربة، فإن المُطّلع يعرف حجم العوائق التي تعاني منها هذه الأقسام من جهة المكتبات والتمويل والنشر. وكثيراً ما يُنظر إلى منتسبيها وخريجيها على أنهم «طابور خامس»! وأتذكر دوماً الحرقة التي لازمت أحد كبار هذا التخصص، المرحوم رشاد الشامي الذي لم يفلح في تحقيق حلمه في تأسيس مركز بأتم معنى للكلمة في هذا المجال. ويبدو أنني أسير على خطاه في نفض اليد من أن تتكفل جهة سيادية وسياسية بأخذ الأمور مأخذ الجدّ؛ لأنه لا يمكن التعويل في مثل جسامة هذه المسائل على المبادرات الفردية التي تظل مطلوبة في كل الحالات، وهذه هي حال المراكز القليلة في العالم العربي المهتمة بهذا الشأن، وهي: «المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية» المعروف اختصاراً بـ«مدار»، ومركز «الزيتونة للدراسات والاستشارات»، إضافة إلى «مؤسسة الدراسات الفلسطينية»، و«مركز الأبحاث الفلسطيني» الذي ترأسه الراحل أنيس صايغ، وقد سرق شارون محتوياته أثناء مداهمته في اجتياح لبنان. هذا علاوة على «معهد البحوث والدراسات العربية» التابع للجامعة العربية، و«مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية».
وكما هو ملاحظ، فإنّ عدد هذه المراكز قليل جداً، مقارنة بحجم التحديات السياسية والفكرية التي يعانيها العالم العربي. وقد تأسس أهمها في فترة الستينات، حينما كانت هناك إرادة سياسية لمواجهة إسرائيل. ولا شك في أن عددها قليل جداً مقارنة بما تتوفر عليه إسرائيل من المراكز البحثية التي تهتم بالعالم العربي والإسلامي من أقصاه إلى أقصاه. وهذا العدد الذي ذكرتُه في إحدى دراساتي إنما هو قديم جداً يعود إلى التسعينات، والواقع الحالي أكبر من هذا بكثير. وقد بينتُ في دراسة لي عن الجامعات الإسرائيلية وإنتاجاتها فيما يتعلق بالدراسات الإسلامية مثلاً، أن الأمر يبعث على الانشغال حقاً، فإسرائيل ليست قوية بصواريخها وأسلحتها وتكنولوجياتها فحسب؛ بل أيضاً بهذه الإرادة: إرادة المعرفة للعرب والمسلمين؛ معرفة تبذل لها الأموال وتكوّن الرجال، وهذا بلاغ للناس ولينذروا به.
> لماذا نحن بحاجة إلى دارسة اليهودية خصوصاً؟
- هذه الحاجة مُلحة وضرورية وعاجلة! وسأحدثك أولاً من الجانب الأكاديمي؛ فعندما أدرّس لطلبتي تاريخ اليهودية ديناً ولغة، فإنّ ما يتوفر لدي باللغة العربية لتقديمه لهم لا يقاس البتة بما هو متوفر في اللغات الأجنبية الأساسية، من جهة الكمّ والقيمة الأكاديمية. وهذا يحيل على توفر القادرين من الباحثين على بداية سدّ هذا الفراغ بشكل منظم ومؤسسي، ووفق خطة طويلة المدى، لتصبح اللغة العربية قادرة على توفير مادة محترمة وموثوقة من المعارف للأجيال القادمة، ولعموم الناس المتعطشين لهذه المعرفة؛ خصوصاً من الشباب.
> كيف يجب أن نقرأ اليهودية؟
- المواطن العربي اليوم تماماً كالباحث الشاب عندما يريد أن يدرس اليهودية، فهو ضحية لعدد من الأخطاء: أولها الثقافة الشعبية المتوارثة التي تجعلنا نفهم اليهودية من خلال الإسلام. وهذا خطأ فادح جداً، والمطلوب هو أن نفهم أولاً وقبل كل شيء اليهودية كما يفهمها معتنقوها، وأن نتحرر من الفهم الإسلامي لليهودية الذي قد يكون مطلوباً لاحقاً، ضمن منظور مقارني لا غير، أو للوقوف في وجه استراتيجيات للكتابة خطيرة، تنتشر في كثير من الجامعات أو المؤلفات أو الشبكات الغربية بالأساس، ولكن هذه مسألة ثانية في الترتيب. وقد ساهمت السياسة مع الأسف في فترة الستينات في تجهيل المواطن العربي باليهودية -على الرغم من بعض الجهد السليم- نتيجة خلط بين متطلبات المواجهة العسكرية والسياسية، ومتطلبات المعرفة وتحرير وعي المواطن العربي، وهو خلط ندفع ثمنه إلى اليوم. وتجربتي الشخصية في التعليم الجامعي جعلتني أصرف وقتاً ثميناً في بداية كل سنة أكاديمية، لتحرير عقول الطلبة من العوائق الفكرية والسياسية التي تمنع قيام معرفة أكاديمية سليمة، وخصوصاً تنظيف أدمغة الطلبة من الآثار المدمرة لانتشار أدبيات معاداة السامية البائسة المنتشرة في الأسواق، من نوع «بروتوكولات حكماء صهيون»، وكتاب «كفاحي»، و«الكنز المرصود في قواعد التلمود»، و«فطير صهيون» الذي يتحدث عن تهمة الدم التي لم يعرفها الإسلام إطلاقاً، وهلمّ جرّا، وهي أمور خطيرة جداً تحرّف المعرفة باليهودية، وتحرّف الصراع السياسي والعسكري، وتخدم الطرف المقابل أيّما خدمة، دعائياً وسياسياً.

- «الجدل الإسلامي اليهودي»
> لديك كتاب عن «الجدل الإسلامي اليهودي»، وأنت تُرجع هذا الجدل لمجموع النصوص التي تركها المسلمون حتى حدود القرن الـ16. ما طبيعة هذه النصوص؟ وماذا أسست في تكوين العلاقة بين الطرفين؟
- قضيت في الحقيقة نحو عقدين من الزمن لإعداد هذه الأطروحة، وكانت تسمى في تونس «دكتوراه الدولة»، وإنجازها هو الذي حملني على تحقيق حلم الطفولة في دراسة اللغة العبرية، في تحقيق لوصية الرسول الأكرم لزيد بن ثابت الأنصاري الذي أولى اهتماماً بالغاً بهذا، مع أنه كان أميّاً، ولم يكن محاطاً بمراكز للدراسات الاستراتيجية كما نقول اليوم (وأرجو أن تكون حاضرة في معرض الرياض إذا ما تم الانتهاء من المسائل الفنية)، وقد احتجت إلى اختصارها في مجلدين، بعد أن كانت في أربعة مجلدات، وقد توقفت عند القرن السادس عشر للميلاد أو العاشر للهجرة؛ لأن اهتمام المسلمين باليهودية من جهة التأليف والكتابة قد انتهى مع هذه الفترة، ولم نعد نعثر تقريباً على نصوص ذات بال. وعموماً فإنّ حقبة دخول العالم العربي وبعض الإسلامي تحت الحكم العثماني لم تؤدِّ إلى ظهور نصوص ذات بال، بالإضافة إلى أن القيمة المعرفية للكتابة حول اليهودية قد تضاءلت شيئاً فشيئاً، وغابت بعض مظاهر القوة في الردود التي تميزت بها نصوص القرن الرابع والخامس على وجه الخصوص، والنصوص الخالصة في الجدل لا تتجاوز السبعين بين مفقود ومطبوع ومخطوط، في حين أن النصوص اليهودية في الرد على المسلمين لا تتجاوز أصابع اليد، وهو عدد ضئيل جداً إذا ما قورن بالجدل الإسلامي المسيحي الذي كان أكثر أهمية وعمقاً. وقد سعيت في الحقيقة من خلال هذا العمل إلى سد الفراغ في هذا الاهتمام، بعد أن تم الاشتغال من قبل باحثين آخرين بالجدل المسيحي الإسلامي والإسلامي المسيحي، فقمت بدوري بسد هذا الفراغ من الجانبين، وباللغتين، بعد أن كانت هناك دراسات جزئية مبثوثة هنا وهناك.
> تقول إن الجدل الإسلامي اليهودي يعود لمجموع النصوص التي تركها المسلمون حتى حدود القرن 16؛ لكن الجدل يتخذ اليوم شكل الصراع. وسط الاشتباك الحضاري والسياسي، هل تغيرت غايات هذا الجدل؟
- كان أحد أهداف اهتمامي بهذا الموضوع هو إفهام مسلمي اليوم أن الصراع الحالي هو صراع جديد لا صلة له بما عرفه المسلمون قديماً في موضوع العلاقات الإسلامية اليهودية، وأن الصراع السياسي والعسكري اليوم مع إسرائيل هو صراع من نوع جديد مختلف كلياً، وأنه من العبث محاولة فهمه انطلاقاً من أدبيات الجدل القديمة، منهجاً واستراتيجياً ووسائل.
> هل تقول إن العالم العربي والإسلامي يتلقى تزييف وعي فيما يتعلق باليهود أو إسرائيل؟
- للأسف أجد هذا «العمى التاريخي» متفشياً في كثير مما تلقي به دور النشر العربية. وهو يفسد وعي المواطن العربي وفهمه لليهودية من ناحية، ولإسرائيل من ناحية أخرى. ومثلما فشل المسلمون في القرن التاسع عشر في التفريق بين أوروبا الأولى المسيحية التي عرفوها في القرون الوسطى وأوروبا الثانية: أوروبا الاستعمار في مرحلة الإمبريالية بالمفهوم الاقتصادي للكلمة المغلفة بقشرة دينية، وتعاملوا مع الثانية بمنطق الأولى، فكذلك يفعل غالب العرب اليوم حينما يعتبرون إسرائيل اليوم هي اليهودية القديمة التي حاربوها من خلال مسائل النبوة والنسخ والتحريف وما إلى ذلك.
> إذن ما هي إسرائيل اليوم؟
- إسرائيل اليوم هي نتيجة مسار معقّد للفكر الغربي المسيحي من ناحية، ولتطورات داخلية للجماعات اليهودية الأوروبية بالأساس. بدأت منذ الأنوار الغربية الخارجة من رحم البروتستانتية، ثم من رحم الأنوار اليهودية المعروفة بـ«الهاسكالاه» كحل سياسي ثالث وأخير لفشل الاندماج لأسباب معقدة. ولم تتدخل اليهودية في مسار تشكل الحل الصهيوني إلا بشكل متأخر، لم يتضح جلياً إلا بعد اندماج الصهيونية السياسية بفكر الربِّي أفراهام يتسحاق كوك، فيما عُرفت بـ«الصهيونية الدينية» التي ستدخل الحياة السياسية بقوة منذ السبعينات مع النكسة العربية، لتتحول شيئاً فشيئاً إلى قلب نظام الحكم في إسرائيل اليوم، وهذه الصهيونية لا صلة لها بالعلاقات الإسلامية اليهودية القديمة، ولا بالجدل الديني القديم إلا في حدود ضيقة جداً جداً. وباختصار: إذا كان عليك أن تفهم إسرائيل والصهيونية فالأفضل أن تفهم تاريخ يهود أوروبا والمسيحية أولاً، وليس تاريخ الإسلام.
> أنت ترى أن الجدل الإسلامي اليهودي هو «هامشي» إذا ما قيس بالجدل الإسلامي المسيحي. وأنت ترى أن سرديات الجدل مع المسيحيين كُتبت في عصر القلق الإسلامي من الإمبراطوريات المسيحية وما تمثله من خطر على المسلمين، بينما لم يكن لليهود سلطة تمثل تهديداً، ولذلك كان الجدل معهم هامشياً. هل توضح لنا هذه الفكرة؟
- نعم، كان الجدل الإسلامي اليهودي هامشياً مقارنة بالجدل الإسلامي المسيحي، من جهة عدد النصوص أولاً، ومن جهة عمق الخلافات. ذلك أن الخلافات الإسلامية المسيحية خلافات عقائدية بالأساس، ترجع إلى قضايا الألوهية والتثليث وطبيعة المسيح والفداء والصلب، أو ما عرفت بـ«المسيحولوجيا»، وهي قضايا معقدة تساندها قوى سياسية وإمبراطوريات شكلت مصدر قلق للمسلمين، وصراعاً لقرون عديدة؛ بينما لم تكن لليهود هذه المكانة، وكان الخلاف معهم بالأساس فقهياً في غالب الأحوال، ومرتبطاً أيضاً بقضايا النسخ والتحريف والنبوة، في حدود لا تصل إلى عمق وشدة الخلاف المسيحي الإسلامي. ولم يشكل اليهود بعد أن أنهى الرسول والخلفاء من بعده تأثيرهم السياسي والعسكري في الجزيرة تحدياً؛ ذلك أن النبي أدرك بعد السنة الثانية للهجرة ضرورة إنهاء الوجود السياسي والعسكري ليهود يثرب، وحفظ لهم وضعيتهم العقائدية بأن اعتبرهم أهل كتاب، ووضعيتهم الاجتماعية داخل المدينة الإسلامية بأن اعتُبروا أهل ذمة، ولم يتسببوا في قلاقل للإمبراطورية الإسلامية إلا في فترات قصيرة زمن العباسيين مثلاً، ولم يكن ذلك ذا بال في السير العام للتاريخ الإسلامي إلى حدود 1947.
> لديك بحث بعنوان «نبي الإسلام في مرآة اليهودية»، ألا ترى أن المسلمين ليسوا وحدهم من يرسم صورة مشوهة عن الآخر؟
- يعرف كثيرون الصورة السلبية التي رسمتها المسيحية في القرون الوسطى للنبي -صلى الله عليه وسلم- ولا يعرف كثيرون أن اليهودية التقليدية قد نظرت إلى النبي بالصورة نفسها تقريباً، فنسر الكنيس الربي موسى بن ميمون كان يصف النبي بـ«المشوجاع»، وذلك في نصوص «دلالة الحائرين»، وفي «الرسالة إلى أهل اليمن»، وغيرهما، وكان القرقساني أيضاً يصفه بـ«الفسول»، وهي صفات سلبية وقبيحة، وكان هذا هو الحال في مناخ القرون الوسطى. والحقيقة فإنّ الأديان بشكل عام قليلاً ما ترسم صورة إيجابية عن الآخر، وهي في الحقيقة لا تكره الآخر بقدر ما ترسم صورة لنفسها في حقبة ما. ومثلما يقول أدونيس في عبارة شهيرة: «أنت لا تكرهني؛ بل تكره الصورة التي كوَّنتها عني، وهذه الصورة ليست أنا؛ بل أنت».
> ما أهمية دراسة تاريخ الأديان في تجلية الصورة؟
- أهمية تاريخ الأديان هي أنه يحرر هؤلاء المشتغلين بالأديان من هذه المناخات، ومن هذه الروح العدائية التي نحتاجها من أجل فهم حقيقي للآخر. وقد بينتُ في أكثر من محاضرة هذه الصورة التي شكَّلتها اليهودية للإسلام ولنبي الإسلام. وحللتُ من الجهة المقابلة كيف نظر المسلمون إلى أنبياء التوراة خصوصاً، كما تحدث عن هذه النظرة كتاب «الملل والنحل». وقد آن الأوان لكي نخرج من مناخات القرون الوسطى؛ يهوداً ومسلمين ومسيحيين.

- دستور المدينة
> ترجمتَ دراسة المستشرق البريطاني روبرت سيرجنت «العهود مع يهود يثرب وتحريم جوفها». سيرجنت وصف هذه الوثيقة بـ«دستور المدينة»، واستغرب قلة اهتمام الباحثين بها، يقول: «لم يعتنِ بها إلا قلة من المختصّين من المؤرّخين؛ سواء أكانوا من المسلمين أو المستشرقين الغربيين»، فما الذي تؤسسه هذه الوثيقة (العهود)؟ وعلى ماذا تتكأ؟
- هذه الوثيقة مهمة جداً في فهم تشكُّل نشأة الإسلام. ويعود جانب من أهميتها إلى أنها من الوثائق القليلة التي سَلِمتْ من النقد التاريخي العنيف الذي قامت به المدرسة المراجعية الأنجلوسكسونية، غير أن أغلب العرب امتشقوها في سياق جدالي منذ عصر النهضة في مواجهة الغرب، للقول إن الإسلام عرف أول دستور، وأول من تحدث عن حقوق الأقليات والمواطنة...إلخ، وهو أمر فيه نظر، يعرفه المحصلون، وفوَّتوا على أنفسهم فهم جوهر ما سُميت «الصحيفة»، وهو تلخيصها لأسس الرسالة المحمدية. فقد حددت هذه الصحيفة أولاً منزلة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في المدينة، باعتباره حكماً بين كل مكونات المجتمع اليثربي من اليهود والمسلمين وغيرهم، من خلال تحويل نظام التحكيم الجاهلي من نظام اختياري إلى نظام ملزم، يكون الالتجاء إليه قاطعاً وضرورياً، وتكون أحكامه ملزمة لأتباعه ولمن قبل ببنود الصحيفة. والأمر الثاني هو تغيير منزلة يثرب بتحويلها إلى «حرم»، تماماً كما كان وضع مكة، تأسيساً لسِلم اجتماعي ضروري، لترسيخ الدعوة، ووضع حد للفتن المسلحة. فقد كان على وعي بهشاشة التعايش بين الأنصار والمهاجرين، وهو الأمر الذي كشفته بوضوح غزوة بني المصطلق، ثم تلاه تغيير الاسم من يثرب إلى المدينة، في إشارة إلى وجود سلطة مركزية. ويبدو أن مفهوم المدينة كان في ذهن النبي نفياً مطلقاً لمفهوم القرية الذي ارتبط في القرآن بمعانٍ سلبية، لم تشذ عنها سوى مكة (أم القرى)، وقد سميت المدينة أيضاً «أكالة القرى».
أما الأمر الثالث، فهو نشأة مفهوم الأمة، حينما سيتم الحديث عن أمة المسلمين، والأمة الوسط التي أخرجت من صفوفها المنافقين واليهود. وهكذا يبدو أن ارتباط الأمة بالمدينة واضح جداً. فإذا كانت الأمة هي النقيض لمفهوم القبيلة والعشيرة القائمة على رابطة الدم والعرق والنسب، فإنّ المدينة هي النقيض لمفهوم القرية المرتبطة بالبداوة. والنبي باستقراره في المدينة؛ حيث انغلق الوحي، يكون قد ضمن لجماعة المؤمنين تواصلاً أساسياً بين هذه المفاهيم وعمق الرسالة المحمدية والكتاب.
ولا شك أن التحول من القرية إلى المدينة في صلب التفكير التاريخي هو دخول للأمة في التاريخ، وهو دخول سيكتمل بولادة مفهوم جديد كان غائماً في البداية، هو «الجهاد» الذي يدخل الأمة في تاريخ الجديد هو تاريخ الخلاص أو التاريخ المقدس، بالمعنى الذي يعطيه تاريخه الأديان لهذا المفهوم.
> تقول أيضاً إن الإسلام «مدين» في بداية نشأته إلى المكون اليهودي؛ لكون القرآن يتحدث في أجزاء واسعة من نصوصه عن اليهود والعلاقة بهم. أين وجه الفضل الذي تركته اليهودية على الإسلام؟
- وجه الفضل الأساسي هو تمكين الإسلام من الانفصال عن المكوّن اليهودي، بعد تمثّله وتشرّبه. فالإسلام من وجهة نظر هيغيلية هو التوليفة التي جاءت بعد الأطروحة اليهودية ونقيضها المسيحيّ، وهذا أمر يجب أن يهضمه المسلمون جيّداً. وقد وضحتُ هذا الانفصال رمزياً من خلال ثلاث مسائل: أولها حادثة عمر بن الخطاب، عندما غضب الرسول من فرحه بجوامع من التوراة التي جاء بها من بيت مدارس اليهود بيثرب، قائلاً له: «أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ ألم آتِ بها بيضاء نقية؟ لو كان أخي موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي. أنا حظُّكُم من الأنبياء، وأنتم حظِّي من الأمم»، ثم نصّ الصحيفة التي اعتبرت اليهود في البداية أمة مع المؤمنين: «لليهود دينهم وللمسلمين دينهم»، وهذه الصحيفة لم تعمر طويلاً، وبدأ الرسول في إخراجهم من مدينته أولاً، ومن كتابه ثانياً. ثم حديث: «إذا حدثكم بنو إسرائيل فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم»، بعد أن كان الأمر: «حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج». ولا شك أن هذا الانفصال عن التقاليد المسيهودية واليهودية بالذات، أمر معروف في تاريخ الأديان، ينبغي الاهتمام به والرجوع إليه.
> على عكس ما يعتقده الباحثون، أنت ترى أن «الإسلام من صميم التيار المسيحي– اليهودي» ووريثه الشرعي، وتطلق عليه وصف «المسيهودي»، فهل تفسر لنا هذه الفكرة؟ أليس الشائع هو أن المسيحية هي امتداد للتراث اليهودي؟
- في الحقيقة، لا يتحدث القرآن عن المسيحية؛ بل عن النصرانية أساساً، والمسيحية البولسية غائبة تقريباً كلياً عن المادة القرآنية، مقابل حضور لما يعرف بالتعاليم المسيهودية التي نقترحها لترجمة «jewish christianity»، وهي جماع حركات عاشت بعد قرن ونصف قرن تقريباً من ظهور المسيح، وتشكلت من جماعات يهودية انسلخت عن اليهودية التقليدية من جهة قبولها يسوع مسيحاً، وبقائها على التعاليم الهلاخية القديمة، وعرفت أوجها مع ما تعرف بكنيسة أورشليم، وستبدأ هذه الجماعات في الاندثار منذ أن طاردتها المسيحية البولسية واليهودية التقليدية، سواء بسواء، لأسباب يعرفها المحصلون لتاريخ هذه الجماعات، وهي عند تفرقها خوفاً من المطاردة والتعذيب، لجأ بعضها إلى الجزيرة العربية، وكان لها تأثير مهم في تشكل الحياة الدينية في الجزيرة قبل ظهور الإسلام وبعده بقليل. وظل أثر هذه الجماعات موجوداً حتى القرن الرابع للهجرة، تشهد بذلك نصوص القاضي عبد الجبار مثلاً في «تثبيت دلائل النبوة». وعلى كلٍّ، فإنّ هذا المنحى في البحث لا يستقيم إلا حينما ننخرط في مجال معيّن من الدراسة، هو تاريخ الأديان المقارن، وله ضوابط وشروط يعرفها المحصلون لهذا العلم.


مقالات ذات صلة

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

كتب المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

ليست المفاوضات مهارة يتقنها المديرون التنفيذيون بينما يعقدون صفقاتهم فحسب، ولا هي ممارسة غامضة حكراً على الدبلوماسيين في أروقة الأمم المتحدة.

ندى حطيط
كتب وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

في عهد قائد مسيرتنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وعضده الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء،

فيصل بن عبد الرحمن بن معمر
كتب باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

أنجز باحث سعودي دراسة علمية ضمّنها في كتاب صدر حديثاً عن تقنية بصمة الدماغ، في إطار يجمع بين علوم السمات الحيوية والعلوم العصبية المعرفية،

بدر الخريف (الرياض)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية
TT

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

ليست المفاوضات مهارة يتقنها المديرون التنفيذيون بينما يعقدون صفقاتهم فحسب، ولا هي ممارسة غامضة حكراً على الدبلوماسيين في أروقة الأمم المتحدة. إنها، في جوهرها، الفعل الإنساني الأقدم الذي رافق وجودنا على هذا الكوكب منذ اللحظة التي أدرك فيها أول كائنين من نوعنا أن البقاء يمكن تحققه بغير الصراع حتى الموت، عبر التفاوض على الموارد، والمساحات، والسلام.

تشتق كلمة مفاوضات باللغة الإنجليزية (Negotiation) من الجذر اللاتيني «Negare Otium»، التي تعني حرفياً «نفي الراحة» أو «حرمان النفس من الفراغ». وهذا التعريف اللغوي يختصر حكاية تاريخنا البشري: المفاوضات هي ضريبة العيش المشترك: عملية ذهنية شاقة تتطلب التخلي عن «الراحة» (التي قد تعني التمسك بالرأي أو الغريزة) للوصول إلى أرضية مشتركة.

لكن لماذا نتفاوض أصلاً؟ يجادل عالم الاجتماع جوناثان غودمان Jonathan Goodman في كتابه «منافسون خفيون Invisible Rivals: How We Evolved to Compete in a Cooperative World» بأننا لسنا «ملائكة» متعاونين بالفطرة، ولا «أشراراً» أنانيين بطبعنا. نحن ببساطة كائنات «تنتظر الفرصة». هذه «الفرصة» لاقتناص مكسبٍ دون تكلفة هي المحرك الخفي لكل صراعاتنا وتوافقاتنا. ومن هنا، فإن تاريخ المفاوضات هو في الحقيقة تاريخ محاولتنا المستمرة للسيطرة على هذه النزعة الانتهازية، والمقايضة تكون بذلك أول اختبار لترويض الغريزة.

في العصور السحيقة، لم يكن ثمة «مفاوض» محترف، بل بشر يطمحون للنجاة. حين بادل الإنسان الأول قطعة لحمٍ بحفنة من الحبوب، لم يكن يقوم بعملية اقتصادية فحسب، بل يُجري أول تجربة في «نظرية الألعاب» لحساب احتمالات الربح والخسارة. يرى روبرت أكسلرود Robert Axelrod في كتابه «تطور التعاون» (The Evolution of Cooperation)، أن تلك المبادلات الأولى كانت ضروريةً لإنشاء ما نسميه «المعاملة بالمثل». لقد تحتمّ على البشر إدراك أن التعاون هو الاستراتيجية الأكثر نجاحاً في الأمد الطويل، ليس بوصفنا «خيّرين بالفطرة»، بل لأن «الدماغ الاجتماعي» لدينا تطور ليقدّر: هل الطرف الآخر شريك يمكن الوثوق به، أم هو منافس خفي يترقب الفرصة للغدر بنا؟

ومع تطور المجتمعات، تحولت هذه المقايضات من التلقائية إلى هياكل مؤسسية (قوانين، عقود، أعراف). في بلاد ما بين النهرين ومصر القديمة، كانت العقود محاولة لتسييج «القيمة»؛ أي لمنع الأفراد من استغلال بعضهم البعض، ونقل المجتمع من منطق الغابة إلى قانون العقد.

تطور الأمر وصولاً إلى «صلح وستفاليا» في القرن السابع عشر، الذي وضع القواعد الأساسية للدبلوماسية الحديثة. منذئذ، أصبحت المفاوضات هي اللغة الوحيدة المعترف بها بين الدول، وغدا التنازل المتبادل هو الثمن الذي تدفعه الدول لتجنب الحروب الشاملة. إن تاريخ العالم هو فعلياً تاريخ للاتفاقات التي تم التوصل إليها، والحروب التي اندلعت حين فشلت هذه المفاوضات.

بيد أن هذه الهياكل ليست حصينة دائماً. فحين تنهار الثقة أو تتفاقم الطموحات بالربح، تنكشف هشاشة تلك القواعد، ويعلو صوت القوة فوق الحق. وعلى المسرح الجيوسياسي، تتخذ تمظهرات أكثر تعقيداً. خذ على سبيل المثال التوترات الأحدث بين الولايات المتحدة وإيران عندما لا تقتصر المفاوضات على الطاولة المستديرة في إسلام آباد؛ بل تتجاوزها لتشمل العقوبات الاقتصادية، والتحركات العسكرية، والرسائل المبطنة، والدبلوماسية الخلفية. وفي هذه البيئات، لا نلجأ فقط إلى العقلانية الاقتصادية، بل ندخل في متاهات علم النفس السياسي، حيث تُستخدم استراتيجيات قد تبدو غير منطقية لتحقيق مكاسب استراتيجية.

في خضم هذا الصراع الجيوسياسي، استعادت الصحف مصطلحاً تاريخياً مثيراً للجدل: «نظرية الرجل المجنون» (Madman Theory) في المفاوضات التي صاغها الحائز على جائزة نوبل توماس شيلينغ Thomas Schelling في كتابه «استراتيجية الصراع» (The Strategy of Conflict). وتقوم النظرية - التي اشتهرت في عهد الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون ومستشاره هنري كيسنجر خلال الحرب الباردة - على فكرة أن يقوم المفاوض بتبني سلوك يبدو «غير عقلاني» تجاه الخصم، لإقناعه بأن لديه استعداداً للذهاب إلى أقصى الحدود، حتى لو أدى ذلك إلى كارثة.

الهدف من هذا الجنون الموجه إخافة الخصم ليدفعه إلى التنازل طواعية دون الحاجة لخوض مواجهة مباشرة. ولكن في عالمنا المعاصر، ومع التداخل الكبير في شبكات المصالح العالمية، أصبحت هذه الاستراتيجية سلاحاً ذا حدين. فالمفاوضات اليوم تتطلب «بناء الثقة» أكثر من «بناء الرعب»، إذ إن التمادي في تكتيكات «الرجل المجنون» قد يؤدي إلى نتائج عكسية، فيفقد الأطراف القدرة على تقدير النوايا، ما يقود إلى سوء التقدير الذي لا تحمد عقباه. هل لا يزال هذا النهج صالحاً اليوم؟ ربما في التكتيكات قصيرة الأمد، لكنه بالتأكيد لا يبني استقراراً طويل الأمد.

وإذا كان أكسلرود يرى في المفاوضات أداة لتثبيت التعاون، فإن شيلينغ يرينا جانبها المظلم، حيث تُستخدم «الفرصة» (فرصة إخافة الآخر) لقلب الطاولة. هذا الانتقال من التعاون إلى الترهيب يعكس التحدي الدائم في عالمنا: كيف نحمي أنفسنا من «المنافس الخفي» الذي قد يستغل غياب القواعد لفرض إرادته؟

بسبب هذا التذبذب التاريخي بين التعاون والصدام، سعت مدارس الفكر الحديث لتقديم نهج بديل. الكتاب الأكثر تأثيراً في هذا المجال، «الوصول إلى نعم» (Getting to Yes) للباحثين في مشروع هارفارد للمفاوضات روجر فيشر وويليام أوري (Roger Fisher & William Ury)، أحدث قطيعة معرفية مع فكرة المفاوضات التنافسية. يدعو فيشر وزميله إلى «المفاوضات القائمة على المبادئ»، أي عزل المشاعر عن المشكلة، والبحث عن توسيع قالب الكعكة بدلاً من تناهش قطع منها. إن هذا النموذج هو في الحقيقة محاولة لتفكيك «المنافس الخفي» داخلنا، وتحويله من كائن يترصد الفرصة للغش، إلى شريك يدرك أن مصلحته الحقيقية تكمن في ازدهار شريكه.

اليوم، نقف أمام منعطف تاريخي يضع هذه المبادئ على المحك: الذكاء الاصطناعي. فهذا التطور الأحدث لا يغير أدواتنا التفاوضية فحسب، وإنما يعيد صياغة فضاء «الفرصة» نفسها. وإذا كان غودمان قد حذر من «المنافسين الخفيين» الذين يتربصون بفرص استغلال الآخر، فإن الخوارزميات اليوم توفر لهؤلاء المنافسين «غطاءً تقنياً» مثالياً.

ولذلك فإن التساؤل الآن ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيجعلنا أكثر عقلانية، إنما هل سيعزز من قدرتنا على «التلاعب الخفي»؟ إننا كنوع بشري نميل إلى تفويض المسؤولية الأخلاقية للآلة؛ فإذا «قرر» الذكاء الاصطناعي شروط العقد، من المسؤول حينها عن استغلال «الفرصة» لظلم الطرف الآخر؟ ولعل تحدي العقد القادم للمفاوضين سيتعلق بتصميم هياكل أخلاقية وقانونية تمنع الآلة من أن تصبح أداة مثالية للمنافس الخفي، وكيف نحافظ على «التعاطف الاستراتيجي» الذي هو جوهر المفاوضة البشرية، والذي لا تستطيع أي خوارزمية محاكاته.

من هذا المنطلق، لم يعد التفاوض التعاوني ترفاً أخلاقياً، بقدر ما هو استجابة تطورية لحقيقتنا ككائنات تعيش في بيئة مليئة بمنافسين يترقبون الفرصة. وعندما ننظر إلى الأزمات الكبرى اليوم من التغير المناخي إلى الانقسامات الجيوسياسية نجد أن الحلول الصفرية (أربحُ وتخسر) تعمق الأزمات وتطيل عمرها.

إن المفاوضات مسار حتمي سيفرض حضوره في تاريخ البشر، كفعلٍ تأسيسي يعيد تشكيل العلاقة بالآخر وبالذات في آنٍ واحد، ويفتح أفقاً للعبور من ماضٍ مديد حكمته غريزة اقتناص «الفرصة» بأي تكلفة، ذلك الماضي الذي تشكّل على إيقاع الغلبة، وتكرّست فيه القوة بوصفها امتلاكاً وإخضاعاً. وفي هذا العبور، تتجلّى القوة في صورةٍ أخرى: القدرة على التقاط ذلك الخيط الرفيع الذي تتقاطع عنده المصالح، وعلى الإصغاء إلى ما يكمن خلف الضجيج من إمكانات التلاقي العميق كأفقٍ أعلى للوجود الإنساني.

ومن هذا الفضاء، ينبثق الغد كثمرة وعيٍ يتجاوز وهم الانفصال ومنطق الفرصة، لتتبدّى حكمة التفاوض صيغةً لإعادة ترتيب العالم على أساس إدراك تشابكه البنيوي.


وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام
TT

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

في عهد قائد مسيرتنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وعضده الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء، تشكَّل مسار جديد للثقافة في المملكة بوصفه جزءاً أصيلاً من مشروع الدولة؛ ليعيد تعريف موقع الثقافة داخل الدولة. ودخل ضمن صميم مشروع وطني يرسخ بناء الاقتصاد والمجتمع والهوية معاً؛ إذ حدَّدت «رؤية 2030» هذا المسار بوضوح، حين ربطت الثقافة بجودة الحياة، وبالاقتصاد، وبصناعة الصورة الدولية للمملكة. ومن هنا بدأ الانتقال من رعاية النشاط إلى بناء القطاع.

ضمن هذا الإطار؛ عَملَت وزارة الثقافة بقيادة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، فنجحت في تحول هذا الملف من الطرح العام إلى التنفيذ المنهجي؛ وتأسَّست هيئات متخصصة لكل قطاع، من المكتبات والأدب إلى الموسيقى إلى الأفلام إلى التراث. هذا التقسيم لم يكن تنظيمياً فقط؛ بل مهنياً. كل هيئة تحمل مساراً واضحاً، وتمتلك أدواتها، وتعمل وفق مؤشرات أداء. بهذه الخطوة، انتقلت الثقافة من خطاب جامع عام إلى قطاعات إنتاجية محددة.

تغيَّر السؤال فعلياً، ولم يعد: ماذا سنعرض؟ بل: ماذا سنبني؟ الفرق بين السؤالين هو الفرق بين حدثٍ ينتهي وأثرٍ يتراكم؛ لذلك ظهرت برامج التدريب، ومسارات الابتعاث الثقافي، وحاضنات الأعمال الإبداعية. دخلت الجامعات، وارتبطت بالسوق، وبدأت المهن الثقافية تتشكل كخيارات عمل مستقرة لا كهوايات مؤقتة.

لم تأتِ الإنجازات منفصلة؛ ولكن كسلسلة مترابطة: تأسيس البنية النظامية؛ إطلاق الاستراتيجيات القطاعية؛ تمكين المستثمرين؛ توسيع الشراكات الدولية؛ كل خطوة تبني على ما قبلها؛ ولعل هذا ما منح المشروع تماسكه.

في ملف الصناعات الثقافية؛ حدث التحول الأوضح: النشر، السينما، الأزياء، التصميم، والموسيقى تحولت إلى أنشطة اقتصادية لها سلاسل قيمة واضحة. صدرت تراخيص، ودخلت شركات، وبدأت السوق تتشكل. في قطاع الأفلام مثلاً، تضاعف الإنتاج المحلي خلال سنوات قليلة، وظهرت دور عرض، وارتفع حجم الإيرادات. هذه مؤشرات سوق، لا مظاهر احتفالية.

أما التراث؛ فخرج من دائرة الحفظ إلى دائرة التشغيل. مبادرات، مثل: ترميم البلدات التراثية أعادت توظيف المكان. في جدة التاريخية والعلا وقرى عسير، ومؤخراً وليس أخيراً إطلاق المشروع الواعد بمشيئة الله (قرية سدوس التاريخية) بهدف عودة النشاط الاقتصادي إلى الأحياء القديمة؛ حيث فُتحت وستُفتح مشاريع ضيافة، ونشطت حرف مهمة، وارتفعت حركة الزوار. التراث هنا أصبح أصلاً منتجاً. هذا التحول يحقق معادلة واضحة: حماية الهوية مع توليد دخل.

ومؤخراً كان لي شرف حضور ملتقى القطاع غير الربحي الثقافي الأخير، بوصفه محطة عمل. كانت النقاشات فيه مباشرة، وتركزت على النماذج التشغيلية، والاستدامة، وقياس الأثر. طُرحت تجارب واقعية من جمعيات ومؤسسات استطاعت الانتقال من الاعتماد على الدعم إلى بناء مواردها. وبرز توجه واضح نحو الحوكمة، ورفع كفاية الإدارة، وربط التمويل بالنتائج. ما ميَّز الملتقى هو وضوح اللغة. لم يكن هناك ميل للتجميل، ولكن التركيز على التحديات الفعلية، وكيفية معالجتها بأدوات عملية. هذا المستوى من الطرح يعكس نضجاً في القطاع، ويؤكد أن المرحلة الحالية تتطلب كفاية تشغيل.

وفي هذا السياق، وضعت كلمة الوزير الإطار الجامع لهذه النقاشات، لتحوِّلها من أطروحات إلى مسار عمل ملزم. وجاءت لتغلق مرحلة وتفتح أخرى. الرسالة الأساسية كانت حاسمة. لا مكان لكيان ثقافي بلا نموذج عمل ولا مؤشرات أداء. الدعم مشروط بالنتائج: النماء والأثر، ولن يكون مفتوحاً. هذا التوجه الرشيد يدفع الجمعيات إلى إعادة بناء نفسها. ويسهم في ظهور هياكل إدارية، وخطط تشغيل، وشراكات تمويل. من التزم استمر، ومن اكتفى بالحماس تراجع!

إعادة تعريف «الشرعية الثقافية» تمثل جوهر المرحلة. لم تعد الشرعية تُمنح بالاسم ولا التاريخ؛ بل بالأثر: كم مشروعاً استمر أكثر من 3 سنوات؟ كم فرصة عمل وُفِّرت؟ كم برنامجاً درَّب على مهارات قابلة للسوق؟ هذه المعايير أصبحت المرجع. هذا التحول -بلا شك- سينعكس على القوى الناعمة للمملكة.

الحضور الثقافي الخارجي لم يعد مناسبات، إنما مشاركة مستمرة في معارض الكتاب، ومهرجانات السينما، وبرامج التبادل الثقافي. المنتج السعودي بدأ يصل بوصفه محتوى منافساً، لا تمثيلاً رمزياً.

وقد تغيَّرت العلاقة بين الدولة والمجتمع أيضاً بعدما حدَّدت الدولة بوصلة الاتجاه، ووضعت الأنظمة، ووفرت الممكنات؛ تمهيداً لدخول المجتمع شريكاً في الإنتاج؛ يستثمر القطاع الخاص؛ ويوسِّع القطاع غير الربحي من الأثر الاجتماعي. هذا التوزيع للأدوار سيخلق توازناً تشغيلياً؛ بما يخفف العبء عن الدولة ويرفع كفاية التنفيذ؛ لتصبح اللغة السائدة اليوم داخل القطاع الثقافي واضحة: أرقام؛ مؤشرات؛ عوائد؛ استدامة.

هذه اللغة الجديدة ستفرض الانضباط، وتحول دون استمرار المشروع الذي لا يقيس أثره. بهذا المعنى، تصبح الثقافة أداة بناء ونماء لا عنصر تزيين. تخلق مزيداً من الوظائف، وتطور مزيداً من المهارات، وتجذب كثيراً من الاستثمارات. وفي الوقت نفسه، تعيد صياغة العلاقة مع الهوية مورداً حياً يدخل في الاقتصاد والحياة اليومية.

وفي يقيني أن المرحلة المقبلة ستدفع نحو تعميق هذا المسار، وزيادة مساهمة القطاع في الناتج المحلي، وتوسيع التصدير الثقافي، ورفع كفاية الكيانات غير الربحية، وتعزيز حضور المدن الصغيرة في المشهد الثقافي.

بهذا الاتساق؛ يمكن قراءة ما يحدث بوصفه انتقالاً مكتمل الأركان: فكرة تتحول إلى مؤسسة، مؤسسة تنتج أثراً، أثر يستقر في حياة الناس. هنا فقط تكتمل دورة الثقافة كجزء من مشروع الدولة.

*المشرف العام على مكتبة الملك عبد العزيز العامة


باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ
TT

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

أنجز باحث سعودي دراسة علمية ضمّنها في كتاب صدر حديثاً عن تقنية بصمة الدماغ، في إطار يجمع بين علوم السمات الحيوية والعلوم العصبية المعرفية، ويُعد هذا الكتاب الأول من نوعه باللغة العربية الذي يتناول دراسة علمية منهجية لتقنية بصمة الدماغ.

يقول مؤلف الكتاب العميد الدكتور عادل عبد الرحمن العيد لـ«الشرق الأوسط»: «شهدت أنظمة السمات الحيوية تطوراً كبيراً خلال العقود الأخيرة، وأصبحت إحدى الركائز الأساسية في أنظمة التحقق من الهوية والأمن الرقمي في العالم، واعتمدت على خصائص فريدة أودعها الله في الإنسان مثل بصمات الأصابع، وبصمة قزحية العين، وملامح الوجه، وبصمة الصوت، وبصمة الحمض النووي. وقد أسهمت هذه الأنظمة في تعزيز الأمن في المطارات والمنافذ الحدودية والأنظمة المصرفية، وفي الجامعات ومراكز الأبحاث والمستشفيات والمنشآت الحساسة. غير أن التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي وظهور أساليب التزييف العميق وتقليد السمات البيولوجية، كشف عن تحديات جديدة تتعلق بموثوقية بعض هذه الأنظمة. وقد دفع ذلك العلماء إلى البحث عن جيل أكثر تقدماً من تقنيات التحقق يعتمد على خصائص أكثر عمقاً وأصالة، وهو ما أدى إلى ظهور مجالات السمات العصبية، التي تعتمد على النشاط العصبي للدماغ بوصفه أحد أعظم مظاهر التفرد الإنساني».

ويذكر المؤلف العيد أن «الكتاب يركز على تقنية بصمة الدماغ التي تعتمد على تسجيل النشاط الكهربائي للدماغ باستخدام تخطيط الدماغ الكهربائي وتحليل موجات الاستجابة المعرفية المرتبطة بالذاكرة، وعلى رأسها موجة التعرف P300 التي تظهر تلقائياً عندما يتعرف الدماغ على معلومات مخزنة مسبقاً في الذاكرة. وتكشف هذه الاستجابة العصبية عن حقيقة معرفية مهمة، وهي أن الدماغ يحمل توقيعاً معرفياً فريداً يعكس ما يعرفه الإنسان وما يختزنه في ذاكرته».

والكتاب يقدم، كما يضيف المؤلف، عرضاً علمياً لتطور أنظمة السمات الحيوية عبر التاريخ، بدءاً من الاستخدامات المبكرة للبصمات في الحضارات القديمة، مروراً بتطور علم بصمات الأصابع في القرن التاسع عشر، وصولاً إلى الأنظمة الرقمية الحديثة التي تعتمد على قواعد البيانات الضخمة والخوارزميات والذكاء الاصطناعي.

ويبرز الكتاب الدور السعودي المتقدم في تبني وتطوير تقنيات السمات الحيوية، حيث كانت السعودية من الدول الرائدة في المنطقة في بناء منظومات تحقق بيومترية متقدمة ضمن البنية الأمنية والتحول الرقمي. فقد شهدت المملكة خلال العقود الماضية تطوراً كبيراً في تطبيق أنظمة الهوية والبصمة من خلال مركز المعلومات الوطني وقطاعات وزارة الداخلية، إضافة إلى إدماج التقنيات البيومترية في أنظمة الأحوال المدنية والجوازات والمنافذ الحدودية والخدمات الحكومية الرقمية الأخرى، بما يتوافق مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030».

وأشار العيد إلى أن الكتاب يناقش الأسس العصبية والإدراكية لتقنية بصمة الدماغ، ويشرح البنية الوظيفية للدماغ وآليات الذاكرة والانتباه المرتبطة بتوليد الإشارات العصبية، إضافة إلى تحليل التطبيقات المحتملة لهذه التقنية في مجالات التحقيق الجنائي والأمن والتحقق من المعلومات. ويتناول كذلك الأبعاد القانونية والأخلاقية المرتبطة باستخدام التقنيات العصبية، مؤكداً ضرورة تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن وحماية الخصوصية والكرامة الإنسانية.

ويخلص إلى أن تقنية بصمة الدماغ تمثل مرحلة متقدمة في تطور أنظمة التحقق من الهوية، إذ تنتقل عملية التحقق من السمات الجسدية الظاهرة إلى الخصائص المعرفية العصبية المرتبطة بذاكرة الإنسان. كما يشير إلى أن التكامل المستقبلي بين علوم الأعصاب والذكاء الاصطناعي قد يسهم في تطوير أنظمة تحقق أكثر دقة وموثوقية، مما يجعل السمات العصبية أحد أهم الاتجاهات العلمية في مستقبل الأمن والتحقق من الهوية.

وبذلك يسعى الكتاب إلى تقديم مرجع علمي عربي يجمع بين العلم الحديث والتأمل في الإعجاز الإلهي في خلق الإنسان، ويواكب التطورات العالمية في مجال السمات العصبية وتقنيات التحقق المتقدمة، مع إبراز الدور المتنامي للمملكة العربية السعودية في تطوير وتبني هذه التقنيات.

هذا الكتاب هو السادس للدكتور العيد، إذ سبق أن أنجز كتباً عن الحاسب في علم البصمات، والأنظمة الآلية في القياسات الحيوية للتحقق من الشخصية، وأنظمة القياسات الحيوية والطموحات من التطبيقات العملية، وتطور التعرف والتحقق من الشخصية بالبطاقة الشخصية، والتحقق من الشخصية في العصر الرقمي.