آدم فتحي: «الشعبوية» تسعى لمأسسة «الفراغ الثقافي» وإخلاء المكان من أسلحة التنوير

الشاعر والمترجم التونسي لـ «الشرق الأوسط» {: الثقافة تخوض حرب مواقع ولن تنتصر فيها إلا مُوحدة ومتضامنة

الشاعر والمترجم التونسي آدم فتحي
الشاعر والمترجم التونسي آدم فتحي
TT

آدم فتحي: «الشعبوية» تسعى لمأسسة «الفراغ الثقافي» وإخلاء المكان من أسلحة التنوير

الشاعر والمترجم التونسي آدم فتحي
الشاعر والمترجم التونسي آدم فتحي

يعبّر الشاعر والمترجم التونسي آدم فتحي، المولود في الجنوب التونسي عام 1957، عن التزامه بقضايا الانسان وهمومه، مسخّراً الشعر الغنائي لتمثيل صورة المعاناة والبحث عن الحرية. سجل حضوراً مميزاً في المشهد الثقافي العربي، وغنى الشيخ إمام من قصائده: «يا ولدي»، و«اصحى طال النوم» وغيرهما، وشكل ثنائياً فنيّاً مميزاً مع لطفي بوشناق إذ غنى له العديد من القصائد من بينها: «سراييفو» و«أحمال قلبي الكبير»، كما شكل معه ثنائياً متفرداً، وعرف بانحيازه للفرق الموسيقية الملتزمة في الثمانينات، مثل (فرقة البحث الموسيقي)، و(الحمائم البيض)، كما كتب أغاني لحنّها مبدعون مثل الزين الصافي ومحمد بحر وغيرهم.
في مجال الترجمة، نقل آدم فتحي من الفرنسية إلى العربية مذكرات شارل بودلير «اليوميات»، وسبعة أعمال من مؤلفات الكاتب الروماني - الفرنسي إميل سيوران فترجم له: «مثالب الولادة»، و«المياه كلها بلون الغرق»، و«تاريخ ويوتوبيا»، و«اعترافات ولعنات»، و«تمارين في الإعجاب»، و«رسالة في التحلل»، و«السقوط في الزمن». كما ترجم روايتين لجيلبرت سينويه، بينهما «ابن سينا أو الطريق إلى أصفهان»، و«اللوح الأزرق» وروايتين لنعيم قطان بينهما «وداعا بابل». وفاز بجائزة «سركون بولص للشعر وترجمته» التي تقدمها دار الجمل في دورتها الثانية عام 2019.
وبمناسبة احتفاء معرض الرياض الدولي للكتاب بتونس (ضيف شرف)، أجرت (الشرق الأوسط) الحوار التالي مع الشاعر والمترجم التونسي آدم فتحي:

> لديك حضور مميز في المشهد الثقافي العربي من خلال أعمالك الشعرية والترجمة والقصائد الغنائية. أنت من الأصوات الإبداعية التي عبرت حاجز الجغرافيا لتتحول إلى أيقونات عالمية، كيف تصف علاقة المشهد الثقافي في تونس بالعالم العربي؟ وكيف يخلق تواصله وتفاعله؟
- يعيش المثقّفون في تونس جنباً إلى جنب مع شعبهم الصراع المحتدم نفسه، بين الأحلام العالية والطموحات الكبيرة من جهة، والنصال المتكسّرة على النصال من الجهات المقابلة. وعلى الرغم عن خصوصيّة هذه اللحظة فإننا نشترك في كثير مع المشهد الثقافي العربي بعناصره المغاربية والمتوسطية والأفريقية والآسيوية. نحن نعيش (كلٌ على طريقته) اللحظة الكاريكاتوريّة نفسها التي صوّرها فيلم (Don›t Look Up). حيث يغلب على المشهد الشعبوي العالمي الاستقطاب بين ثقافة الاستهلاك والغيبوبة من جهة، وثقافة الوعي التي يُهَمَّشُ مُمَثّلوها ويُتّهمون بالغياب بينما هم مُغيَّبون. كل ذلك من أجل مأسسة «الفراغ الثقافيّ» وإخلاء المكان لنوعٍ من «No man’s land» الخالي من الأسلحة الثقافية التنويرية المحررة. تلك هي المعاناة المشتركة للثقافة في العالم. لذلك فإن العلاقة التي تهمنا في المشهد الثقافي خارج الحدود، هي تلك التي تمدّ الجسور مع ممثلي هذه الثقافة في كل مكان. ثمّة حرب مواقع تخوضها هذه الثقافة ولا تنتصر فيها إلا موحدة ومتضامنة. ولعلنا نستعين على هذا الأمر بما يتيحه لنا لكوننا أبناء قرن جديد. لقد تغيرت من حولنا مفاهيم عديدة ليس أقلها مفهوم الحدود. وأصبح في وسع أي موقع إنترنت أن يضع حداً لاحتكار المعلومة. وأن يلعب دور «العاصمة الثقافية». وأن ينتقل من هامش إلى مركز. وأن يصنع الحدث داخل المشهد ككل.
الشعر والسياسة
> كتبت الأغنية العاطفية، لكنك حلقت مع الأغنية الوطنية، فغنى لك الشيخ إمام مثل أغنية «يا ولدي»، و«اصحى طال النوم»، وشكلت ثنائياً فنياً مميزاً مع لطفي بوشناق حين غنى العديد من قصائدك بينها «سراييفو» و«أحمال قلبي الكبير». هذا يظهر التزامك الراسخ بالقضايا الإنسانية والوطنية. ماهي الرسالة التي تحملها شاعراً مسكوناً بالهم الإنساني؟
- تقول إحدى الخرافات الطريفة إن الروح دخلت جسد الإنسان فأحسّت بضيق المكان وطلبت السماح لها بالخروج، فأُمِر الإنسان بالغناء وهكذا اتّسع الجسد أمام الروح فطاب لها المقام. هذا النوع من الأغنية هو الذي حاولتُ الكتابة فيه. إنّها أغنية تمرح وتلعب وتتوجّع وتسأل وتحلم، وعن طريقها يتحاور الإنسان مع جسده ومع العالم. من ثمّ لم أكتب الأغنية على أساس أنها عاطفية أو وطنية. الأغاني التي تفضلت بذكرها لا تعترف بالأغراض. وكذلك سائر الأغاني التي لحنها لي سائر الأصدقاء المبدعين مثل الزين الصافي، أو البحث الموسيقي بقابس، أو محمد بحر وغيرهم. أنا أطلب من الأغنية ما أطلبه من القصيدة. أن تقولني ذاتياً وحميمياً في لحظة كتابتها. فإذا عبّرت عن الموضوعي والعام فيما هي تعبّر عن ذاتي وخصوصياتي فأهلاً وسهلاً. ذاك ما تعلّمتُ من «الأغنية الشعبية» ككل وهي تصاحب الإنسان في أوجاعه ومسرّاته ولا تعترف بتقسيم أغراضي أو توظيفها. وذاك ما تعلّمت من تجارب الأغنية العالمية في مختلف اقتراحاتها، بداية من سيد درويش، والرحابنة، والشيخ إمام، وصالح الخميسي، ومارسيل خليفة، وزياد الرحباني، وصولاً إلى جورج براسينس، وبوب مارلي، وبوب ديلان، وغيرهم.
> ما رأيك بكتابة الشعر السياسي؟ كيف للشاعر أن يعبر عن تفاعله مع قضايا الإنسان والعالم من دون الوقوع في شرك المباشرة؟
- علينا أن نكف عن اعتبار السياسة فزّاعة. ليس من عمل في المدينة إلا وهو سياسة من جهة ما. بما في ذلك ممارسة الشعر والإبداع عامة. أما إذا كان المقصود وضع الشعر في خدمة هذه الفكرة أو هذا الحزب، فتلك مجرّد بروباغندا لا يمكن نسبتها إلى الإبداع. المرفوض هو تسييس الشعر وليس سياسة الشعر. لقد عرف كبار الشعراء كيف يكونون ساسةً كباراً بمعنى الحفر في العقول والوجدان وتخليص المخيال من كل قيد أو شرط. يستوي في ذلك هوميروس، وعنترة، وطرفة بن العبد، وبودلير، ورامبو، وصولاً إلى نيرودا، والسيّاب، وريتسوس ولوركا، وسعدي، ودرويش، وسركون بولص، ولا حدّ للقائمة. ولعلّ ذلك ما رمى إليه إيمي سيزار حين قال: «إذا أردتم أن تفهموا سياستي فاقرأوا شعري». عِلماً بألا علاقة لحضور السياسة في النص بإنتاج نصوص «مباشرة» أو ضعيفة. قد يتأتى ضعف بعض النصوص أحياناً من السمنة البلاغية والإفراط في العدول والاستعارة. وقد تكون المباشرة في كثير من الأحيان عنصراً جوهرياً من عناصر معمار النص.
الشعر والترجمة
> ترجمتَ من الفرنسية إلى العربية مذكرات شارل بودلير «اليوميات»، هذا الكاتب المسكون بالفرادة يقول: «هناك من لا يستطيع أن يلهو إلا وهو في قطيع.. البطل الحقيقي يلهو وحيدا »، وهذا الكاتب المتوثب دائماً يقول: «فاقد الروح، ميت بين موتى..» ماذا رأيت في هذا الكاتب؟ ما الذي يضيفه للقارئ العربي؟
- أشرت في مقدّمة الترجمة إلى أن في هذه اليوميات ما يتيح لنا رؤية وجه بودلير بلا ماكياج ولا رتوش. إلا أن فيها أيضاً ما يكشف لنا عن الشاعر نفسه كما عرفناه في قصائده وكتاباته النقدية. ذاك الشاعر المتمزق بين قاع الحياة وسطحها وبين أنفاقها الموحلة وآفاقها الروحية. مع فارق أنه في قصائده يمارس هذا التمزّق ويحوّله إلى شعر، بينما هو في اليوميات يسائله ويحاوره ومن ثم يكشف لنا عن أسراره بشكل غير معهود.
> قدمت للعربية أيضاً سبعة أعمال من مؤلفات إميل سيوران، كيف رأيت هذا الفيلسوف الروماني المتشائم كما في كتابه الذي ترجمته «المياه كلها بلون الغرق»، وهو القائل: «من يريد أن يكون أكثر مما هو فلن يلبث أن يكون أقل»، و«الواقع يصيبني بالربو».
- أعتقد أنّ سيوران أكثر مراوغة وانفلاتاً من أن يصنّف ضمن «الفلاسفة المتشائمين». بل إنه لا يرى نفسه فيلسوفاً أصلاً. من ثَمّ طرافته. إنه كاتب يستمتع باستفزاز قرائه ويحب أن يدفعهم إلى التشكيك فيما يتصورونه بديهيات، ويطيب له أن يغريهم بإعادة التفكير في كلّ ما يتوهمون أنه مسلّمات. تقرأ سيوران فتختلف معه، لكنه يمنعك من الدوران في حلقة مفرغة. تدخل كتاباته على الخطابات المتكلّسة فتخلخلها وترجّها وتساعدها على الانهيار. هكذا يكون لنصوصه أحياناً أثر شبيه بأثر المتفجرات في الجبال حين نريد أن نشقّ فيها طرقاً جديدة. لذلك رأيت ضرورة ترجمته إلى اللغة العربية. لقد كانت العربية واحدة من أكثر اللغات حيوية وجرأة في أيام الجاحظ، والتوحيدي، وابن رشد وغيرهم. وظلّت كذلك حتى وقت متقدّم. ولم تكن تخشى من المقارنة بأي لغة في العالم كلّما تعلّق الأمر بقول الجسد أو الدين أو السياسة أو بالتفكير في أيّ من التابوهات. إلا أن كتّاباً كثيرين من ممثلي العربية في هذا الزمن المتأخر، آثروا الحيطة وغلب عليهم الخوف والتكلّس. ولعل في وسع تنزيل مناخات سيوران في لغتنا أن يتيح نوعاً من «خلخلة الماموث».
> ترجمت كذلك روايتين لجيلبرت سينويه، بينهما «ابن سينا أو الطريق إلى أصفهان»، وروايتين لنعيم قطان بينهما «وداعا بابل». ما تضيف الترجمة لإثراء التراث الإنساني؟
- لا وجود لأيّ تراث إنساني في غياب الترجمة المبدعة، القادرة على تنزيل النصوص في لغة الاستقبال فإذا كأنها «في بيتها». ذاك ما فعله بودلير في الفرنسيّة حين «استضاف» إدغار ألان بو. وذاك ما فعله في العربية سامي الدروبي بالنسبة للأدب الروسي، وصالح علماني بالنسبة لأدب أميركا اللاتينيّة وكثيرون غيرهما. وأعتقد أن هذا ما عناه ساراماغو حين قال «نحن مدينون للكتّاب بالأدب الوطني، ومدينون للمترجمين بالأدب الكوني».
> بين الترجمة وكتابة قصيدة. ماذا تختار؟
- لا أقرّر مسبقاً كتابة القصيدة ولا أختار مسبقاً العمل الذي سأترجمه. الكتابة هي التي تختارني وليس العكس. ثَمّة روح تخاطبك من داخل الأشياء وتقول لك أنا بحاجة إلى جسد في لغتك. يحدث ذلك في الترجمة كما في الشعر. ولك أن تستجيب أو لا، وفق ما ترى في نفسك من مقدرة. أما إذا كنت تقصد المقارنة بين ممارسة الشعر والترجمة، فأنا لست ممّن يرون أن الترجمة درجة ثانية من الإبداع. الترجمة لا تقل أهمية عن إبداع الشعر والرواية. وهي تتطلّب عندي ما تتطلّبه كتابة القصيدة. ومن حسن حظّي أن ناشري يتفهّم ذلك.
> برأيك هل تخون الترجمة النص أحياناً؟
- إذا كنت تقصد بالخيانة ما ينتجُ تقنيّاً عن عدم توفر الشروط الأساسية لدى الترجمان، فهذا جزء من عيوب الكاتب الذي يتصدّى للخربشة من دون أن تتوفّر لديه شروط الكتابة. أما إذا كنت تقصد الخيانة في مفهومها الإبداعي، فأعتقد أنّها تحتاج اليوم إلى طرح مختلف. الكتابة ترجمة أصلاً. أي أننا لا نكتب شيئاً إلا ونحن نترجم. وحين نترجم نصاً فإن كثيرا منه يتبخر في الطريق. ذاك ما يسميه البعض «نصيب الملائكة» الذي لا بدّ من أن يتبخر كي يصبح العطر عطراً أو النبيذ نبيذاً. لا أحد يعرف النصّ الأصل، بل إنه غير موجود أو على الأقل غير متحقّق بالشكل الذي يتيح الوفاء لأصلٍ ما. هكذا لا يمكننا خيانة طرفٍ أو شيء لم نعدهُ بشيء. الخيانة «الإبداعيّة» جزءٌ لا يتجزأ من الترجمة لأنها جزء لا يتجزأ من الكتابة.
«نافخ الزجاج الأعمى»
> ماذا يقول «نافخ الزجاج الأعمى» في أيامه وأعماله؟ هل هو سيرة ذاتية تتعدى كاتبها لتشمل جيلاً تكسرت أحلامه بفعل صراعات السياسة؟
- أصبح على ذمة قرائه. يقوّلونه ما يريدون وليس لي أن أقوّله ما أريد. لكنّي واحد من قرائه أيضاً. من هذه الزاوية لعلي أراه يقول أحلامه المنكسرة بقدر ما يقول المنبعثة أيضاً من بين تلك الكسور. ولعلي أراه يصطدم بصراعات السياسة على طريقة نيتشه عند اصطدامه بما لا يميت، ليخرج أقوى وأشد بأساً.
> هل يمكن للأعمى أن «يتلمس طريقه في العتمة»، تقول: «انفخْ روحك في قصبتك/ افرح بأنك الأعمى/ افرح بأنك تضع يدك على كتف الأشياء، دائما من الجهة الخطأ/ ليس مهمّاً أنك لا ثمن الرغيف المرّ تعرف، لا ثمن اللدغة، لا ثمن النجمة تخور في سمائهم/ المهم أن تعرف أنك مهما رخُصت عليهم، فلا تقدّر بثمن».
- نحن لا نتلمّس طريقنا إلا في العتمة. لذلك يعيد «نافخ الزجاج» الاعتبار للعتمة بوصفها منبع الأنوار ومصبّها في وقت واحد. الشاعر في هذا الكتاب أعمى لكنّ عماه لم يدفعه إلى اليأس من الرؤية والفعل والحبّ. اليأس بالنسبة إليه ثديٌ يرضع منه الأمل. وهو يتعلّم من الأمل أن يرى بواسطة كائنات الزجاج التي ينفخ فيها من روحه، ثمّ يطلقها كي تتحرّر فيتحرّر معها ويشقّ طريقه في الحياة.
> قرأت لك ذات مرّة تقول: «لا يكفي أن نثور كي نتغير، بل علينا أن نتغير كي نثور» أين يقع التغيير الثقافي في هذا السياق؟
- التغيير الحقيقي يقع في العقل والوجدان. لأن الثورة طريق وليست محطّة في الطريق. وكي تشق هذه الطريق عليك أن تكون جديراً بها وإلا افتضح أمرك وظهر عجزك وتمخضت ثورتك المزعومة عن ردة كارثية.
هذا ما قصدته حين قلت إنه لا يكفي أن نثور كي نتغير بل علينا أن نتغير كي نثور. التغيير المقصود هنا تغيير ثقافي بالدرجة الأولى، بما تعنيه الثقافة من قيم وذهنيات وبنى تتأسّس عليها «المواطنة الجديدة». أما إذا لم نفعل ذلك، فنحن لن نكون في أفضل الأحوال سوى تجسيد لما ذهب إليه توكفيل بعد عقود من الثورة الفرنسية حين قال (بشيء من التصرّف): «يبدو أننا دمرنا الواقع السابق كي نعيش إلى الأبد بين أنقاضه».


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ
TT

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً مستقلة وشراكاتٍ عابرة للمتوسط. غير أن الأرقام، رغم ارتفاعها النسبي، لا تزال متواضعةً قياساً بحجم الإنتاج الأدبي العربي، فيما تظلّ إشكاليةُ الوساطة الثقافية وفخّ التوقعات الاستشراقية يُلقيان بظلالهما على هذه الصورة البرّاقة في ظاهرها.

لم تعد دار «سندباد» تحتكر نشر الأدب العربي في فرنسا كما كانت في السابق؛ إذ دخلت دور نشر أخرى في منافسة فاعلة لاستقطاب المواهب العربية الجديدة. ففي هذا السياق، استقطبت «غاليمار» أسماءً عربية في سلاسل مختلفة، وفتحت كلٌّ من «غراسيه» و«بايار» و«لو بروي دو موند» و«إليزاد» أبوابها أمام كتّاب عرب ناشئين.

سعيد خطيبي

والحدثُ التأسيسي الأبرز في هذه المرحلة هو انطلاق مجموعة «خمسة» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وهي شراكة تجمع دار «فيليب ري» الباريسية بدار «بَرزَخ» الجزائرية بقيادة الناشر صفيان حاجج، تختصّ بترجمة الأدب المغاربي المكتوب بالعربية من خمسة بلدان هي: الجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا وتونس. وفي أقلّ من عامين على انطلاقها، كشفت هذه المجموعة عن طاقة اكتشافية حقيقية؛ فقد كان من بين إصداراتها الأولى رواية الكاتبة التونسية أميرة غنيم «الكارثة بيت النبلاء» التي فازت بجائزة الأدب العربي عام 2024. أمّا دار «سندباد»، عرّاب هذا الحقل بلا منازع منذ خمسة عقود، فتواصل مسيرتها تحت إدارة الناشر السوري فاروق مردم بيه، وقد أصدرت حتى اليوم ما يزيد على ثلاثمائة عنوان، تضمّ الرواية والشعر والتراث الكلاسيكي، مستوعبةً أدبَ المشرق والمغرب معاً.

شادي لويس

وفي عام 2022، أطلقت الدار مجموعة «سندباد الصغير» للأدب مزدوج اللغة (عربي - فرنسي) الموجَّه إلى الناشئة، في محاولة جريئة لتجسير الهوّة بين جيلين ولغتين. وفي سياق برنامجها الأخير، أصدرت «سندباد» رواية «عين الطاووس» للبنانية حنان الشيخ بترجمة خالد عثمان، فضلاً عن «تاريخ قصير للخليقة وشرق القاهرة» للمصري شادي لويس، وكلاهما ضمن قائمة جائزة الأدب العربي 2025.

وإذا كان ثمة نصٌّ واحد استطاع في السنوات الأخيرة أن يختبر حدود المشهدين الأدبيين الأوروبي والعربي معاً، فهو رواية الفلسطينية عدانية شبلي «تفصيل ثانوي»، التي نشرتها «سندباد/أكت سود» عام 2020 بترجمة ستيفاني دوجول، فغدت ظاهرةً دولية نادرة في عالم الأدب العربي المُترجَم، وبلغت أصداؤها أرفع الجوائز الأدبية في أوروبا والولايات المتحدة.

عدانية شبلي

وعلى صعيد الأسماء التي شقّت طريقها إلى القارئ الفرنسي عبر هذه الدور، يبرز جيلٌ جديد، فالليبي محمد الناعس، الذي أصدرت له «لو برو دو موند» روايتَي «خبز على طاولة عمي ميلاد» و«نكهة الشاي المرّ»، رُشّح مرتين على التوالي لجائزة الأدب العربي، وباتت أعماله رهاناً تحريرياً ثابتاً لدى ناشره الفرنسي. أما الجزائري سعيد خطيبي فأصدرت له «غاليمار» في سلسلة «سيري نوار» رواية «نهاية الصحراء» بترجمة لطفي نية. ويوظف خطيبي التاريخ السياسي في بنية السّرد البوليسي.

وفي السياق ذاته، اختارت «بايار» نشر آخر أعمال المغربية ريم بطّال «سأنظر في عينيّ»، لتقطع بذلك مسافةً واسعة بين الكتابة النسائية العربية وجمهور فرنسي جديد. وأفرزت مجموعة «خمسة»، بدورها، اسمين تونسيين بارزين: أميرة غنيم بروايتها «الكارثة بيت النبلاء» الفائزة بجائزة الأدب العربي 2024، وأيمن دبوسي برواية «دفاتر الرازي». والحالة الأكثر رمزيةً في هذه الدورة هي حالة الكاتب الفلسطيني ناصر أبو سرور، الذي أمضى اثنين وثلاثين عاماً خلف القضبان في سجون الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن يُطلَق سراحه في أكتوبر 2025. وجد أبو سرور طريقه إلى «غاليمار» عبر روايته «حكاية جدار»، الصادرة بالفرنسية تحت عنوان «Je suis ma liberté» (أنا حريتي) بترجمة ستيفاني دوجول، وسرعان ما توّجته لجنة جائزة الأدب العربي لعام 2025 بالجائزة الكبرى بالإجماع، مانحةً إياه اعترافاً طالما حجبه عنه السجنُ وعزلةُ الأسر. ولم يكن هذا التتويج إعلاناً أدبياً فحسب، بل كان فعلاً سياسياً وأخلاقياً في الوقت ذاته.

وتوفّر أرقام السوق سياقاً لا غنى عنه لفهم هذا المشهد؛ فوفق بيانات نقابة الناشرين الفرنسيين (SNE)، بلغ رقم أعمال قطاع النشر في فرنسا 2945 مليون يورو عام 2023، ثم تراجع إلى 2901 مليون يورو عام 2024، مع انخفاض في عدد النسخ المبيعة بنسبة 3.1 في المائة. وتمثّل الكتب المترجمة في الوقت الراهن ما بين 19 و20 في المائة من مجمل الإنتاج النشري الفرنسي، مما يجعل فرنسا من أكثر الأسواق الثقافية الغربية انفتاحاً على الآداب الأجنبية. وبحسب أحدث بيانات «ليفر إيبدو/إلكتر» المتعلقة بعام 2025، بلغ عدد العناوين المترجمة إلى الفرنسية 12892 عنواناً؛ تستأثر العربية منها بنسبة 0.9 في المائة؛ أي ما يناهز مائة وستة عشر عنواناً، مسجّلةً ارتفاعاً بمقدار 0.2 نقطة مئوية قياساً بالعام السابق. وتجدر الإشارة إلى أن العقود المُبرمة على الأدب العربي تشمل في حالات كثيرة الحقوق العالمية لا الحقوق الفرنسية وحدها، مما يفتح آفاق الانتشار لتتجاوز الحدود الأوروبية.

وتُعدّ «جائزة الأدب العربي»، التي انطلقت عام 2013 بتعاون بين مؤسسة جان لوك لاغارديير ومعهد العالم العربي في باريس، مرجعاً أساسياً لقياس حضور الأدب العربي في سوق النشر الفرنسي. وقد تجلّى هذا الحضور في دورة عام 2025 عبر تنوع غير مسبوق شمل ثمانية أعمال لكتّاب من سبع دول عربية أصدرتها دور نشر فرنسية كبرى. كما شهدت هذه الدورة خطوةً لافتة بإنشاء منحة مالية مخصصة للمترجمين، ولم يكن هذا الزخم النشري ليكتمل في غياب جيل جديد من المترجمين ورثوا شعلة أسلافهم وأضافوا إليها. فإلى جانب ستيفاني دوجول الذي يُترجم منذ ثلاثة عقود أعمال حنان الشيخ وعدانية شبلي ومصطفى خليفة، ثمة لطفي نية المتخصص في الأدب الجزائري والمغاربي العامل مع «غاليمار» ومجموعة «خمسة»، وصواد لبّيزة التي ترجمت رواية أميرة غنيم فنالت بذلك جائزة ابن خلدون - سنغور للترجمة عام 2024، وهي جائزة مشتركة تمنحها المنظمةُ الدولية للفرنكفونية والمنظمةُ العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، وسارة رولفو التي تُترجم النثر الليبي.

بيد أن المشهد لا يخلو من نقاط ظل تستوجب التأمل النقدي؛ فرغم هذا الزخم التراكمي، تظلّ مكانة الأدب العربي في المنظومة النشرية الفرنسية هشّةً في بعض مفاصلها. فعدد الترجمات السنوية يبقى محدوداً قياساً بضخامة الإنتاج الأدبي العربي. وقد أفاد مردم بيه بأن مبيعات نجيب محفوظ (الكاتب العربي الأكثر قراءة في فرنسا) تراجعت من عشرة آلاف نسخة إلى نحو ألف وخمسمائة في غضون عقود، عاكسةً تراجعاً أعمق في انفتاح القارئ الفرنسي على الآداب الأجنبية المترجمة. يُضاف إلى ذلك أن الأسماء العربية المألوفة في هذا المشهد لم تتجدد كثيراً خلال العقود الماضية، مما يُضيّق النافذة أمام التجديد والتنوع الجغرافي والأسلوبي.

ويُلاحَظ كذلك أن الكاتب العربي لا يصل إلى دور النشر الكبرى في الغالب إلا عبر بوابة الجائزة الدولية أو الصدى الإعلامي خارج فرنسا، مما يعني أن الاعتراف لا ينبثق دائماً من قراءة مباشرة، بل كثيراً ما يتغذّى من سلطة الصدى الخارجي. ويظلّ الفخّ الأخطر هو الفخّ الاستشراقي المتجدّد: فالنص العربي الذي يتناول الحرب أو الديكتاتورية أو المرأة المقهورة أو أزمة الهوية يجد طريقه إلى دور النشر الفرنسية أسهل بكثير مما يجده النص المنصرف إلى أسئلة جمالية بحتة أو جدل فلسفي داخلي. وهو ما يعني أن ثمة مِصفاةً خفيّة تصوغ ملامح الأدب العربي المقبول في الفضاء الفرنسي، فتُعيد في نهاية المطاف إنتاجَ توقعات المتلقي عوضاً عن تحريرها.

وفي مواجهة هذه الإشكالية، تبقى باريس رمزاً للتكريس الأدبي بامتياز: فالنشر في فرنسا يمنح الكاتب العربي رأسمال رمزياً يتجاوز حدود اللغة؛ إذ كثيراً ما فتح الانتشار الأوروبي أبواب الترجمة في لغات أخرى، وأمدّ مسيرات مهنية كانت ستظلّ محلية لولا ذلك. غير أن هذه المعادلة تخفي وراءها سُلَّم قيم ضمنياً: يُقيَّم النص العربي في نهاية المطاف بمقدار ما يستهوي القارئ الفرنسي ويلبّي فضوله، أكثر مما يُنصَت فيه إلى ما يقوله عن نفسه وعن قارئه الطبيعي.


ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر
TT

ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر، ومنهم أحمد مصطفى البابي الحلبي الذي وُلد في أزقة قرية الباب بريف «حلب» 1816 ثم هاجر إلى القاهرة ليشبع شغفه في مجال الطباعة ونشر الكتب وتتحول مطبعته إلى واحدة من أشهر وجهات التراث العربي في الفترة من عام 1859 حتى 1960.

هذا ما يكشف عنه الباحث أشرف مؤنس في كتابه «مطبعة البابي الحلبي – ودورها في حركة الطباعة والنشر في مصر والعالم العربي»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، مشيراً إلى أن المطبعة استهدفت في البداية خدمة الأزهر الشريف وطلابه من خلال نشر كتب الفقه والتفسير والحديث واللغة مع الحرص على دقة النصوص وجودة الإخراج الفني، لكنها توسعت فيما بعد لتشمل كنوز التراث في الشعر والأدب.

ولا يقتصر تميز مطبعة الحلبي على بعدها الطباعي، بل يمتد إلى إدارتها العائلية المتوارثة وسياستها التجارية الرشيدة التي ضمنت لها الاستمرار والانتشار داخل مصر وخارجها حيث يمثل أحمد مصطفى البابي الحلبي، مؤسس هذه النهضة العائلية، أنموذجاً للرجل العصامي الذي جمع بين الوعي الثقافي وروح الريادة الاقتصادية فأسس تقليداً أسرياً ظل فاعلاً لأكثر من قرن كامل.

انتقل الحلبي إلى مصر في أوائل عقد الخمسينيات من القرن التاسع عشر ضمن موجة الهجرة العلمية والتجارية إلى القاهرة حيث كان لمصر جاذبية اقتصادية وثقافية كبرى، واستقر في حي «الجمالية» قرب الجامع الأزهر، وكان مركزاً للحياة الدينية والفكرية والتجارية.

ومن خلال متابعته الواعية لمجريات الحياة آنذاك سرعان ما أدرك الحلبي مبكراً حاجة طلاب الأزهر والعلماء إلى كتب مطبوعة بدلاً من الاعتماد على المخطوطات القديمة، حبيسة الخزائن، كما تأثر بأفكار رواد النهضة الفكرية المصرية آنذاك؛ مثل رفاعة الطهطاوي (1801-1873) وعلي باشا مبارك (1823-1893) وجمال الدين الأفغاني (1838-1897) ومحمد عبده (1849-1905).

وبفضل خبراته واتصالاته مع العلماء والأدباء، أسّس مطبعته الخاصة التي عُرفت في البداية باسم «المطبعة الميمنية» قبل أن يتغير اسمها لاحقاً إلى «مطبعة الحلبي» لتكون واحدة من أوائل المطابع الأهلية في مصر، واعتمدت أسلوب الطباعة بالحروف العربية، محلية الصنع، ما أضفى طابعاً خاصاً على مطبوعاتها، تميز بصرامة في التدقيق والمراجعة وقلة الأخطاء المطبعية، مع جمال الإخراج الفني.

بعد وفاة المؤسس أحمد الحلبي في عام 1898 عن عمر ناهز 82 عاماً، تولى أبناء إخوته إدارة المطبعة حيث لم ينجب أحمد أبناء من صُلبه؛ ولذا استدعى أبناء إخوته الذكور من بلدته «الباب»، ومنهم مصطفى وعيسى وبكري ليشاركوه في إدارة المطبعة.

تحولت المطبعة من نشاط فردي إلى مؤسسة عائلية لها امتداد تجاري وثقافي، وتوسع الإنتاج ليشمل كتب التراث الإسلامي والمعاجم والمراجع الجامعية، فضلاً عن طباعة رسائل أكاديمية، كما غدت مرجعاً للطلاب والباحثين في العالم العربي واشتهرت بطباعتها المتقنة للكتب التراثية.

شهدت الأربعينيات وبداية الخمسينيات ذروة نشاط المطبعة؛ فقد بلغ حجم الإنتاج السنوي للمطبعة نحو 7.5 مليون نسخة، ونشرت أكثر من 440 كتاباً بين عامي 1900 و1949، ما جعلها رائدة في نشر كتب التراث الإسلامي عالمياً؛ حيث أصبحت من أكبر دور النشر في الشرق الأوسط.

اعتمدت المطبعة نهجاً ريادياً في توظيف التقنيات الطباعية المتقدمة وتطوير الخطوط العربية، مما أضفى على إصداراتها هوية بصرية متفردة عُرفت بـ«طبعة الحلبي»، امتازت بدقة التنفيذ وسلامة المتون. وإلى جانب ثقلها المعرفي، شكلت المطبعة ركيزة اقتصادية مهمة؛ إذ أصبح «حي الحسين» بسببها وجهة عالمية لصناعة النشر، ومقصداً رئيساً للوراقين وطلاب الأزهر والمستشرقين من شتى البقاع.

اللافت أيضاً أن المطبعة مثلت جسراً حضارياً يربط عراقة التراث بمتطلبات الحداثة؛ حيث ساهمت بفاعلية في النهضة الثقافية عبر رفد الجامعات بالمادة العلمية الرصينة. وعلى مدار عقود، ظلت مطبوعاتها المرجع الأوثق للباحثين في العلوم الشرعية واللغوية، ما رسخ مكانتها كحارس للذاكرة العربية.

تصدرت «أمهات الكتب» قائمة منشوراتها، لا سيما في علوم التفسير والقرآن، مثل «تفسير الطبري» و«القرطبي» اللذين ظهرا في طبعات فاخرة ومنقحة. كما أولت عناية فائقة بالسنة النبوية، فأخرجت «فتح الباري» وشروح «صحيح مسلم»، فضلاً عن المراجع الفقهية الكبرى التي غطت أصول المذاهب الأربعة وفروعها بدقة متناهية.

ولم تقتصر رسالتها على العلوم الدينية، بل شملت كنوز الأدب مثل «لسان العرب» و«الأغاني»، ودواوين فحول الشعراء كالمتنبي وشوقي. وفي حقل التاريخ والسير، برزت طبعاتها لكتابي «تاريخ الأمم والملوك» و«البداية والنهاية»، لتكرس بذلك حضوراً لافتاً في المكتبة العربية.


تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية
TT

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث التي تؤهله للانتشار العالمي، مع التركيز على المعوقات التي تعترض نقله إلى اللغة العربية، عبر اللغة الصينية الأصلية، وليس عبر لغات وسيطة، في وقت يشهد تصاعداً في التواصل بين بكين والعواصم العربية على المستويات الثقافية والاقتصادية والسياسية.

ويندرج الكتاب ضمن حقل «دراسات الترجمة»، التي تعاني من الندرة بالمكتبة العربية؛ إذ يسلط الضوء على مسار ترجمة الإبداع الصيني للغة الضاد، لا سيما الأعمال التي تعد من «الروائع العالمية»، وتحديداً المنتمية لمدرسة «البحث عن الجذور»، التي يعد مو مويان من أهم أقطابها، بهدف التعرف على الروح الصينية الحقيقية، والابتعاد عن الصورة السطحية النمطية التي تختصر حضارة «بلاد التنين الأحمر» في شعب غريب الأطوار يأكل الحشرات، أو مجرد البراعة في الرياضات القتالية، كما في أفلام بروس لي ورياضة «الكاراتيه» التي صدّرتها هوليوود للعالم.

ويرى المؤلف أن الهدف السينمائي هنا يتمثل في تشويه الانطباع حول بلد يرى الغرب مصلحته في تسطيح صورته الذهنية، مع حصد أرباح مادية بالتأكيد، ومن هنا تبرز ضرورة الانفتاح عبر الترجمة على الأدب الصيني المعاصر، للمساهمة في تقويم تلك المفاهيم الضحلة.

ويشدد علي عطا على ضرورة إدراج دراسات الترجمة بمناهج اللغة الصينية في الأكاديميات العربية، مع ملاحظة صدور مؤلفات عديدة حول الأدب الصيني في القرن العشرين مترجمةً للعربية، مقابل غياب تام لترجمات تخص أدب الربع الأول من القرن الحالي. ويسري ذلك النقص على نقد الأعمال الصينية المترجمة، فلا يتوفر كتاب بحثي يحللها نقدياً ضمن سياق الترجمة أو الأدب المقارن، رغم ما تعرِض مقدمات المترجمين لهذا الجانب أحياناً.

ويشيد المؤلف في هذا السياق ببحث قدمته دكتورة دينا بيومي بعنوان «المهمشون في الرواية الصينية والرواية المصرية المعاصرة»، وقد وازنت من خلاله بين رواية «مذكرات بائع الدماء» للصيني يوهوا، ورواية «شكاوى المصري الفصيح» للكاتب المصري يوسف القعيد، والتي خلصت فيها إلى أن النصين يشكلان مادة ثرية لبيان حجم مكابدة هذه الفئات داخل الوسطين: الصيني والمصري؛ إذ برع الأديبان في تجسيد واقع شعوبهما الموجع والمضني في الخمسينات والستينات بالنسبة للجانب الصيني، والسبعينات بالنسبة للجانب المصري.

وترصد دراسات أكاديمية عربية تصاعد الشغف بالنقل عن الصينية للعربية بالأعوام الأخيرة، مع بروز كوادر متخصصة وظهور مؤسسات نشر مهتمة بهذا الحقل، إلا أنه رغم ذلك، لا تزال هناك عقبات تخص ندرة الكوادر المحترفة، وهو ما يبرز الحاجة الشديدة لمزيد من المساندة الجامعية للتعريب من الصينية للعربية، إما عبر تقديم مسارات تدريبية احترافية، وإما عبر مساندة دور النشر والمبادرات الاستقصائية.

في المقابل، يلاحظ باحثون صينيون أنه رغم النجاحات، تواجه الصين والعرب تحديات في الترجمة والنشر؛ منها نمطية الكتب المترجمة وتذبذب جودتها وضعف انتشارها السوقي، فرغم التوجه العربي العام نحو الصين، يظل شغف الشباب العرب بالثقافتين اليابانية والكورية أكبر.

كما يفتقر الشباب الصيني للمعرفة بالمنطقة العربية مقارنة بالثقافة الغربية، ما يعكس قصوراً في النشر بالجانبين. ولتجاوز ذلك، يقترح هؤلاء الباحثون تنويع موضوعات الترجمة، وتكثيف جهود التسويق والتوزيع، مع ضرورة استقطاب القراء من مختلف المجالات للاهتمام بالإبداعات الثقافية المتميزة لتعزيز تأثيرها وجاذبيتها.