اختبار منزلي جديد يقيس مستوى الحماية ضد «كوفيد-19»

الطبيب هوغون لي (مستشفى الأطفال ببوسطن)
الطبيب هوغون لي (مستشفى الأطفال ببوسطن)
TT

اختبار منزلي جديد يقيس مستوى الحماية ضد «كوفيد-19»

الطبيب هوغون لي (مستشفى الأطفال ببوسطن)
الطبيب هوغون لي (مستشفى الأطفال ببوسطن)

على الرغم من الحصول على لقاح «كوفيد-19» ومعززاته، فإن الخوف من الإصابة يمثل هاجساً لدى كبار السن وأصحاب الأمراض الذين قد يحتاجون قبل اتخاذ قرار الذهاب إلى حفل زفاف أو حفلة موسيقية أو زيارة عائلية، التأكد من أن لديهم مستوى مقبولاً من الحماية ضد «كوفيد-19».
حتى فترة بسيطة، كان السبيل الوحيد للتأكد من ذلك، هو إجراء اختبار «بي سي آر» الذي يحتاج لوقت طويل حتى تظهر نتيجته، والبديل الذي أصبح متاحاً لكن لا يوصى بالاعتماد على نتيجته بشكل كبير لعدم دقته الكافية، هو اختبارات المستضدات المنزلية. ولحل هذه المشكلة توصل فريق بحثي يقوده الطبيب هوغون لي، من مستشفى الأطفال ببوسطن، إلى اختبار منزلي جديد أكثر دقة.
وخطرت فكرة هذا الاختبار إلى هوغون لي، عندما كان لديهم في مارس (آذار) 2020 طفل مصاب بورم دماغي، ستجرى له عملية زرع الخلايا الجذعية، وكان المريض مصاباً بأعراض السعال ومشكلات في حاسة الشم، وكان أحد أفراد أسرته مريضاً بـ«كورونا» في المنزل، ولم يكن معروفاً ما إذا كان المريض مصاباً أم لا، ولأن عملية الزرع تتطلب من الأطباء القضاء على الجهاز المناعي، حتى لا يقاوم الجهاز ما يتم زرعه، أصر لي على تأجيل العملية، للتأكد من عدم إصابة المريض بـ«كورونا».
يقول لي في تقرير نشره الموقع الإلكتروني للمستشفى في 29 سبتمبر (أيلول) الماضي: «في النهاية، تلقى الطفل عملية الزرع التي كان في أمَس الحاجة إليها؛ لكن فقط بعد أسبوع من الانتظار لإجراء اختبار سلبي لـ(بي سي آر) وعلاج أعراض شبيهة بنزلات البرد». وتساءل الدكتور لي وقتها: «لماذا الاختبارات محدودة للغاية؟ وما الاختبارات الأخرى التي سنحتاجها للتغلب على هذا الوباء؟ وهل يمكن تطوير اختبار سريع لمعرفة مقدار المناعة التي يتمتع بها شخص ما ضد (كوفيد-19)؟».
في ذلك الوقت، كان معظم العلماء يبحثون عن اختبارات يمكنها معرفة ما إذا كان شخص ما مصاباً بـ«كوفيد-19» نشيط ومُعدٍ. وأدت هذه الجهود إلى اختبارات المستضدات المنزلية التي نستخدمها اليوم.
وبدلاً من ذلك، قرر الدكتور لي التركيز على اختبارات تحييد الأجسام المضادة الأكثر دقة، التي تشير إلى ما إذا كان شخص ما قد طور مناعة واقية من الفيروس، إما بواسطة التعرض المباشر للفيروس وإما من التطعيم.
كانت مثل هذه الاختبارات موجودة بالفعل؛ لكنها كانت بحاجة إلى موظفين مدربين ومختبرات بمعدات متخصصة، وأراد الدكتور لي إجراء اختبار سريع ودقيق يمكن لأي شخص استخدامه، ونظراً لافتقاره إلى الخبرة في تطوير الاختبارات، قام بالتواصل مع الخبراء المتخصصين في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.
وبعد عدة محاولات، توصل الفريق إلى مجموعة اختبار بسيطة باستخدام شرائط ورقية مستوحاة من اختبارات الحمل المنزلية؛ حيث يخلط المستخدمون قطرة من دمائهم من وخز الإصبع، مع محلول يحتوي على جزء من بروتين «سبايك» لفيروس «كورونا»، وهذا الجزء، المسمى «RBD»، هو الذي يستخدمه الفيروس لغزو أجسامنا، عبر الالتصاق بمستقبلات «ACE2» بالخلايا البشرية.
وبعد ذلك، يضع المستخدمون بضع قطرات من هذا الخليط على شريط الاختبار، وينتظرون 15 دقيقة، ويراقبون خطين على الشريط؛ حيث يلتقط أحد الخطين ببساطة بروتين «RBD» الفيروسي العائم من المحلول، ويلتقط الخط الثاني الأجسام المضادة التي حيَّدت هذا البروتين، ما يعيق قدرتها على بدء العدوى، وكلما كان هذا الخط أقوى، زادت مستويات الأجسام المضادة المعادلة، وكانت الحماية أفضل ضد «كوفيد-19».
ولتقييم أداء الاختبار الجديد، استخدمه الطبيب لي وزملاؤه على عينات دم من 63 شخصاً أصيبوا بفيروس «كورونا»، و30 لم يصابوا به. وبالنسبة لأولئك الذين أصيبوا بالعدوى، وجدت التجارب أن الاختبار كشف عن الأجسام المضادة المعادلة، بدقة مماثلة لتلك الموجودة في الاختبارات المعملية الحالية.
ويشير الطبيب لي إلى أن «الاختبارات الأولية التي غمرت السوق في عام 2020 حددت أي جسم مضاد مرتبط بأي جزء من بروتين (سبايك)، بغض النظر عما إذا كان الجسم المضاد سيمنع العدوى بالفعل، وتبين أن هذه الاختبارات لم تكن دقيقة للغاية».
وفي تجربة ثانية، اختبر الفريق 30 عينة مأخوذة من شخصين قبل تطعيم «كوفيد-19»، وفي عدة نقاط زمنية بعد ذلك؛ بلغ مستوى الأجسام المضادة المعادلة ذروته بعد حوالي 7 أسابيع من جرعة اللقاح الأولى، ثم بدأ في الانخفاض ببطء. ويعتقد لي أنه يمكن تحديث بروتين «RBD» مع ظهور متغيرات جديدة لفيروس «كورونا»، مع الحفاظ على الاختبار الحالي، ويتصور مستقبلاً تطبيقاً لكاميرا الهاتف الذكي من شأنه أن يساعد في تفسير النتائج، من طريق قياس شدة خَطَّي الاختبار.
ويأمل الفريق البحثي في الدخول في شراكة مع شركة يمكنها تصنيع مجموعة أدوات الاختبار بكميات كبيرة، والحصول على موافقة من إدارة الغذاء والدواء. وإذا وصل إلى السوق فيمكن للأشخاص استخدام الاختبار للتحقق من مستوى المناعة لديهم قبل السفر أو حضور الأحداث الكبيرة؛ خصوصاً إذا كانوا معرضين لخطر متزايد للإصابة بالمرض ومضاعفاته.


مقالات ذات صلة

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق امرأة ترتدي الكمامة خلال فترة انتشار الجائحة في كندا (رويترز)

كيف أثّر وباء «كوفيد» على مرحلة البلوغ لدى الفتيات؟

تسبب الإغلاق الذي فُرض بعد انتشار جائحة «كوفيد - 19» في توقف شبه تام للحياة، وشهد مئات الملايين من الأشخاص تغيُّرات جذرية في أنماط حياتهم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك طفلة تتلقى جرعة من لقاح «موديرنا» لفيروس «كورونا» بصيدلية سكيباك في شوينكسفيل - بنسلفانيا (رويترز)

تقرير أميركي: وفاة 10 أطفال بسبب جرعات التطعيم ضد فيروس «كورونا»

قال مارتي ماكاري، مفوض إدارة الأغذية والعقاقير الأميركية، اليوم (السبت)، إن البيانات أظهرت وفاة 10 أطفال؛ بسبب جرعات التطعيم ضد فيروس «كورونا».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك رجل في المكسيك يتلقى جرعة من لقاح الحصبة (رويترز)

لقاحات شائعة تمنع الأمراض المزمنة وبعض أنواع السرطان... تعرّف عليها

لا تقتصر فوائد اللقاحات على حمايتك من أمراض معدية محددة أو تخفيف حدة الأعراض عند الإصابة بالمرض، بل يمكنها أيضاً الوقاية من الأمراض المزمنة الشائعة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ شخص يجهز جرعة من لقاح «كوفيد-19» (رويترز)

تقرير: «الغذاء والدواء» الأميركية تربط وفاة 10 أطفال بلقاحات «كوفيد»

كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» أمس (الجمعة) أن إدارة الغذاء والدواء الأميركية ذكرت في مذكرة داخلية أن 10 أطفال على الأقل لقوا حتفهم على «بسبب» لقاحات «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

متحف البحر الأحمر في جدة... جسر من الماضي إلى المستقبل

هلب من سفينة غارقة في البحر الأحمر في مقدمة العرض (تصوير: غازي مهدي)
هلب من سفينة غارقة في البحر الأحمر في مقدمة العرض (تصوير: غازي مهدي)
TT

متحف البحر الأحمر في جدة... جسر من الماضي إلى المستقبل

هلب من سفينة غارقة في البحر الأحمر في مقدمة العرض (تصوير: غازي مهدي)
هلب من سفينة غارقة في البحر الأحمر في مقدمة العرض (تصوير: غازي مهدي)

يضم المتحف أكثر من ألف قطعة موزعة على 23 قاعة تشمل صوراً أرشيفية، وخرائط، وقطعاً أثرية، وأعمالاً فنية معاصرة مستوحاة من الشعب المرجانية والبحر.

وقفت «الشرق الأوسط»، خلال جولة لها في المتحف، على المعروضات التي تتنوع بين مقتنيات تاريخية مثل مؤشرات القبلة، وصور الحرمين الشريفين، وقطع من حطام سفينة قديمة، إضافة إلى موسيقى وأغاني الصيادين التي تغمر الزائر في تجربة حسية متكاملة.

ويقول المستشار المعماري الفرنسي فرنسوا شاتيلون إن المبنى ليس أثراً قديماً بل هو «متحف جديد يتحدث عن طرق للتفكير بالمستقبل». ويضيف: «البعض يعتقد أن التراث هو الماضي، ولكنه في الحقيقة هو المستقبل... كل هذه القطع الحديثة وصلت إلى هنا عبر الحوار مع الماضي، فهي ترمز لاستمرارية الثقافة».


تخصيص «مأوى» للكلاب الضالة في القاهرة... هل يحل المشكلة؟

انتشار الكلاب في أحد شوارع محافظة الجيزة (الشرق الأوسط)
انتشار الكلاب في أحد شوارع محافظة الجيزة (الشرق الأوسط)
TT

تخصيص «مأوى» للكلاب الضالة في القاهرة... هل يحل المشكلة؟

انتشار الكلاب في أحد شوارع محافظة الجيزة (الشرق الأوسط)
انتشار الكلاب في أحد شوارع محافظة الجيزة (الشرق الأوسط)

أثار قرار محافظة القاهرة تخصيص «مأوى» للكلاب الضالة في جنوب العاصمة المصرية تساؤلات حول مدى تأثيره وجدواه في حل مشكلة انتشارها في الشوارع، وتباينت ردود الفعل بين مشيد بالقرار ومنتقد له.

وكانت المحافظة قد قررت، الاثنين، تخصيص قطعة أرض بعد تزايد شكاوى المواطنين من كثرة أعداد الكلاب الشاردة وارتفاع حالات العقر. ولقي القرار ترحيباً من البعض باعتباره «بداية لمواجهة أزمة متفاقمة»، في حين شكك آخرون في جدواه، وتخوفوا من تأثيره على «حالة الكلاب» و«التوازن البيئي».

وتقع الأرض التي خصصتها المحافظة للكلاب الضالة شرق طريق الأوتوستراد في نطاق حي التبين، على مساحة 2.28 فدان، أي نحو 9500 متر مربع، وفق تصريحات لمحافظ القاهرة إبراهيم صابر، على أن يدار المأوى بالتنسيق مع مديرية الطب البيطري.

وسيضم المأوى مرافق للتعقيم والتطعيم والعلاج والتبني الطوعي. ويهدف القرار، بحسب بيان لمحافظة القاهرة، إلى «التعامل مع ملف الكلاب بحكمة، مع ضمان السلامة العامة دون الإخلال بالرفق بالحيوان».

ولا يوجد إحصاء دقيق لعدد الكلاب الضالة في مصر، لكن بات ملحوظاً زيادتها بشكل لافت، وسيرها في مجموعات داخل الشوارع والمدن. وسبق أن قدّر وكيل نقابة البيطريين محمود حمدي، خلال تصريح تلفزيوني في أبريل (نيسان) الماضي، العدد بين 20 و30 مليوناً.

ورحّب الأمين العام الأسبق لنقابة الأطباء البيطريين والخبير الدولي في إدارة المخاطر البيولوجية، محمد عفيفي، بقرار محافظة القاهرة، ووصفه بأنه «خطوة مهمة وبداية، لكنه ليس نهاية المطاف»، مشيراً إلى أنه يأتي تطبيقاً لنصوص قانون 29 لسنة 2023 ولائحته التنفيذية في 2025 الخاص بتنظيم حيازة الحيوانات الخطرة والكلاب.

وينص قانون 29 في المادة 23 منه على أن «تتخذ السلطة المختصة في حدود إمكانات الدولة المتاحة، وبالتنسيق مع الجهات المعنية، التدابير والإجراءات اللازمة لمجابهة الحيوانات الضالة أو المتروكة التي تشكل خطراً على الإنسان أو الحيوان، وذلك بمراعاة معايير وتوصيات المنظمة العالمية للصحة الحيوانية وغيرها من المنظمات الدولية المتخصصة».

خلال حملة لتطعيم الكلاب الضالة في محافظة الإسكندرية (رئيسة مجلس إدارة «جمعية الرفق بالحيوان»)

وقال عفيفي لـ«الشرق الأوسط» إن «الكلاب الضالة تتسبب في مئات الآلاف من حالات العقر سنوياً، وتكلف الدولة أكثر من مليار جنيه (21 مليون دولار) كل عام للتطعيمات فقط، بخلاف ما تسببه من ترويع للمواطنين والأطفال وكبار السن»، محذراً من أن هذه الكلاب «مستودع لعشرات من مسببات الأمراض المعدية الخطيرة».

وطالب عفيفي سائر المحافظات المصرية باتباع النهج ذاته «حتى نصل إلى سحب 80 في المائة من الكلاب الضالة المنتشرة في الشوارع بعيداً عن التجمعات السكنية كمرحلة طوارئ أولية، ثم تطبيق سياسة التعقيم والتطعيم على النسبة المتبقية بالشوارع، لضمان عدم زيادة الأعداد مرة أخرى، وضمان مجابهة مرض السعار».

غير أن رئيسة مجلس إدارة «جمعية الرفق بالحيوان»، هدى مقلد، لا ترى في قرار محافظة القاهرة وسائل عملية للتعامل مع ملف الكلاب الضالة. وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن قرار المحافظة مرفوض بالنسبة لجمعيات الرفق بالحيوان باعتباره «غير مضمون النتائج على الكلاب»، مشككة في قدرة المحافظة على توفير أطباء بيطريين أو اللوجيستيات اللازمة للتعامل مع الكلاب الضالة التي ستُجمع في هذا المأوى.

وأضافت: «كان من الأولى توفير الأطباء البيطريين لتطعيم الكلاب في الشوارع ضد السعار».

كلاب ببعض المدن المصرية الجديدة في يوليو الماضي (الشرق الأوسط)

وتكثر شكاوى التعرض للعقر من الكلاب الضالة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وسط حملات عدة للمطالبة بالتخلص منها، من ضمنها حملة لتوجيه شكاوى مجمعة من قاطني بعض المناطق للتحرك في هذا الملف.

ولفتت هدى مقلد إلى أن الحل الأمثل للتعامل مع الكلاب الضالة هو «التوعية»، مشددة على أن «سلوك بعض الكلاب العدواني يكون ردّ فعل تجاه تعرضها للاعتداء من الأطفال أو السكان في منطقة ما».

وأضافت: «الكلاب تلعب دوراً رئيسياً في التوازن البيئي، واختفاؤها من مناطق يهدد بكثير من المخاطر فيها، منها مخاطر ظهور الثعابين، لذا فالأفضل أن يُخصص المأوى للكلاب المصابة بالسعار لحين قتلها قتلاً رحيماً، أو الكلاب التي تعاني مشكلة لحين علاجها وإعادتها إلى الشارع، بالتزامن مع حملة تطعيم وتعقيم للكلاب».

وعلى «فيسبوك»، كتب حسام الدين عبد الحميد، وهو مدير تنمية بشرية في إحدى الشركات، مناشداً محافظة الجيزة التي يسكن فيها اتخاذ قرار مماثل.

كان عبد الحميد قد حاول من قبل تطعيم 7 كلاب في منطقته حدائق الأهرام بالجيزة من السعار قبل عام ونصف عام حتى يأمن على نفسه والمحيطين من عقرها. وتواصل مع إحدى جمعيات الرفق بالحيوان، وحصل على المصل اللازم، لكنه لم يتمكن من تطعيمها حتى الآن لعدم إرسال الجمعية طبيباً مختصاً؛ لذا فإنه يرى أن قرار محافظة القاهرة هو الأفضل.

حملات لضبط انتشار الكلاب الضالة في الشوارع المصرية (فيسبوك)

وقال عبد الحميد لـ«الشرق الأوسط»: «الكلاب في حدائق الأهرام أصبحت كثيرة جداً، وكل شهر تقع أكثر من حادثة عقر، سواء لأطفال أو كبار، لذا أطلقت منذ أيام حملة عبر غروب للسكان لتوجيه شكاوى جماعية للمحافظة للتصرف في أمر الكلاب الضالة».

وأضاف: «العقر والتطعيم سيحتاج أموالاً، والأفضل حالياً بالنسبة لنا كسكان نقلهم. هو حل وسط يُرضي المتضررين من الكلاب ومحبي الكلاب ونشطاء الرفق بالحيوان».

غير أن رئيسة مجلس إدارة «جمعية الرفق بالحيوان» لا تعد «المأوى الرسمي» للكلاب الضالة حلاً وسطاً، قبل توضيح آليات تنفيذه، وقبل أن يُسمح للمجتمع المدني بمراقبة ما سيحدث فيه.


«كمسري» حافلات النقل العام في مصر يغادر إلى محطته الأخيرة

حافلات تابعة لهيئة النقل العام في مصر (محافظة القاهرة)
حافلات تابعة لهيئة النقل العام في مصر (محافظة القاهرة)
TT

«كمسري» حافلات النقل العام في مصر يغادر إلى محطته الأخيرة

حافلات تابعة لهيئة النقل العام في مصر (محافظة القاهرة)
حافلات تابعة لهيئة النقل العام في مصر (محافظة القاهرة)

يحمل بيده تذاكره المُلونة، يتجول بها بين ركاب الحافلة مرتدياً سترته الزرقاء، مردداً بصوت عال: «ورق ورق... تذاكر تذاكر»، وعند توقف الحافلة بين المحطات يُنادي قرب بابها على وجهتها النهائية، ليلتحق بها الركاب واحداً تلو الآخر، كما ينبّه مَنْ بالداخل أن محطته اقتربت، أو يطلق «صُفارته» عالياً لتنبيه السائق بالتوقف، أو لضبط مُتهرب من «قطع التذكرة».

وبعيداً عن مهامه الرسمية، يقوم بدور إنساني في رحلته... يبتسم للركاب، ويساعد العجائز، ويحمل الأمتعة عن المُسنّين، والرُضع عن أمهاتهم إن لزم الأمر، بينما يمازح الركاب ليخفف وطأة الزحام داخل الحافلة، والتكدس المروري خارجها.

في القاهرة الكبرى، حيث تشكّل حافلات النقل العام شريان الحياة اليومي، لم يكن «الكُمسري» أو محصل التذاكر، مجرد موظف يجمع الأجرة، بل كان جزءاً من النسيج الاجتماعي والحكايات اليومية على مدى عقود.

واليوم، يجد «الكمسارية» التابعين لهيئة النقل العام في مصر أنفسهم «خارج الخدمة»، بعدما بدأت هيئة النقل بالقاهرة التشغيل التجريبي لمنظومة الدفع الإلكتروني داخل الحافلات العامة بالقاهرة، تمهيداً لإلغاء التذكرة الورقية خلال عام 2026، وعدم التعامل مع المحصل، الذي وصل بدوره مع هذا القرار إلى «محطة النهاية».

وبحسب تصريحات لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر، الاثنين، سيتعامل المواطن إلكترونياً دون الحاجة إلى تدخل المحصل، وسيكون بحوزة الراكب «كارت إلكتروني» يسدد بواسطته ثمن الرحلة.

إحدى حافلات هيئة النقل العام في مصر (محافظة القاهرة)

وتعتمد منظومة الدفع الإلكتروني داخل حافلات النقل العام على «كارت ذكي مسبق الدفع» يكون متوافراً في المحطات النهائية للحافلة ومنافذ هيئة النقل العام، يشحنه المواطن ويستخدمه عبر ماكينات مخصصة مثبتة عند الباب الأمامي للحافلة؛ أما قيمة التذكرة فتتحدد وفق عدد المحطات والمسافة، بحيث لا يتساوى راكب مسافة قصيرة مع راكب لآخر الخط، ما يشجع المواطنين على استخدام حافلة أتوبيس النقل العام، ويقضي نهائياً على أزمة «الفكَّة» داخل المواصلات.

وتقوم هيئة النقل العام بنقل نحو مليون راكب يومياً عبر 173 خطاً، بها 150 محطة نهائية و2800 محطة عابرة، وذلك من خلال 2500 حافلة موزعة على 18 «جراجاً» على مستوى القاهرة الكبرى، بحسب بيانات سابقة للهيئة.

«البعد الإنساني»

يقول أستاذ الإدارة المحلية في مصر، حمدي عرفة، إن قرار هيئة النقل العام في القاهرة تطبيق منظومة الدفع الإلكتروني يأتي في إطار مواكبة التطورات التكنولوجية التي تشهدها العواصم العربية والعالمية، إلا أنه يحذر من تجاهل البعد الإنساني والاجتماعي للقرار، مشيراً إلى أن «المحصلين» يمثلون فئة عمرية تتراوح بين 45 و60 عاماً، ما يجعل إعادة تأهيلهم أو تحويلهم إلى وظائف بديلة أمراً بالغ الصعوبة.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الإدارة المحلية «قادرة على تحقيق توازن بين التحديث التكنولوجي والحفاظ على الوظائف التقليدية، من خلال تدريب المحصلين على استخدام تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي، بما يضمن دمجهم في المنظومة الجديدة وتلافي سيناريوهات الإقصاء أو التهميش».

وأكد رئيس هيئة النقل العام عصام الشيخ، الاثنين، أن المنظومة الجديدة ستُطبق على 1800 حافلة، وأن 300 حافلة ستدخل الخدمة فعلياً خلال الأيام المقبلة كمرحلة أولى.

وبينما تخطط الهيئة لعدم التعامل مع المحصل خلال عام 2026، فإنها تنوي أيضاً الاستفادة من المحصلين (الكمسارية) الحاليين ونقلهم لوظائف تتناسب مع طبيعة التشغيل الجديد، بحيث تستفيد منهم في العمل سائقين لمن يملك رخصة قيادة مهنية، أو تأهيل من لا يملكونها ليكونوا سائقين، أو نقل غير الراغبين في العمل سائقين إلى وظائف إدارية أو فنية.

مجموعة من حافلات هيئة النقل العام بمصر (محافظة القاهرة)

ويرى عرفة فكرة إعادة توظيف المحصلين سائقين «غير عملية»، موضحاً أن معظمهم لا يمتلكون رخص قيادة من الدرجة الأولى، ما يجعل توجيههم لهذا الدور قراراً محفوفاً بالمخاطر، وقد يهدد سلامة الركاب. ويؤكد أن الخيار الأكثر أماناً وواقعية هو توظيفهم في مهام إشرافية أو رقابية ضمن منظومة النقل الجديدة.

«طي صفحة من الذاكرة»

أستاذ علم الاجتماع في جامعة القاهرة، فايز الخولي، قال إن قرار إلغاء التذكرة الورقية في حافلات النقل العام لا يعني فقط نهاية وسيلة دفع تقليدية، بل يمثل أيضاً طي صفحة من الذاكرة الاجتماعية، حيث ستفقد الحافلات أحد وجوهها الإنسانية، حيث كان «الكمسري» يؤدي دوراً يتجاوز جمع الأجرة إلى كونه عنصراً فاعلاً في ضبط السلوك العام داخل الحافلة.

وأضاف متحدثاً لـ«الشرق الأوسط»: «في فترات سابقة، كانت المواصلات أكثر ازدحاماً وصعوبة مما هي عليه اليوم، ما كان يؤدي إلى احتكاكات ومشاكل بين الركاب، في تلك اللحظات كان للكمسري دور إنساني وتواصلي، وكان يتدخل كصوت أخلاقي، يذكّر الشباب باحترام كبار السن، ويحضهم على إخلاء مقاعدهم للنساء أو المسنين. هذا الدور كان جزءاً من ثقافة النقل العام، بما يعيد التوازن داخل الحافلة».

ويستعيد الخولي مشهداً عاصره قبل سنوات، حين كان المحصل يضفي على الرحلة طابعاً من البهجة، مستخدماً نقراته على صندوق التذاكر الخشبي ومردداً عباراته الشهيرة: «تذاكر يا حضرات، تذاكر يا شباب، تذاكر يا حلوين»، والتي كانت تحمل تخفيفاً من وطأة الزحام.

ويُعد «المحصل» في الحافلات العامة إحدى الشخصيات الأيقونية التي تناولتها السينما المصرية بتنوع كبير، وغالباً ما قدمته في قالب إنساني يعكس الطبقات البسيطة في المجتمع المصري.

ومن أبرز الأفلام التي قدمت هذه الشخصية «أقوى الرجال»، حيث قدم الفنان نور الشريف شخصية «زكي» المحصل الذي يعمل بهيئة النقل العام، كما أن فيلمه الشهير «سواق الأتوبيس» ظهرت فيه شخصية «المحصل» من خلال الفنان حمدي الوزير، وكذلك فيلم «فرحان ملازم آدم» الذي جسد فيه الفنان فتحي عبد الوهاب شخصية الشاب «فرحان» الذي كان يعمل محصلاً.