الكاظمي ينجح في اختبار أكتوبر الثاني

الكاظمي ينجح في اختبار أكتوبر الثاني

القوى السياسية تجاهلت دوره في الحفاظ على سلمية المظاهرات
الاثنين - 8 شهر ربيع الأول 1444 هـ - 03 أكتوبر 2022 مـ رقم العدد [ 16015]

تنفس سكان العاصمة العراقية الصعداء صباح الأحد حين استيقظوا على شوارع مفتوحة وحركة سير طبيعية. الاستثناء الوحيد هو بقاء جسري «الجمهورية» و«السنك» القريبين من المنطقة الخضراء مغلقين في انتظار تعليمات جديدة. هذا المشهد لم يتكرر صبيحة 1 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2019 عندما اندلعت مظاهرات (تشرين) آنذاك التي تحولت إلى انتفاضة جماهيرية كبرى استمرت نحو سنة كاملة. ففي صبيحة ذلك اليوم وعند حلول ساعات الصباح الأولى أعلن عن سقوط أول قتيل، ومن ثم توالى سقوط القتلى والجرحى بالعشرات، فيما أغلقت العاصمة العراقية تماماً وعاش العراقيون رعباً حقيقياً بعد أن تحول القتل إلى شبه مجاني بحجة دخول ما سمي «الطرف الثالث» الذي هو لا من المتظاهرين ولا من القوات الأمنية، والذي قيدت كل عمليات القتل ضده مع بقائه مجهولاً حتى اليوم. وبعد أن تكاثر عدد القتلى والجرحى استقر عند نهاية المظاهرات أواسط عام 2020 حين تولى رئيس الوزراء الحالي مصطفى الكاظمي رئاسة الوزراء، نحو 800 قتيل وأكثر من 35 ألف جريح. هذا المنظر الذي كانت له تداعيات سياسية وأمنية ومجتمعية خطيرة آنذاك لم يتكرر أول من أمس السبت حين أحيا من باتوا يسمون «التشرينين» الذكرى الثالثة لاندلاع احتجاجاتهم؛ تلك الاحتجاجات التي أدت بعد شهور إلى إقالة حكومة عادل عبد المهدي وبدء حراك سياسي لاختيار حكومة جديدة. ومع أن إقالة تلك الحكومة وإجراء انتخابات مبكرة مع تغيير قانون الانتخابات ومفوضية الانتخابات كانت أبرز شروط الانتفاضة، فإن القوى السياسية العراقية أجبرت على الموافقة على تلك الشروط مع أنها قفزت فيما بعد على النتائج سواء قبل إجراء الانتخابات حين تخلت عن دعمها رئيس الوزراء الحالي مصطفى الكاظمي، وبعد الانتخابات حين لم تلتزم لا بشروط إجرائها ولا بما انتهت اليه.
الكاظمي الذي تقف ضده بعض قوى «الإطار التنسيقي» بحيث تحول الموقف منه إلى نقطة خلاف مركزية مع زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر، كان قد جاء لكي يحقق ما طالب به المتظاهرون؛ وهو إجراء انتخابات مبكرة وفقاً لقانون جديد ومفوضية انتخابات جديدة من القضاة لا من الأحزاب. ومع أن شروطاً أخرى أضيفت إلى مهمته مثل محاسبة قتلة المتظاهرين، وإعادة هيبة الدولة، وحصر السلاح بيدها، فإنه نجح في إجراء انتخابات مبكرة بينما فشلت القوى السياسية في استثمار هذا النجاح بتشكيل حكومة عراقية جديدة. فبعد نحو 5 أيام تكون قد مضت سنة كاملة على إجراء تلك الانتخابات دون تشكيل حكومة. وبينما نجح الكاظمي في ملف السياسة الخارجية الإقليمية والدولية بما في ذلك القيام بوساطات وتحقيق مصالحات بين عدد من دول المنطقة؛ فإن العديد من القوى السياسية عدت ذلك نجاحاً شخصياً له وليس للعراق. وفيما حاول الكاظمي العمل على حصر السلاح بيد الدولة عندما قرر مواجهة بعض الفصائل المسلحة، فإن القوى السياسية الأخرى تخلت عنه أو لم تقف إلى جانبه في هذا المسعى رغم مطالباتها اليومية بحسم هذا الملف.
وعندما احتدم الخلاف السياسي بين «التيار الصدري»؛ الذي اقتحم البرلمان واحتل معظم المباني الحكومية لمدة، وقوى «الإطار التنسيقي»؛ التي اعتصمت عند الجسر المعلق، وصولاً إلى المواجهة الدموية بينهما في «الخضراء» ليلة الثلاثين من أغسطس (آب) الماضي والتي انتهت بسقوط عشرات القتلى والجرحى، فإن الكاظمي حاول إبعاد الأجهزة الأمنية عن هذا الصراع الحزبي. وفي الوقت الذي كان فيه الكاظمي نجح في التعامل بشكل إيجابي مع «حراك تشرين» عندما تسلم رئاسة الوزراء عام 2020؛ فإنه اجتاز أول من أمس الاختبار الثاني لـ«حراك أكتوبر» عندما تعاملت القوات الأمنية العراقية بمهنية عالية مع المتظاهرين. ورغم محاولات قوى سياسية الزج بعناصر منها في جسم المظاهرات الرئيسي حين حاولت مجاميع تحمل بنادق صيد وقنابل مولوتوف استفزاز القوت الأمنية وعبور الحواجز من جهة «جسر الجمهورية»؛ فإن أوامر الكاظمي كانت مشددة في عدم الرد. هذا الموقف أجبر قيادات المظاهرات على التعامل بحزم مع من سموا «المندسين»؛ حيث تم طرد أعداد منهم خارج ساحات التظاهر. ومع حلول ساعات المساء انسحب المتظاهرون بعد أن أدلوا ببيان بشأن مطالبهم التي تتضمن إصلاح النظام السياسي، ورفض الطبقة السياسية، مع الإعلان عن الاستمرار في الحراك في الأوقات التي يحددونها، ومن ثم انسحبوا.
القوى السياسية العراقية التي تنفست هي الأخرى الصعداء بعد انتهاء المظاهرات أصدروا بيانات شكروا فيها الأجهزة الأمنية على تعاملها المهني مع المتظاهرين، لكنهم لم يوجهوا كلمة شكر إلى الكاظمي بوصفه هو القائد العام للقوات المسلحة التي كانت أوامره الصارمة هي السبب في عدم حدوث احتكاكات قد تؤدي إلى الفوضى.


العراق أخبار العراق

اختيارات المحرر

فيديو