آمنة الوزير: المثقف التونسي بين توق لشرق لا يراه وغرب لا يهتم به

قالت لـ«الشرق الأوسط» إن الكتابة مقاومة وبحث عن النور حين يعمّ السواد

جانب من معرض الرياض للكتاب (واس)
جانب من معرض الرياض للكتاب (واس)
TT

آمنة الوزير: المثقف التونسي بين توق لشرق لا يراه وغرب لا يهتم به

جانب من معرض الرياض للكتاب (واس)
جانب من معرض الرياض للكتاب (واس)

الشاعرة والإذاعية التونسية آمنة الوزير، أحد الأصوات الشعرية الحديثة في تونس التي تجمع بين الثقافتين العربية والفرنسية، صدر لها عددٌ من المجموعات الشعرية: (رنين - 2003)، (صمت البراكين - 2006)، (صبرى - 2009)، و(خبرتني الريح 2017)... تُرجمت قصائدها إلى اللغات الإيطالية والإنجليزية والفرنسية، كما أدرجت بعض نصوصها ضمن برنامج الأدب العربي بجامعة برايتون بإنجلترا... وشاركت في العديد من المهرجانات العالمية، مثل: أصوات المتوسط بلوديف (فرنسا)، ومهرجان باري بإيطاليا، ومهرجان سكوبيي بمقدونيا، وهي عضو الهيئة الإدارية لمهرجان «سيدي بوسعيد» العالمي للشعر.
وتشارك الشاعرة التونسية في البرنامج الثقافي لمعرض الرياض الدولي للكتاب، ضمن الاحتفاء بتونس (ضيف شرف) لهذه الدورة من المعرض، وتدير ندوة حول الإبداع والإعلام؛ «حدود المساحة والعزلة قراءات سعودية - تونسية في الواجهة».
وبهذه المناسبة؛ التقت «الشرق الأوسط» الشاعرة التونسية آمنة الوزير، وأجرت معها الحوار التالي:
> كيف ترين الاحتفاء بالثقافة التونسية في مهرجان الرياض الدولي للكتاب؟
- شرفٌ لتونس أن تكون ضيف معرض الرياض الدولي للكتاب، هذه الاستضافة تخلق جسراً آخر بين المملكة العربية السعودية وقرطاج، وتفتح للناشرين والأدباء والنقاد والقراء نافذة على الآخر بما يحمله من هواجس وتساؤلات وآمال.
هذا المعرض وغيره من المعارض الدولية يمثل فرصة مهمة للأدباء التونسيين الشبان وغيرهم حتى يعرفوا بنصوصهم وكتاباتهم خارج أرض الوطن.
فللأسف تعاني دور النشر في تونس بصفة عامة من محدودية التوزيع داخل البلاد وخارجها. يصعب على القارئ مهما كانت جنسيته أن يتحصل على كتاب لأديب تونسي خارج تونس.
هذا الوضع ونحن على أبواب 2023، والعالم يسري سرياناً على مواقع التواصل الاجتماعي، يخلق حالة اختناق لدى المبدعين. لذا؛ يمثل هذا المعرض - حسب رأيي - متنفساً ضرورياً كي لا يكون الفعل الإبداعي شبيهاً بحالة اعتكاف صامتة غير مرغوب فيها.

الشاعرة التونسية أمنة الوزير (الشرق الأوسط)

ثم إن هذا اللقاء شبيه بإعادة المصافحة بعد أن أبعدتنا الجائحة عن بعضنا بعضاً، وهو فرصة كي نجدد العهد والصداقة بين البلدين من خلال مثقفيهما والتاريخ يشهد أن هذه العلاقة ولدت منذ قبل الاستقلال التونسي.
> ما هي طبيعة مشاركتك في البرنامج الثقافي لمعرض الراض الدولي للكتاب؟
- أشكر معرض الرياض الدولي للكتاب على دعوته الكريمة لشخصي، والذي أتاح لي فرصة المشاركة في البرنامج الثقافي المصاحب للمعرض والمتمثل في إدارة ندوة حول الإبداع والإعلام؛ «حدود المساحة والعزلة قراءات سعودية تونسية في الواجهة».
> كيف ترين التواصل الثقافي والفكري بين المثقفين في تونس والشرق العربي؟
- هذا التواصل يعيش أزمة تعود نشأتها إلى أزمنة غابرة. ولقد خلفت هذه الأزمة عُقداً كثيرة يمكن أن نسميها أزمة الصاحب بن عباد معلقاً على كتاب «العقد الفريد» من خلال قولته الشهيرة «هذه بضاعتنا ردت إلينا». فبُنيت العلاقة على باطلٍ يغذيه الإعجاب واللوم والتوق والتجاهل. علاقة معقدة بين الطرفين، ولكن لا يمكننا نفي وجودها رغم صعوبتها وحدتها أحياناً.
المثقف التونسي وُلد بين «تمشرق وتمغرب» كما يقول الدكتور جعفر ماجد. وفي هذه المفارقة المتعلقة بهويته نشأ المثقف التونسي بين توق إلى شرق لا يراه وغرب لا يهتم به. قلتُ فيما سبق، إن العلاقة بُنيّت على باطل، ولكن كل ما بني على باطل ليس بالضرورة باطلاً. لا يخفى على أحد أنه رغم هذا الوضع، فإن مبادرات التواصل بين المشرق والمغرب قائمة رغم العوائق من خلال مشاركات المثقفين في مختلف التظاهرات هنا وهناك.
> التقيتم في الدورة الماضية من مهرجان «سيدي بوسعيد» عدداً من الشعراء السعوديين، كيف تقيّمين حركة الشعر الحديث في السعودية؟
- كنتُ محظوظة؛ إذ إنني واكبت نشأة «أنطولوجيا الشعر السعودي» عن قرب وقدمتها بمركز «إثراء» بالدمام في المملكة العربية السعودية. هذا المشروع مكّنني من التعرف على شعراء، مثل غسان الخنيزي، وإبراهيم الحسين ومحمد الحرز، وغيرهم. وكانت لي فرصة لقاء عدد من الشعراء السعوديين في مهرجان «سيدي بوسعيد» من خلال دعوتهم في الدورة الفارطة.
يعيش الشعر السعودي تطوراً كبيراً وملحوظاً بدأ منذ السبعينات نلمسه في «تجديد النص والسير به إلى مدى جمالي أبعد مما كان عليه الجيل السابق» كما يقول الأستاذ عبد الله السفر الذي أشرف على إعداد هذه الأنطولوجيا. حيث يضيف السفر كذلك؛ «الحرية هي العنوان الذي تنكتب في ضوئه القصيدة الجديدة في المملكة العربية السعودية».
> كيف يتفاعل المثقف في المغرب العربي، وتحديداً في تونس مع الإبداع الصادر من السعودية والخليج؟
- أصبح من الواضح اليوم أن الخليج العربي صار منبراً ثقافياً في المشرق بعد أفول عدد من المراكز التي كانت تتصدر المشهد في الستينات والسبعينات على غرار بغداد ودمشق وبيروت. لذلك؛ فإن المثقف العربي عدّل ساعته على العواصم الخليجية لمواكبة نبض الحركة الثقافية في المشرق العربي. فاليوم صارت أهم المنابر والمنصات تنشط انطلاقاً من الخليج، وبطبيعة الحال فإن المثقف التونسي اليوم لا يفوته شيء من الإبداع الصادر من هذه المنطقة.
> تُرجمت قصائدكِ إلى الإيطالية والإنجليزية والفرنسية، كما أُدرجت بعض نصوصك ضمن برنامج الأدب العربي بجامعة برايتون بإنجلترا... ماذا يعني لك ترجمة شعرك إلى لغات العالم؟
- الترجمة تمنح للكاتب تجاوز حدود حيزه الجغرافي. ترجمت قصائدي في ورشات بإيطاليا ووقع تقديمها في جامعة برايتون بإنجلترا ونشرت في أنطولوجيا عن جامعة فيكتوريا بكندا. ففكرة أن يتلقى قصائدي طالب أو طالبة في مكان بعيد عني دون أن أكون هناك يجعلني أؤمن أن الترجمة قادرة على كسر حواجز بنتها السياسة والآيديولوجيات على مدى القرون.
كل الشعراء يتمنون أن يحظى شعرهم بترجمة تعبر به حدود اللغة نحو الثقافات الأخرى. والترجمة في حد ذاتها هي المعيار الحقيقي لقيمة الشعر. فإن هو حافظ على شعريته في اللغة التي يعبر إليها فهذا دليل على أنه يحمل في طياته جمالية لا تقترن ببلاغة لغة الكتابة، وإنما تحاكي الروح الإنسانية أينما كانت. حلم كل كاتب هو أن يكون له قراء في العالم.
> أنتِ أيضاً منتجة برامج ثقافية في إذاعة باللغة الفرنسية... ماذا تمنحك هذه اللغة؟
- اللغة الفرنسية هي لغة أمي. فوالدتي فرنسية من مواليد تولوز، أتت إلى تونس في السبعينات وأحبت البلاد واشتغلت بمؤسساتها العمومية طيلة 35 سنة وتحصلتْ على الجنسية التونسية.
أنا أحمل الضفتين في شراييني واللغة الفرنسية لغتي تماماً مثل اللغة العربية.

معرض الرياض للكتاب في ثاني أيامه (واس)

> كونك ابنة مسرحي معروف... هل أثرت الدراما في رؤيتك للعالم وما مدى انعكاسها في شعرك؟
- كانت لي تجربة جدية في المسرح في سن المراهقة، ثم حين كنت طالبة ووقفت على أهم مسارح تونس. أنا ولدت في عالم المسرح وقضيت جزءاً من طفولتي بين كواليس الإذاعة والتلفزة والبروفات.
لذلك؛ فهو من الطبيعي أن تؤثر تلك المناخات في رؤيتي للعالم. المسرح مدرسة من أهم مدارس الحياة تعلمت فيها احترام الوقت واحترام الآخر واحترام الجمهور.
رغم ذلك، أنا لا أعتقد أن المسرح أثر في كتابتي الشعرية بقدر ما أثرت الفلسفة؛ فهي الوحيدة - وفق رأيي - التي تحمل التساؤلات وإن بدت متضاربة. فالشعر وطن وحّد بيني وبين ذاتي الصامتة. الشعر هو بيتنا وذاكرتنا المفقودة.
بين التشاؤم والخوف
> في قصيدة «فرار»، نقرأ لكِ «تركت خيمتي على هذا الشاطئ/ وضعت فيها ما أملك/ قصائد لم تكتب/ أحلامي المنسية/ شيء من ذاتي/ أو ما تبقى قطرات الندى...»، ثم تنتهي «سيعود الصيف حتماً ولن أجد خيمتي»... لماذا تكسو قصائدك مسحة من الحزن والتشاؤم؟
- الإنسان المتشائم لا يرى من الحياة إلا سلبياتها. لا أظن أنني أنتمي إلى هذا الصنف؛ «أنا في طريقي إليك فهلا فتحت لي المدى» لو كنت من المنكسرين لما كتبت الحياة.
منذ البداية، بداية العودة إلى الذات عبر الفلسفة والشعر، وأنا أنظر إلى المنسي والمسكوت عنه واللامرغوب فيه. وحين ننظر إلى الأرصفة ونعانق المدينة في ليلها الأبدي العنيف، حين ننظر إلى زرقة البحر ونرى على سطحه أجساداً تناثرت هنا وهناك. أجساد كانت تحمل رغبة الهروب من وطن لم يعد وطناً، فمن الطبيعي أن تكون كلماتنا تشبه ما نراه.
عندما أكتب «نغرق في اليوم ألف مرة» فأنا أشير إلى يوم ممطر عادي في تونس. يوم ممطر عادي يموت فيه أطفال وكهول لا لشيء إلا لأن البنية التحتية للبلاد باتت مهترئة فتتحول أمطار الخريف إلى فيضانات قاتلة. وفي المقابل، نرى رجال السلطة يتهافتون على مناصبهم وامتيازاتهم غير مبالين بحال الوطن.
لكنّ، هل أنا متشائمة؟ الجواب: لا. أنا حزينة لأن تونس بعد 2011 وثورة «اللا ياسمين» تعيش «على قيد وهم» وهذا عنوان قصيدة أخرى.
> لماذا يضطرم لديك الإحساس بالفقد؟، في ديوانك «على قيد وهم»، تقولين «أسدلت الستار على ابتسامة امرأة، كاد عطرها أن يعيدني إلى الحياة» وفي قصيدة «ستبقى»، نقرأ «ستبقى ظلاً كوحدتي يجالسني، وستبقى همسة تروي لي ألف قصة وقصة».
- الإحساس بالغياب مرتبط بطفولتي وطفولتي مقترنة بالرحيل وهنا يبدأ القصيد حتى نجدد اللقاء أو نحاول على الأقل أن لا ترحل الذاكرة مع رحيل من نحب.
> ما هي رسالة ديوانك «على قيد الوهم»؟
- هل يحمل الشعر رسالة؟... قد يكون ذلك في الشعر الملتزم. وفيما عدا ذلك فهو ينتهك الحدود والخطاب والمحظور. الكتابة مقاومة، بحث عن النور حين يعم السواد. وهو بحث عن الأفق في سماء يئست منا. والحياة حلم وما نحن إلا على قيد وهم.
> في مجموعتك الشعرية «رنين» هناك اتجاه نحو التجديد الشعري، رغم أن المجموعة حافلة بنصوص «الغزل»... كيف ترين شعر الغزل في الشعر الحديث...؟
- أرى أن مكانة الغزل تقلصت في الشعر الحديث مقارنة بما كانت عليه في التراث. قد يكون ذلك ناتجاً من ظهور مواضيع وهواجس مستجدة شدت اهتمام الشعراء الحداثيين كالفلسفية الوجودية منها والنفسية وغيرها، وذلك تحت تأثير الحركة السريالية في القرن العشرين.
لكن يبقى الغزل حاضراً دوماً في المدونة الشعرية كما نراه عند السياب ودرويش ونزار القباني طبعاً؛ فالحب مقترن بالذات الإنسانية دوماً وما الشعر إلا مرآتها.


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الاتحاد الألماني يدين الإساءات العنصرية بحق مدربة يونيون برلين

ماري لويز إيتا (أ.ف.ب)
ماري لويز إيتا (أ.ف.ب)
TT

الاتحاد الألماني يدين الإساءات العنصرية بحق مدربة يونيون برلين

ماري لويز إيتا (أ.ف.ب)
ماري لويز إيتا (أ.ف.ب)

أدان الاتحاد الألماني لكرة القدم بشدة الإساءات العنصرية التي استهدفت ماري لويز إيتا، المديرة الفنية لنادي يونيون برلين، عبر وسائل التواصل الاجتماعي عقب ظهورها التاريخي الأول في الدوري الألماني.

وقالت سيليا شاشيتش، نائبة رئيس الاتحاد الألماني لكرة القدم، لموقع «تي أونلاين»، اليوم الأحد: «هذه التعليقات غير مقبولة ولا تستهدف شخصاً بعينه فحسب، بل تشكك في القيم الجوهرية للرياضة مثل الاحترام والعدالة والمساواة».

ودخلت إيتا التاريخ أمس السبت بصفتها أول امرأة تقود فريقاً للرجال في الدوريات الأوروبية الكبرى، في مباراة انتهت بخسارة فريقها أمام فولفسبورج 1-2.

وأشادت شاشيتش برد فعل نادي يونيون برلين الذي تصدى لبعض هذه التعليقات مباشرة، مؤكدة أن الاتحاد لديه إجراءات صارمة لرصد وإبلاغ السلطات عن أي تجاوزات جنائية أو مسيئة، مع اتباع سياسة «عدم التسامح المطلق تجاه أي حوادث تمييز أو عنصرية في الملاعب».

وأبدت إيتا هدوءاً تاماً تجاه هذه الحملة، مؤكدة أن تلك التعليقات لا تزعجها، مشيرة إلى أن «ما ينشر عبر الإنترنت يعكس طبيعة الأشخاص الذين يكتبون هذه الكلمات أكثر مما يعكس حقيقة الأشخاص المستهدفين بها»، مفضلة التركيز على عملها الفني مع الفريق بدلاً من الالتفات للإساءات الرقمية.


ما تأثير تناول القهوة على مرضى الكلى؟

أكواب من القهوة (أرشيفية - رويترز)
أكواب من القهوة (أرشيفية - رويترز)
TT

ما تأثير تناول القهوة على مرضى الكلى؟

أكواب من القهوة (أرشيفية - رويترز)
أكواب من القهوة (أرشيفية - رويترز)

يُنظر إلى تناول القهوة باعتدال، بمعدل يتراوح بين كوب إلى ثلاثة أكواب يومياً، على أنه آمن عموماً، وقد يرتبط ببعض الفوائد لدى مرضى الكلى المزمنين، من بينها تقليل خطر الوفاة المبكرة والمساهمة في الوقاية من تدهور وظائف الكلى، وفق ما تشير إليه دراسات حديثة.

لكن هذه الفوائد لا تلغي ضرورة الحذر، إذ تحتوي القهوة على نسب من البوتاسيوم والفوسفور، ما يستدعي الانتباه خصوصاً لدى المرضى الذين يعانون من اختلال في توازن هذه المعادن أو يخضعون لقيود غذائية صارمة. كما ينبغي ضبط استهلاكها لدى من يُطلب منهم تقليل السوائل.

وتتباين تأثيرات القهوة تبعاً للحالة الصحية لكل مريض وكمية الاستهلاك، فالكافيين قد يؤدي إلى زيادة إدرار البول وارتفاع مؤقت في ضغط الدم، وهو ما قد يشكل عبئاً إضافياً على الكلى، لا سيما في المراحل المتقدمة من القصور الكلوي. كما أن الإفراط في تناولها قد يخل بتوازن السوائل والأملاح في الجسم.

في المقابل، تشير بعض الأبحاث إلى أن الاستهلاك المعتدل للقهوة لا يسبب ضرراً واضحاً لدى المرضى المستقرين، ما يعزز فكرة التعامل معها بمرونة محسوبة. وفي جميع الأحوال، يبقى تحديد الكمية المناسبة قراراً فردياً يُتخذ بالتشاور مع الطبيب، وفقاً لحالة المريض ومرحلة المرض.

تأثيرات القهوة على الكلى:

أظهرت دراسات أن شرب القهوة بانتظام يقلل خطر الإصابة بأمراض الكلى المزمنة بنسبة تصل إلى 11 في المائة، كما قد تساعد في الوقاية من سرطان الخلايا الكلوية.

وأشارت دراسات سابقة إلى أن شرب القهوة قد يكون مفيداً لوظائف الكلى. ووجدت دراسة حديثة نُشرت في مايو (أيار) 2020، أن شرب كوب إضافي من القهوة يومياً «يمنح تأثيراً وقائياً» ضد أمراض الكلى المزمنة.

وجدت دراسة جديدة أن شرب ثلاثة أكواب أو أكثر من القهوة يومياً قد يؤدي إلى تلف الكلى. وشملت الدراسة التي نُشرت في عام 2023 في دورية «JAMA Network Open» العلمي 1180 من البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 45 عاماً والذين لم يتم علاجهم من المرحلة الأولى من ارتفاع ضغط الدم. بينما استغرقت الدراسة ما يقرب من 16 عاماً.

يمكن أن يساعد شرب القهوة بانتظام في حماية القلب وخفض خطر الإصابة بأمراض مزمنة. ومن أبرز الحالات الصحية التي قد تفيد فيها القهوة: مرض باركنسون، وداء السكري من النوع الثاني، وسرطان الكبد، وسرطان القولون، والسكتة الدماغية وقصور القلب.

كما ارتبط ارتفاع استهلاك القهوة (أكثر من 352.5 غرام/يوم) بانخفاض خطر الإصابة بأمراض الكلى المزمنة، مما يشير إلى تأثير وقائي محتمل.

المخاطر والاحتياطات:

يؤدي الإفراط في شرب القهوة (أكثر من 3 - 4 أكواب يومياً) إلى مخاطر محتملة على الكلى، أبرزها الجفاف نتيجة تأثير الكافيين المدر للبول، وارتفاع ضغط الدم الذي يضغط على وظائف الكلى، بالإضافة إلى زيادة خطر حصوات الكلى بسبب الأوكسالات، والعبء على مرضى الكلى نتيجة البوتاسيوم.

البوتاسيوم والفوسفور: تحتوي القهوة السوداء على نسب من البوتاسيوم، والإفراط فيها (3 - 4 أكواب يومياً) قد يرفع مستويات البوتاسيوم لدى مرضى الفشل الكلوي.

ضغط الدم: قد تسبب القهوة ارتفاعاً مفاجئاً في ضغط الدم، وهو ما يضر مرضى الكلى.

السوائل: يجب على مرضى الكلى الذين يتبعون نظاماً غذائياً مقيد السوائل احتساب القهوة ضمن حصتهم اليومية.

الإضافات: يُفضل تجنب الكريمة والمبيضات لأنها تزيد من نسب الفوسفور والبوتاسيوم.

التوصيات:

الاعتدال: تناول القهوة باعتدال لا يشكل خطراً يذكر على مرضى الكلى.

الاستشارة الطبية: يُنصح دائماً باستشارة الطبيب أو أخصائي التغذية لتحديد الكمية المناسبة، خصوصاً لمرضى الفشل الكلوي أو من يعانون من ارتفاع ضغط الدم.


نفوق مئات الأطنان من الأسماك في العراق بسبب تلوث المياه

يجمع مربي أسماك عراقي أسماكاً نافقة من حوض في مزرعته ببلدة الزبيدية قرب مدينة الكوت جنوب العراق (أ.ف.ب)
يجمع مربي أسماك عراقي أسماكاً نافقة من حوض في مزرعته ببلدة الزبيدية قرب مدينة الكوت جنوب العراق (أ.ف.ب)
TT

نفوق مئات الأطنان من الأسماك في العراق بسبب تلوث المياه

يجمع مربي أسماك عراقي أسماكاً نافقة من حوض في مزرعته ببلدة الزبيدية قرب مدينة الكوت جنوب العراق (أ.ف.ب)
يجمع مربي أسماك عراقي أسماكاً نافقة من حوض في مزرعته ببلدة الزبيدية قرب مدينة الكوت جنوب العراق (أ.ف.ب)

أمام منزله في جنوب شرقي العراق، دفن حيدر كاظم نحو 300 طنّ من الأسماك التي ربّاها أشهراً طويلة، بعدما نفقت خلال ساعتين فقط؛ بسبب مياه ملوثة اختلطت بنهر دجلة.

على ضفاف النهر في قضاء الزبيدية بمحافظة واسط حيث يربي الأسماك منذ 5 أعوام، يقول كاظم (43 عاماً) لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أمام أحواض فارغة: «مات خلال ساعتين مشروعي بكامله. 300 طنّ من الأسماك التي أربّيها منذ عام ونصف (...). أعادني ذلك إلى الصفر».

يضيف كاظم، وهو أب لـ8 أبناء: «شعرتُ أن الحياة انتهت بالنسبة إليّ... لم يبلغنا أحد بأن مياهاً ملوثة كانت في طريقها إلينا حتى نحمي أسماكنا».

وبعدما ملأت أمطار غزيرة سدّ حمرين في محافظة ديالى، أطلقت السلطات مطلع أبريل (نيسان) الحالي مياه السدّ باتجاه نهر ديالى. ولدى التقائه مع نهر دجلة في جنوب شرقي بغداد حيث تقع تصريفات لمياه الصرف الصحي غير المعالجة، جرف التيّار ترسّبات كثيرة نحو جنوب شرقي العراق، وفق ما قالت السلطات.

وتُظهر صور ملتقطة بواسطة الأقمار الاصطناعية، في إطار مهمة «سنتينيل2»، بين 28 مارس (آذار) الماضي و12 أبريل الحالي، وحلّلتها «وكالة الصحافة الفرنسية»، خطاً أسود يتمدد جنوباً عند التقاء نهرَي ديالى ودجلة.

تُظهر صورة من بيانات «كوبرنيكوس سينتينل» لعام 2026 التقطها قمر اصطناعي ملتقى نهري ديالى (يمين) ودجلة (يسار) في جنوب شرقي بغداد (أ.ف.ب)

ويشرح الباحث البيئي في المصادر المفتوحة، ويم زفيننبرغ، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن البقع القاتمة تعكس «تشكُّل تيار أقوى في المياه»؛ مما يعني أن تخفيف التلوث كان أقل من المعتاد؛ مما ينعكس بالتالي تأثيراً سلبياً أكبر «على مصائد الأسماك في مصبّ النهر، وربما كذلك على محطات معالجة المياه».

وأدّى تلوث المياه إلى نفوق أكثر من ألف طنّ من الأسماك في واسط، وفق ما يقول مدير مديرية الزراعة بالمحافظة أركان الشمّري.

تتصاعد أنفاس كاظم تعباً مع تنظيفه أحواض الأسماك التي يقول إنها نفقت في 5 أبريل الحالي، وهو يفكّر في ما ألمّ به بين ليلة وضحاها. ويقول إن خسائره تجاوزت 1.1 مليون دولار، مطالباً السلطات بتعويض يمكّنه من تسديد ثمن الأعلاف ومستحقات أقاربه الذين يشاركونه المشروع.

ويقول: «لم يأتِ أي مسؤول ليقف إلى جانبنا»، سائلاً: «كيف سنسدد الديون؟ من أين سنأتي بالأموال؟ ليست لدينا مهنة أخرى ولا إمكانية لإحياء المشروع».

«راح تعب العمر»

ويعاني العراق، الذي بدأ مؤخراً يتعافى من عقود من النزاعات، تهالك بنيته التحتية وانتشار الفساد في مؤسساته الحكومية وسياسات عامّة غير فعّالة، خصوصاً لجهة الحفاظ على البيئة في بلد يُعدّ من الأكبر عرضة لتأثيرات التغيّر المناخي.

يحمل مربي أسماك عراقي أسماكاً نافقة من حوض في مزرعته ببلدة الزبيدية قرب مدينة الكوت جنوب العراق (أ.ف.ب)

وأدّت قلة الأمطار في السنوات الأخيرة، بالإضافة إلى ارتفاع معدلات الحرارة وقلّة الإطلاقات المائية من تركيا وإيران، إلى تراجع قياسي في منسوب دجلة والفرات اللذين يشكّلان المصدر الأساسي للمياه في العراق.

وقال وزير البيئة، هه لو العسكري، لـ«وكالة الأنباء العراقية»، الثلاثاء، إن السلطات «استطاعت احتواء ظاهرة» تلوث مياه دجلة، وتعمل على «عدم تكرار تلوث مياه الأنهار في المستقبل».

من جهته، قال المتحدث باسم «أمانة بغداد»، عدي الجنديل، إن السلطات تعمل على أن تدشن قريباً 7 وحدات جديدة لمعالجة مياه الصرف الصحي في جنوب شرقي العاصمة؛ بهدف «تصفية ومعالجة المياه لتصبح صالحة للسقي والأغراض الزراعية قبل طرحها في النهر».

أسماك نافقة تطفو على سطح الماء في مزرعة ببلدة الزبيدية قرب مدينة الكوت جنوب العراق (أ.ف.ب)

وأدى التلوث كذلك إلى تقنين استخدام المياه لأيام في مدن بجنوب شرقي العراق، حيث يستخدم السكان مياه النهر للشرب والاستهلاك المنزلي.

وأوصت السلطات في محافظة واسط، الخميس، بعدم شرب مياه دجلة، مشيرة إلى أن تلوّثها تسبب في أكثر من 20 حالة تسمم وإصابات جلدية أُدخلت المستشفى.

أمام فناء منزله المطلّ على النهر في قضاء النعمانية، يتأمل مازن منصور (51 عاماً) بحسرة أحواضه حيث نفق نحو 38 ألف سمكة كان يستعدّ لبيعها قريباً. ويقول: «عندما شاهدنا الأسماك متعبة، حاولنا إنعاشها بالأكسجين، بينما كانت المياه سوداء». ويضيف: «راح تعب العمر كلّه في يوم وليلة»، داعياً السلطات الى «محاسبة المقصّرين». ويتابع: «ما لم نحصل على تعويضات، فقد لا نتمكن من معاودة العمل أبداً».

Your Premium trial has ended