أين اختفت أغاثا كريستي؟

سيرة جديدة متعاطفة مع «ملكة أدب الجريمة»

أغاثا كريستي في مكتبها
أغاثا كريستي في مكتبها
TT

أين اختفت أغاثا كريستي؟

أغاثا كريستي في مكتبها
أغاثا كريستي في مكتبها

لا تزال أرقام مبيعات الرّوائيّة البريطانيّة أغاثا كريستي استثنائيّة بكل المقاييس، ليس فقط لأنّها وصلت لحدود قياسيّة تجاوزت في مجموعها الملياري نسخة، ولكن لأنّها مستمرة لفترة طويلة تربو على المائة عام مذ نشرت أوّل أعمالها (رواية «الأحداث الغامضة في ستايلز»، التي كتبت في 1916 ونشرت في 1920). وطبعت دار النشر البريطانيّة الشهيرة «بنغوين» مليون نسخة خلال يوم واحد من 10 روايات لها في ذكرى مرور ربع قرن على صدور أولى رواياتها. وكانت منظمة اليونيسكو قد أعلنت في 1961 أنّها «المؤلفة الأكثر مبيعاً عبر العالم»، بعدما سجّلت ترجمة أعمالها إلى 103 لغات حيّة (مقارنة بالكتاب المقدس الذي نقل إلى 171 لغة، وشكسبير إلى 90 لغة).
على أن هذه المؤلفة التي أصبحت ملكة متوجة لفن أدب الجريمة والمغامرات البوليسيّة في الفضاء الأنغلوسكسوني، وجزءاً أساسيّاً من القوّة الناعمة للثقافة البريطانيّة، عانت كثيراً سمعة سلبيّة اكتسبتها في وقت ما خلال عام 1926 عندما اختفت لمدة أحد عشر يوماً، وظنّ كثيرون أن مصيرها كان الموت؛ أقلّه وفق عناوين صحف تلك الأيّام التي عرضت مكافآت ماديّة لمن يجدها. كانت الشّرطة قد عثرت على سيارة الروائيّة الفاتنة مهجورة في منطقة سَرِي جنوب لندن، وأطلقت عمليّة واسعة للبحث عنها في المناطق الخضراء، متوقعة حدوث الأسوأ. لكن الصحافة ما لبثت أن انقلبت عليها وسلقتها بألسنة حداد، بعدما اكتُشفت مسجلّة باسم مستعار في فندق «هاروغيت هايدرو» الفاخر؛ حيث كانت تقضي نهاراتها في تسوّق الملابس الجديدة، والمساءات في الرّقص والثرثرة الفارغة مع الغرباء حول حزنها على وفاة ابنتها الصغيرة. وطرح عضو من حزب العمّال تساؤلات في مجلس العموم حول التكلفة التي تكبدتها المملكة التي لمّا يتعافى اقتصادها من آثار الحرب العالميّة الأولى للبحث عن تلك السيدة الثريّة الشريرة، فيما دعت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركيّة إلى تحميل تلك التّكلفة على حساب وكيل كريستي الأدبي، بحسبان أن «موكلته عديمة القلب تواطأت على الجمهور، وتلاعبت بعواطفه لأجل مزيد من الشهرة».
وبالطبع؛ فقد أشبع الصحافيّون والفضوليون والمخرجون السينمائيّون لغز اختفاء كريستي بحثاً، ووُضعت طوال العقود الماضية تفسيرات عديدة متفاوتة يوحدها ميلها إلى إدانتها بشكل أو بآخر، من اتهامها بالتخطيط لقتل عشيقة زوجها (الأوّل أرشيبالد كريستي وكان ضابطاً في سلاح الجو الملكيّ) أو محاولة ترويعه كي يعود إليها، إلى تنفيذ مؤامرة ساخرة لزيادة مبيعات أحدث رواياتها، ومروراً بنقد طبقيّ قاسٍ لسيّدة ثريّة فاسدة، لا بدّ من أنها اعتقدت أنها فوق القواعد العادية التي تحكم سلوك عامّة المواطنين.
واليوم، وبعد نحو مائة عام على حادثة الاختفاء تأتي لوسيلي ورسلي في سيرتها عن كريستي الصادرة حديثاً عن دار «هودر وستوتون» لتدعونا إلى منح الروائيّة الشهيرة شيئاً من العدالة، وتقبّل تصرفها خلال فترة اختفائها بوصفه أقرب ما يكون إلى ردّ فعل يائس ومرتبك في إطار أزمة صحّة نفسيّة كانت تمر بها الروائيّة حينذاك. فقد ترافق خبر فقدانها والدتها المقربّة إليها مع إبلاغها من قبل زوجها بأنّه سيتركها من أجل امرأة أصغر سنّاً. وبالفعل، فقد أحسّت كريستي وقتها بالضياع، وأرادت، وفق تصريحات لها، «أن تنتهي حياتها»، وقد توجهت إلى يوركشاير في حالة من الشرود بحثاً عن الراحة من فترة قصيرة ومكثّفة ومؤلمة أفقدتها توازنها العقلي، دفعتها لتفرَّ من واقعها إلى نقطة بعيدة جداً من أجواء المنزل المعتادة.


ورسلي وكتابها عن أغاثا كريستي (حساب المؤلفة على «تويتر»)
ويبدو أن كريستي شعرت بالارتباك الشديد، إزاء فضيحة الاختفاء، لبقية حياتها الطويلة وهي التي لطالما عدّت فكرة السعي لجذب اهتمام الجمهور لتحقيق مكاسب شخصية مسألةً لا أخلاقية للغاية.
وتنقل ورسلي في الكتاب، عن حفيدها، تجنّب الجميع في العائلة طرح الموضوع للمناقشة أمامها كي لا يستعاد شعورها بالعار. لقد ظُلمت كريستي على الأرجح واتهمها كثيرون بالازدواجية والكذب، وقد احتاجت لمائة عام كي تتطور نظرتنا لمسائل الصحة العقليّة والنفسيّة؛ كي تأتي كاتبة سيرة جديدة لتضع حدث الاختفاء في نطاق سياق مختلف متنزه عن النيّات السيئة والأحكام المسبقة القاسية.
ومع ذلك، فإن هذي الضجة الهائلة التي ما زالت أصداؤها تتردد حتى بعد مائة عام مؤشر على مدى شعبية وأهمية كريستي؛ الأديبة التي تكرّست بعد خمس سنوات فقط من ظهورها لأول مرة روائيةً في أدب الجريمة. وللحقيقة فإنّها كوّنت سريعاً، ومنذ باكورة أعمالها، مناخاً خاصاً أحبّه الناس: منزل ريفيّ لطبقة ثريّة تعاني التفكك والضغوط الاجتماعيّة، وجريمة يشتبه في اقترافها من قبل عدد من الشخصيات التي لديها جميعاً سبب لكراهية الضحية، ومحقق خاص يدعى بوارو (رُسِمَ بوصفه لاجئاً بلجيكياً نزح إلى المملكة المتحدة بسبب الحرب) يجمع المعنيين في غرفة الرّسم للكشف عن المجرم في الصفحة الأخيرة. ويبدو أن تجربة كريستي في التطوّع للخدمة الميدانيّة داخل صيدليّة مستشفى حربيّ مؤقت خلال الحرب العالميّة الأولى كانت وراء اختيارها سمّ «السيانيد» أداة قتل مفضّلة؛ إذ قضى ما لا يقلّ عن 18 من شخصيات رواياتها بجرعة منه في فضاء 10 روايات و4 قصص قصيرة.
وُلدت أغاثا فريدريك ميلر عام 1890 لأب أميركيّ في أجواء السلالات الأرستقراطيّة في منطقة ديفونشاير (شمال غربي لندن).
تقول ورسلي إن رحيل والد كريستي المبكر وهي في الحادية عشرة من العمر ترك على حافة مزاجها شعوراً دائماً من الإحساس بفقدان الأمن المادي والعاطفي، الذي أصبح تالياً من السمات المميزة لطريقة نسجها المشهد الأدبيّ. وقد تزامن ذلك مع فترة عاشتها بريطانيا خلال وبعد الحرب العالمية الأولى، تخلخلت فيها العلاقات العائليّة وتضررت الهيكليات البطريركيّة، بما فيها قبضة القوى المحليّة لسلطات إنفاذ القانون والنّظام، الأمر الذي قد يفسّر ذلك القبول العريض والسريع لروايات كريستي البوليسية الأولى بين جمهور القرّاء البريطاني.
وتعدّ ورسلي كريستي رائدة حداثة أعادت صياغة كثير من اهتمامات الرّواية الفيكتورية الكلاسيكيّة حول الميراث والجنون والعلاقات الجنسيّة المضطربة، وقدّمت نماذج لشخصيات كسرت النّماذج التقليدية للرجال والنساء على حد سواء.
وتضم أعمالها، التي تكاد تستعصي على الإحصاء، منجزات من مختلف الأنواع الأدبيّة: روايات وقصص قصيرة ونصوص مسرحيّة إضافة إلى مذكراتها الشخصيّة، ومعظمها ما زال قيد التداول في طبعات شعبيّة وعاديّة وفاخرة يعاد إصدارها بين الحين والآخر، لا سيّما عند إطلاق أفلام سينمائيّة ومسلسلات جديدة تستلهم شخصياتها، وما أكثرها.
ولم تقتصر كتاباتها على أدب الجريمة حصراً، بل كتبت أيضاً روايات جاسوسيّة، وألحقت المحقق «بوارو» بعد 1966 بشخصيّة أخرى أثبتت رواجاً، وهي المحققة «مدام ماربل» التي أصبحت عند كثيرين - من خلال مارغريت رذرفورد، الممثلة البريطانية المخضرمة التي لعبت دور «الآنسة ماربل» في الستينات - صنو كريستي نفسها، رغم أنّها لم تكن تشبهها مطلقاً من ناحية الشكل.
كسبت كريستي ملايين الجنيهات من كتبها وحقوق مسرحياتها، لكنّها كانت دائماً قريبة من الإفلاس بسبب بذخها اللامحدود وهوسها بالملابس والحفلات. وقد تزوجت للمرّة الثانية من عالم الآثار ماكس مالوان عام 1930 رغم استهجان الجميع من حولها، الذين عدّوا اقترانها به، وهو الأصغر عمراً منها، «زواج مصلحة»، سعياً منه للحصول على تمويل لرحلاته الميدانية إلى المواقع الأثرية في منطقة الشرق الأوسط. لكن ورسلي ترى مع ذلك أن تلك العلاقة كانت أكثر من مجرّد مصدر لتمويل الرحلات، وصمدت عبر الأيّام حتى عندما كانا يتباعدان بين الفينة والأخرى، لكن مالوان كان يستغل فترات التباعد تلك لنسج علاقات مع عشيقات تزوج إحداهن بعد فترة وجيزة من وفاة كريستي في عام 1976.
لقد أُثير كثير من اللّغط حول كريستي، ولم تساعد حادثة اختفائها الشهيرة في منحها ما تستحقه على المستوى الشخصيّ من التفهّم والتقدير والمحبّة، ولذلك فإن السيرة التي وضعتها ورسلي تبدو نوعاً من تصويب، ولو متأخراً، لميزان العدالة. لكن عبقريّة أغاثا كريستي الأدبيّة ليست أبداً موضعاً للخلاف، ولا يعتقد أن أحداً ما سيكون قادراً على إزاحتها يوماً عن عرشها ملكة متوجة لأدب الجريمة في الثقافة البريطانية.


مقالات ذات صلة

دائرة الكُتّاب المجهولين

ثقافة وفنون دائرة الكُتّاب المجهولين

دائرة الكُتّاب المجهولين

تصدر قريباً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان» رواية «الكهل الذي نسي» للروائي الجزائري سمير قسيمي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

صدر حديثاً عن «الدار العربية للعلوم - ناشرون» كتاب «شينجيانغ... رحلة في تجليات الجمال والسعادة والازدهار» للكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي.

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023»

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).