الكتاب في الجزائر... قصة موت غير معلن

المكتبات وشبكات التوزيع تختفي واحدة بعد أخرى

زوار «الصالون الدولي للكتاب» في دورة سابقة
زوار «الصالون الدولي للكتاب» في دورة سابقة
TT

الكتاب في الجزائر... قصة موت غير معلن

زوار «الصالون الدولي للكتاب» في دورة سابقة
زوار «الصالون الدولي للكتاب» في دورة سابقة

مع الإعلان المتوقّع منذ أشهر عن إلغاء المعرض الدولي للكتاب، بات من الواضح أن موت قطاع النشر المؤجل لعقود امتدت من نهاية تسعينات القرن الماضي إلى يومنا هذا، أصبح واقعاً لا مفرّ منه، سيما وأن مسألة بعثه من جديد صارت تحتاج إلى عبقرية استثنائية تشبه المعجزة، أظهرت العقود السابقة استحالة تواجدها في ظلّ ما عمّ القطاع من فوضى وامتناع عمدي لتخليص الكتاب من مشاكله، أدخلته دائرة مفرغة من الوعود السياسية المفلسة، والتي تتقاطع كلها في اعتباره سلعة كمالية يمكن الاستغناء عنها.
لا شك أن التعددية السياسية في الجزائر سمحت لقطاع النشر والكتاب من التحرّر من احتكار الدولة والسماح للخواص بدخول هذا المجال، لكن ذلك فرض أيضاً واقعاً غريباً غير متجانس، اتسم بالفوضى واستمر كذلك، بسبب انعدام سياسة ثقافية واضحة تساير هذا التغيير، في ظل غياب مدونة قانونية تنظم قطاع النشر والكتاب، وإصرار وزارة الثقافة على أن تكون فاعلاً فيه من خلال رعاية الاتكالية باسم الدعم المالي للكتاب، وفرض نفسها كالمنظم الأوحد والحصري لجميع الفعاليات المتعلّقة بالكتاب، وعلى رأسها المعرض الدولي للكتاب، والذي خلال سنوات قليلة فقد بريقه وموقعه بين معارض الكتب الدولية.
كان من المفروض أن تصاحب هذا التحرر من الاحتكار العمومي حزمة من القوانين المنظمة لقطاع النشر والفاعلين فيه، إلا أن قطاع النشر تُرك بعيداً عن أي تنظيم حقيقي يمكنه تحقيق الحدّ الأدنى من الاستقرار ومن الحماية لسلسلة صناعة الكتاب بإعادة النظر في قانون حقوق التأليف وبتنظيمٍ أقل ضبابية للديوان الوطني لحقوق التأليف والحقوق المجاورة، يمهّد لمنح صفة المهنة لعمل الكتابة عبر تضمينها قانون علاقات العمل، وأيضاً من خلال توفير الحماية الاجتماعية والسياسية للكاتب، وما يترتب عن هذه الحماية من حقوق نقابية تسمح له بالدفاع عن حقوقه، سيما المادية منها وعلى رأسها نظام المكافئات عن الجهد الفكري والإبداعي، وانتهاء بالمكتبي الذي بسبب عدم الفهم الصحيح لمهنته، يعامل كأي تاجر آخر، فرغم الطبيعة الخاصة لنشاطه التي تفترض توفير نظام حماية ودعم يسمح له بالبقاء، فإن المؤسسة الرسمية تصر على إخراجه من دائرة صناعة الكتاب؛ ما أدى إلى إعلان عدد كبير من المكتبيين إفلاسهم وتوجههم إلى نشاطات أخرى أكثر ربحية.
تضم الجزائر بمساحتها الشبيهة بالقارة عدداً لا يتجاوز 180 مكتبة على كامل ترابها، وهو عدد يشمل باعة الجملة ونقاط بيع بعض مؤسسات النشر العمومية كالمؤسسة الوطنية للفنون المطبعية والوكالة الجزائر للنشر والإشهار، بالإضافة إلى المكتبات التي تجمع بين بيع الكتب وبيع المستلزمات المكتبية، والمكتبات التي لا يتعدى عمر نشاطها السنتين، كما أن إعلانات الغلق والإفلاس المستمرّة منذ عام 2019 تؤكّد أن نشاط المكتبات في الجزائر لم يعد آمناً في ظل انعدام تام لمنظومة قانونية مالية تحمي صناعة الكتاب من الانهيار الوشيك، ولعلّ هذا ما حاولت الدكتورة آسيا موساي، صاحبة منشورات الاختلاف الجزائرية، التعبير عنه في تعليقها على خبر غلق أهم مكتبة في مدينة شرشال التاريخية بقولها «بحت أصواتنا ونحن نقول، إن الاستراتيجية التي اعتمدتها وزارة الثقافة مدمّرة وكفيلة بإنهاء كل الأنشطة المرتبطة بالكتاب والقراءة.. لقد ساهمت وزارة الثقافة في خلق متطفلين قاموا بمهنة محددة وهي إطفاء دور النشر الحقيقية، وتم تمييع مهنة النشر التي لم تقم لها قائمة بعدها، أما المكتبات وشبكات التوزيع فقد تركت تختفي الواحدة وراء الأخرى دون أن يسبب هذا أي قلق للمسؤولين عن الثقافة، وكأن هذه المكتبات فائضة عن الحاجة، وما زلنا نشهد نتائج التسيير التدميري المتعمّد لهذا القطاع».
الاستراتيجية التي أشارت إليها صاحبة منشورات الاختلاف، هي تلك التي اعتمدتها وزارة الثقافة منذ أيام الوزيرة السابقة خليدة تومي إلى يومنا هذا، والمتمثلة في تخصيص ميزانيات خيالية لدعم نشر الكتاب، دون الحرص على توفير قوانين ونظم مالية ودفاتر شروط، تسمح بذهاب هذه الأموال لمن يستحقها من فاعلين في أنشطة الكتاب، وبالتالي حمايتهم من النتائج المترتبة عن سوء استعمال تلك الميزانيات على غرار ما حدث، حين سمح هذا البذخ غير المراقب من ظهور ما أسمتهم الدكتورة آسيا موساي بدور النشر المتطفلة على القطاع والتي كانت تظهر فقط للاستفادة من مشاريع نشر لتختفي مباشرة بعد انتهاء برامج الوزارة للنشر، من دون أن تضيف شيئاً إلى الساحة الإبداعية، سيما وأن معظم مشاريعها انصبت على نشر الكتب التراثية وإعادة طبع مؤلفات موجودة في السوق، وتركيز كل اهتمامها على ما تجنيه من أرباح دون أي اعتبار للقيمة الإبداعية لإصداراتها أو لحقوق المؤلفين المتعاقدين معها. كل ذلك مقابل تجاهل صريح للناشرين المستثمرين في القطاع، والمعتمدين أساساً على قدراتهم المالية واللوجيستية وإن كانت محدودة، والذين حاولوا لاحقاً التكتل في تنظيمات نقابية لضمان حقوقهم ورغبة في وضع القطاع على سكته الصحيحة، على عكس الكُتّاب الذين ظلوا على الهامش، معتقدين أن اتحاد الكتاب الجزائريين سيلعب الدور المنوط به في توحيدهم، وفي تطوير مكانيزمات عمله الموروثة منذ العهد الاشتراكي والتحول بشكل تدريجي إلى منظمة نقابية تسهر على حمايتهم وخدمتهم.
أحلام الناشرين الجزائريين سرعان ما تبخرت بسبب تصادم المصالح، وانقسام النقابة إلى نقابتين ورغبة دور النشر المعتمدة على استيراد الكتب من الخارج على بقاء الوضع على ما هو عليه، بالإضافة إلى بعض دور النشر التي وجدت ملاذاً آمناً في صناديق وزارة الثقافة التمويلية، سواء تلك التابعة للتظاهرات الوطنية الكبرى كالجزائر عاصمة الثقافة العربية أو تلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية أو الألعاب الأفريقية أو حتى قسنطينة عاصمة الثقافة العربية، أو تلك الصناديق السنوية الممولة للنشر مثل الصندوق الوطني لدعم الإبداع.
لكن الأمور سرعان ما ازدادت حدة، بعد الفشل الحاصل في خلق شبكة توزيع وطنية للكتاب وتراجع أداء بعض المؤسسات العمومية الكبرى التي كانت تضمن بعض التوزيع، والتي تزامل تراجعها الأدائي في التوزيع وفي النشر مع تكليفها بتنظيم وتأطير المعرض الدولي للكتاب الذي تأثر لاحقاً بدوره، وتراجعت مكانته الدولية بين المعارض العربية الكبرى، بسبب عدم تطوير أدواته في وقت تشهد فيه معارض الكتب الدولية قفزات نوعية جمعت بين التطور الحاصل في مجال صناعة الكتاب، والشق المعرفي والتكنولوجي المرتبط بهذه الصناعة.
انعدام الرؤية الواضحة لنشاط النشر، جعل وزارة الثقافة تلتجئ إلى فكرة خلق مؤسسات أخرى تحمّلها معها عبء نشاط النشر والكتاب، على غرار المركز الوطني للكتاب ومجلس الآداب والفنون، لكنها وهي تفعل ذلك لم تفكر في توفير غطاء قانوني كامل لمثل هذه الهياكل؛ فالمركز الوطني للكتاب بسبب محدودية ميزانيته، وعدم توفره على النصوص القانونية الكفيلة بقيامه بدوره، سرعان ما تحول إلى مؤسسة استشارية لا تضمن إلا رواتب موظفيها، أما مجلس الآداب والفنون فقد أنيطت به مهمة واحدة هي إصدار بطاقات الفنان، التي أعتقد لفترة وجيزة أنها الحل السحري لكل مشاكل الفنانين الاجتماعية، بمن فيهم الكتّاب، ودعم هذا الاعتقاد صدور القرار 14 - 63 المتعلق بالضمان الاجتماعي للفنانين والمؤلفين، الذي منح الحق لأبناء القطاع في الاستفادة من مزايا الضمان الاجتماعي، لكن في حدود ما يتم التصريح به؛ وهو ما جعله قراراً عديم الفائدة خاصة بالنسبة للمؤلفين والكتاب؛ نظراً لمحدودية ما يجنونه من نشاط الكتابة، وبسبب انعدام تام لنظام المكافئات والإتاوات المتعلقة بالنشاط الأدبي المرتبط بوصفه ككاتب، سيما وأن الهيكلة الحالية وصلاحيات الديوان الوطني لحقوق المؤلفين والحقوق المجاورة، لا تمنح أي فائدة مالية للمؤلفين نظير أعمالهم، وتتأكد انعدامية الفائدة من هذا القرار، بعدم انفتاح قانون العمل الجزائري على الكاتب واعتبار الكتابة مهنة تسمح له بتوقيع عقد تدخل في إطار قانون العمل.
يبقى قطاع النشر والكتاب في الجزائر رهين قرار سياسي شجاع، يعيد تنظيم الأنشطة المتعلقة بالكتاب ويرسم، وفق نظرة واضحة، استراتيجية تسمح ببعث قطاع النشر مجدداً، سيما وأنه أصبح في حكم الميّت الذي لم يتم إعلان وفاته بعد.


مقالات ذات صلة

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

صدر أخيراً عن مجموعة «كلمات» للنشر بالشارقة، ديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا بترجمة عربية أنجزها الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً