الموسوي: أدب الانحطاط أسطورة.. روج لها دعاة «النهضة»

يشغل كرسي إدوارد سعيد في جامعة كولومبيا بنيويورك

محسن الموسوي
محسن الموسوي
TT

الموسوي: أدب الانحطاط أسطورة.. روج لها دعاة «النهضة»

محسن الموسوي
محسن الموسوي

أصدرت دار نشر جامعة نوتردام الأميركية في نهاية أبريل (نيسان) 2015 الكتاب العاشر بالإنجليزية للأستاذ الدكتور محسن جاسم الموسوي، أستاذ الأدب العربي والمقارن في جامعة كولومبيا في نيويورك. والكتاب الجديد بالإنجليزية ظهر بعنوان (جمهرة الآداب في العصر الإسلامي الوسيط: البنية العربية للمعرفة). والكتاب يعنى بالفترة بين القرنين الثاني عشر والثامن عشر، ويشمل المساحة الشاسعة بين الصين وبغداد ودمشق ومراكش والأندلس. ويصف روجر ألن الكتاب أنه لا بد منه لتكذيب أسطورة (العصور المظلمة) و(عصور الانحطاط) التي صادق عليها دعاة (النهضة).
ولأن الكتاب يشكل مفصلاً معرفيًا خطيرًا، كان لنا هذا اللقاء بالدكتور محسن الموسوي:

* لماذا وقع اختياركم على هذه القضية؟ لا سيما أن معظم الدارسين العرب والمستشرقين نفضوا أيديهم منها وتعاملوا مع نتاجها كـ(ركام) ومخلفات عصر تدهور وانحطاط؟
- جئت إلى هذه القضية من نقطة القطيعة هذه وسعيت لتبين المحنة التي تدفع بالبحاثة إلى صرف النظر عن فترة طويلة، من القرن الثاني عشر إلى الثامن عشر، تحت أعذار ومسميات شتى.
ورأيت أن التسمية التي نالتها تلك المرحلة ومنتوجها المعرفي جاءت في نهاية القرن التاسع عشر عندما أخذ المستشرق ومعه الدارس العربي يطمئن إلى آليات التفكير التي أخذت بها أوروبا في عصر التنوير، وهي آليات تقوم على ثنائية العقل والخرافة. وكان إعلاء العقل الذي ميز المرحلة التنويرية في أوروبا وازدهار الفلسفة العقلانية يعني ضمنًا رفضًا للعصور الأوروبية الوسطى، تلك العصور التي أطلق عليها (غوته): رداء التبن الرث. ووجد النهضويون العرب في ذلك الرفض مثالاً يحتذى، خاصة أن العصور العربية الوسطى هذه اقترنت بسقوط المركز، أي بغداد العباسية، وأفول النجم السياسي للمركزية العربية. ورغم ازدهار القاهرة أيام المماليك، وظهور مراكز إشعاع متفرقة في المغرب العربي وآسيا، إلا أن ضياع المركز مثلت لواحد مرموق كالقاضي والمؤرخ المصري ابن دقمقاق (بقاء الدنيا بلا خليفة).
هذا الفقدان أصاب العرب باضطراب عجيب، وهو ما نلاحظه في كتابة المؤرخين عن انهيار المركز.
لهذا السبب رأيت لزوم تجاوز هذا (الجرح) الذي حال دون التمعن في المنتوج الثقافي وقاد إلى شطب تاريخ كامل من دون تدقيق أو تمحيص.
* لكن ابن خلدون تعامل أيضًا مع انهيار الحضارات كأمر حتمي، أي أن سقوط بغداد جاء نتيجة حتمية لازدهار بالغ؟
- نعم. كان ابن خلدون من بين قلة قليلة من المؤرخين الذين جمعوا (العلوم الاجتماعية) بالوعي التاريخي ولذا نظر إلى الأمر، في الأندلس، كما في الحضارة العباسية، على أساس جدلي: فكل تنام بالغ ينتهي بتفكك (العصبية) وانفراط الجامع الذي كان يشد الأطراف المختلفة. ولهذا لم يقرن ابن خلدون السقوط أو الأفول السياسي بانهيار ثقافي حتمي.. فكلاهما له خطه المتباعد عن الآخر. والطريف أن ابن خلدون عند لقائه بتيمور لنك خلف أسوار دمشق استخدم اللقاء لتعزيز نظرته للتاريخ: إذ لاحظ كيف أن قادة المغول يشاركون عصبتهم ما يملكون وما يأكلون، وعرف من ذلك سر قوتهم وانشدادهم بعضهم للآخر. وكما نعلم، كان جنكيز خان يفعل ذلك أيضًا عندما غزا بغداد وهتك ثراءها وقتل نبلاءها. ورغم المأساة السياسية والحضرية التي نالت المشرق العربي ودولاً أخرى اجتاحها المغول، لكن الثقافة أخذت مسارات خطيرة، هي ما دعتني إلى عدم الرضوخ لمبدأ معادلة التدهور السياسي بالانهيار الثقافي، ذلك لأن النتاج الثقافي تزايد وأخذ مسارًا ومنظورًا يبرر القول بوجود أجواء نشطة من الجدل والحوار والتراسل والفن.
* لكن التهمة التي كررها العرب إلى يومنا هذا هو أن المنتوج ما هو إلا (إعادة إنتاج)، و(شروح) و(حواشٍ) حتى أن الدارسين العرب منذ جورجي زيدان قالوا عن المرحلة إنها ثقافة (الشروح والحواشي).
- هنا تكمن المأساة. نعم، توجد شروح، وتوجد وفرة من الحواشي. ولكن هذه الرؤية التي بالغ فيها زيدان وآخرون لم تر حتى الجانب المضيء في الشروح والحواشي، رغم أن هذه لا تشكل إلا نسبة اعتيادية في الكم الهائل من الإرث الثقافي لتلك المرحلة: فالشرح يعني (تلبية لحاجة) واستجابة لرغبة أي أن الشارح يتعامل مع قرائه مباشرة في هذه الشروح. ولولا الحاجة لما رغب في ذلك. أما الحاشية فهي فن فريد في حينه، شأنها شأن الهوامش التي ترافق البحث الأكاديمي في القرن العشرين. فالهامش، شأن الحاشية ليس فائضًا، بل يأتي مكملاً للنص.
ومن الجانب الآخر تميزت المرحلة بما يلي:
1- ظهور المعاجم الكبرى، كلسان العرب لابن منظور والقاموس المحيط لفيروز آبادي وتاج العروس للزبيدي.
2- تميزت بأكبر موسوعات في السير لابن خلكان وياقوت الحموي، ومن أضاف إلى ذلك من ملاحق وتجديد طيلة المراحل التالية كابن شاكر الكتبي وصلاح الصفدي وابن معصوم، وعشرات غيرهم.
3- ظهرت حينذاك الموسوعات المعرفية كخزانات أدب، لابن حجة الحموي والبغدادي وغيرهما.
4- ازدادت نزعة تحقيق النص الشعري ودراسته، وهذا ما فعله الصفدي وابن نباتة.
5- ظهرت السيرة الذاتية كمنتوج متميز، عند ابن منقذ، وعين القضاة الهمذاني، وابن معصوم.
6- ظهرت فنون الشعر السبعة، وكتب فيها صفي الدين الحلي وابن حجة وابن تغري بيردي.
وهذه الفنون نالت الدرس المستفيض لأول مرة على أساس أنها تشغل المساحة بين (الصالون) والشارع. كما ظهرت دراسة الموشح الأندلسي عند ابن سناء الملك أولاً، ثم ابن الخطيب وآخرين.
وهذه تحولات مهمة في الذائقة الشعرية العربية، درستها بعناية ووضعت بعض الأسس التي تتيح للمتمعن أن يتحرر من القيود التي وضعته داخلها المدرسة التقليدية في قراءة الشعر ونقده طيلة القرن العشرين.
7- وتميز العصر بحوار جاد بين الفلاسفة والفقهاء والعلماء والبلاغيين، ولهذا تتابعت الردود والتعليقات وشغلت هؤلاء وهم يقيمون بين سمرقند والقاهرة وحلب وقرطبة وفاس والقيروان وأصفهان وشيراز ومرو. وعندما نبصر هذه الظاهرة وتوالد النقاش على مدى قرن أو أكثر ندرك كم أن مشعل المعرفة لم يمت، كما يراد لنا أن نعتقد، ولم تخمد جذوة التحليل والدرس والحجاج. ولو تأملنا مثلاً ما يكتبه فخر الدين الرازي وما يلتقطه الطوسي وما ينشغل به ابن خلدون والتفتازاني والأجي، ندرك كم نخطئ عندما نتصور العصر خلوًا من حوارات جادة وعميقة تستمر بعد رحيل أصحابها وتستأثر باهتمام المجايلين والتالين.
8- ولو تأملنا الظاهرة (البديعية)، أي الجهاز البلاغي النقدي الذي يرافق قصيدة المديح النبوي لزومًا والذي شرعه أولاً صفي الدين الحلي، ولو تأملنا هذه الظاهرة التي استمرت منذ نهاية القرن الثالث عشر ولغاية القرن العشرين. وعرفنا التراكم البلاغي للبديع وأصنافه ومسمياته لتبين لنا أن هذا لا يمكن أن يكون إسرافا، وإلا كيف نفسر هذا التراكم إن لم تكن هناك رغبة جمهور مستمع وقارئ؟ هذا الجمهور لم يعد يكتفي بالإصغاء بل يريد شراكة فعلية في استيعاب التكوين البلاغي للقصيدة.
9- تنامي مفهوم الرحلة، وكان ابن بطوطة يمضي شوطًا أبعد بكثير من ابن جبير وهو يصل الصين، ويقيم في الهند ويصف اللقاء بأفراد عرفهم في طنجة، إذ بدت ممالك الإسلام مفتوحة أمام الرحالة، فلا قيود ولا مصاعب. والرحلة هي من مواصفات (الجمهرة) التي أنا بصددها في هذا الكتاب: فكما أن الحج كان سبيلاً للاحتكاك والمعرفة والتأليف (عند ابن عربي بخاصة)، كانت الرحلات والمواقع المعينة كالزوايا مثلاً والمساجد، تتيح اللقاء والاجتماع وتبادل المعرفة، إضافة إلى المألوف من مدارس وجامعات.
* ولكن، ما الذي يسوغ استخدامكم لمصطلح (جمهورية الآداب)، الذي تقترح ترجمته أنت كـ(جمهرة الآداب الإسلامية في العصر الوسيط: البنية العربية للمعرفة)؟
- المسوغات كثيرة، فهناك أولاً وجود سبل التواصل والاتصال من حج وأسفار وزوايا المتصوفة والمدارس والمساجد، وهناك أسفار الكتاب نفسه الذي يقيم علاقته مع آخرين يكتبون عنه ويجدون في التعليق والرد. ولنأخذ مثلاً على ذلك كتاب السكاكي، مفتاح العلوم. فأنت يمكن أن تراه كتابًا في النحو، كما ألفناه. لكنه ليس كذلك. إنه الأساس الفقهي لا لعلم النحو وفقه اللغة فحسب وإنما للبناءات أو اللبنات المعرفية التي يستند إليها الفيلسوف والبحاثة والدارس. ولهذا كان القزويني يرفده بالمختصر، ويخصه آخرون بالمطولات والمختصرات، وفتح (مختصر) القزويني جادة للتفتازاني وآخرين. وهكذا توالدت شجرة نسب هائلة تمتد عبر سمرقند ومرو وحلب والقاهرة وفاس مثلاً. وهناك ما يشبه ذلك. أما إذا ما ذهبنا إلى (الظاهرة) الأدبية، كظاهرة الفنون (الشعبية في الشعر) كالكان كان والدوبيت والمواليا.. إلخ، نرى أن هذه ازدهرت كثيرًا في ذلك العصر. وعلى المتأمل الناقد أن يتريث قبل إطلاق الأحكام جزافًا على ضعف (النثر): فالظاهرة ليست اعتيادية. وأصحابها يجمعون بين فصيح اللغة وعاميتها، وأغلبهم من أصحاب المهن والحرف.
وهكذا للظواهر تفسيرها وأسبابها، بما يعني أن (الشارع) سرق المبادرة من (البلاط العباسي) وغيره، خاصة أنه لم يعد قائمًا، وآلت الظاهرة الأدبية إلى الجمهور المنتوج. وهنا، علينا أن نتوقف عند هذه الظاهرة التي ميزت ذلك العصر: فالمعرفة لم تعد حكرًا على الفئة المترفة وعلية القوم.
وهناك ظواهر تلقائية، وأخرى جدلية، وثالثة بالإكراه. فمثلاً عند التمثيل للظاهرة ببعدها الأخير، علينا أن نتوقف عند هذا الأمر: وهو أن تيمور لنك أخذ أسرى إلى سمرقند حرفيي دمشق، أولئك الشجعان الذين لم يبدعوا في صناعة نسيج الحرير وغيره وإنما كانوا وحدهم المقاتلين الذين حموا أسوار دمشق وصنعوا الأسلحة الدوارة على هذه الأسوار لتذيق تيمور وجيشه المر الكثير. أخذ هؤلاء أسرى إلى سمرقند ليحيوا هناك صناعة الخز والحرير.
ليس هذا فقط، كانت الغزوات تفرض كرهًا انتقال مفكرين وأدباء من مدينة إلى أخرى، فكان ياقوت يكتب عن بقائه في مرو (يرتع) بين مكتباتها وهو يؤلف معجم البلدان بمجلداته الذائعة. وأمثاله كثر. وما نقوله عنه مثلاً، يقال عن ابن عربشاه، الذي أسره تيمور وهو لم يزل صبيًا، وذهبوا به إلى سمرقند. لكنه خرج في النتيجة حانقًا على تيمور، متعلمًا لعدد من اللغات بين ثقافات إسلامية متعددة، ومؤلفًا مشهورًا يشهد له تلامذته المبرزون بالمعرفة الواسعة. وهناك عشرات الأمثلة التي تضمنها الكتاب والتي تبرر التسمية المذكورة.
* ولكن إذا ما طالبتك بتحديد التسمية، لماذا وقع هذا الاختيار؟ لماذا لم تكتف مثلاً بـ(الآداب) في العصر الإسلامي الوسيط؟
- السؤال وجيه. هناك كما قلت ظهور الامتياز الذي يمكن أن نسميه (المجال العقلاني للتحاور) هذا المجال أتاح حركية المعرفة وتناميها بعيدًا عن حدود (البلاغة) التي عطف بها الجرجاني حرة من جديد وهو يأتي بـ(النظم) تعريفًا للسياق المعرفي في ميدان البلاغة بصفتها ساحة المنازلة في شتى المجالات، وصاحبة آلياتها وأدواتها. فمن دونها لا حوار ولا سياسة ولا جد ولا اجتهاد. وظهور هذا (المجال) هو الذي أتاح أن يتحاور حتى (تيمور لنك) مع علماء دمشق، وأن يصبح بلاطه (مقرًا) للمتحاورين الكبار من أمثال الشريف الجرجاني والتفتازاني مثلاً. وهذا المجال هو الذي أتاح كل ظاهرة، ومنها (الظاهرة البديعية) أن تشكل شجرة نسب على مدى عدة قرون. ومن الجانب الآخر، علينا أن نعي أن العالم الإسلامي وما يخص العلماء منه خاصة، استخدم هذا المجال كثيرًا، حتى أن ابن خلدون مثلاً كتب كيف كانت كتب التفتازاني معروفة ومتداولة في القاهرة، إذن، نحن بإزاء عدة أمور، التراكم المعرفي، التحاور عبر الأزمان والأمكنة، وتكوين أشجار نسب لمجموعة من الظواهر.



النزعة النرجسية وتمثُّلاتها في التراث الشعري العربي

رسم تخيلي لامرئ القيس
رسم تخيلي لامرئ القيس
TT

النزعة النرجسية وتمثُّلاتها في التراث الشعري العربي

رسم تخيلي لامرئ القيس
رسم تخيلي لامرئ القيس

لم تقتصر الانعكاسات الفكرية والإبداعية لأسطورة نرسيس على الثقافة الغربية وحدها، بل اتسعت دائرتها لتطال ثقافات العالم المختلفة، باعتبار أن الشخصية النرجسية غير محددة بهوية محلية، بل هي تجد شواهدها وتمثلاتها لدى سائر الشعوب والهويات والجماعات. ومع أننا لا نعثر في الشعر العربي القديم على أي تفاعل مباشر مع هذه الأسطورة، أو غيرها من أساطير اليونان، غير أن هذا الشعر عرف عبر رموزه المختلفة، قدراً عالياً من الزهو النرجسي والاعتداد بالذات.

وسواء بدا هذا الزهو تعبيراً عن حاجة الذات المنبتة عن كنفها القبلي، إلى ما يحصنها في وجه العزلة والقلق، كما في حالة امرئ القيس وطرفة وعنترة والشعراء الصعاليك، أم كان متصلاً بروح الجماعة، كما لدى عمرو بن كلثوم، فالملاحظ أن تضخم الأنا النرجسية قد شكَّل إحدى السمات الأساسية للشعر العربي، الذي كان الفخر بالنفس والجماعة واحداً من ركائزه وعلاماته.

والأرجح أن النزوع النرجسي في الشعر العربي القديم، يجد بعض أسبابه في التفاوت الهائل بين لا نهائية المكان الصحراوي، ومحدودية الجسد الإنساني، حيث الذات المثلومة والمرحَّلة بشكل قسري عن مواطنها، لا تجد ما يعصمها من التشتت سوى الافتخار بنفسها، والالتفاف كالشرنقة على هويتها الفردية أو الجمعية.

وقد بدا الافتتان بالذات واضحاً في شعر امرئ القيس، وهو الذي أفرد مقاطع غير قليلة من معلقته للحديث عن مغامراته العاطفية مع النساء اللواتي بادلنه العشق بالعشق، والافتتان بالافتتان، كما كان شأنه مع أم الحويرث وأم الرباب وفاطمة وعنيزة وغيرهن. ورغم أن عشقه لعنيزة قد دفعه إلى ذبح ناقته لكي تردفه خلفها على ظهر ناقتها، فإنه حين بالغت في الغنج والتمنع، يعمد إلى إثارة غيرتها عبر تذكيرها بجاذبيته التي لا تقاوم.

كما لم يتوانَ «الملك الضليل» عن التباهي بكسر الأعراف والمحرمات، سواء عبر علاقاته مع النساء الحوامل، أو مع المتزوجات اللواتي لم تتحرج إحداهن من تحويل جسدها إلى وليمة متقاسمة بالتساوي بينه وبين طفلها الرضيع. وهو ما تشير إليه أبياته الشهيرة:

ويوم دخلتُ الخدْر خدر عنيزةٍ

فقالت لك الويلاتُ إنك مرجِلي

فقلتُ لها سيري وأرخي زمامه

ولا تبعديني عن جَناكِ المعلَّلِ

فمثلكِ حبلى قد طرقتُ ومرضعٍ

فألهيتُها عن ذي تمائمَ محْولِ

على أن النزوع النرجسي في الجاهلية لم يأخذ شكل الاعتداد بالذات المفردة فحسب، بل كثيراً ما بدا اعتداداً بالذات الجمعية، باعتبارها امتداداً لذات الشاعر، وحصنه وملاذه. فهو إذ يخوض حرباً ما، فليس ليذود عن نفسه وحدها، بل ليذود عن حياض السلالة ومكانتها ومصادر رزقها في الوقت ذاته. وقد تكون معلقة عمرو بن كلثوم، بما فيها من تصوير ملحمي لشجاعة بني تغلب، هي الشاهد الأبلغ على المماهاة الكاملة بين الذاتين الفردية والجمعية، وبخاصة في أبيات من مثل:

لنا الدنيا ومن أمسى عليها

ونبطش حين نبطش قادرينا

كأنّا والسيوف مسلّلاتٌ

وَلدنا الناس طرّاً أجمعينا

إذا بلغ الفطامَ لنا صبيٌّ

تخرُّ له الجبابر ساجدينا

وكثيراً ما يبدو الزهو النرجسي بالذات، رداً مشبعاً بالمرارة على ظلم القبيلة، التي لم تتساهل أبداً في معاقبة الخارجين على أعرافها وقوانينها. فطرفة بن العبد الذي انساق وراء ملذاته، وقد استشعر قصر الحياة وعبثيتها، والذي عاقبته القبيلة بعزله عنها وإفراده «إفراد البعير المعبد»، لم يجد رداً مناسباً على الظلم اللاحق به، أفضل من التذكير بشجاعته، وبكونه فتى الجماعة وفارسها المقدام، كما في قوله «إذا القوم قالوا: من فتىً؟ خلت أنني، عنيتُ فلم أكسل ولم أتبلدِ».

أما عند عنترة فقد بدا الاعتداد بالذات، نوعاً من الرد على ما لحق به من ظلم وتهميش، بسبب سواد لونه. وإذ وجد عنترة في بأسه الجسدي، ما يدفع بني عبس إلى رد الاعتبار له، بدا شعره بمعظمه اعتداداً بشجاعته، واستعادة رمزية لهويته المهددة. وهو ما يؤكده قوله: «ولقد شفى نفسي وأبرأ سقْمها، قول الفوارس: ويكَ عنتر أَقْدِمِ». أو قوله وهو يعمل على استثمار شجاعته في المجال العاطفي: «إن المنيّة يا عبيلةُ دوحةٌ، وأنا ورمحي أصلها وفروعها».

ومع أن تباهي الشعراء بأنفسهم في الجاهلية، قد أخلى مكانه في صدر الإسلام، للخشوع والتواضع الجم أمام الخالق، فقد كانت تجربة سحيم عبد بني الحسحاس، واحدة من الاستثناءات القليلة، التي شكَّلت امتداداً للزهو الجاهلي بالذات. وحيث شارك سحيم عنترة سواده ولم يشاركه شجاعته في ساحات المعارك، وجد في مخادع الحب، الميادين البديلة التي تمكنه من الاعتداد بفحولته، وتوفر له سبل الرد المفحم على ما ألحقه به بنو الحسحاس من عسف واضطهاد. وإذ رأى سحيم في انشغال رجال القبيلة بالحرب، الفرصة المثلى للانفراد بنسائهم، فقد كان حرصه على إغاظة رجال القبيلة الذين بالغوا في ازدرائه، أكثر من حرصه على حياته نفسها، مما دفعه إلى التباهي بعلاقاته الغرامية على نحو علني، حتى إذا قرر بنو الحسحاس حرقه حياً، لم يتورع عن القول متباهياً:

شُدّوا وثاق العبد لا يفْلتْكمُ

إن الحياة من الممات قريبُ

فلقد تحدَّر من جبين فتاتكمْ

عرقٌ على ظهر الفراش وطِيبُ

أما عمر بن أبي ربيعة الذي كان ينتمي إلى أحد فروع قريش الأكثر منعة وثراء، فقد بدت نرجسيته الفاقعة ثمرة عاملين اثنين هما، نشأته الباذخة التي تدعمها الوسامة والموهبة العالية من جهة، ورغبته الملحة في انتهاك المحظورات والقواعد الأخلاقية التي فرضها الدين الحنيف، بما فيها من حث على التعفف والتقوى، ونهي عن الفجور والزنا وارتكاب المحرمات. كما أن نزوع عمر إلى التمرد، لم تقتصر وجوهه على السلوكيات العابثة والتلذذ الأقصى بالحياة فحسب، بل تعدتهما إلى الشعر نفسه، حيث حوَّل قصائده ومقطوعاته إلى احتفال عارم بالمغامرات العاطفية والتلذذ بمتع العيش وملذاته، ضارباً بعرض الحائط كل دعوة إلى الوقار والزهد والاحتشام.

وإذ بدا شعر عمر ترجمة أمينة لأحوال نفسه، فنحن لن نعدم الشواهد التي تعكس صورة أناه المتفاقمة، وهو القائل في وصف النساء المنتظرات قدومه بفارغ الصبر «وكنّ إذا أبصرنني أو سمعن بي، هُرعن فرقَّعنَ الكوى بالمحاجرِ». كما أنه في سياق الامتداح المفرط للذات، لم يجد غضاضة في التصريح بأن إحدى عاشقاته الوالهات، لا تجد ما تستعين به على النهوض، إذ تزل بها القدمان، سوى ذكر اسم شاعرها المعشوق، فيقول في ذلك:

وإذا ما عثرت في مشيها

نهضتْ باسمي وقالت: يا عمرْ

على أن أي حديث عن النرجسية في الشعر العربي القديم، لا يستقيم دون التوقف عند شخصية أبي الطيب المتنبي، الذي بلغ به الخيلاء وتعظيم النفس، حدوداً قلّ أن بلغها أحد من الشعراء العرب السابقين. ومن يتابع سيرة الشاعر على امتداد السنوات الخمسين التي عاشها، لا بد أن يكتشف أن اعتداده بنفسه لم يقتصر على ناحية بعينها، بل كان يطال شعره ولغته، بقدر ما يطال مزاياه الشخصية، كالشجاعة والمروءة والأنفة والشعور بالغربة. وقد بدا واضحاً أن تعظيم الشاعر لذاته، قد بدأ مع مطالع الصبا، حيث أسهم فوران صباه وانتماؤه القرمطي، في تعزيز أناه وتضخيمها ومضاعفة منسوبها، كما يظهر في قوله:

أيَّ محلٍّ أرتقي أي عظيمٍ أتَّقي

وكلُّ ما قد خلق الله وما لم يخلقِ

محتقرٌ في همّتي كشعرة في مفرقي

وإذ رافقت هذه السمة المتنبي في جميع مراحل حياته، فلن يعوزنا العثور على عشرات الشواهد والأمثلة الدالة على نرجسيته، وشعوره العميق بالعظمة والنبوغ. فهو لم يتحرج من القول: «أنا ترْبُ الندى وربُّ القوافي»، أو «ما بقوم شرفتُ بل شرفوا بي»، أو وصف غربته وتعاليه عن معاصريه من البشر، بالقول: «وما أنا منهمُ بالعيش فيهمْ، ولكنْ معدن الذهب الرغامُ». وهو في مواضع أخرى «خير من تسعى به قدم»، والصوت المتفرد الذي يتحول الآخرون إلى صدىً له. وهو الذي ينظر الأعمى إلى أدبه، ويسمع كلماته الأصم.

وقد يكون الشاعر الأندلسي ابن حمديس، أخيراً، أحد أكثر الشعراء قدرة على اختزال الشخصية النرجسية بقليل من الكلمات، حين وصف أحد الذين يرون في أنفسهم، محور الأرض وسبب دورانها، بقوله:

كأنما العالم مرآتهُ فلا يرى فيها سوى شخصهِ


عرش الأرض الطيبة في قصير عمرة

تفصيل من جدارية تزي_ن ركن العرش في قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه الجدارية
تفصيل من جدارية تزي_ن ركن العرش في قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه الجدارية
TT

عرش الأرض الطيبة في قصير عمرة

تفصيل من جدارية تزي_ن ركن العرش في قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه الجدارية
تفصيل من جدارية تزي_ن ركن العرش في قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه الجدارية

يحتل قصير عمرة موقعاً خاصاً في خريطة القصور الأموية التي تمّ الكشف عنها في صحاري بلاد الشام، ويتميّز في المقام الأوّل بجدارياته التي تشكّل منجماً فنياً يزخر بالصور متعدّدة المعاني، كما تشهد الأبحاث التي دأبت على دراستها وتحليلها، منذ اكتشاف هذا الموقع في مطلع القرن الماضي. يتوزّع قسم كبير من هذه الجداريات على قاعة كبرى تتألّف من ثلاثة إيوانات، يتوسّطها ركن يُعرف بـ«ركن العرش»، وفيه يحضر أمير القصر على عرشه تحت قبّة على شكل قنطرة، تزيّنها حلّة تصويرية مبتكرة تجمع بين سلسلة من القامات الأنثوية. تتبنّى هذه الحلّة طرازاً شاع في العالم المتوسّطي خلال القرون الميلادية الأولى، وتمثّل على الأرجح الأرض المثمرة بخيراتها الوفيرة التي ورثتها الخلافة الأموية، وأضحت أمينة عليها.

يحتلّ وسط سقف هذه القنطرة شريط تزييني عريض متقن أُنجز بحرفيّة عالية، ويتبنّى تأليفاً نباتياً تقليدياً، قوامه أربع زهريّات يونانية متراصة عمودياً، تحيط بها أربع شتول من فصيلة الأقنثا. تمتدّ هذه الشتول بأوراقها المسنّنة في فضاء التأليف، وتتوزّع بشكل تعادلي متناسق، لتؤلف لوحة نباتية يغلب عليها الطابع التجريدي الهندسي. لا يخلو هذا التأليف من العناصر التصويرية، الآدمية والحيوانية، إذ نجد في القسم الأسفل من هذا الشريط قامتين متواجهتين في وضعية نصف جانبية، ترفع كل منهما ذراعيها في اتجاه الأخرى، ونجد في القسم الأعلى طائرين متواجهين في وضعية جانبية، يرفع كلّ منهما رأسه في اتجاه الآخر. تحيط بهذا الشريط النباتي ستّ قامات نسائية نصفية، توزّعت على جانبي جداري القنطرة المقوّسين في بناء تعادلي محكم.

تتشابه هذه القامات الأنثوية بشكل كبير، وتُقارب في تشابهها التماثل، مع اختلافات بسيطة تحضر في تفاصيل ثانوية. ترتفع الرؤوس بشكل ثابت، محدّقة في اتجاه المشاهد، وتكشف عن وجوه ذات ملامح واحدة، تكلّلها خصل من الشعر تلتفّ من حولها، وتنسدل من خلف الكتفين. اللباس واحد، وقوامه جبّة، تتغير ألوانها ونقوشها بين قامة وأخرى. الحركة واحدة، وتتمثّل بحضور وشاح على شكل رزمة عريضة تنفتح أفقياً عند حدود الصدر. يستقرّ كلّ من هذه الرؤوس وسط قوس زيّن بسلسلة من النقوش المتراصة، وسط مساحة أفقية تزيّنها طيور من فصيلة الدراج، تصطفّ أفقياً في وضعيّة جانبية. تحضر ثلاثة طيور على الحائط الغربي، وتحضر إلى جانبها زهرية يونانية في طرف الصورة. ويتكرّر هذا التأليف بشكلّ مماثل على الحائط الشمالي.

ترتفع هذه الأقواس الستة فوق عواميد رخامية طويلة تكلّلها تيجان، وفقاً لطراز كلاسيكي يُعرف بـ«قوس المجد». وتنتصب وسط هذه العواميد سلسلة من القامات في وضعية المواجهة. ترتفع أربعة عواميد على الحائط الغربي، وتجاورها شجرة مورقة ترتفع إلى جانبها في طرف الصورة. تظهر تحت القوس الأوّل ثلاث قامات مُحِيَ الجزء الأكبر من تفاصيلها، ويتَضح عند التأمّل فيما بقي منها أنها تمثل قامة «ملكية» ترافقها قامتان من رجال الحرس، كما يوحي اللباس والرماح التي تظهر من خلف الظهر. تظهر تحت القوس الثاني امرأة تنتصب وسط شجيرات خضراء، حاملة بيديها شتولاً مزهرة. وتظهر تحت القوس الثالث، امرأة تنتصب كذلك في وضعية مشابهة. يتكرّر هذا التأليف على الحائط الشمالي، مع اختلاف في التفاصيل. يرافق الحرس القامة الملكية تحت القوس الأول. وتقف امرأة وسط شجيرات مثمرة تحت القوس الثاني. وتقف رفيقتها تحت القوس الأخير، رافعة بيدها اليسرى نحو الأعلى قرناً ضخماً.

يستعير هذا التأليف مفرداته من القاموس التشكيلي الكلاسيكي المتوارث. فالمرأة التي ترفع رزمة، هي في الأصل «غايا»، الأرض الأم التي ولد منها الكون وتشكّل، بحسب سفر التكوين اليوناني. وهي في العصر المسيحي، الأرض الطيّبة التي ترفع رزمة ملأى بالثمار. في المقابل، تجسّد القامات النسائية المنتصبة هذه الخصوبة، وفقاً لمبدأ «تشخيص» الفضائل والقيم والخيرات الذي اعتمده الفن الكلاسيكي، وتبنّاه الفن المسيحي من بعده. يجمع ركن العرش الأموي بين أربع قامات من هذا الطراز، وتتمّيز إحداها بالقرن الذي ترفعه بيدها عالياً، وهي في الفن الكلاسيكي «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال، والقرن الذي تحمله هو «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض. ظهر هذا القرن في القرن الخامس قبل الميلاد حيث ارتبط بسيد العالم السفلي «هاديس»، أي «مانح الثروة»، وذلك كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه» التي تعدّدت صورها ورموزها، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة. ورث الفن المسيحي هذا المثال فجرّده من دلالاته الأولى، وجعل منه رمزاً للوفرة والعطاء، ويبدو أنه دخل الفن الأموي من هذا الباب.

تحضر القامة الملكية برفقة حرسها على الجدار الغربي، كما تحضر على الجدار الشمالي المقابل. في المقابل، يظهر صاحب القصير متربّعاً على عرشه الملكي في صورة مركزيّة تحتلّ الجدار الجنوبي. تتآلف هذه العناصر وتعكس صورة سيادة الخلافة على هذه الأرض المثمرة. تكتمل هذه الصورة بحضور عناصر أخرى من هذه الحلة الاستثنائية. في الإيوان الشرقي، تظهر ثلاث قامات في لوحة جامعة تحتل الجزء الأعلى من الجدار الجنوبي. تحضر قامة نسائية تقف خلف قامة أخرى وهي تمسك بذراعها. ترافق هاتين القامتين كتابتان يونانيتان، «الحكمة» و«التاريخ». تتطلّع هاتان السيّدتان في اتجاه قامة تقف في الطرف المقابل، متكئة على عمود مربّع قصير، وترافق هذه القامة كتابة تسمّى «الشعر». يقابل هذه الصورة تأليف يحتلّ الأعلى من الحائط الجنوبي في الإيوان الغربي. فوق لوحة تمثّل الأمير وسط ديوانه، يظهر طاووسان متواجهان، وتعلو كلّاً منهما عبارة باللغة اليونانية، تسمّى إحداها «النعمة» وتسمّى الأخرى «النصر».

في الخلاصة، تمتدّ سيدة الخلافة لتشمل الأرض الطيبة كلها بغلال ثمارها، وتتزيّن بفضائل التاريخ والحكمة والشعر، وتحظى في حكمها بالنعمة والنصر.


تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»
TT

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، صدر كتاب «في مرايا الشعر» للشاعر والناقد المصري جمال القصاص، الذي يقدم فيه قراءات ودراسات متعمقة، بلغة عذبة وشعرية لعدد من أبرز المشاريع الشعرية الإبداعية الخاصة بجماليات القصيدة العربية وتحولاتها.

ويضم الكتاب عشرات القراءات في تجارب شعرية، تنتمي إلى أجيال مختلفة ومرجعيات جمالية متباينة وأنساق لغوية وجغرافية متعددة، مثل: محمد الفيتوري، وسميح القاسم، وفاضل السلطاني، وفتحي عبد السميع، وصلاح اللقاني، وعائشة بلحاج، وسمية عسقلاني، ومحمود قرني، وعيد صالح، وميسون صقر، وديمة محمود، وعاطف عبد العزيز، وعزمي عبد الوهاب، وبهية طلب، وعبد الرحمن مقلد، وعماد فؤاد، وإبراهيم البجلاتي، وأحمد يماني، وعمر شهريار، ورشا أحمد.

ويشير القصاص في مقدمة الكتاب إلى أنه على مدار سنوات كتب هذه القراءات فرحاً بالشعر وبالشعراء والشاعرات، حيث كانت خبرته كشاعر هي البوصلة الأولى التي ينظر من خلالها بعين القارئ والناقد معاً لهذه الأعمال التي أحبها، ويحسب أنها عبر نماذجها تشكل تمثيلاً مرضياً على الأقل بالنسبة له في متابعة الحركة الشعرية العربية ورصد ما وصلت إليه من مغامرة الحداثة والتجديد، عبر حركتها الدائبة منذ فترة الستينات التي شهدت تحولاً لافتاً على مستوى الشكل والمضمون حتى اللحظة الراهنة.

ورغم أن لكل مرحلة عطاءها ومنجزها اللافت، لكن يظل المشكل الأساسي الذي لا يزال يواجه هذه الشعرية، كما يقول القصاص، أن «حداثتنا ومغامراتنا في التجديد محمولة دوماً على المنجز الغربي والنقدي، سواء في النظر أو التطبيق. ونتجت عن ذلك تلك النظرة النقدية العقلانية للشعر، واعتباره فنّاً خالصاً لذاته، وأن مغامرته لا تنهض ولا تتأسس على العقل وحده، رغم أن الوعي المتصل بالعقل لا ينتج شعراً حقيقيّاً، فالصورة الشعرية ليست ظاهرة ذهنية محضة، إنما هي أساساً ابنة الروح في ومضها ووهجها المباغت المنفلت من قبضة الأطر والتقاليد والمنطق الصوري المبني على نمطية العلاقة ومصداقية المقدمات والنتائج».

ويرى القصاص أن جوهر الشعر يكمن في أنه يجعلنا نحسّ بحريتنا وبحداثة قابعة في داخلنا، علينا أن نوقظها ونحررها من أسر العادة والنمط والمعرفة الغيرية، وهي حداثة غنية تمتلك إرثاً عميقاً وتنوعاً لا يزال قادراً على إثارة الأسئلة والدهشة، وأن يهزّنا جسداً وروحاً بشكل جديد. وهو في كل هذا لا يدّعي الصواب، وما زال يسعى لامتلاكه فيما تبقى له من هذه الرحلة الممتعة مع الشعر، وفي ظنه دائماً أن الخطأ محض صواب، لم ينضج في أوانه، بل ربما لم نلتفت إليه وهو يسقط من شجر الحياة ليعاود الكرة من جديد بقدرة أوسع على إدراك نفسه وإدراك الحرية.

ورغم إيمانه الشديد بضرورة التجريب والبحث عن دماء جديدة للشعر، فإن القصاص يتوجس من أغلب هذه الأفكار، خصوصاً أنها وافدة إلينا من بيئة أخرى وطينة مختلفة، لها ثقافتها وفضاؤها وأطماعها وآيديولوجيتها. وهو لا يثق في الآيديولوجيا، لأنها غالباً ما تنطوي على خطاب زائف. في المقابل، يتساءل؛ لماذا لا تكون لنا حداثتنا الخاصة النابعة من تربتنا وتراثنا، وهما ليسا فقيرين، بل بهما من الثراء المعرفي والوجداني ما يجعلهما سؤالاً ممتداً في الزمان والمكان؟!

القفزة الأخيرة في فضاء حلمي سالم

ويتناول جمال القصاص بعض ملامح تجربة الشاعر المصري الراحل حلمي سالم، مشيراً إلى أنه مثلما كان شاعراً استثنائياً كان كذلك مريضاً استثنائياً بامتياز، حيث أدرك منذ البداية أن صراعه مع المرض سيطول وسيتفرع ويتشابك، فقرر أن ينتصر عليه بإرادة الشعر، وكان موقناً أنه بذلك ينتصر لإرادة الحياة.

تخلى حلمي مع اشتداد ضراوة المرض عن فكرة العداء للمرض نفسه، واتجه إلى مصادقته وكأنه مجرد طفل تنبغي ملاطفته ومسامرته، وهي الفكرة التي قلّب أوجهها وأقنعتها الشعرية بمهارة الصانع والعراف معاً في ديوانه «مديح جلطة المخ»، ثم ناوشها عن بعد في ديوانه «الثناء على الضعف».

وكان السؤال الذي يواجهه بألم وحيرة؛ هل تستطيع القصيدة أن تسبق الموت وتهزمه طالما أنا أصبحت غير قادر على ذلك؟ ثم هل يعني ذلك انتصاراً للشاعر نفسه الذي لم ينفصل عن قصيدته، وما زال قادراً على أن يضخّ في شرايينها روح الجدة والمغامرة؟! ومع دخوله في محنة الفشل الكلوي، وبعد أن نجا من سرطان الرئة، أدرك أن سؤاله سيظل مسكوناً بالنقص، وأن الإجابة عنه سيختلط فيها العبث بمرارة الرجاء، فكأنه إذن سؤال ناقص يبحث عن إجابة ناقصة.

معنوياً بنى حلمي استراتيجيته لمجابهة المرض على فكرة التسامي عليه، واعتباره مجرد محطة ضمن محطات كثيرة، خبرها في الحياة، ورغم أنه كان يدرك أنها المحطة الأحرج، لا من حيث الوصول إليها، وإنما من حيث صعوبة تغيير مسارها المحتوم، فإن روح التسامي كانت أداة الشحن الأساسية في أن ينتصر، ولو مؤقتاً ويقاوم بشراسة عسى يستطيع أن يؤجل ولو لبضع دقائق لحظة الوصول إلى حيث ينهي الجسد لعبته مع المرض اللعين مستسلماً إلى قدره، وتنفتح الروح على حياة أخرى يشكل الموت البوابة الرئيسية للدخول إليها.

على هذا النحو يثبّت حلمي سالم صورة العائلة في المشهد، ويوثقها بطرق شتى في متن النص. وفي الوقت نفسه لا يتعامل معها كتيمة أو حيلة شعرية أو أيقونة دلالية، وإنما حقيقة ماثلة وحية في طبقات الجسد والروح والتاريخ بمستوييه الشخصي والعام.

يقول في قصيدة بعنوان «تحليل دم» مستحضراً صورة أسرته الصغيرة...

قلت لشقيقة النهر

أريد بعد خروجي من البئر بناتي أمامي

لميس ذكاء القلب والندية حكمة الحنان

عيون القطط ورائحة «زاهية»

رنيم: حصة في الرقة القافزة خلف البحر

حنين: سلامة الفطرة ملح الأرض التي

لا يعجبها «دهاليزي والصيف ذو الوطء»

وبسببي حفظت مستشفيات القطر

جماليات الإيقاع والصورة

كما يتناول الكتاب تجربة الشاعر العراقي فاضل السلطاني، ويرى أن هاجس التحول عنده يشكل مرتكزاً جمالياً وفكرياً يصعد منه الشعر ويهبط إليه، كما في ديوان «ألوان السيدة المتغيرة» الذي صدرت منه نسخة مصرية عن الهيئة العامة للكتاب، حيث «يتنوع هذا الهاجس في مناخات الديوان مشتبكاً مع أزمنة وأساطير مسكونة برائحة الماضي والحاضر وتقاطعات الأزمنة والأمكنة، بينما تدور الأشياء في فلكه بقوة الطبيعة والنص الشعري معاً».

ويتكشف هذا الهاجس، كما يضيف المؤلف، في أضلاع المثلث التي وسمت عنوان الديوان، فالبصري والحسي يكونان ضلعيه في علاقة تجاور بين خطين يلتقيان في نقطة الذروة أعلى رأس المثلث بنسقه الهرمي، صانعةً تفاصيل اللوحة شعرياً بألوانها وخطوطها المفعمة بالأنوثة.

وهو يرى أن الدالّ المضمر في مفردة «المتغيرة» لا يأتي كتوصيف مجازي فحسب، بل يشتبك بصرياً وحسياً مع كل عناصر المثلث، ليمارس انزياحاً معرفياً يقيه من الركون ليقين ما محدد، فالأشياء تمشي وراء الصمت والكلام وفي الألوان والرائحة وإيقاع الزمن الذي يجعل الذات دائماً قابعة في منطقة المنتصف كحلقة وصل وقطع بين السابق واللاحق، بين البدايات والنهايات بين الـ«هنا» والـ«هناك»، وهو ما يطالعنا في النص، الذي استشهد به القصاص، والذي يستهل به الشاعر القسم الأول في منتصف الذاكرة بعنوان صغير كأنه برواز لـ«صورة»...

«هل تذكرين؟

كنتِ في وسط الصورة

وعلى جانبيك كانت الموسيقى تعزف

كأنها الموسيقى الأخيرة على الأرض

وكنت أحار

كيف أميز العازف من العزف؟

والراقص من الرقص؟

كنت تجلسين وسط الصورة

لاهية عن الموسيقى

عن لحظة ثبّتتك إلى الأبد

صورة في إطار

وكنت أحار

كيف أدخل في الصورة؟

كيف أفصل النور عن الظل؟

لكنك كنت تبتسمين

لاهية عن اللحظة

وهي تكبر خلف الإطار»

أحجار رفعت سلام

أما ما يخص تجربة الشاعر الراحل رفعت سلام، فيشير جمال القصاص إلى أن الوثوق واليقين والإرادة هي بمثابة ثلاثة أحجار صغيرة بنى عليها رفعت سلام شعريته، وتعبّر بجلاء عن موقفه من العالم والواقع والأشياء، كما تشكل فيما بينهما ما يشبه المتوالية النصية الشعرية، وهي متوالية تتمتع بالصلابة والوضوح، فليس ثمة يقين من دون الوثوق به، ومن دون إرادة تدل عليه وتتشبث بلحظات وعيه ولا وعيه، لحظات حضوره وغيابه.

لقد انحاز رفعت، كما يقول، ومنذ وقت مبكر لمفهوم الوعي، وربطه بهذه الأحجار الثلاثة، باعتباره نافذة العقل لإدراك الوجود وحقائق الأشياء والعالم الخارجي متحاشياً حقيقة الوعي في ذاته ولذاته، ربما لأنه ينطوي على مساحة ما، يبرز فيها اللاوعي كصنو وشريك أساسي في صناعة هذه النافذة، بما ينتجه من علاقات مباغتة ومفاجئة، قد تشارف الجنون والمغامرة والفوضى التي تهدد بنسف النافذة نفسها.

وظلّت القصيدة لديه ابنة الوعي الواضح الثاقب، وهو ما انعكس على همّ التجريب الذي انصبّ في جوهره على إخراج النص الشعري في شكل طباعي خاص وإبرازه وكأنه محض فضاء سيميائي تتراكب فيه العلامات والرموز والإشارات في أنساق لغوية وأسلوبية محددة، ضمن حقول دلالية ومعرفية يمكن القبض عليها وتأويلها بوضوح واقتفاء أثرها من أقصر نقطة يمتد إليها النظر.