الموسوي: أدب الانحطاط أسطورة.. روج لها دعاة «النهضة»

يشغل كرسي إدوارد سعيد في جامعة كولومبيا بنيويورك

محسن الموسوي
محسن الموسوي
TT

الموسوي: أدب الانحطاط أسطورة.. روج لها دعاة «النهضة»

محسن الموسوي
محسن الموسوي

أصدرت دار نشر جامعة نوتردام الأميركية في نهاية أبريل (نيسان) 2015 الكتاب العاشر بالإنجليزية للأستاذ الدكتور محسن جاسم الموسوي، أستاذ الأدب العربي والمقارن في جامعة كولومبيا في نيويورك. والكتاب الجديد بالإنجليزية ظهر بعنوان (جمهرة الآداب في العصر الإسلامي الوسيط: البنية العربية للمعرفة). والكتاب يعنى بالفترة بين القرنين الثاني عشر والثامن عشر، ويشمل المساحة الشاسعة بين الصين وبغداد ودمشق ومراكش والأندلس. ويصف روجر ألن الكتاب أنه لا بد منه لتكذيب أسطورة (العصور المظلمة) و(عصور الانحطاط) التي صادق عليها دعاة (النهضة).
ولأن الكتاب يشكل مفصلاً معرفيًا خطيرًا، كان لنا هذا اللقاء بالدكتور محسن الموسوي:

* لماذا وقع اختياركم على هذه القضية؟ لا سيما أن معظم الدارسين العرب والمستشرقين نفضوا أيديهم منها وتعاملوا مع نتاجها كـ(ركام) ومخلفات عصر تدهور وانحطاط؟
- جئت إلى هذه القضية من نقطة القطيعة هذه وسعيت لتبين المحنة التي تدفع بالبحاثة إلى صرف النظر عن فترة طويلة، من القرن الثاني عشر إلى الثامن عشر، تحت أعذار ومسميات شتى.
ورأيت أن التسمية التي نالتها تلك المرحلة ومنتوجها المعرفي جاءت في نهاية القرن التاسع عشر عندما أخذ المستشرق ومعه الدارس العربي يطمئن إلى آليات التفكير التي أخذت بها أوروبا في عصر التنوير، وهي آليات تقوم على ثنائية العقل والخرافة. وكان إعلاء العقل الذي ميز المرحلة التنويرية في أوروبا وازدهار الفلسفة العقلانية يعني ضمنًا رفضًا للعصور الأوروبية الوسطى، تلك العصور التي أطلق عليها (غوته): رداء التبن الرث. ووجد النهضويون العرب في ذلك الرفض مثالاً يحتذى، خاصة أن العصور العربية الوسطى هذه اقترنت بسقوط المركز، أي بغداد العباسية، وأفول النجم السياسي للمركزية العربية. ورغم ازدهار القاهرة أيام المماليك، وظهور مراكز إشعاع متفرقة في المغرب العربي وآسيا، إلا أن ضياع المركز مثلت لواحد مرموق كالقاضي والمؤرخ المصري ابن دقمقاق (بقاء الدنيا بلا خليفة).
هذا الفقدان أصاب العرب باضطراب عجيب، وهو ما نلاحظه في كتابة المؤرخين عن انهيار المركز.
لهذا السبب رأيت لزوم تجاوز هذا (الجرح) الذي حال دون التمعن في المنتوج الثقافي وقاد إلى شطب تاريخ كامل من دون تدقيق أو تمحيص.
* لكن ابن خلدون تعامل أيضًا مع انهيار الحضارات كأمر حتمي، أي أن سقوط بغداد جاء نتيجة حتمية لازدهار بالغ؟
- نعم. كان ابن خلدون من بين قلة قليلة من المؤرخين الذين جمعوا (العلوم الاجتماعية) بالوعي التاريخي ولذا نظر إلى الأمر، في الأندلس، كما في الحضارة العباسية، على أساس جدلي: فكل تنام بالغ ينتهي بتفكك (العصبية) وانفراط الجامع الذي كان يشد الأطراف المختلفة. ولهذا لم يقرن ابن خلدون السقوط أو الأفول السياسي بانهيار ثقافي حتمي.. فكلاهما له خطه المتباعد عن الآخر. والطريف أن ابن خلدون عند لقائه بتيمور لنك خلف أسوار دمشق استخدم اللقاء لتعزيز نظرته للتاريخ: إذ لاحظ كيف أن قادة المغول يشاركون عصبتهم ما يملكون وما يأكلون، وعرف من ذلك سر قوتهم وانشدادهم بعضهم للآخر. وكما نعلم، كان جنكيز خان يفعل ذلك أيضًا عندما غزا بغداد وهتك ثراءها وقتل نبلاءها. ورغم المأساة السياسية والحضرية التي نالت المشرق العربي ودولاً أخرى اجتاحها المغول، لكن الثقافة أخذت مسارات خطيرة، هي ما دعتني إلى عدم الرضوخ لمبدأ معادلة التدهور السياسي بالانهيار الثقافي، ذلك لأن النتاج الثقافي تزايد وأخذ مسارًا ومنظورًا يبرر القول بوجود أجواء نشطة من الجدل والحوار والتراسل والفن.
* لكن التهمة التي كررها العرب إلى يومنا هذا هو أن المنتوج ما هو إلا (إعادة إنتاج)، و(شروح) و(حواشٍ) حتى أن الدارسين العرب منذ جورجي زيدان قالوا عن المرحلة إنها ثقافة (الشروح والحواشي).
- هنا تكمن المأساة. نعم، توجد شروح، وتوجد وفرة من الحواشي. ولكن هذه الرؤية التي بالغ فيها زيدان وآخرون لم تر حتى الجانب المضيء في الشروح والحواشي، رغم أن هذه لا تشكل إلا نسبة اعتيادية في الكم الهائل من الإرث الثقافي لتلك المرحلة: فالشرح يعني (تلبية لحاجة) واستجابة لرغبة أي أن الشارح يتعامل مع قرائه مباشرة في هذه الشروح. ولولا الحاجة لما رغب في ذلك. أما الحاشية فهي فن فريد في حينه، شأنها شأن الهوامش التي ترافق البحث الأكاديمي في القرن العشرين. فالهامش، شأن الحاشية ليس فائضًا، بل يأتي مكملاً للنص.
ومن الجانب الآخر تميزت المرحلة بما يلي:
1- ظهور المعاجم الكبرى، كلسان العرب لابن منظور والقاموس المحيط لفيروز آبادي وتاج العروس للزبيدي.
2- تميزت بأكبر موسوعات في السير لابن خلكان وياقوت الحموي، ومن أضاف إلى ذلك من ملاحق وتجديد طيلة المراحل التالية كابن شاكر الكتبي وصلاح الصفدي وابن معصوم، وعشرات غيرهم.
3- ظهرت حينذاك الموسوعات المعرفية كخزانات أدب، لابن حجة الحموي والبغدادي وغيرهما.
4- ازدادت نزعة تحقيق النص الشعري ودراسته، وهذا ما فعله الصفدي وابن نباتة.
5- ظهرت السيرة الذاتية كمنتوج متميز، عند ابن منقذ، وعين القضاة الهمذاني، وابن معصوم.
6- ظهرت فنون الشعر السبعة، وكتب فيها صفي الدين الحلي وابن حجة وابن تغري بيردي.
وهذه الفنون نالت الدرس المستفيض لأول مرة على أساس أنها تشغل المساحة بين (الصالون) والشارع. كما ظهرت دراسة الموشح الأندلسي عند ابن سناء الملك أولاً، ثم ابن الخطيب وآخرين.
وهذه تحولات مهمة في الذائقة الشعرية العربية، درستها بعناية ووضعت بعض الأسس التي تتيح للمتمعن أن يتحرر من القيود التي وضعته داخلها المدرسة التقليدية في قراءة الشعر ونقده طيلة القرن العشرين.
7- وتميز العصر بحوار جاد بين الفلاسفة والفقهاء والعلماء والبلاغيين، ولهذا تتابعت الردود والتعليقات وشغلت هؤلاء وهم يقيمون بين سمرقند والقاهرة وحلب وقرطبة وفاس والقيروان وأصفهان وشيراز ومرو. وعندما نبصر هذه الظاهرة وتوالد النقاش على مدى قرن أو أكثر ندرك كم أن مشعل المعرفة لم يمت، كما يراد لنا أن نعتقد، ولم تخمد جذوة التحليل والدرس والحجاج. ولو تأملنا مثلاً ما يكتبه فخر الدين الرازي وما يلتقطه الطوسي وما ينشغل به ابن خلدون والتفتازاني والأجي، ندرك كم نخطئ عندما نتصور العصر خلوًا من حوارات جادة وعميقة تستمر بعد رحيل أصحابها وتستأثر باهتمام المجايلين والتالين.
8- ولو تأملنا الظاهرة (البديعية)، أي الجهاز البلاغي النقدي الذي يرافق قصيدة المديح النبوي لزومًا والذي شرعه أولاً صفي الدين الحلي، ولو تأملنا هذه الظاهرة التي استمرت منذ نهاية القرن الثالث عشر ولغاية القرن العشرين. وعرفنا التراكم البلاغي للبديع وأصنافه ومسمياته لتبين لنا أن هذا لا يمكن أن يكون إسرافا، وإلا كيف نفسر هذا التراكم إن لم تكن هناك رغبة جمهور مستمع وقارئ؟ هذا الجمهور لم يعد يكتفي بالإصغاء بل يريد شراكة فعلية في استيعاب التكوين البلاغي للقصيدة.
9- تنامي مفهوم الرحلة، وكان ابن بطوطة يمضي شوطًا أبعد بكثير من ابن جبير وهو يصل الصين، ويقيم في الهند ويصف اللقاء بأفراد عرفهم في طنجة، إذ بدت ممالك الإسلام مفتوحة أمام الرحالة، فلا قيود ولا مصاعب. والرحلة هي من مواصفات (الجمهرة) التي أنا بصددها في هذا الكتاب: فكما أن الحج كان سبيلاً للاحتكاك والمعرفة والتأليف (عند ابن عربي بخاصة)، كانت الرحلات والمواقع المعينة كالزوايا مثلاً والمساجد، تتيح اللقاء والاجتماع وتبادل المعرفة، إضافة إلى المألوف من مدارس وجامعات.
* ولكن، ما الذي يسوغ استخدامكم لمصطلح (جمهورية الآداب)، الذي تقترح ترجمته أنت كـ(جمهرة الآداب الإسلامية في العصر الوسيط: البنية العربية للمعرفة)؟
- المسوغات كثيرة، فهناك أولاً وجود سبل التواصل والاتصال من حج وأسفار وزوايا المتصوفة والمدارس والمساجد، وهناك أسفار الكتاب نفسه الذي يقيم علاقته مع آخرين يكتبون عنه ويجدون في التعليق والرد. ولنأخذ مثلاً على ذلك كتاب السكاكي، مفتاح العلوم. فأنت يمكن أن تراه كتابًا في النحو، كما ألفناه. لكنه ليس كذلك. إنه الأساس الفقهي لا لعلم النحو وفقه اللغة فحسب وإنما للبناءات أو اللبنات المعرفية التي يستند إليها الفيلسوف والبحاثة والدارس. ولهذا كان القزويني يرفده بالمختصر، ويخصه آخرون بالمطولات والمختصرات، وفتح (مختصر) القزويني جادة للتفتازاني وآخرين. وهكذا توالدت شجرة نسب هائلة تمتد عبر سمرقند ومرو وحلب والقاهرة وفاس مثلاً. وهناك ما يشبه ذلك. أما إذا ما ذهبنا إلى (الظاهرة) الأدبية، كظاهرة الفنون (الشعبية في الشعر) كالكان كان والدوبيت والمواليا.. إلخ، نرى أن هذه ازدهرت كثيرًا في ذلك العصر. وعلى المتأمل الناقد أن يتريث قبل إطلاق الأحكام جزافًا على ضعف (النثر): فالظاهرة ليست اعتيادية. وأصحابها يجمعون بين فصيح اللغة وعاميتها، وأغلبهم من أصحاب المهن والحرف.
وهكذا للظواهر تفسيرها وأسبابها، بما يعني أن (الشارع) سرق المبادرة من (البلاط العباسي) وغيره، خاصة أنه لم يعد قائمًا، وآلت الظاهرة الأدبية إلى الجمهور المنتوج. وهنا، علينا أن نتوقف عند هذه الظاهرة التي ميزت ذلك العصر: فالمعرفة لم تعد حكرًا على الفئة المترفة وعلية القوم.
وهناك ظواهر تلقائية، وأخرى جدلية، وثالثة بالإكراه. فمثلاً عند التمثيل للظاهرة ببعدها الأخير، علينا أن نتوقف عند هذا الأمر: وهو أن تيمور لنك أخذ أسرى إلى سمرقند حرفيي دمشق، أولئك الشجعان الذين لم يبدعوا في صناعة نسيج الحرير وغيره وإنما كانوا وحدهم المقاتلين الذين حموا أسوار دمشق وصنعوا الأسلحة الدوارة على هذه الأسوار لتذيق تيمور وجيشه المر الكثير. أخذ هؤلاء أسرى إلى سمرقند ليحيوا هناك صناعة الخز والحرير.
ليس هذا فقط، كانت الغزوات تفرض كرهًا انتقال مفكرين وأدباء من مدينة إلى أخرى، فكان ياقوت يكتب عن بقائه في مرو (يرتع) بين مكتباتها وهو يؤلف معجم البلدان بمجلداته الذائعة. وأمثاله كثر. وما نقوله عنه مثلاً، يقال عن ابن عربشاه، الذي أسره تيمور وهو لم يزل صبيًا، وذهبوا به إلى سمرقند. لكنه خرج في النتيجة حانقًا على تيمور، متعلمًا لعدد من اللغات بين ثقافات إسلامية متعددة، ومؤلفًا مشهورًا يشهد له تلامذته المبرزون بالمعرفة الواسعة. وهناك عشرات الأمثلة التي تضمنها الكتاب والتي تبرر التسمية المذكورة.
* ولكن إذا ما طالبتك بتحديد التسمية، لماذا وقع هذا الاختيار؟ لماذا لم تكتف مثلاً بـ(الآداب) في العصر الإسلامي الوسيط؟
- السؤال وجيه. هناك كما قلت ظهور الامتياز الذي يمكن أن نسميه (المجال العقلاني للتحاور) هذا المجال أتاح حركية المعرفة وتناميها بعيدًا عن حدود (البلاغة) التي عطف بها الجرجاني حرة من جديد وهو يأتي بـ(النظم) تعريفًا للسياق المعرفي في ميدان البلاغة بصفتها ساحة المنازلة في شتى المجالات، وصاحبة آلياتها وأدواتها. فمن دونها لا حوار ولا سياسة ولا جد ولا اجتهاد. وظهور هذا (المجال) هو الذي أتاح أن يتحاور حتى (تيمور لنك) مع علماء دمشق، وأن يصبح بلاطه (مقرًا) للمتحاورين الكبار من أمثال الشريف الجرجاني والتفتازاني مثلاً. وهذا المجال هو الذي أتاح كل ظاهرة، ومنها (الظاهرة البديعية) أن تشكل شجرة نسب على مدى عدة قرون. ومن الجانب الآخر، علينا أن نعي أن العالم الإسلامي وما يخص العلماء منه خاصة، استخدم هذا المجال كثيرًا، حتى أن ابن خلدون مثلاً كتب كيف كانت كتب التفتازاني معروفة ومتداولة في القاهرة، إذن، نحن بإزاء عدة أمور، التراكم المعرفي، التحاور عبر الأزمان والأمكنة، وتكوين أشجار نسب لمجموعة من الظواهر.



أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير
TT

أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير

الكتابة لا تأتي سهلة وسريعة غالباً. وهذه المقالة جاءت بطيئة فكرةً وكتابة. لذا، ابتسمت سروراً لمّا قرأت تدوينة (تغريدة) الناقد السينمائي فهد الأسطاء في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي. لقد أعطاني، مشكوراً، رأس الخيط، فكان كـ«خيط أريادني» الذي أمسكت به، وتتبعته لأخرج من متاهة التشتت والحيرة بسبب بدايات اقترحت نفسها، فلم أستقر على واحدة منها.

أطلق الناقد الأسطاء تدوينته وفي حضنها تدوينة أخرى تتضمن بوستر فيلم «جحيم العابرين»، الترجمة السينمائية لروايةٍ بالعنوان نفسه للروائي أسامة المسلم. الفيلم من إخراج هناء العمير، وسيناريو المسلم نفسه. تكشف التدوينة معرفة الأسطاء ومتابعته لأعمال العمير، وتعبر عن إعجابه بأفلامها ابتداءً من أولها، الوثائقي «بعيداً عن الكلام». ثم تأتي جملة تنتهي بعلامة التعجب: «لم أتصور أن يكون أول أفلامها الطويلة من هذا النوع!» يقصد أن يكون فيلم رعب وإثارة. ويختم تدوينته بـ«لكن هنا يكمن التحدي!».

لا يخفي تقبل الأسطاء لفكرة إخراج هناء العمير لفيلم رعب نبرة التعجب في كلامه. لكن أتوقع أن آخرين في الوسط السينمائي وخارجه لن يتقبلوا الفكرة. وهذا ليس غريباً، ففي عالم السينما المحلية الصغير، هناك من يصنفون أنفسهم بأنهم صُنّاع أفلام مستقلة ونخبوية، لا تجارية. يقصدون بالتجارية «أفلام الجنرا/ genre films»، رغم أنه لا يوجد تضاد إطلاقاً بين أن يكون المرء صانع أفلام مستقلاً وبين صنعه أفلاماً توضع في خانات التصنيف الأجناسي السينمائي. كما أن رفض «أفلام الجنرا»، ومنها أفلام الرعب، ليس من أسباب نشوء السينما المستقلة، حسب القليل الذي أعرفه عنها. فبإمكان صانع الفيلم المستقل أن يصنع فيلماً من «الأنواع غير النخبوية!»، ولا يفقد استقلاليته، فالمعول عليه، وما يصنع فرقاً بالفعل، ليس نوع ما يصنع، وإنما كيف يصنعه، فـ«الأوديسة، 2026» لكريستوفر نولان، مثلاً، فيلم جنرا «فانتازيا وأكشن» ولكنه مختلف حتى عن النسخ السينمائية الأخرى من ملحمة هوميروس. كما أن العديد من أفلام الرعب هي إنتاج مستقل مثل: «الشيطان في الداخل» و «مشروع ساحرة بلير» و «نحن» و«أُخْرج» و«نشاط خارق للطبيعة».

فهد الأسطاء

الرفض ظاهرة مألوفة

الرفض أو الازدراء لبعض الفنون أو الأجناس الأدبية والفنية، خصوصاً في بدايات ظهورها ظاهرة مألوفة ومتكررة. فمن يتصور أن الرواية «معشوقة الجماهير»، التي يتزاحم الكثيرون للقفز على عربة فرقة كتابتها، كانت تُعد في بداية ظهورها شكلاً أدبياً أقل قيمة وأدنى منزلة من الشعر والمسرح الكلاسيكي؟ وصمها رجال الدين والنقاد، على السواء، بالتفاهة، وحذّروا من إفسادها القراء، فيما كانت تحظى بإقبال شعبي على قراءتها، لكن «طاح حطب» الرفض والازدراء تدريجياً.

وفي القرن الماضي، قابلت الدراما الإذاعية/التلفازية «أوبرا الصابون - Soap Opera» الانتقاص والوصم بالتفاهة، وبأنها فن رخيص وهابط، بالإضافة إلى إطلاق قائمة من الأسماء الانتقاصية عليها مثل «washtub weeper/washboard weeper»، وحتى الاسم «أوبرا الصابون» يحمل سخرية ضمنية بجمعه بين متناقضين: الأوبرا كفن راقٍ والصابون المرتبط بالغسل وإزالة الأوساخ، وإشارة إلى ارتباط ظهور «أوبرا الصابون» بإعلانات شركات إنتاج الصابون. ولم يكن موقف الناقد منها مختلفاً؛ إذ أشاح عنها بوجهه وعيونه كما فعل مع الرواية في البداية. ولم يسلم من السخرية حتى جمهورها من النساء. وكان على «أوبرا الصابون» الانتظار من بداية الثلاثينات حتى سبعينات القرن العشرين لتشهد التغير الإيجابي في موقف النقاد منها. وأما الآن، فعندما يُقَلِّبُ المرء صفحاتِ المراجع في كتاب أو كتابين عنها، يُصاب بالذهول من ضخامة الجهود المستثمرة في نقدها ودراستها.

جوردان بيل

الرعب والطريق الطويل إلى الشرعية

تشبه رحلة فيلم الرعب من الانتقاص إلى الاحترام رحلة «أوبرا الصابون»، وإن تكن رحلته إلى الاحترام والشرعية أطول. وكان تركيز أفلام الرعب المبكرة على العنف الدموي والوحوش وتقديمها المتعة الرخيصة، وضحالتها من الناحية الفكرية أسباب اكتسابها السمعة السيئة، وتعرضها للازدراء والتهميش، وبالتالي نأي النقاد والباحثون عنها، باستثناء مقاربات نقدية قليلة ومتباعدة.

في الثمانينات التفت النقد ونظرية الفيلم إلى فيلم الرعب بشكل غير مسبوق، والطريف أن الخصائص التي كانت السبب في النفور منه، أصبحت نقاط تقاطع المقاربات النقدية السيكولوجية والآيديولوجية والنسوية والأسطورية لفيلم الرعب. التقت تلك الدراسات بمناهجها المختلفة عند فكرة أن الرعب السينمائي يشكل خطاباً مضاداً للثقافة السائدة. وسعت إلى نبش المضمر في أفلامه، وبرهنت بعمق مقنع، منفتح للاختلاف في الوقت نفسه، على أن أفلام الرعب ليست دائماً وسيط ترفيه رخيص لا ترتبط الحكايات التي يرويها بالأوضاع والظروف السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي تؤطر إنتاجها وتلقيها. أذكر، مثلاً، كتاب الدكتور روبن وود «هوليوود من فيتنام إلى ريغان، 1986» وكتاب باتريك لوتشانيو «هم أم نحن... تأويلات نموذجية لأفلام غزو الكائنات الفضائية، 1987». كان لهذين الكتابين دور أولي مؤثر في تغيير رؤيتي وموقفي من أفلام الرعب، وتحولي تدريجياً من الاشمئزاز إلى تقبل الرعب السينمائي والقراءة عنه من حين لآخر.

وود ولوتشانيو

تمثل هوليوود بعلاقتها بالثقافة السياسية في الولايات المتحدة الفكرة المحورية في كتاب وود، حيث يقدم قراءة تحليلية، جادة وعميقة، لأفلام السبعينات وبداية الثمانينات إزاء خلفية من حرب فيتنام والحركات النسوية وفضيحة ووتر غيت والسياسة الجنسية. يظهر الرعب في فصول كتاب وود ليس مجرد ترفيه رخيص وهابط يهرب المشاهد خلاله من قضاياه وهمومه، إنما كـ«جنس/ genre» سينمائي يمتلك إمكانات تمثيل الأزمات والمخاوف الاجتماعية والسياسية؛ والتعبير عن المخاوف والقلق المجتمعي.

ويركز لوتشانيو في كتابه على أفلام الخيال العلمي وأفلام الوحش/الوحوش في خمسينات القرن العشرين، والحرب الباردة بين الكتلتين الرأسمالية والشيوعية في ذروتها، والمخاوف التي أثارتها من الشيوعية والسلاح النووي واحتمال الغزو وما ينتج عنه من اضطرابات وانعدام الاستقرار. يتبنى لوتشانيو في مقاربته لموضوع كتابه نظرية كارل غوستاف يونغ، خصوصاً مفهوم اللاوعي الجمعي وفكرة النماذج الأصلية (archetypes)، لتوضيح أن الكائنات الفضائية الغازية والوحوش إسقاطات للاوعي الجمعي، تمثيلات تكشف للمجتمع الأميركي مخاوفه ورغباته وصراعاته النفسية.

شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية

هل الرعب شرعي؟

وبينما الدراسات والمقالات تتراكم حولها، كانت أفلام الرعب في سيرورة تطور شكلي وجمالي وموضوعاتي. وقد شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب، توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية. دفع هذا التطور إلى تغير الموقف المؤسسي منها، فلم تعد مهمشة توصد أبواب المهرجانات أمامها، أو تفتح أبواب بعضها ولكن لا تتاح لها فرصة المشاركة في المنافسات على الجوائز.

يعنون براد وايزمان الفصل 23 في كتابه «الرعب بلا قناع، 2023» بالسؤال: «هل الرعب شرعي؟/ ?Is horror Legit»، وتنبسط أسفله صورة المخرج جوردان بيل رافعاً تروفي الأوسكار. يستهل وايزمان الفصل بـ: «كان عام 2018 استثنائياً بالنسبة لأفلام الرعب. فللمرة الأولى، رُشِّح في عام واحد فيلمان ينتميان إلى فئة الرعب لجائزة أفضل فيلم في حفل توزيع جوائز الأوسكار (203)». الفيلمان هما «أخرج/ Get Out» لجوردان بيل، و«شكل الماء/The Shape of Water» للمخرج غييرمو ديل تورو. ورغم أن تصنيف «شكل الماء» فانتازي رومانسي، يعتبره وايزمان فيلم رعب لأن «جذوره راسخة في أدب الرعب». يشير ضمنياً هنا إلى فيلم «مخلوق البحيرة السوداء». ولـ«أخرج» تصنيف آخر أيضاً، فهو أحد أفلام الرعب التي أطلق عليها مصطلح «الرعب الراقي/elevated horror» تمييزاً لها عن أفلام الرعب «الكلاسيكية». اللافت أن بعض المخرجين رفضوا المصطلح، واعتبروه تمييزياً وإقصائياً، ومن أولئك الرافضين جوردان بيل حسب تصريح له في «فرايتي /Variety 31/10/2022»: «لا أريد أن يظن الناس أنني أحاول صنع أفلام «راقية» أو «ذات قيمة فنية رفيعة». أعتقد أن هذا فخّ لا أتقبله تماماً؛ لأنني، كما تعلمون، أحبّ صنع أفلام مجنونة وصادمة. أحبّ صنع أفلام غريبة لا يُفترض بي في الأساس أن أصنعها، وأحياناً أحبّ أيضاً أن أتحدّى الناس الذين ينظرون إلى الأمور من الجانب الآخر».

تُرى هل المخرجة هناء العمير، مثل جوردان بيل، صنعت فيلماً لا يفترض أن تصنعه؟ من هم أولئك الذين ينظرون إليها من الجانب الآخر وتتحداهم بصنع «جحيم العابرين»؟ أهو التحدي نفسه الذي يشير إليه الناقد الأسطاء؟ ما دلالات رفض بيل والآخرين لوصف أفلامهم بـ«الراقية»؟ ما معنى أن يكون التصنيف الجديد فخاً؟ أعجبني رفض بيل ونظرائه للمصطلح، للتصنيف الجديد، وكذلك إصراره على صنع الأفلام التي يحب، لأسباب قد تكون الإجابة عنها موضوعاً لمقالة أخرى!!

* كاتب وناقد سعودي


محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار
TT

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة، في دراسة تتناول تجربة النحات المصري وعلاقتها بالنهضة الثقافية، وتعيد مساءلة القراءات التي أحاطت بمنجزه، انطلاقاً من سؤال تحويل الآثار المصرية القديمة إلى تراث فاعل في الحاضر، قادر على تغذية الإبداع وتجديد الصلة بين الفن والمجتمع.

يقع الكتاب في 234 صفحة، وتجمع مقاربته بين البحث الجمالي والفلسفي والنقد الثقافي، مع العودة إلى كتابات مختار وشهادات النقاد والباحثين الذين تناولوا تجربته. ويبحث المؤلف في المسافة بين استلهام الموروث وإعادة إنتاج أشكاله، وبين الاحتفاء بالفنان واستمرار مشروعه، متوقفاً عند الشروط التي تجعل المنجز الفني إرثاً متجدداً، وعند العوامل التي قد تحصره في ذاكرة تستعيد لحظة ازدهاره.

ينطلق بن حمودة في التمهيد من رسالة وجّهها مختار إلى محمد حسين هيكل، عبّر فيها عن قلقه من إهمال الفن في مشروعات الإصلاح، ودعا إلى مساندته ضمن نهضة ثقافية تتصل بحياة الناس. ويقرأ المؤلف هذه الدعوة مدخلاً لفهم مراهنة مختار على «تذويب الفني في الثقافي»، وربط العمل التشكيلي ببيئته وذاكرتها وهواجسها، وتوسيع مشاركة المجتمع في التجربة الفنية.

ومن خلال هذا المنطلق، يتابع الكتاب عودة مختار إلى الفن المصري القديم، ويبحث في الإمكانات التي وجدها فيه لصياغة لغة نحتية حديثة. فالآثار، وفق المقاربة التي يطورها المؤلف، تستعيد فاعليتها حين تدخل في علاقة إبداعية مع سياقات جديدة، وحين تصبح مصدراً للاستلهام وإعادة التوظيف. ويتقدم الإبداع عبر هذه العلاقة باعتباره المجال الذي تتشكل فيه الأصالة وتتجدد، وتتفاعل فيه الذاكرة مع أسئلة الزمن الراهن.

وتحمل المقدمة عنوان «التراث ومهمة التبئير الثقافي»، وتناقش اختلاف المواقف من الموروث المصري القديم وموقعه في تشكيل الهوية الفنية الحديثة. ويستعيد بن حمودة آراء عز الدين نجيب وبلند الحيدري وإيمه آزار وغيرهم، متوقفاً عند تصور العلاقة بين الثقافة المصرية والحضور الأوروبي، وعند أثر المرجعيات الأكاديمية في قراءة التجارب المحلية وتحديد قيمتها.

ويمنح الكتاب تمثال «نهضة مصر» مساحة مركزية في هذا النقاش، من خلال بحث بعنوان «الإنسية والتراث: (التأكدم) وحلم (العمل الفني الكبير)». ويقرأ المؤلف ارتباط مشروع مختار بطموح إنجاز عمل يشارك في الحياة العامة، ويبحث في حضور الضخامة والكتلة والرمز، وصلتها بالموروث المصري وبالسياق الذي استقبل التمثال. كما يناقش العلاقة بين استلهام النحت القديم والتحولات التي شهدها الفن الحديث في تعامله مع المرجعيات الكلاسيكية.

وفي فصل «(النابغة) ورهان تعليق انقطاع العرب عن (مسيرة الفنون الجميلة)»، يعود المؤلف إلى خطاب الاحتفاء بمختار، وإلى الجدل الذي أثاره تمثال «نهضة مصر»، مستحضراً رد الفنان على إبراهيم عبد القادر المازني. ويضيء الكتاب تفسير مختار للعلاقة بين الماضي والحاضر في التمثال، ثم يفحص التصورات التي وضعت تجربته ضمن مسار تاريخي للفنون الجميلة، وما يترتب عليها من فهم للتراث المصري وموقعه في ذلك المسار.

ويتوسع البحث في فصل «مختار واستدراج الفن المصري القديم نحو ثورة ثقافية تصالحه مع الموروث الشعبي»، حيث يستعيد بن حمودة مقال طه حسين «مختار ومصر»، ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة. ويضع المؤلف هذه القراءة أمام سؤال الخصوصية الثقافية: كيف تتصل العودة إلى الآثار بالحياة الشعبية، وكيف يمكن للإبداع أن يعيد وصل الموروث بالمجتمع الذي نشأ فيه؟

ويحضر الريف والفلاح والفلاحة ضمن هذا المسار باعتبارهم عناصر أساسية في فهم العالم التشكيلي لمختار. ويتتبع المؤلف ما تتيحه البيئة المحلية من إمكانات للخيال وللتعبير عن الوجدان، ويبحث في قدرة التجربة المتجذرة في محيطها على الانفتاح نحو أفق إنساني أوسع. وتكتسب العودة إلى القرية، في هذه القراءة، أبعاداً تتصل بالمضمون وبالشكل وبطريقة بناء العلاقة مع العالم.

أما فصل «إرث محمود مختار والبداية الثانية: العتاقة الجديدة»، فينتقل إلى مآلات التجربة وإمكانات امتدادها. ويناقش الكتاب أحكاماً تناولت الأجيال اللاحقة لمختار، ويعيد النظر في العلاقة بين إرثه وتيارات التجديد، ومنها جماعة «الفن والحرية». ويبرز ضمن هذا النقاش سؤال قدرة الفنانين اللاحقين على تطوير المراهنة التي حملها منجزه، ومخاطر اختزال هذا المنجز في سمات قابلة للتكرار.

يستعيد المؤلف مقال طه حسين «مختار ومصر» ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة

وتأتي الخاتمة تحت عنوان «مختار والعودة للقرية في زمن تغيّر الطبيعة العامة للفن»، لتربط قراءة تجربته بالتحولات التي طرأت على وظيفة الفن ووسائطه. ويستحضر المؤلف أثر الفوتوغرافيا والسينما في تغيير العلاقة بالمحاكاة والخيال، مستعيناً بمناقشات رمسيس يونان ورولان بارت ووالتر بنيامين، ومتوقفاً عند ما تفتحه هذه التحولات من إمكانات لفهم التجربة النحتية.

وفي هذا السياق، يناقش الكتاب تمثال «الخماسين» من خلال قراءة صبحي الشاروني، متناولاً الحركة التي تولدها الملابس المنتفخة بالرياح، والعلاقة بين الكتلة والتجريد والمرتكز الواقعي المتمثل في حضور الفلاحة. ويبرز هذا المثال إمكان قراءة منجز مختار من زاوية البحث الشكلي والتحرر الإبداعي، إلى جانب دلالاته الثقافية والقومية.

وتتبلور في الصفحات الختامية مساءلة نقدية لمصير المشروع؛ إذ يذهب بن حمودة إلى أن نجاح تجربة مختار سياسياً وفنياً واجه صعوبات في التحول إلى ثورة ثقافية متواصلة. ويناقش أثر بعض المقاربات النقدية في حجب جوانب من مراهنته، ويطرح الفرق بين أعمال تستدعي الحنين إلى زمن مضى، وإرث يحافظ على حيويته عبر تجدد علاقته بالسياقات التي تستقبله.

ويندرج الكتاب ضمن سلسلة الفنون التي تصدرها منشورات رامينا، في إطار اهتمام الدار بالدراسات الفنية والجمالية، وإتاحة قراءات نقدية تتناول التجارب الإبداعية وعلاقتها بالتراث والحداثة والتحولات الثقافية، وتفتح نقاشاً حول موقع الفن في المجتمع ودوره في تجديد الوعي والذاكرة.

ويضم الكتاب قائمة مراجع عربية وأجنبية وقسماً للصور، بما يتيح متابعة المصادر التي يستند إليها البحث والأعمال المرتبطة بموضوعه.


أنطوان الدويهي: «الشتاء الكبير» عهد بيني وبين نفسي

أنطوان الدويهي
أنطوان الدويهي
TT

أنطوان الدويهي: «الشتاء الكبير» عهد بيني وبين نفسي

أنطوان الدويهي
أنطوان الدويهي

مع روايته الأخيرة «الشتاء الكبير» الصادرة في بيروت عن «الدار العربية» و«دار المراد»، يستمر أنطوان الدويهي على مدى ثلث قرن في صوغ عالمه الأدبي، إذ يستند إلى الحياة الداخلية، ويتوغل في أقاصي النفس البشرية، كما يتماهى مع روح الأمكنة والمشاهد والحالات، حيث تلتقي الذات الفردية بذات الأرض وذات الجماعة، وحيث سحر الذاكرة التي يرى فيها الدويهي «شمس الروح». وكان الشاعر أنسي الحاج قال عن الدويهي: «إنه يُقرأ كما تُفرد حبات اللؤلؤ». وبمناسبة مشاركة الدويهي في «معرض بيروت العربي والدولي للكتاب»، خروجاً عن تنسّكه المعتاد في الكتابة والحياة، دار الحوار التالي...

> لا أخفي عنك سروري بصدور «الشتاء الكبير»، خصوصاً بعد سنوات عدة من الصمت والعزلة، منذ صدور روايتك «آخر الأراضي » عام 2017، ثم إعادة نشر «كتب الحالة» في العام التالي، الذي يحتل مكانة خاصة في مكتبتي، فلماذا هذه الرواية الآن؟ - هذه الرواية عهد بيني وبين نفسي. تعلم أن جميع أعمالي الأدبية مستمدة من «يوميات الحياة الداخلية» التي دأبت على تدوينها منذ سن الرابعة عشرة إلى اليوم. من بين هذه المخطوطات المحفوظة لديّ، ثمة مدونات عن روايتين كنت أعمل عليهما في الصبا الأول، لم أنجزهما في حينه. وها أنا بعد أكثر من نصف قرن أعود إليهما، فأكملهما من حيث توقفت آنذاك، وقد دمجتهما في رواية واحدة بعنوان «الشتاء الكبير».

> لماذا عنوان «الشتاء الكبير»؟

- كان عنوان الفصل الأخير الذي توقفت عنده في حينه، وقد اعتمدته عنواناً للرواية. و«الشتاء الكبير» هو الشتاء الرهيب، المفعم بعذابات الروح التي أتحدث عنها، في تلك المراهقة المتألمة، المتوهجة، المسكونة بالهواجس وبنزعة المطلق. هي عذابات عيش الحياة قبل عيشها. وقد صدف أن آلام الصبا الأول الذاتية قد تمّت في مجتمع كان يعيش مرحلة من الاضطراب العميق أيضاً، مع أني أرى تماماً أن الاضطراب الذاتي لم يكن ناتجاً قط عن الاضطراب المجتمعي، وكان سيحدث في ذلك المكان أو سواه.

> لكن المكان، أي موريا القديمة، التي تقع فيها تلك الأحداث المأساوية، هي شديدة الأهمية بالنسبة للراوي. يذكر في مستهل «الشتاء الكبير» كم يعجب من الذين يسافرون، كيف يستطيعون الانتقال من مكان إلى آخر، وكيف يمكنهم العيش في بلدان وأنحاء لا علاقة لها بحيواتهم الماضية، أما هو فلا يستطيع العيش إلا في هذا المكان الواحد، هذا الحي القديم الذي هو فيه، ولا يستطيع مبارحته إلى أي مكان قريب أو بعيد في هذه الدنيا، ولا يمكنه تصور حياته خارجه، أليس كذلك؟ - لا شك في ذلك. كان ثمة تعلّق شديد بذلك المكان. لكن عذابات الصبا الأول، أي أزمة الراوي الشخصية، كان لا بد أن تحدث في أي مكان، لأنها ناتجة عن طبيعة ذاته العميقة، وليس عن المكان الذي هو فيه. مع ذلك يتوقف الراوي عند تعلقه الشديد بموريا القديمة، ويحاول إدراك أسبابه. يتساءل إذا كان ارتباطه بذلك الحي القديم عائداً إلى طبيعة الحي شبه الدائرية، شبه المغلقة، أم لفصول العنف وطقوس الموت التي رافقته فيه منذ وصوله إليه طفلاً، أم بسبب ولهه الرهيب بهند، مع أنها لم تكن تقيم في موريا القديمة. لكن توالت في هذا الحي فصول ولهه الداخلي بها، القائمة ليس على حضورها، بل على غيابها النهائي.

> كذلك يربط الراوي عميقاً بين دعوته الأدبية وموريا القديمة...

- أجل، كمسرح لهذه الدعوة. يذهب بعيداً جداً في هذا الربط، إذ يقول: «لا حاجة لي لمعرفة ما جرى في مسارات التاريخ، أو ما يحدث الآن في أرجاء العالم الشاسع، كي أعبّر عن المغامرة البشرية وعن المصير البشري. يكفيني أن أعيش فصول الحياة والموت في موريا القديمة، ويكفيني عيش ولهي بهند، حت ألج كل شيء وأشهد لكل شيء منذ بدء الزمان. حي موريا القديم هو مسرحي الكوني».

لكن هنا أيضاً، وعلى الرغم من هذا الربط العميق بالمكان، تبقى الدعوة الأدبية قائمة كلياً في ذاتها، بمعزل عن المكان. كان يمكن أن تعبّر عن نفسها في أي مكان يقوده صباه الأول إليه. فعالم الراوي الأدبي قائم، ليس في المكان، بل في ذاته الأعمق، ويبقى في جوهره هو نفسه، بمعزل عن تغيّر الأماكن وطبيعتها وظروفها.

يذكر الراوي أنه، على الرغم من وجوده في موريا القديمة وصلته الوثيقة بأهلها، فهو مقيم في «مكان ناء عنهم، بعيد عن عالمهم». ويوضح ذلك أكثر بقوله: «أعجب كيف يرى الناظر إليّ وراء سحنتي الهادئة وظلي الناحل، هذا المدى الشاسع الذي أنا فيه. وأنا لم أختره ولم أسع إليه، ولا علاقة له برغبتي أو إرادتي كأنه مكان إقامتي منذ ما قبل ولادتي بزمن طويل».

> أودّ التوقف قليلاً عند دعوة الكتابة التي ترتدي كثيراً من الأهمية في هذه الرواية. كيف تحدد هذه الدعوة؟

- يحددها الراوي في «الشتاء الكبير» تحديداً وافياً، فهو يذكر أن لا غاية معرفية أو فكرية أو فلسفية أو توجيهية لما يكتبه، بل غاية جمالية بحتة، وأن ما يكتبه هو شهادة، إذ يقول: «فما أنا إلا شاهد، أشهد لما أنا فيه، وحين أكتب لا أكتب لأحد، ولا أتخيل أحداً أمامي، ولا أهتمّ بمن سيقرأ أو لا يقرأ ما أخطّه، فصدق شهادتي وجماليتها هما غايتي الوحيدة». ويضيف: «هو هاجس الكتابة المطلقة التي أتوق إليها، وهاجس الكتاب المطلق الذي أسعى إليه. فالكتابة هي خلق عالم جديد، فريد، شعري الجوهر، يكون على صورة الكاتب ومثاله، وليس من أدب كبير إن لم يكن شعرياً»، أي جمالي الجوهر.

> ومن أين يأتي هذا الأدب الكبير؟

- من مصدر أوحد، من نهر الأعماق. نهر الحياة الداخلية الذي لا يتوقف، بما يحمله من لحظات مضيئة، متوهجة. وهو ليس تعبيراً عن الذات الفردية فقط، بل أيضاً من حيث يدري الكاتب أو لا يدري، عن وجدان الشعب، وعن روح الأرض. والحياة الداخلية ليست فسحة ضيقة، محاصرة، كما يظنّ البعض، بل هي الكون لرمته، وحين تنطفئ ينطفئ الكون.

وبشأن الأدب الكبير أيضاً، يذكر الراوي أنه «لا حاجة للبحث عنه هنا وهناك، لأنه يكون موجوداً بأكمله، وجوداً مسبقاً، في ذات الكاتب. ويكفي لتجسيده شعور عميق يقود إليه، كأنه دليله، والبقية تأتي كفعل تأليفي ولغوي، لا أكثر».

> ثمة تساؤلات تفرض ذاتها حول هذا العمل: كيف يمكن إكمال رواية بعد أكثر من نصف قرن على بدئها؟ وكيف يبقى عالم الكاتب هو نفسه؟ وكيف تبقى لغته هي نفسها؟

- يحق للمرء التساؤل والاستغراب، لكنه أمر جد طبيعي بالنسبة لي. أنا اكتملت لغتي منذ ذلك الزمن، زمن الصبا، ولم تعد تتغير. كذلك هواجسي ورؤيتي للأشياء، وجوهر حياتي الداخلية. كل مساري الأدبي يشهد على ذلك. ويوضح الراوي في مستهل «الشتاء الكبير» ما يلي: «كنت أشرت مراراً إلى غرابة علاقتي بالزمن، كيف كأنه يمرّ لديّ ولا يمر. كأنه يجتاز الخارج ولا يلج إلى الداخل. كيف أن المسافات الفاصلة بين الماضي والحاضر مصابة بقصر نظر مريع، وأن كل شيء حي ومحفوظ بكامله في فسحة الذات، لم تضع ذرة واحدة منه».

وبشأن العالم الداخلي الذي بقي في جوهره هو نفسه على مرّ الزمن، يذكر الراوي: «كل ما عرفته بعد ذلك، على مر السنين، من مشاهد وأمكنة وأنفس وحيوات لا تحصى، في جغرافية حياتي الفسيحة على ضفتي العالمين... لم يضف كثيراً إلى ما كان يختلج في حنايا ذلك الفتى اليافع الصامت».

وعن اللغة والرؤية، يضيف الراوي: «كما أود الإشارة إلى أني لم أغيّر شيئاً في لغته التي بقيت هي عينها على الدوام. هي لغة نفسي، فأنى لي تغييرها؟ ولا استطعت الغوص أبعد منه في غياهب ذاتي، ولا أعمق منه في ولوج ما يُرى وما لا يرى من عوالم».

> ترتبط عذابات الصبا الأول المبرّحة في «الشتاء الكبير» بوله الراوي بهند. لكن الراوي لم يقترب من هذه الصبية أبداً، بل كان يراها من بعيد واقفة على تلك الشرفة. وهو لا يعرف عنها شيئاً، ولا يدري إذا كانت شعرت بشيء تجاهه، وقد أولاها اسم هند، لأنه لا يعرف اسمها. فما طبيعة هذا الوله الغريب الذي كانت له النتائج النفسية المهولة؟

- ثمة علاقة وثيقة مباشرة بين الوله بهند «صبية الشرفة» وعذابات الصبا الأول التي دامت 3 سنوات مفعمة بآلام الروح، وتتوقف الرواية عندها. يذكر الراوي بهذا الشأن: «أسميه (الشتاء الكبير) وهو (الشتاء الرهيب) حقاً، حين أضحت (صبية الشرفة) الهاجس الداخلي، السري، الطاغي، المضني، الذي لا يبارح ذاتي في أي وقت. وكم تساءلت إذا كان من كائن بشري آخر عرف الاضطراب الذي أعيش، علّه يحمل لي بعض العزاء وبعض الإضاءة لما أنا فيه. أحاول الاقتراب بالكتابة من الحالة التي تمتلكني، آملاً أن تسعفني كتابتها على تحملها والخروج ذات يوم منها، وأنا في كل مرة أحاول ذلك، أجد ما أكتبه بالغ النقصان».

أما عن الوله بهند، فهو الحب الأول، وهو حب عذري. لكنه أبعد وأغرب من ذلك. ففي حالة الحب العذري، لا يكون من تواصل جسدي طبعاً، لكن تكون هناك، على الأقل، معرفة متبادلة ما. أما في حالة الوله بهند، فهو وله بالغياب المطلق. فبعد أن ولجت الصبية أعماق النفس، وأضحت هاجسها الأكبر، يخبر الراوي أنها «اختفت فجأة بعد نحو عام ونصف عام مع عائلتها التي غادرت ذات يوم إلى جهة أجهلها». ومنذ ذلك الحين أضحى الوله بها ولهاً بالغياب النهائي الذي لا خاتمة له.

> هذا في جانب اضطراب الصبا الأول وعذابات الوله ودعوة الكتابة. لكن كيف ترى الاضطراب المجتمعي العميق الذي رافق تلك المرحلة، وما حمله من عنف وموت؟ في بعض القراءات النقدية التي اطلعت عليها، للرواية، كان التركيز على تاريخية أحداث العنف التي عرفها مجتمع طفولتك وصباك الأول في حينه. ما رأيك في ذلك؟

- لا شك أن ما حملته الرواية من اضطراب مجتمعي ومن أحداث عنف، لا يأتي من العدم. فهو منبثق من واقع مأساوي عشناه في تلك المرحلة، لكن العنف في «الشتاء الكبير» يتجاوز تاريخية الأحداث ولا يتوقف إطلاقاً عندها. وإذا ركّز بعض النقد على ذلك، فلأنه يسهل عليه التحرك في المجال التاريخي ومساراته المعروفة، بما تحمله من لفت نظر وإثارة. لكن العنف الجماعي في «الشتاء الكبير» هو في مكان جد بعيد عن تاريخية الأحداث، فأنا لا أحب الأدب التاريخي ولا ألجأ إليه، وقد تحدثت عن ذلك مراراً من قبل.

> لكن إذا كان العنف الجماعي في «الشتاء الكبير» يتجاوز تاريخية الأحداث ويقيم خارجها وفي منأى عنها، فأين يكون؟

- يتخطى العنف الجماعي في «الشتاء الكبير» سردياته ليمثل في أبعاده الوجودية، الواعية واللاواعية، المجردة من الأحداث الواقعة، وينزح نحو أسراره النفسية والشعورية القصيّة. فهو يحضر مجرداً من ماديته، تائقاً إلى ما ورائيته. فالراوي يذكر بهذا الشأن: «هو في ذاكرتي موت بلا دم، وليس في ذاكرتي مكان للدم المراق. وحين كان يقترب الدم أحياناً من صورة موتهم في مخيلتي، كنت أرفض بقوة تتخطاني وتتجاوز وعيي وإرادتي. لذلك كلمة (دم) شبه غائبة عن قاموسي، لا أحب استعمالها قط، وأستغرب كثيراً الذين يفرطون في ذكرها، فهم ينتمون إلى عالم جد ناءٍ عن ذاتي».

والعنف في الرواية يكمن في محاولة الإجابة المسهبة عن تساؤلات لا إجابة عنها، مثل: «كيف يمكن للوالد أو الوالدة العيش بعد موت ولدهما؟»، والغوص في أغوارها ومجاهلها. ومثل تقصّي حالة الاشتباك الجماعية بين موريا الشرقية وموريا الغربية ومحاولة ولوج أسرارها ومعانيها في غياهب الوعي واللاوعي الفرديين والجماعيين، عبر الانتقال من مادية العنف إلى احتفاليته، وإلى ما يشبه ميتافيزيقيته.