الموسوي: أدب الانحطاط أسطورة.. روج لها دعاة «النهضة»

يشغل كرسي إدوارد سعيد في جامعة كولومبيا بنيويورك

محسن الموسوي
محسن الموسوي
TT

الموسوي: أدب الانحطاط أسطورة.. روج لها دعاة «النهضة»

محسن الموسوي
محسن الموسوي

أصدرت دار نشر جامعة نوتردام الأميركية في نهاية أبريل (نيسان) 2015 الكتاب العاشر بالإنجليزية للأستاذ الدكتور محسن جاسم الموسوي، أستاذ الأدب العربي والمقارن في جامعة كولومبيا في نيويورك. والكتاب الجديد بالإنجليزية ظهر بعنوان (جمهرة الآداب في العصر الإسلامي الوسيط: البنية العربية للمعرفة). والكتاب يعنى بالفترة بين القرنين الثاني عشر والثامن عشر، ويشمل المساحة الشاسعة بين الصين وبغداد ودمشق ومراكش والأندلس. ويصف روجر ألن الكتاب أنه لا بد منه لتكذيب أسطورة (العصور المظلمة) و(عصور الانحطاط) التي صادق عليها دعاة (النهضة).
ولأن الكتاب يشكل مفصلاً معرفيًا خطيرًا، كان لنا هذا اللقاء بالدكتور محسن الموسوي:

* لماذا وقع اختياركم على هذه القضية؟ لا سيما أن معظم الدارسين العرب والمستشرقين نفضوا أيديهم منها وتعاملوا مع نتاجها كـ(ركام) ومخلفات عصر تدهور وانحطاط؟
- جئت إلى هذه القضية من نقطة القطيعة هذه وسعيت لتبين المحنة التي تدفع بالبحاثة إلى صرف النظر عن فترة طويلة، من القرن الثاني عشر إلى الثامن عشر، تحت أعذار ومسميات شتى.
ورأيت أن التسمية التي نالتها تلك المرحلة ومنتوجها المعرفي جاءت في نهاية القرن التاسع عشر عندما أخذ المستشرق ومعه الدارس العربي يطمئن إلى آليات التفكير التي أخذت بها أوروبا في عصر التنوير، وهي آليات تقوم على ثنائية العقل والخرافة. وكان إعلاء العقل الذي ميز المرحلة التنويرية في أوروبا وازدهار الفلسفة العقلانية يعني ضمنًا رفضًا للعصور الأوروبية الوسطى، تلك العصور التي أطلق عليها (غوته): رداء التبن الرث. ووجد النهضويون العرب في ذلك الرفض مثالاً يحتذى، خاصة أن العصور العربية الوسطى هذه اقترنت بسقوط المركز، أي بغداد العباسية، وأفول النجم السياسي للمركزية العربية. ورغم ازدهار القاهرة أيام المماليك، وظهور مراكز إشعاع متفرقة في المغرب العربي وآسيا، إلا أن ضياع المركز مثلت لواحد مرموق كالقاضي والمؤرخ المصري ابن دقمقاق (بقاء الدنيا بلا خليفة).
هذا الفقدان أصاب العرب باضطراب عجيب، وهو ما نلاحظه في كتابة المؤرخين عن انهيار المركز.
لهذا السبب رأيت لزوم تجاوز هذا (الجرح) الذي حال دون التمعن في المنتوج الثقافي وقاد إلى شطب تاريخ كامل من دون تدقيق أو تمحيص.
* لكن ابن خلدون تعامل أيضًا مع انهيار الحضارات كأمر حتمي، أي أن سقوط بغداد جاء نتيجة حتمية لازدهار بالغ؟
- نعم. كان ابن خلدون من بين قلة قليلة من المؤرخين الذين جمعوا (العلوم الاجتماعية) بالوعي التاريخي ولذا نظر إلى الأمر، في الأندلس، كما في الحضارة العباسية، على أساس جدلي: فكل تنام بالغ ينتهي بتفكك (العصبية) وانفراط الجامع الذي كان يشد الأطراف المختلفة. ولهذا لم يقرن ابن خلدون السقوط أو الأفول السياسي بانهيار ثقافي حتمي.. فكلاهما له خطه المتباعد عن الآخر. والطريف أن ابن خلدون عند لقائه بتيمور لنك خلف أسوار دمشق استخدم اللقاء لتعزيز نظرته للتاريخ: إذ لاحظ كيف أن قادة المغول يشاركون عصبتهم ما يملكون وما يأكلون، وعرف من ذلك سر قوتهم وانشدادهم بعضهم للآخر. وكما نعلم، كان جنكيز خان يفعل ذلك أيضًا عندما غزا بغداد وهتك ثراءها وقتل نبلاءها. ورغم المأساة السياسية والحضرية التي نالت المشرق العربي ودولاً أخرى اجتاحها المغول، لكن الثقافة أخذت مسارات خطيرة، هي ما دعتني إلى عدم الرضوخ لمبدأ معادلة التدهور السياسي بالانهيار الثقافي، ذلك لأن النتاج الثقافي تزايد وأخذ مسارًا ومنظورًا يبرر القول بوجود أجواء نشطة من الجدل والحوار والتراسل والفن.
* لكن التهمة التي كررها العرب إلى يومنا هذا هو أن المنتوج ما هو إلا (إعادة إنتاج)، و(شروح) و(حواشٍ) حتى أن الدارسين العرب منذ جورجي زيدان قالوا عن المرحلة إنها ثقافة (الشروح والحواشي).
- هنا تكمن المأساة. نعم، توجد شروح، وتوجد وفرة من الحواشي. ولكن هذه الرؤية التي بالغ فيها زيدان وآخرون لم تر حتى الجانب المضيء في الشروح والحواشي، رغم أن هذه لا تشكل إلا نسبة اعتيادية في الكم الهائل من الإرث الثقافي لتلك المرحلة: فالشرح يعني (تلبية لحاجة) واستجابة لرغبة أي أن الشارح يتعامل مع قرائه مباشرة في هذه الشروح. ولولا الحاجة لما رغب في ذلك. أما الحاشية فهي فن فريد في حينه، شأنها شأن الهوامش التي ترافق البحث الأكاديمي في القرن العشرين. فالهامش، شأن الحاشية ليس فائضًا، بل يأتي مكملاً للنص.
ومن الجانب الآخر تميزت المرحلة بما يلي:
1- ظهور المعاجم الكبرى، كلسان العرب لابن منظور والقاموس المحيط لفيروز آبادي وتاج العروس للزبيدي.
2- تميزت بأكبر موسوعات في السير لابن خلكان وياقوت الحموي، ومن أضاف إلى ذلك من ملاحق وتجديد طيلة المراحل التالية كابن شاكر الكتبي وصلاح الصفدي وابن معصوم، وعشرات غيرهم.
3- ظهرت حينذاك الموسوعات المعرفية كخزانات أدب، لابن حجة الحموي والبغدادي وغيرهما.
4- ازدادت نزعة تحقيق النص الشعري ودراسته، وهذا ما فعله الصفدي وابن نباتة.
5- ظهرت السيرة الذاتية كمنتوج متميز، عند ابن منقذ، وعين القضاة الهمذاني، وابن معصوم.
6- ظهرت فنون الشعر السبعة، وكتب فيها صفي الدين الحلي وابن حجة وابن تغري بيردي.
وهذه الفنون نالت الدرس المستفيض لأول مرة على أساس أنها تشغل المساحة بين (الصالون) والشارع. كما ظهرت دراسة الموشح الأندلسي عند ابن سناء الملك أولاً، ثم ابن الخطيب وآخرين.
وهذه تحولات مهمة في الذائقة الشعرية العربية، درستها بعناية ووضعت بعض الأسس التي تتيح للمتمعن أن يتحرر من القيود التي وضعته داخلها المدرسة التقليدية في قراءة الشعر ونقده طيلة القرن العشرين.
7- وتميز العصر بحوار جاد بين الفلاسفة والفقهاء والعلماء والبلاغيين، ولهذا تتابعت الردود والتعليقات وشغلت هؤلاء وهم يقيمون بين سمرقند والقاهرة وحلب وقرطبة وفاس والقيروان وأصفهان وشيراز ومرو. وعندما نبصر هذه الظاهرة وتوالد النقاش على مدى قرن أو أكثر ندرك كم أن مشعل المعرفة لم يمت، كما يراد لنا أن نعتقد، ولم تخمد جذوة التحليل والدرس والحجاج. ولو تأملنا مثلاً ما يكتبه فخر الدين الرازي وما يلتقطه الطوسي وما ينشغل به ابن خلدون والتفتازاني والأجي، ندرك كم نخطئ عندما نتصور العصر خلوًا من حوارات جادة وعميقة تستمر بعد رحيل أصحابها وتستأثر باهتمام المجايلين والتالين.
8- ولو تأملنا الظاهرة (البديعية)، أي الجهاز البلاغي النقدي الذي يرافق قصيدة المديح النبوي لزومًا والذي شرعه أولاً صفي الدين الحلي، ولو تأملنا هذه الظاهرة التي استمرت منذ نهاية القرن الثالث عشر ولغاية القرن العشرين. وعرفنا التراكم البلاغي للبديع وأصنافه ومسمياته لتبين لنا أن هذا لا يمكن أن يكون إسرافا، وإلا كيف نفسر هذا التراكم إن لم تكن هناك رغبة جمهور مستمع وقارئ؟ هذا الجمهور لم يعد يكتفي بالإصغاء بل يريد شراكة فعلية في استيعاب التكوين البلاغي للقصيدة.
9- تنامي مفهوم الرحلة، وكان ابن بطوطة يمضي شوطًا أبعد بكثير من ابن جبير وهو يصل الصين، ويقيم في الهند ويصف اللقاء بأفراد عرفهم في طنجة، إذ بدت ممالك الإسلام مفتوحة أمام الرحالة، فلا قيود ولا مصاعب. والرحلة هي من مواصفات (الجمهرة) التي أنا بصددها في هذا الكتاب: فكما أن الحج كان سبيلاً للاحتكاك والمعرفة والتأليف (عند ابن عربي بخاصة)، كانت الرحلات والمواقع المعينة كالزوايا مثلاً والمساجد، تتيح اللقاء والاجتماع وتبادل المعرفة، إضافة إلى المألوف من مدارس وجامعات.
* ولكن، ما الذي يسوغ استخدامكم لمصطلح (جمهورية الآداب)، الذي تقترح ترجمته أنت كـ(جمهرة الآداب الإسلامية في العصر الوسيط: البنية العربية للمعرفة)؟
- المسوغات كثيرة، فهناك أولاً وجود سبل التواصل والاتصال من حج وأسفار وزوايا المتصوفة والمدارس والمساجد، وهناك أسفار الكتاب نفسه الذي يقيم علاقته مع آخرين يكتبون عنه ويجدون في التعليق والرد. ولنأخذ مثلاً على ذلك كتاب السكاكي، مفتاح العلوم. فأنت يمكن أن تراه كتابًا في النحو، كما ألفناه. لكنه ليس كذلك. إنه الأساس الفقهي لا لعلم النحو وفقه اللغة فحسب وإنما للبناءات أو اللبنات المعرفية التي يستند إليها الفيلسوف والبحاثة والدارس. ولهذا كان القزويني يرفده بالمختصر، ويخصه آخرون بالمطولات والمختصرات، وفتح (مختصر) القزويني جادة للتفتازاني وآخرين. وهكذا توالدت شجرة نسب هائلة تمتد عبر سمرقند ومرو وحلب والقاهرة وفاس مثلاً. وهناك ما يشبه ذلك. أما إذا ما ذهبنا إلى (الظاهرة) الأدبية، كظاهرة الفنون (الشعبية في الشعر) كالكان كان والدوبيت والمواليا.. إلخ، نرى أن هذه ازدهرت كثيرًا في ذلك العصر. وعلى المتأمل الناقد أن يتريث قبل إطلاق الأحكام جزافًا على ضعف (النثر): فالظاهرة ليست اعتيادية. وأصحابها يجمعون بين فصيح اللغة وعاميتها، وأغلبهم من أصحاب المهن والحرف.
وهكذا للظواهر تفسيرها وأسبابها، بما يعني أن (الشارع) سرق المبادرة من (البلاط العباسي) وغيره، خاصة أنه لم يعد قائمًا، وآلت الظاهرة الأدبية إلى الجمهور المنتوج. وهنا، علينا أن نتوقف عند هذه الظاهرة التي ميزت ذلك العصر: فالمعرفة لم تعد حكرًا على الفئة المترفة وعلية القوم.
وهناك ظواهر تلقائية، وأخرى جدلية، وثالثة بالإكراه. فمثلاً عند التمثيل للظاهرة ببعدها الأخير، علينا أن نتوقف عند هذا الأمر: وهو أن تيمور لنك أخذ أسرى إلى سمرقند حرفيي دمشق، أولئك الشجعان الذين لم يبدعوا في صناعة نسيج الحرير وغيره وإنما كانوا وحدهم المقاتلين الذين حموا أسوار دمشق وصنعوا الأسلحة الدوارة على هذه الأسوار لتذيق تيمور وجيشه المر الكثير. أخذ هؤلاء أسرى إلى سمرقند ليحيوا هناك صناعة الخز والحرير.
ليس هذا فقط، كانت الغزوات تفرض كرهًا انتقال مفكرين وأدباء من مدينة إلى أخرى، فكان ياقوت يكتب عن بقائه في مرو (يرتع) بين مكتباتها وهو يؤلف معجم البلدان بمجلداته الذائعة. وأمثاله كثر. وما نقوله عنه مثلاً، يقال عن ابن عربشاه، الذي أسره تيمور وهو لم يزل صبيًا، وذهبوا به إلى سمرقند. لكنه خرج في النتيجة حانقًا على تيمور، متعلمًا لعدد من اللغات بين ثقافات إسلامية متعددة، ومؤلفًا مشهورًا يشهد له تلامذته المبرزون بالمعرفة الواسعة. وهناك عشرات الأمثلة التي تضمنها الكتاب والتي تبرر التسمية المذكورة.
* ولكن إذا ما طالبتك بتحديد التسمية، لماذا وقع هذا الاختيار؟ لماذا لم تكتف مثلاً بـ(الآداب) في العصر الإسلامي الوسيط؟
- السؤال وجيه. هناك كما قلت ظهور الامتياز الذي يمكن أن نسميه (المجال العقلاني للتحاور) هذا المجال أتاح حركية المعرفة وتناميها بعيدًا عن حدود (البلاغة) التي عطف بها الجرجاني حرة من جديد وهو يأتي بـ(النظم) تعريفًا للسياق المعرفي في ميدان البلاغة بصفتها ساحة المنازلة في شتى المجالات، وصاحبة آلياتها وأدواتها. فمن دونها لا حوار ولا سياسة ولا جد ولا اجتهاد. وظهور هذا (المجال) هو الذي أتاح أن يتحاور حتى (تيمور لنك) مع علماء دمشق، وأن يصبح بلاطه (مقرًا) للمتحاورين الكبار من أمثال الشريف الجرجاني والتفتازاني مثلاً. وهذا المجال هو الذي أتاح كل ظاهرة، ومنها (الظاهرة البديعية) أن تشكل شجرة نسب على مدى عدة قرون. ومن الجانب الآخر، علينا أن نعي أن العالم الإسلامي وما يخص العلماء منه خاصة، استخدم هذا المجال كثيرًا، حتى أن ابن خلدون مثلاً كتب كيف كانت كتب التفتازاني معروفة ومتداولة في القاهرة، إذن، نحن بإزاء عدة أمور، التراكم المعرفي، التحاور عبر الأزمان والأمكنة، وتكوين أشجار نسب لمجموعة من الظواهر.



لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».