الموسوي: أدب الانحطاط أسطورة.. روج لها دعاة «النهضة»

يشغل كرسي إدوارد سعيد في جامعة كولومبيا بنيويورك

محسن الموسوي
محسن الموسوي
TT

الموسوي: أدب الانحطاط أسطورة.. روج لها دعاة «النهضة»

محسن الموسوي
محسن الموسوي

أصدرت دار نشر جامعة نوتردام الأميركية في نهاية أبريل (نيسان) 2015 الكتاب العاشر بالإنجليزية للأستاذ الدكتور محسن جاسم الموسوي، أستاذ الأدب العربي والمقارن في جامعة كولومبيا في نيويورك. والكتاب الجديد بالإنجليزية ظهر بعنوان (جمهرة الآداب في العصر الإسلامي الوسيط: البنية العربية للمعرفة). والكتاب يعنى بالفترة بين القرنين الثاني عشر والثامن عشر، ويشمل المساحة الشاسعة بين الصين وبغداد ودمشق ومراكش والأندلس. ويصف روجر ألن الكتاب أنه لا بد منه لتكذيب أسطورة (العصور المظلمة) و(عصور الانحطاط) التي صادق عليها دعاة (النهضة).
ولأن الكتاب يشكل مفصلاً معرفيًا خطيرًا، كان لنا هذا اللقاء بالدكتور محسن الموسوي:

* لماذا وقع اختياركم على هذه القضية؟ لا سيما أن معظم الدارسين العرب والمستشرقين نفضوا أيديهم منها وتعاملوا مع نتاجها كـ(ركام) ومخلفات عصر تدهور وانحطاط؟
- جئت إلى هذه القضية من نقطة القطيعة هذه وسعيت لتبين المحنة التي تدفع بالبحاثة إلى صرف النظر عن فترة طويلة، من القرن الثاني عشر إلى الثامن عشر، تحت أعذار ومسميات شتى.
ورأيت أن التسمية التي نالتها تلك المرحلة ومنتوجها المعرفي جاءت في نهاية القرن التاسع عشر عندما أخذ المستشرق ومعه الدارس العربي يطمئن إلى آليات التفكير التي أخذت بها أوروبا في عصر التنوير، وهي آليات تقوم على ثنائية العقل والخرافة. وكان إعلاء العقل الذي ميز المرحلة التنويرية في أوروبا وازدهار الفلسفة العقلانية يعني ضمنًا رفضًا للعصور الأوروبية الوسطى، تلك العصور التي أطلق عليها (غوته): رداء التبن الرث. ووجد النهضويون العرب في ذلك الرفض مثالاً يحتذى، خاصة أن العصور العربية الوسطى هذه اقترنت بسقوط المركز، أي بغداد العباسية، وأفول النجم السياسي للمركزية العربية. ورغم ازدهار القاهرة أيام المماليك، وظهور مراكز إشعاع متفرقة في المغرب العربي وآسيا، إلا أن ضياع المركز مثلت لواحد مرموق كالقاضي والمؤرخ المصري ابن دقمقاق (بقاء الدنيا بلا خليفة).
هذا الفقدان أصاب العرب باضطراب عجيب، وهو ما نلاحظه في كتابة المؤرخين عن انهيار المركز.
لهذا السبب رأيت لزوم تجاوز هذا (الجرح) الذي حال دون التمعن في المنتوج الثقافي وقاد إلى شطب تاريخ كامل من دون تدقيق أو تمحيص.
* لكن ابن خلدون تعامل أيضًا مع انهيار الحضارات كأمر حتمي، أي أن سقوط بغداد جاء نتيجة حتمية لازدهار بالغ؟
- نعم. كان ابن خلدون من بين قلة قليلة من المؤرخين الذين جمعوا (العلوم الاجتماعية) بالوعي التاريخي ولذا نظر إلى الأمر، في الأندلس، كما في الحضارة العباسية، على أساس جدلي: فكل تنام بالغ ينتهي بتفكك (العصبية) وانفراط الجامع الذي كان يشد الأطراف المختلفة. ولهذا لم يقرن ابن خلدون السقوط أو الأفول السياسي بانهيار ثقافي حتمي.. فكلاهما له خطه المتباعد عن الآخر. والطريف أن ابن خلدون عند لقائه بتيمور لنك خلف أسوار دمشق استخدم اللقاء لتعزيز نظرته للتاريخ: إذ لاحظ كيف أن قادة المغول يشاركون عصبتهم ما يملكون وما يأكلون، وعرف من ذلك سر قوتهم وانشدادهم بعضهم للآخر. وكما نعلم، كان جنكيز خان يفعل ذلك أيضًا عندما غزا بغداد وهتك ثراءها وقتل نبلاءها. ورغم المأساة السياسية والحضرية التي نالت المشرق العربي ودولاً أخرى اجتاحها المغول، لكن الثقافة أخذت مسارات خطيرة، هي ما دعتني إلى عدم الرضوخ لمبدأ معادلة التدهور السياسي بالانهيار الثقافي، ذلك لأن النتاج الثقافي تزايد وأخذ مسارًا ومنظورًا يبرر القول بوجود أجواء نشطة من الجدل والحوار والتراسل والفن.
* لكن التهمة التي كررها العرب إلى يومنا هذا هو أن المنتوج ما هو إلا (إعادة إنتاج)، و(شروح) و(حواشٍ) حتى أن الدارسين العرب منذ جورجي زيدان قالوا عن المرحلة إنها ثقافة (الشروح والحواشي).
- هنا تكمن المأساة. نعم، توجد شروح، وتوجد وفرة من الحواشي. ولكن هذه الرؤية التي بالغ فيها زيدان وآخرون لم تر حتى الجانب المضيء في الشروح والحواشي، رغم أن هذه لا تشكل إلا نسبة اعتيادية في الكم الهائل من الإرث الثقافي لتلك المرحلة: فالشرح يعني (تلبية لحاجة) واستجابة لرغبة أي أن الشارح يتعامل مع قرائه مباشرة في هذه الشروح. ولولا الحاجة لما رغب في ذلك. أما الحاشية فهي فن فريد في حينه، شأنها شأن الهوامش التي ترافق البحث الأكاديمي في القرن العشرين. فالهامش، شأن الحاشية ليس فائضًا، بل يأتي مكملاً للنص.
ومن الجانب الآخر تميزت المرحلة بما يلي:
1- ظهور المعاجم الكبرى، كلسان العرب لابن منظور والقاموس المحيط لفيروز آبادي وتاج العروس للزبيدي.
2- تميزت بأكبر موسوعات في السير لابن خلكان وياقوت الحموي، ومن أضاف إلى ذلك من ملاحق وتجديد طيلة المراحل التالية كابن شاكر الكتبي وصلاح الصفدي وابن معصوم، وعشرات غيرهم.
3- ظهرت حينذاك الموسوعات المعرفية كخزانات أدب، لابن حجة الحموي والبغدادي وغيرهما.
4- ازدادت نزعة تحقيق النص الشعري ودراسته، وهذا ما فعله الصفدي وابن نباتة.
5- ظهرت السيرة الذاتية كمنتوج متميز، عند ابن منقذ، وعين القضاة الهمذاني، وابن معصوم.
6- ظهرت فنون الشعر السبعة، وكتب فيها صفي الدين الحلي وابن حجة وابن تغري بيردي.
وهذه الفنون نالت الدرس المستفيض لأول مرة على أساس أنها تشغل المساحة بين (الصالون) والشارع. كما ظهرت دراسة الموشح الأندلسي عند ابن سناء الملك أولاً، ثم ابن الخطيب وآخرين.
وهذه تحولات مهمة في الذائقة الشعرية العربية، درستها بعناية ووضعت بعض الأسس التي تتيح للمتمعن أن يتحرر من القيود التي وضعته داخلها المدرسة التقليدية في قراءة الشعر ونقده طيلة القرن العشرين.
7- وتميز العصر بحوار جاد بين الفلاسفة والفقهاء والعلماء والبلاغيين، ولهذا تتابعت الردود والتعليقات وشغلت هؤلاء وهم يقيمون بين سمرقند والقاهرة وحلب وقرطبة وفاس والقيروان وأصفهان وشيراز ومرو. وعندما نبصر هذه الظاهرة وتوالد النقاش على مدى قرن أو أكثر ندرك كم أن مشعل المعرفة لم يمت، كما يراد لنا أن نعتقد، ولم تخمد جذوة التحليل والدرس والحجاج. ولو تأملنا مثلاً ما يكتبه فخر الدين الرازي وما يلتقطه الطوسي وما ينشغل به ابن خلدون والتفتازاني والأجي، ندرك كم نخطئ عندما نتصور العصر خلوًا من حوارات جادة وعميقة تستمر بعد رحيل أصحابها وتستأثر باهتمام المجايلين والتالين.
8- ولو تأملنا الظاهرة (البديعية)، أي الجهاز البلاغي النقدي الذي يرافق قصيدة المديح النبوي لزومًا والذي شرعه أولاً صفي الدين الحلي، ولو تأملنا هذه الظاهرة التي استمرت منذ نهاية القرن الثالث عشر ولغاية القرن العشرين. وعرفنا التراكم البلاغي للبديع وأصنافه ومسمياته لتبين لنا أن هذا لا يمكن أن يكون إسرافا، وإلا كيف نفسر هذا التراكم إن لم تكن هناك رغبة جمهور مستمع وقارئ؟ هذا الجمهور لم يعد يكتفي بالإصغاء بل يريد شراكة فعلية في استيعاب التكوين البلاغي للقصيدة.
9- تنامي مفهوم الرحلة، وكان ابن بطوطة يمضي شوطًا أبعد بكثير من ابن جبير وهو يصل الصين، ويقيم في الهند ويصف اللقاء بأفراد عرفهم في طنجة، إذ بدت ممالك الإسلام مفتوحة أمام الرحالة، فلا قيود ولا مصاعب. والرحلة هي من مواصفات (الجمهرة) التي أنا بصددها في هذا الكتاب: فكما أن الحج كان سبيلاً للاحتكاك والمعرفة والتأليف (عند ابن عربي بخاصة)، كانت الرحلات والمواقع المعينة كالزوايا مثلاً والمساجد، تتيح اللقاء والاجتماع وتبادل المعرفة، إضافة إلى المألوف من مدارس وجامعات.
* ولكن، ما الذي يسوغ استخدامكم لمصطلح (جمهورية الآداب)، الذي تقترح ترجمته أنت كـ(جمهرة الآداب الإسلامية في العصر الوسيط: البنية العربية للمعرفة)؟
- المسوغات كثيرة، فهناك أولاً وجود سبل التواصل والاتصال من حج وأسفار وزوايا المتصوفة والمدارس والمساجد، وهناك أسفار الكتاب نفسه الذي يقيم علاقته مع آخرين يكتبون عنه ويجدون في التعليق والرد. ولنأخذ مثلاً على ذلك كتاب السكاكي، مفتاح العلوم. فأنت يمكن أن تراه كتابًا في النحو، كما ألفناه. لكنه ليس كذلك. إنه الأساس الفقهي لا لعلم النحو وفقه اللغة فحسب وإنما للبناءات أو اللبنات المعرفية التي يستند إليها الفيلسوف والبحاثة والدارس. ولهذا كان القزويني يرفده بالمختصر، ويخصه آخرون بالمطولات والمختصرات، وفتح (مختصر) القزويني جادة للتفتازاني وآخرين. وهكذا توالدت شجرة نسب هائلة تمتد عبر سمرقند ومرو وحلب والقاهرة وفاس مثلاً. وهناك ما يشبه ذلك. أما إذا ما ذهبنا إلى (الظاهرة) الأدبية، كظاهرة الفنون (الشعبية في الشعر) كالكان كان والدوبيت والمواليا.. إلخ، نرى أن هذه ازدهرت كثيرًا في ذلك العصر. وعلى المتأمل الناقد أن يتريث قبل إطلاق الأحكام جزافًا على ضعف (النثر): فالظاهرة ليست اعتيادية. وأصحابها يجمعون بين فصيح اللغة وعاميتها، وأغلبهم من أصحاب المهن والحرف.
وهكذا للظواهر تفسيرها وأسبابها، بما يعني أن (الشارع) سرق المبادرة من (البلاط العباسي) وغيره، خاصة أنه لم يعد قائمًا، وآلت الظاهرة الأدبية إلى الجمهور المنتوج. وهنا، علينا أن نتوقف عند هذه الظاهرة التي ميزت ذلك العصر: فالمعرفة لم تعد حكرًا على الفئة المترفة وعلية القوم.
وهناك ظواهر تلقائية، وأخرى جدلية، وثالثة بالإكراه. فمثلاً عند التمثيل للظاهرة ببعدها الأخير، علينا أن نتوقف عند هذا الأمر: وهو أن تيمور لنك أخذ أسرى إلى سمرقند حرفيي دمشق، أولئك الشجعان الذين لم يبدعوا في صناعة نسيج الحرير وغيره وإنما كانوا وحدهم المقاتلين الذين حموا أسوار دمشق وصنعوا الأسلحة الدوارة على هذه الأسوار لتذيق تيمور وجيشه المر الكثير. أخذ هؤلاء أسرى إلى سمرقند ليحيوا هناك صناعة الخز والحرير.
ليس هذا فقط، كانت الغزوات تفرض كرهًا انتقال مفكرين وأدباء من مدينة إلى أخرى، فكان ياقوت يكتب عن بقائه في مرو (يرتع) بين مكتباتها وهو يؤلف معجم البلدان بمجلداته الذائعة. وأمثاله كثر. وما نقوله عنه مثلاً، يقال عن ابن عربشاه، الذي أسره تيمور وهو لم يزل صبيًا، وذهبوا به إلى سمرقند. لكنه خرج في النتيجة حانقًا على تيمور، متعلمًا لعدد من اللغات بين ثقافات إسلامية متعددة، ومؤلفًا مشهورًا يشهد له تلامذته المبرزون بالمعرفة الواسعة. وهناك عشرات الأمثلة التي تضمنها الكتاب والتي تبرر التسمية المذكورة.
* ولكن إذا ما طالبتك بتحديد التسمية، لماذا وقع هذا الاختيار؟ لماذا لم تكتف مثلاً بـ(الآداب) في العصر الإسلامي الوسيط؟
- السؤال وجيه. هناك كما قلت ظهور الامتياز الذي يمكن أن نسميه (المجال العقلاني للتحاور) هذا المجال أتاح حركية المعرفة وتناميها بعيدًا عن حدود (البلاغة) التي عطف بها الجرجاني حرة من جديد وهو يأتي بـ(النظم) تعريفًا للسياق المعرفي في ميدان البلاغة بصفتها ساحة المنازلة في شتى المجالات، وصاحبة آلياتها وأدواتها. فمن دونها لا حوار ولا سياسة ولا جد ولا اجتهاد. وظهور هذا (المجال) هو الذي أتاح أن يتحاور حتى (تيمور لنك) مع علماء دمشق، وأن يصبح بلاطه (مقرًا) للمتحاورين الكبار من أمثال الشريف الجرجاني والتفتازاني مثلاً. وهذا المجال هو الذي أتاح كل ظاهرة، ومنها (الظاهرة البديعية) أن تشكل شجرة نسب على مدى عدة قرون. ومن الجانب الآخر، علينا أن نعي أن العالم الإسلامي وما يخص العلماء منه خاصة، استخدم هذا المجال كثيرًا، حتى أن ابن خلدون مثلاً كتب كيف كانت كتب التفتازاني معروفة ومتداولة في القاهرة، إذن، نحن بإزاء عدة أمور، التراكم المعرفي، التحاور عبر الأزمان والأمكنة، وتكوين أشجار نسب لمجموعة من الظواهر.



اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والحواس صاهراً إياها في سبيكة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات.

لكن الكتاب الذي نتوقف عنده هنا يطرح سؤالاً؛ هل الشعر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكاناً للثقافة الشعبية والمصطلح العامي ضارباً أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره.

إنه كتاب «مهنة سامية»، أو «رسالة سامية»، أو «من أين تحصل على أفكارك؟» (A High Calling? Or: where do you get your ideas from?) من تأليف جون غريننغ (John Greening) وقد صدرت منه طبعة ورقية الغلاف عن دار النشر «مطبعة رينارد» (Renard Pressing) في 224 صفحة.

نحن هنا نبحر مع المؤلف في عوالم شعرية شتى، قديماً وحديثاً، مع الإشارة إلى الروابط بين فن الشعر وفن الموسيقى. فقد كان المؤلف مولعاً بالموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال المؤلف الموسيقي الفنلندي جان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني «فنلنديا» (1900). ويقول غريننغ عن سيبليوس: «لقد كان سعيداً بأن ينتج منمنمات شعبية (أعمالاً صغيرة) إلى جانب روائعه المتميزة بالقوة والحدة والكثافة». ويخصص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين.

ويلخص غريننغ وجهة نظره في قوله: «تستطيع العبقريات الحقة أن تتغنى علواً وسفلاً». ويضرب مثلاً لذلك شكسبير الذي جمع بين الجدّ والهزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه».

ففي مأساة «الملك لير» (1605 - 1604) نجد أن الملك العجوز، وقد دبّ إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكل سلطاته لابنتيه جونريل وريجان، غافلاً عما تنطوي عليه نفساهما من شرّ وقسوة، ويحرم من الميراث ابنته الصغرى كورديليا، وهى البارة بأبيها حقاً، لأنها أبت أن تجامله بمعسول القول كما فعلت أختاها المنافقتان. وتنتهى المسرحية بمصرع كورديليا والبهلول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات:

«ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟

لِمَ تكون للكلاب والجواد والفأر حياة

وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى.

هيهات هيهات هيهات هيهات هيهات

أرجوكم حلّوا هذا الزر. شكراً يا سيدي».

ت. س. إليوت

إن اللغة في هذه الانفجارة الانفعالية لغة بسيطة تخلو من أي صور شعرية بعيدة المنال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صادمة، لا يلجأ إلى التفنن والإغراب. الحيوانات المذكورة هنا (الكلب والجواد والفأر) كلها حيوانات مألوفة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الجواد بجاسوس الذي يطير أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جواد). ويتكرر حرف النفي ذو المقطع الواحد (no). كما تتكرر كلمة «هيهات» (never) 5 مرات وهى من أشيع الكلمات في الحديث اليومي.

مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» (1922)، خاصة الحركة الثانية المعنونة «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا مشرب من المشارب الرخيصة (pubs) التي تعج بها مدينة لندن وغيرها من المدن والبلدات والقرى البريطانية. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجها من الجيش، وهو الآن بصدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديداً حتى تحلو في عيني زوجها الذي قضى 4 أعوام في الخدمة العسكرية، وهو الآن يتطلع إلى قضاء وقت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هذا الوقت فسيبحث عن امرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية في مواضع أخرى من القصيدة، مصطلح عامي دارج يعكس بيئة متواضعة وحظاً ضئيلاً من التعليم. ونجد إشارات إلى ظواهر من الحياة المعاصرة كأقراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة:

«قالت هي تلك الأقراص التي تناولتها لأجهض طفلي

(كانت أماً لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير)

وقد زعم الصيدلي أني لن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية

ولكنى ما عدت قط كما كنت».

يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية

مثال ثالث للشعر الذي يدنو من لغة الحياة اليومية هو و. هـ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المتاح أمام شاعر ذي عبقرية». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» (1932) نقرأ:

«سأحصل على وظيفة في مصنع

سأعيش مع الأولاد العمال

سألاعبهم لعبة لوحة السهام في المشرب العام

سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم

ولن أعيش في عالم ولى زمنه».

ويؤكد غريننغ أن الشعر يمكن أن يجد جمهوراً مهما جاء مخالفاً للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجلال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة إنسانية قوية أو يعبر عن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية».

ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا (عندنا كما عند غيرنا) تشهد بصواب نظرة غريننغ (وهو ذاته شاعر إلى جوار كونه ناقداً). فنحن حين نقرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلاً (ترجم رفعت سلام قصائده إلى العربية) نجده يستوحي مفردات الحياة اليومية وينأى عن أي إغراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار في كتابه «الشعراء السوريون وحداثة اللغة المحكية»، أو صلاح عبد الصبور الذي يحدثنا أنه رتق نعله وشرب شاياً في الطريق ولعب دور نرد أو دورين، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بصوت بائع ليمون: «العشرون بقرش - بالقرش الواحد عشرون». ويبلغ هذا الاستخدام للغة الحياة اليومية أبعد نقطة له في شعر العامية المنحدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، مروراً ببيرم التونسي. إن البساطة ليست نقيض العمق. وفي الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها.


«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور
TT

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما حل بـ« كاسيو» فتحزن حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حامل العلم أمر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن يسقطا سقف الغرفة الخشبي المتهالك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حزن شديد على زوجته، وكراهية عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر ساقه بدافع الغيرة، ثم قتل زوجته، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس الحكم، ويُستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يصر على الإنكار، فيصدر المجلس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أسرة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» حياة الشر فيكون له المزيد من الضحايا، لكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويعذّب حتى الموت.

ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلى المسرحية بوصفها مأساة زوج يغار أو يشك في زوجته أو حتى مأساة بطل جندي مغوار وشاعر يمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عدم انتمائه طبقياً إلى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلاً عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقاً في أن ينافس ابن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعيان من ذوي الشعر المهدل، ويحظى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه في السلم الاجتماعي فهو يغار غيرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً.


سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا
TT

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا بعدّها رمزاً تاريخياً فريداً من نوعه، لكنه لم ينل ما يستحق من الشهرة أو الذيوع رغم عمق المعاني التي يتضمنها.

كانت فاتنة الجمال، راجحة العقل، جامحة الخيال، نهلت من الفكر المصري ونزعته الصوفية وكانت من أكثر المعبرين عنه، كما قال عنها المؤرخ الأميركي الشهير ول ديورانت، إنها بزت جميع فلاسفة زمانها، ولما عُينت أستاذة للفلسفة هرع لسماعها عدد كبير من الناس من شتى الأقطار.

وقد بلغ من حبها للفلسفة أنها كانت تقف في الشوارع تشرح لكل من يسألها عن النقاط الصعبة في كتب أفلاطون وأرسطو ما أكسبها احترام الناس.

ولدت عام 370م وكان أبوها «ثينون» فيلسوفاً عمل بالفلسفة والجبر والهندسة، ثم مديراً لمكتبة الإسكندرية، أخذت عنه حب التفكير والفلك والرياضيات كما دربها على الخطابة والتدريس، وعندما كتب شرحاً لكتاب بطليموس اعترف بالدور الذي قامت به في تأليفه، كما كانت أبحاثها تشمل الفلك والرياضة وصنعت أجهزة لتقطير المياه وقياس منسوبها، كما صنعت «إسطرلاب» وجهازاً لقياس كثافة السوائل.

وفى الثلاثين من عمرها صدر الأمر الإمبراطوري بتعيينها أستاذة بالمكتبة، وغدت فيلسوفة من أتباع أفلاطون وتزعمت مدرسة «الأفلاطونية الجديدة» ذات النزعة الصوفية، وكانت بعثاً للفكر المصري القديم، تميزت به مدرسة الإسكندرية منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وازدهر على يد أفلوطين كآخر المدارس اليونانية الفلسفية الكبرى.

كانت تقول إن «من يقدر على خلع بدنه وتكسير حواسه ووساوسه وحركاته، يستطع الرجوع إلى ذاته والصعود إلى العالم العقلي، كما أن الامتناع عن الشهوات وعدم أكل اللحوم عوامل مساعدة لصفاء النفس، وعلى الإنسان أن يمارس العبادات لتطهير النفس والزهد، فقيمة الإنسان ليست في جمال ملامحه ولكن في جمال أخلاقه».

عدّها المتعصبون دينياً واحدة من ألد أعدائهم بسبب جمالها وروعة منطقها وحداثة أفكارها، فهجموا عليها في أثناء عودتها من إلقاء إحدى المحاضرات وأنزلوها من عربتها وجروها إلى منطقة نائية. وهناك جردوها من ملابسها، وأخذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قتلوها، بل أكثر من ذلك قطعوا جسدها إرباً، وحرقوا بعضه، كانوا يفعلون كل ذلك بمرح وحشي شنيع لتذهب أسطورة هيباتيا ضحية للصراع بين الفكر والعلم من ناحية، والتعصب الديني من ناحية أخرى وعمرها 45 سنة.

لم يعاقب الجناة على فعلتهم البشعة واكتفى الإمبراطور بتقييد حرية المتطرفين في الظهور أمام الجماهير، مع حرمان الوثنيين من المناصب العامة، وأغلق المعابد والمدارس لتنطفئ شعلة العلم في الإسكندرية وينطفئ دورها الحضاري، ويرحل أساتذتها إلى أثينا خوفاً من مصير هيباتيا.