أوليفر ستون لـ«الشرق الأوسط»: أرعبني فيلم آل غور... فقررت كشف المزيد

قال إن الطاقة النووية أفضل وسيلة للحفاظ على البيئة

مقابلات مع علماء في «نووي»
مقابلات مع علماء في «نووي»
TT

أوليفر ستون لـ«الشرق الأوسط»: أرعبني فيلم آل غور... فقررت كشف المزيد

مقابلات مع علماء في «نووي»
مقابلات مع علماء في «نووي»

في حوار خاص تم قبل سنة بين المخرجين أوليفر ستون وسبايك لي، كال كل منهما كثيراً من النقد للوضع السياسي العام الذي «يسمح باستمرار مناهج عنصرية» حسبما قال سبايك لي، مخرج «حمى الغابة»؛ وأكثر من ذلك للوضع السينمائي الذي يجعل مخرجين مهمين في هوليوود غير قادرين على مواصلة العمل لأنهم يعزفون عن تحقيق أفلام من النوع السائد. أفلام مثل تلك التي تتناول شخصيات مضخمة وكاريكاتورية وأفلام من تلك المقتبسة من ثقافة الكوميكس وأبطالها الذين لا يقهرون.
في ذلك الحوار بدا ستون الحلقة الأضعف بين الاثنين. كانت شكواه فعلية ونقده حاداً في مقابل سبايك لي، الذي كان يستمتع حينها، وقد انتهى من تحقيق «The 5 Bloods» منجزاً إعجاباً مستحقاً بين النقاد الأميركيين وتمويلاً من «نتفليكس».
في المقابل، كان ستون قد ابتعد عن دائرة الاهتمام منذ بضع سنوات حين لم يستطع تحقيق فيلم جديد. وفي عام 2016 خرج بـ«Snowden» عن إدوارد سنودن، وجد تمويله الأساسي من بريطانيا وفرنسا ولم يحظ عرضه في الولايات المتحدة في مثل هذا الشهر من السنة نفسها بكثير من الاهتمام.

لقطة من «نووي»

عودة إلى العناوين
أوليفر ستون، الذي تمت مقابلته خلال مهرجان «فينيسيا» الأخير قبيل منتصف الشهر الحالي، ناقد منذ البداية. في «سلفادور» (أول أفلامه مخرجاً سنة 1986)، طرح موضوع السياسة الأميركية في السلفادور. نعم اكتسب الفيلم ملامح التشويق، لكنه حمل رطلاً من الخطابات التي وجدها المخرج مناسبة لتغذية حكايته حول أميركيين مختلفين في بلد تمزقه حروب تتغذى من سياسة وكالة المخابرات الأميركية.
نقل اهتمامه في العام التالي إلى فيتنام في «Platoon»، ومن ثَم تعرض للسياسة الاقتصادية في «Wall Street» سنة 1987، وما هي إلا فترة وجيزة قبل أن ينجز «وُلد في الرابع من يوليو (تموز)» (Born on the Fourth of July) (1989) الذي تطرق فيه إلى الحرب الفيتنامية (التي شارك فيها مجنداً في السبعينات) من جديد وعلى نحو لا يخفي تساؤلاته النقدية.
من هنا انطلق لتحقيق فيلمين بيوغرافيين أولهما «جون أف. كندي» (أو JFK) (1991)، ومن ثم «نيكسون» (1995). كان لهذين الفيلمين نجاحات إعلامية ومادية كبيرة، لكن ستون أخذ يجد صعوبة في تحقيق ما يريد في هذا المجال. مال إلى التاريخ في «ألكسندر» (2004)، بيد أن أعماله أخذت تصب في نتائج أقل نجاحاً في الأعوام التالية، حتى عندما حقق فيلمه «W» عن جورج دبليو بوش في سنة 2008 لم يترك الأثر نفسه الذي كان تركه عندما أنجز «JFK».

المخرج أوليفر ستون

لكنه الآن، وعلى نحو مفاجئ، يعود إلى العناوين بتوفير فيلم جديد له بعنوان «Nuclear» دخل به عروض مهرجان «فينيسيا» خارج المسابقة ثم انتقل به إلى مهرجان «تورونتو» (الذي لا يحتوي على مسابقات).
«نووي» رحلة ترتدي الزي التسجيلي تنطلق من تأكيد المخرج (الذي يعلق بصوته طوال الفيلم) على أن «الطاقة النووية» ليست محط اختلاف في حسناتها وأهمياتها بالنسبة للحياة المجتمعية، لكن سوء استغلال اليمين واليسار الأميركيين العمل بها وتسييسها لتصبح مجال أخذ ورد بين مجموعة تريد استغلالها على أعلى نطاق، وأخرى تقود حملة إنقاذ البيئة من ذلك التوسع في استغلالها.
يبدو مؤيداً في فيلمه لحماية البيئة كما حال الحزب الديمقراطي، لكن ذلك لا يمنعه من انتقاد سياسته الحالية التي تبدو كما لو أنها غير مبنية على قواعد ثابتة.
وهو يفسر ذلك منذ بداية اللقاء قائلاً: «أريد لهذا الفيلم أن يوضح حقيقة أن الطاقة النووية تحقق للعالم فوائد عديدة. هي ربما كلمة مخيفة كونها تعتمد على استخدام النووي في توفير مستلزمات الحياة العصرية الحاضرة، لكن يجب التفريق بين النووي والطاقة النووية. الأولى قد تدمر كل شيء. الثانية من ضروريات الحياة إذا ما أُحسن استخدامها».
> في الفيلم دعوة جادة للاعتماد على الطاقة النووية عوضاً عن النفط ومشتقاته.
‪ - ‬ بالتأكيد. الطاقة النووية هي أفضل وسيلة للحفاظ على البيئة من التلوث الحاصل من مصادر شتى تهدد حياتنا على الأرض.
> كيف استمددت كل هذا القدر من المعلومات؟ طبعاً يتطلب الفيلم التسجيلي العديد من المعلومات لكن الحاصل هنا هو أنها ترد كما لو كانت مستقاة من مصدر واحد.
‪ - ‬ هي بالفعل كذلك. لفت اهتمامي كتاب صدر قبل حين بالعنوان نفسه الذي اخترته للفيلم، وضعه جوشوا غولدستين بعنوان «مستقبل لامع» (Bright Future). قرأته لأنني مهتم بمثل هذه القضايا واتصلت بالمؤلف واتفقنا على كتابة الفيلم معاً. لذلك تجد ما تصفه بالمصدر الواحد. هناك مصادر أخرى اعتمدنا عليها لكن الغاية كانت تأليف فيلم ينضح بالمعلومات الأكيدة ويفتح الطريق أمام معاينة مفاهيم وسياسات الدول ومستقبل الحياة نفسها.
> تتطرق إلى حادثتي شرنوبيل وفوكوشيما وكيف تركتا تأثيراً على الدعوة لحماية الأرض من مخاطر البيئة.
‪ - ‬ طبعاً. أعتقد أن الحادثتين فتحتا الأعين على ما نواجهه. لكن الأمور أبعد وأخطر من تسرب إشعاع نووي خطير، تقرير «فريق الحكومة الدولية لتغييرات المناخ» (IPCC) أصدر تحذيراً في العام الماضي يؤكد أنه إذا ما استمر الوضع الحالي على ما هو عليه بالنسبة لارتفاع ثاني أكسيد الكربون والتلوث الكبير الحاصل اليوم، فإننا ننتظر نهاية العالم كما عهدناه في سنة 2050 وسيكون من الصعوبة إن لم يكن من الاستحالة العودة إلى ما كانت الحياة عليه سابقاً.
> الموضوع كان يؤرقك؟
‪ - ‬ بطبيعة الحال. شاهدت أعمال آل غور التي حققها في موضوع البيئة. هو لم يذكر كل شيء لكن ما شاهدته أرعبني. أحببت الفيلم وأحببت رسالته وقلت لنفسي دعني أجرب تحقيق فيلم يكشف المزيد عن هذا الموضوع. أنا لست عالماً، لكننا جميعاً نشترك في حياة واحدة.
> إنه موضوع مخيف بالفعل. أقصد نهاية الأرض بعد نحو 30 سنة. هل هذا أمر محتم في اعتقادك؟
‪ - ‬ أولاً، طبعاً هو مخيف، ليس لنا فقط بل للجيل الناشئ والقادم بلا ريب. وثانياً هو أمر محتم بالتأكيد. وكالة (IPCC) التابعة للأمم المتحدة لا تثير الاحتمالات بل تتوصل إلى النتائج. في الفيلم أقول: «لم يعد لدينا الوقت لنخاف». نحن بالفعل في صميم المشكلة.
> يتألّف الفيلم من مقابلات عديدة وزيارات لمواقع كما من تلك المعلومات المتوفرة بتعليقك الصوتي. هذا ما يجعله مقنعاً، خصوصاً أن تلك المعلومات موثوقة والشخصيات التي تتحدث إليك تعرف تماماً عما تتحدث.
‪ - ‬ هذه ملاحظة مهمة. في نهاية المطاف هو فيلم غير روائي. فيلم يسجل الموضوع الذي يتحدث فيه لأجل إيصال رسالة تدعو إلى أن نساهم جميعاً في إنقاذ الأرض والحياة عليها. نحن مسؤولون، ومن هذه المسؤولية كان علي لا مهمة تقديم فيلم يدور حول هذه الأوضاع فقط، بل أن أقدمه بشكل يثير الجدل ويُقنع المشاهدين والمسؤولين بالحقائق الواردة فيه.

عن الحرب
> ليس خافياً اهتمامك بالأفلام التسجيلية في السنوات الأخيرة. ما هو السبب؟
- السينما التسجيلية بالنسبة لي أمر لا بد منه لأن الفيلم في هذا النطاق لا يتضمن عناصر الدراما. بل يوفر الرسالة التي يريد إيصالها على نحو مباشر وحقيقي. طبعاً هذا بالنسبة للفيلم الجيد لأنه وكما لا بد أنك تعلم، هناك أفلام تسجيلية كثيرة إما تفشل في إيصال رسالتها وإما لا تملك رسالة في الأساس. هذا لا يعني أن الأفلام الدرامية لا يمكن لها أن تكون صادقة. على العكس لكن أيضاً من منظور جدية تعاملها مع الواقع.
> أي من الأفلام الروائية الهادفة لفت انتباهك أخيراً؟
- شاهدت «Don‪'t Look Up» وهو فيلم جيد رغم أنه في النهاية لا يترك التأثير الذي أوعز به. كنت مع (مخرج الفيلم) آدم مكاي، وفاجأني باعتقاده بأن الحياة على الأرض ستنتهي في عام 2026. رمقني بنظرة غاضبة عندما لم أشاركه في هذا الرأي.
> أعود للسؤال عن زيادة توجهك صوب الأفلام التسجيلية. هل هذا عائد لأن هوليوود لديها منهج عمل لا توافق عليه؟
- بالتأكيد هو سبب رئيس في هذا الانقطاع. بعد «Savages» قبل عشر سنوات أمضيت وقتاً عصيباً في محاولة إقناع شركات هوليوود بتبني سيناريوهات أفلام روائية عرضتها. وأمضت هي أوقاتاً عصيبة في محاولة إقناعي بإخراج أفلام لا أرغب بها. لذلك الانقطاع عن الفيلم الروائي أو مرور فترة طويلة بين الفيلم والآخر أتاح لي التركيز أكثر على الأفلام التسجيلية.
> من هذه الأفلام التسجيلية فيلمان يتعلقان بالحرب الروسية - الأوكرانية، قمت بوظيفة منتج منفذ لهما وأحدهما «نار في أوكرانيا» عرض هنا في «فينيسيا». ما رأيك بهذه الحرب؟
- لا أوافق عليها طبعاً. كان يمكن تجنبها، لكن الناتو استفز روسيا طوال سنوات. هذا مؤكد، ككل حرب أخرى تقع المسؤولية على أكثر من طرف واحد. لا أعتقد أن بوتين أراد هذه الحرب لأنه يعادي الغرب. هذه ليست المشكلة، المشكلة هي أن الغرب عاداه فيما أعتقد.
> قابلت الرئيس بوتين عندما أنجزت ذلك الفيلم التلفزيوني عنه سنة 2017. ما رأيك به؟
- وجدته ملماً كثيراً بالسياسة العالمية وبما يقع حولنا من أحداث. تحدثت إليه طويلاً وفي نهاية إحدى المقابلات قال لي شيئاً لم أكن أتوقعه. سألني إذا ما تعرضت للضرب. قلت له نعم. قال: «إذن تعرف أنك ستتعرض للضرب بسبب هذا الفيلم».
> هل تعرضت للضرب بسبب هذا الفيلم؟
- (يضحك) لا، لكني واجهت آراء من نقاد ومشاهدين وأصدقاء يعتقدون أن للحياة جانبا واحدا فقط هو الجانب الذي يؤمنــــون به.


مقالات ذات صلة

يوميات الشرق فيلم «إن غاب القط» يتصدَّر الإيرادات في مصر (الشركة المنتجة)

الكوميديا تتصدَّر شباك التذاكر بموسم «رأس السنة» في مصر

تصدَّر الفيلمان الكوميديان «إن غاب القط» و«طلقني» إيرادات شباك التذاكر خلال موسم «رأس السنة» في مصر...

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق المخرجة السعودية سارة بالغنيم شاركت أفلامها في عدة مهرجانات (مهرجان البحر الأحمر)

المخرجة السعودية سارة بالغنيم: «ارتزاز» يتمرد على عادات اجتماعية قديمة

قالت المخرجة السعودية، سارة بالغنيم، إن فيلمها القصير «ارتزاز» يعكس التمرد على عادات اجتماعية قديمة بالمجتمعات الخليجية، ويسعى إلى تجاوزها.

انتصار دردير (جدة)
يوميات الشرق إيلي فانينغ في «قيمة عاطفية» (نيون)

36 ممثلاً وممثلة يتنافسون على جوائز «غولدن غلوب»

بعد الإبحار في ترشيحات الأفلام في سباق «غولدن غلوب» التي ستُعلن نتائجها غداً (الأحد)، تبقى لدينا، على الصعيد السينمائي، قائمة الممثلين والممثلات المرشّحين لقطف…

محمد رُضا (بالم سبرينغز (كاليفورنيا))
يوميات الشرق يرى أنّ الجدل حول الأعمال الفنية ظاهرة صحية (الشرق الأوسط)

عبد الكريم دراجي: الجدل حول «الست» دليل وصوله إلى الجمهور

استعان الممثل، خلال تقمّصه شخصية «المعجب الجزائري»، بعقله الباطن ومخزونه من الحركات غير الطبيعية التي أعدّها لترسيخ إعجابه الكبير بأم كلثوم...

داليا ماهر (القاهرة )

«الرحالة» مندش يحط في الهلال

سلطان مندش حطّ رحاله في الهلال بعد مسيرة ارتدى فيها قمصان عدة أندية (الشرق الأوسط)
سلطان مندش حطّ رحاله في الهلال بعد مسيرة ارتدى فيها قمصان عدة أندية (الشرق الأوسط)
TT

«الرحالة» مندش يحط في الهلال

سلطان مندش حطّ رحاله في الهلال بعد مسيرة ارتدى فيها قمصان عدة أندية (الشرق الأوسط)
سلطان مندش حطّ رحاله في الهلال بعد مسيرة ارتدى فيها قمصان عدة أندية (الشرق الأوسط)

أعلن نادي الهلال عن تعاقده مع اللاعب سلطان مندش (31 عاماً) لاعب فريق التعاون، بعقد يمتد لموسمين ونصف الموسم، من خلال شراء المدة المتبقية من عقده من ناديه السابق، وذلك سعياً من إدارة النادي لتعزيز صفوف الفريق على مستوى اللاعبين المحليين.

ويلعب مندش في مركز الجناح الأيمن، وقد قدّم مع فريقه السابق التعاون مستوى لافتاً خلال الفترة الماضية، ما جذب أنظار عدد من الأندية، وكان الهلال من بينها، إذ سعى لتعزيز صفوفه بعدد من اللاعبين المحليين خلال فترة الانتقالات الشتوية الحالية، وكانت أولى صفقاته التعاقد مع مندش.

يذكر أن سلطان مندش لعب لعدة أندية في الأعوام الماضية، كان أطولها مع نادي الفيحاء الذي لعب معه 105 مباريات، ومن ثم التعاون الذي ارتدى قميصه في 75 مباراة، والفيصلي بـ40 مباراة، وكذلك قبل الأهلي الذي لعب له مندش 26 مباراة، والاتحاد الذي مثّله في 20 مواجهة، وأخيراً نجران الذي لعب له في بداياته 18 مباراة.


تعاون اقتصادي مصري - سوري «يذيب» جمود السياسة

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق (اتحاد الغرف التجارية المصرية)
الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق (اتحاد الغرف التجارية المصرية)
TT

تعاون اقتصادي مصري - سوري «يذيب» جمود السياسة

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق (اتحاد الغرف التجارية المصرية)
الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق (اتحاد الغرف التجارية المصرية)

سعياً لتعزيز التعاون بين البلدين عبر البوابة الاقتصادية، استضافت العاصمة السورية دمشق، الأحد، «الملتقى الاقتصادي السوري - المصري» الأول، بمشاركة مسؤولين سوريين وقيادات من قطاع الأعمال في البلدين، في خطوة عدَّها مراقبون قد تساعد في «إذابة الجمود» الذي تشهده العلاقات السياسية بين البلدين.

ويستهدف الملتقى الاقتصادي «تعزيز التعاون التجاري والاستثماري، وإقامة مشاريع مشتركة بين البلدين»، بحسب اتحاد الغرف التجارية السورية الذي أوضح في إفادة، الأحد، أن الملتقى يتيح منصة رسمية لبحث الفرص الاستثمارية، وتطوير الشراكات التجارية بين القاهرة ودمشق.

ويعدّ الملتقى الفعالية الأبرز بين البلدين منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد في سوريا، وتولي أحمد الشرع الرئاسة. ويأتي انعقاد الملتقى عقب توقيع الحكومتين المصرية والسورية على مذكرتي تفاهم في مجال الطاقة الأسبوع الماضي؛ المذكرة الأولى «للتعاون في توريد الغاز المصري إلى سوريا بهدف توليد الكهرباء من خلال استغلال البنية التحتية المصرية، سواء سفن التغييز أو شبكات نقل الغاز»، والثانية «لتلبية احتياجات سوريا من المنتجات البترولية».

جانب من الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق (اتحاد الغرف التجارية المصرية)

ويتسم مسار التعاون السياسي المصري مع سوريا بالحذر، منذ تولي الشرع الحكم، حيث اقتصرت اللقاءات بين مسؤولي البلدين على مناسبات رسمية دولية، في حين تطالب مصر بضرورة تدشين عملية سياسية شاملة تضم كل مكونات المجتمع السوري.

وقال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، في أكثر من مناسبة، إن موقف بلاده تجاه التطورات في سوريا ثابت، ويستند على ضرورة دعم الدولة السورية واحترام سيادتها ووحدة أراضيها.

نافذة تقارب

ومن شأن تعميق التعاون الاقتصادي أن يسهم في دفع مسار العلاقات المصرية - السورية في المجالات كافة، و«إذابة جمود السياسة»، وفق تقدير مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، الذي قال إن «الملتقى يشكل نافذة لدعم التقارب والتفاهم السياسي بين البلدين».

وأضاف الشرقاوي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن هناك فرصاً عديدة لتوسيع التعاون، في مقدمتها مشاركة الخبرات المصرية في عملية إعادة الإعمار. واستطرد قائلاً: «هناك استثمارات مشتركة ينفذها مستثمرون سوريون مقيمون في مصر يمكن التعويل عليها في تعميق التعاون الاقتصادي».

وفي كلمته أمام الملتقى، اعتبر وزير الاقتصاد والصناعة السوري نضال الشعار أن التعاون الاقتصادي السوري - المصري «تكامل طبيعي بحكم التشابه بين البلدين في نمط الإنتاج والاستهلاك، وطبيعة الموارد البشرية، والدور المحوري الذي تؤديه الصناعة والزراعة والخدمات في البلدين».

ولا يقتصر التعاون الاقتصادي على تبادل السلع، وفق الشعار، الذي قال في كلمته بالملتقى إن «تعزيز التعاون يقوم على مشروعات مشتركة بما يرفع فرص النجاح والاستدامة».

في نفس الإطار، قال رئيس الوفد المصري ورئيس الاتحاد العام للغرف التجارية المصرية، أحمد الوكيل، إن القاهرة ستقدم لدمشق كل خبراتها وإمكاناتها «لنقل تجربتها في الخطط العاجلة للنهوض بالبنية التحتية من كهرباء وطرق وموانئ وصرف صحي، وإنشاء الجيل الرابع من المدن الجديدة والمناطق الصناعية والمراكز اللوجستية، وتحديث وإعادة تأهيل المصانع»، مستشهداً بمشاركات الخبرات المصرية في إعادة الإعمار بالعراق وليبيا.

وتسعى مصر وسوريا لـ«إعادة الوحدة الاقتصادية» بين البلدين، عبر دور فاعل من الغرف التجارية ومنتسبيها من القطاع الخاص، وفق الوكيل، الذي أشار إلى أن الهدف «تنمية التجارة البينية والاستثمارات المشتركة، وخلق فرص عمل».

ويرى الوكيل أن «الإرادة السياسية متماشية مع الإرادة الشعبية»، وطالب بتسريع توفير حرية انتقال رجال الأعمال ورؤوس الأموال والسلع والخدمات، ومنح الأفضليات للشركات السورية والمصرية في كلا البلدين.

آفاق تعاون

ووفقاً لعضو شعبة المواد الغذائية بالغرف التجارية المصرية، حازم المنوفي، فإن الملتقى يشكل «فرصة حقيقية لدفع التعاون الاقتصادي بين البلدين»، مشيراً إلى أن الهدف من انعقاده هو تنمية الشراكات بين القطاعين العام والخاص في البلدين.

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن الملتقى يساهم في تعميق التعاون التجاري والاستثماري بين القاهرة ودمشق، إلى جانب الاستفادة من الخبرات المصرية في إعادة الإعمار بسوريا، خصوصاً في مجالات الصناعة والبنية التحتية والخدمات.

السيسي خلال لقاء الشرع على هامش «القمة العربية» بالقاهرة في مارس الماضي (الرئاسة المصرية)

ويرى المنوفي أن هناك أبعاداً إيجابية للملتقى، من بينها «بناء شراكات تجارية واستراتيجية بين رجال الأعمال المصريين والسوريين، تشمل مجالات الكهرباء والبترول والغاز والزراعة والنقل واللوجستيات»، إلى جانب «فتح آفاق تعاون أوسع مع مؤسسات دولية وأوروبية، من خلال تكامل الجهود عبر اتحاد غرف البحر المتوسط واتحاد الغرف الأفريقية، ما يعزز دور البلدين في الأسواق الإقليمية».

وسيبحث الوفد المصري، الذي يضم 26 من قيادات الغرف المصرية والمال والأعمال، «التعاون في قطاعات الطاقة والنقل واللوجستيات والبنية التحتية والزراعة وإعادة تأهيل المصانع المتعطلة»، إلى جانب «دعم سوريا في إعادة الإعمار، ونقل تجربة مصر في الخطط العاجلة للبنية التحتية، وإنشاء 22 مدينة جديدة من الجيل الرابع، ومدن صناعية ومراكز لوجستية»، بالإضافة إلى «إقامة 8 آلاف من الطرق السريعة والكباري والأنفاق والموانئ»، حسب اتحاد الغرف التجارية المصرية.

وهناك إرادة للانفتاح التجاري والاقتصادي بين القاهرة ودمشق، رغم حالة الجمود السياسي، وفق تقدير عضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ المصري، نورهان الشيخ، التي قالت إن «هناك توافقاً لفصل المسار الاقتصادي عن مستوى التعاون السياسي بين الجانبين»، مشيرة إلى أن «المصالح تفرض نفسها على مسار التعاون المصري - السوري».

وأضافت، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن هناك «حذراً في الانفتاح السياسي المصري تجاه سوريا». واستطردت: «هناك قنوات تواصل بين الجانبين، لكن الانفتاح الكامل مرهون باستكمال الخريطة السياسية في سوريا واستقرار الأوضاع الداخلية».

وسبق أن التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالرئيس السوري الشرع على هامش القمة العربية الطارئة بالقاهرة في مارس (آذار) 2025؛ كما التقى وزير الخارجية عبد العاطي بنظيره السوري أسعد الشيباني على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في سبتمبر (أيلول) الماضي.

وهناك نحو مليون ونصف مليون سوري يقيمون في مصر، بينهم أكثر من 15 ألف منتسب لاتحاد الغرف المصرية، باستثمارات تقارب مليار دولار، وفق الوكيل الذي دعا إلى «ضرورة تجاوز مرحلة العلاقات الثنائية بالبدء الفوري في العمل المشترك لغزو الأسواق الخارجية واستغلال المميزات النسبية والمواقع المميزة للبلدين للتصدير المشترك لمناطق التجارة الحرة المتاحة».

وعلى هامش الملتقى، استقبل رئيس اتحاد الغرف التجارية السورية، علاء عمر العلي، الوفد المصري المشارك. وأكد أهمية انعقاد الملتقى «لتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري، وفتح آفاق جديدة للشراكات بين مجتمعي الأعمال في سوريا ومصر»، حسب إفادة من اتحاد الغرف التجارية السورية.


مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي
TT

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

بعكس ما كانت عليه حال الرسامين في العراق من ميل للتجريد بحثاً عن هوية عالمية تكون بديلاً عن هوية محلية عمل رسامو الخمسينات على خلقها، ظهر بداية سبعينات القرن الماضي جيل جديد من النحاتين الذين وجدوا في التشخيص ضالتهم في التعبير عن رؤيتهم المعاصرة التي كانت في جزء مهم منها تجسيداً لمحاولة تجريبية يكمن أساسها في البحث عن مقاربات انفتحوا من خلالها على إنجازات النحت العالمي من غير أن يتخلوا عن شغفهم في الامتزاج بغموض اللحظة الجمالية التي عاشها النحات العراقي القديم بأساليب ومواد مختلفة، بدءاً من سومر وانتهاء بآشور مروراً ببابل. كان مكي حسين مكي (1947) الذي توفي أواخر العام الماضي في برلين واحداً من أهم أبناء ذلك الجيل.

وعلى الرغم من أن الجسد البشري كان ولا يزال محور النحت في كل أزمنته فإن نحاتي الحداثة الفنية نجحوا في إزاحة أيقونيته بعدّه رمزاً مقدساً وصولاً إلى إلحاقه برمزية جديدة عبارة عن تصوير لتجليات صلته بالحياة المباشرة بكل ما خالطها من فوضى وعبث وخواء وسواها من معاني الشقاء الوجودي.

كان النحات السويسري ألبرتو جياكومتي هو عنوان ذلك التحول. ذلك التحول الذي وجد صداه في تجربة مكي حسين بطريقة فتحت أمامه الأبواب للولوج إلى مسألة الجسد السياسي جمالياً. ولأن السياسة لا تحمل إلى الفن صفات حميدة، فقد كان الفنان العراقي الذي عاش مطروداً من وطنه منذ عام 1979 حتى وفاته سعى إلى التعامل مع الجسد بعدّه خلاصة جمالية وليس مجرد وثيقة يمكن ربطها بزمن محدد.

صحيح أن النحات حسين كان قد عاش حياة قلقة، بالأخص في المرحلة التي تلت هروبه من بغداد وانضمامه إلى المجموعات المقاتلة مع الأكراد شمال العراق ومن ثم الشتات، غير أن الصحيح أيضاً أنه كان يفكر بطريقة عميقة في الوضع البشري بصورته المطلقة. وهو ما حرره من عبء اللحظة الراهنة ووهب منحوتاته طابعاً زمنياً يقع خارج زمن إلهامها. إنه زمن الفن.

خيال الأسئلة الوجودية

«صرخة من عمق الجبال» ذلك هو عنوان المعرض الذي أقامه في لاهاي الهولندية. كان ذلك هو آخر معارضه ويمكن عدّه تحية وداع وخلاصة حياة.

غير أن ذلك ليس كل شيء. فالسنوات التي عاشها النحات في الغربة نجحت في ترويض ذاكرته السياسية انتصاراً للفن. تلك فكرة استمدها الفنان من خبرة أصابعه الجمالية وخيالها.

إلى جانب الجسد كانت لدى الفنان مفرداته التي يمكن النظر إليها بطريقتين من جهة المعنى. الإطار المربع والكرة. وهما مفردتان مركزيتان في لغته التشكيلية.

هل كانت الذاكرة السياسية ضرورية بالنسبة لمكي حسين الذي عُثر عليه ميتاً في شقته بعد أربعة أيام من وفاته؟ لقد اكتشف النحات في وقت مبكر من حياته أن أزمة الإنسان تكمن في مسعاه الوجودي من أجل التعرف على معنى مصيره وما ينطوي عليه ذلك المصير من اقتراحات خلاقة. معرضه الأخير كان شهادة، ولكنها شهادة لا تقع فيما هو متعارف عليه في عالم السياسة. كان صرخة احتجاج لم تضع كل شيء في سلة النهايات. لقد أراح الفنان ضميره حين قدم جردة حساب شاملة من غير أن يستثني المسكوت عنه لأسباب حزبية غير مقنعة.

ولأن مكي حسين واحد من أكثر تلاميذ جياكومتي العراقيين كفاءة في تجريد الجسد من مؤهلات غوايته الخارجية وتقشيره وصولاً إلى جوهره فقد نجح في استخراج مفهوم الجسد السياسي من حيزه الضيق ليحرره من الأفكار الجاهزة أو المتاحة. لذلك لم يلجأ إلى تصويره، مقاوماً لظرف تاريخي جائر أو ضحية لتبدل في مزاج مقهور. وكان في ذلك ذكياً في التعبير عن انحيازه للفن، بوصفه ناقداً لا يخطئ طريقه في محاولة الوصول إلى مواقع الجمال الكامنة في التجربة الإنسانية.

كائنات على وشك التحليق

كل الكائنات التي نحتها مكي حسين تبدو في وضع قلق غير متوازن، كما لو أنها مهددة بالسقوط في أي لحظة. وهو ما يعكس شعور الفنان باكتظاظ التجربة الإنسانية التي عاشها بالأسئلة العائمة التي ظلت من غير جواب.

يقف أحد تلك الكائنات بقدم واحدة على مكعب فيما تُركت القدم الأخرى في الهواء كما لو أنه مشهد راقص أراد الفنان من خلاله أن يكسر واحدة من أهم قواعد النحت، وفي عمل آخر يحاول الكائن أن يتسلق سلماً تُركت نهايته سائبة في الفضاء. وهو ما يهب الفراغ قوة هي ليست منه. في الحالين تبدو المحاولة كما لو أنها صُممت من غير هدف إلا المجازفة في القيام بفعل بطولي خارق ومدهش بغض النظر عما ينطوي عليه من عبث.

لا يخلو ذلك العبث من فكرة ثورية، عرف الفنان كيف يجسدها من خلال عمله الذي صور من خلاله ذلك الكائن الذي يحمل صخرة على هيئة كرة ثقيلة كما لو أنه يحتضن مصيره ليذهب به إلى مكان آمن. وكما أرى فإن النحات الذي عاش حياته مُقتلَعاً كان مضطراً إلى حمل ذاكرته بمحتوياتها التي لا تسرعلى الرغم من شعوره بعبثية ما يفعل.

ليس من الصعب القول إن النحات كان يقاوم غربته بمفردات معجمه الثوري الذي يهب الإنسان قدرة استثنائية على مقاومة الظرف التاريخي. تلك فكرة ملهمة تساعد على العيش على الحافات. كما أنها بالنسبة له فناناً تشكل منجماً لتحديات، هي في حقيقتها المنقذ من رتابة العيش الذي يمر من غير معنى. في أكثر حالاته انغماساً في التقاط مسراته السابقة لم يكن مكي حسين إنساناً سعيداً.

النحات السياسي مقاوماً

وبسبب تربيته اليسارية، كان مكي حسين يفكر في المآل الرمزي لكائناته المشدودة مثل حبل قلق بين آمالها المخيبة وهزيمتها. إنه يدرك أن المحتوى الحكائي سيتم استهلاكه عبر مرويات قد تخون الحقيقة؛ لذلك انتقل بكائناته إلى المجال الرمزي الذي تبدو من خلاله تلك الكائنات كما لو أنها قُدّت من مادة أثيرية. في منحوتته «عبير في حلم زيارتها لأهلها» استلهم حسين حادثة واقعية، جريمة ارتكبها الجنود الأميركان في الفلوجة عام 2004 يوم اغتصبوا الطفلة عبير وقتلوها. وها هي عبير تعود إلى أهلها من خلال منحوتة الفنان بعدّها رمزاً للمقاومة.

لم تكن الطفلة عبير جسداً سياسياً بقدر ما كانت وطناً لأسئلة المصير الوجودية التي كان النحات مصراً على مواجهتها. من خلال أكثر من عشرين عملاً نحتياً صغيراً لخص فيها موقفه من الاحتلال الأميركي، استعاد مكي حسين انسجامه الروحي مع الجسد بوصفه موطن حكايات ومنجم أسئلة. ولكن الصعوبة تكمن في أن فناناً بنى تجربته على التفكير في الخلاصات لا يمكنه أن يكون حكائياً. هنا بالضبط تكمن أهمية فن مكي حسين الذي يمكن عدّه حدثاً مهماً في تاريخ النحت في العراق. من خلال ذلك الفن لن نعثر على حكايات تم اختزالها في جملة واحدة. هي تلك الجملة يتناغم فيها الجسد مع مصيره وهو جسد لم يخن أبجدياته حين ملك القدرة على إخفائها.

كان مكي حسين دائماً نحاتاً سياسياً لكن برؤية جمالية أنقذت الوقائع اليومية من بنيتها الهشة لتهبها قوة الإلهام ورهافته.