كيف يقيس العلماء نتائج اصطدام «دارت» بالكويكب «ديمورفوس»؟

بعد النجاح المبدئي لأول تجربة للدفاع الكوكبي

الكويكبان ديمورفوس وديديموس كما يتم رصدهما في أرصاد المراصد الفلكية
الكويكبان ديمورفوس وديديموس كما يتم رصدهما في أرصاد المراصد الفلكية
TT

كيف يقيس العلماء نتائج اصطدام «دارت» بالكويكب «ديمورفوس»؟

الكويكبان ديمورفوس وديديموس كما يتم رصدهما في أرصاد المراصد الفلكية
الكويكبان ديمورفوس وديديموس كما يتم رصدهما في أرصاد المراصد الفلكية

بردود فعل أشبه بمشاهدي أفلام الإثارة والتشويق في قاعات السينما، وقف العلماء في مختبر جامعة «جونز هوبكنز» للفيزياء التطبيقية بأميركا، الذين يديرون أول مهمة للدفاع الكوكبي في العالم، وهم يصفقون، بعد نجاح مركبة إعادة توجيه الكويكب المزدوج (دارت) في الاصطدام بالكويكب «ديمورفوس»، حيث تمثلت علامات نجاح المهمة في التقاط كاميرات المركبة صورة كشفت تفاصيل الكويكب، قبل أن يحدث الاصطدام، الذي انقطعت معه الصور التي كانت توفرها كاميرا المركبة مع اقترابها رويداً رويداً من الكويكب.
ولكن هل أنفقت وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» 330 مليون دولار على هذا المشروع، بهدف التقاط صور واضحة للكويكب قبل اصطدام المركبة «دارت» به؟ بالقطع لا، فما حدث فجر اليوم (الثلاثاء)، وما صاحبه من احتفالات، هو مرحلة يمكن تسميتها بمرحلة «السكرة»، لتأتي بعد ذلك «الفكرة»، والمتمثلة في قياس مدى نجاح المركبة «دارت» في تحقيق هدفها الذي أُطلقت من أجله قبل عشرة شهور، وهو إحداث تغيير في مدار الكويكب «ديمورفوس».
والكويكب «ديمورفوس»، هو جسم صغير قطره 530 قدماً (160 متراً)، يدور حول كويكب أكبر يبلغ ارتفاعه 2560 قدماً (780 متراً) يسمى «ديديموس»، ولا يشكّل أيٌّ من الكويكبين أي تهديد للأرض، والهدف الذي كانت تسعى له المهمة، هو اختبار قدرة المركبة «دارت» على تغيير مدار «ديمورفوس» حول «ديديموس» عند اصطدامها بالأول.
والتوقعات التي سبقت المهمة، هي أن يؤدي الاصطدام إلى تقصير مدار «ديمورفوس» بنحو 1%، أو ما يقرب من 10 دقائق، ويعني النجاح في تحقيق ذلك، أن العالم قادر مستقبلاً على تغيير مدار كويكب عندما يكون في مسار تصادم مع الأرض، وهذا هو السبب في أن تلك التجربة أطلق عليها «أول مهمة للدفاع الكوكبي».
ويقول ماجد أبو زهرة، رئيس الجمعية الفلكية بجدة في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «القياس الدقيق لمدى انحراف الكويكب، هو أحد الأغراض الأساسية للاختبار، وسيكون مفاجئاً للمتابعين إذا لم يُحدث الاصطدام أي تغيير في المدار، ولكن المتوقع أنه سيحدث تغييراً يؤدي إلى تقصير مدار ديمورفوس نحو 10 دقائق، وقد تصدق هذه التوقعات أو تقل المدة أو تزيد، وهذا ما سيسعى العلماء لمعرفته خلال الأسابيع المقبلة من خلال القياسات التي ستوفرها التلسكوبات الأرضية».
وعند ملاحظة النظام الثاني المكون من كويكبي «ديديموس - ديمورفوس» من التلسكوبات الأرضية، يظهر الثنائي كنقطة صغيرة واحدة من الضوء وسط سماء مرصعة بالنجوم، وتضيء النقطة وتخفت بشكل دوري عندما يتحرك الكويكب ديمورفوس (160 متراً) حول ديديموس الأكبر (780 متراً)، الذي يخفيه مؤقتاً، ومن تواتر هذه الانخفاضات في السطوع تمكّن علماء الفلك من تحديد الفترة المدارية لكويكب «ديمورفوس» بدقة (11 ساعة و55 دقيقة)، ومن هذه الانخفاضات في السطوع سيتمكنون من حساب مقدار التغير في مدار «ديمورفوس» بعد تأثير اصطدام المركبة «دارت».
ويضيف أبو زهرة: «من المتوقع أن يؤدي الاصطدام إلى دفع الكويكب (ديمورفوس) بالقرب من (ديديموس)، مما يؤدي إلى تسريع فترة مداره لمدة تصل إلى عدة دقائق، سيتم تحديدها على وجه الدقة لاحقاً من خلال الأرصاد التي تتم بالتلسكوبات الأرضية».
ولن تظهر النتائج الدقيقة لحجم التأثير في تغيير المدار الذي أحدثته «دارت» إلا خلال شهرين على أقصى تقدير، كما توقعت إيلينا آدامز، أحد المسؤولين عن المهمة من جامعة «جونز هوبكنز» للفيزياء التطبيقية في مؤتمر صحافي (الثلاثاء)، لكنّ هناك تأثيراً آخر قد تظهر نتائجه سريعاً، وهي النتائج المباشرة لهذا الاصطدام.
وتوقع العلماء أن يؤدي الاصطدام إلى إحداث فوهة بركان، وإلقاء تيارات من الصخور والأوساخ في الفضاء، وستقع مهمة الكشف عن هذا التأثير على القمر الصناعي (ليشيا كيوب).
ويقول أبو زهرة: «بعد ثلاث دقائق من اصطدام المركبة (دارت) حلق القمر الصناعي (ليشيا كيوب) بالقرب من موقع الاصطدام، والتقط صور اندفاع عمود المادة المقذوفة عن تحطم المركبة (دارت) ثم أرسلها إلى الأرض، ومن المرجح أن يتم نشر الصور في 28 سبتمبر (أيلول) 2022، حيث يستغرق الأمر بعض الوقت للأقمار الصناعية من نوع (كيوب سات) الصغيرة للقيام بإرسال كامل البيانات».
وقبل المهمة أصر العلماء على أن (دارت) لن تحطم الكويكب ديمورفوس عند اصطدامها به، حيث يبلغ حجم المركبة الفضائية ما لا يقل (570 كيلوغراماً)، مقارنةً بالكويكب البالغ 11 مليار رطل (5 مليارات كيلوغرام)، ولكن يمكن أن يؤدي الاصطدام إلى إحداث فوهة بركان، وإلقاء تيارات من الصخور والأوساخ في الفضاء، بالإضافة إلى التأثير الأهم، وهو تقليص مداره الذي يستغرق 11 ساعة و55 دقيقة حول ديديموس.
وقالت لوري غليز، مديرة قسم علوم الكواكب في «ناسا»، بعد نجاح مهمة الاصطدام في مؤتمر صحافي: «الآن يبدأ العلم، سنرى بشكل حقيقي مدى فاعليتنا في تغيير مدار الكويكب».
ويشبه توم ستاتلر، عالم برنامج «دارت» في مكتب تنسيق الدفاع الكوكبي التابع لـ«ناسا»، الاصطدام بإلحاق الضرر بساعة يدك دون أن تشعر بذلك في أول يوم أو يومين، ولكن بعد بضعة أسابيع، ستبدأ في ملاحظة أنها لم تعد تحافظ على الوقت الصحيح بعد الآن، ويقول: «هذا ما نسعى لإحداثه في توقيت مدار الكويكب، لاختبار إمكانية تنفيذ ذلك مستقبلاً مع كويكب في مسار تصادمي مع الأرض، بدلاً من تفجيره، كما كانت تتخيل الأفلام».
وقالت ليندلي جونسون، مسؤول الدفاع الكوكبي في «ناسا»: «يوفر نجاح (دارت) إضافة مهمة إلى مجموعة الأدوات الأساسية التي يجب أن نحصل عليها لحماية الأرض من التأثير المدمر لكويكب، وهذا يوضح أننا لم نعد عاجزين عن منع هذا النوع من الكوارث الطبيعية».
ومن أجل هذا الهدف الذي تحدثت عنه جونسون لا يرى أبو زهرة، أن إنفاق 330 مليون دولار مبالغ فيه، وقال: «من المهم لحماية كوكب يضم 7.6 مليار إنسان، فهم التهديد المحتمل للكويكبات وأن يتم تعقبها ومناقشة ما يمكن أن نفعله إذا كان كويكب ما في مسار اصطدام قبل بضع سنوات من ذلك الحدث».
ولحسن الحظ، لا توجد كويكبات تهدد الأرض حالياً، ولكن الكثير من الكويكبات بحجم (ديمورفوس) لم يتم اكتشافها بعد، ويمكن لهذه الكويكبات أن تدمر مدينة إذا تحطمت.


مقالات ذات صلة

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

العالم مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق في الطريق إلى الأرض تختبر القلوب صبرها (ناسا)

13 دقيقة تحبس الأنفاس... عودة «أرتميس 2» من أطول رحلة حول القمر

في تلك اللحظة بالذات، يمكننا أن ندع العواطف تسيطر علينا ونبدأ الحديث عن النجاح...

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم تصور فني يظهر مركز مجرة «ماركاريان 501» حيث ينبعث منها نفاثتان قويتان (مرصد هون - رين كونكولي)

اكتشاف ثقبين أسودين على وشك الاندماج

رصد فريق بحثي من معهد ماكس بلانك لعلم الفلك الراديوي في ألمانيا، دليلاً مباشرا على وجود ثقبين أسودين فائقَي الكتلة في مجرة «​​ماركاريان 501» يدوران حول بعضهما.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
تكنولوجيا أعضاء طاقم مهمة «أرتميس 2»: اختصاصية المهمة كريستينا كوخ (يسار) واختصاصي المهمة جيريمي هانسن (أعلى) والقائد ريد وايزمان (يمين) والطيار فيكتور غلوفر (أسفل) وهم يلتقطون صورة جماعية داخل مركبة أوريون الفضائية (أ.ف.ب) p-circle

مشهد نادر... روّاد «أرتيميس 2» يرصدون ارتطام نيازك بسطح القمر

سنحت لروّاد الفضاء الأربعة الأعضاء في بعثة وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) «أرتيميس 2»، خلال وجودهم على القمر، فرصة رؤية ارتطام نيازك بسطحه.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
تكنولوجيا مشهد «غروب الأرض» خلف القمر خلال مهمة «أرتميس 2» التي حطمت الرقم القياسي لبُعد البشر عن الأرض (أ.ف.ب)

40 دقيقة من الصمت… لماذا تفقد «ناسا» الاتصال مع روادها خلف القمر؟

انقطاع الاتصال خلف القمر ظاهرة طبيعية بسبب غياب خط النظر ما يفرض اعتماداً على الأنظمة الذاتية رغم التقدم التكنولوجي.

نسيم رمضان (لندن)

السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
TT

السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)

تصدرت السعودية دول العالم في مؤشر الجاهزية الرقمية 2025، الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) في إنجاز عالمي جديد يدون في سجل إنجازاتها.

جاء تصدُّر السعودية للمؤشر بعدما سجلت 94 نقطة من أصل 100 ضمن تصنيف «مرتفع جداً»، لتتقدم إلى المركز الأول عالمياً، مقارنة بـ90 نقطة والمركز الرابع عالمياً في العام الماضي.

وحققت فنلندا وألمانيا المركزين الثاني والثالث بـ93 نقطة لكل منهما، ثم المملكة المتحدة في المركز الرابع بـ92 نقطة، والنرويج في المركز الخامس بـ91 نقطة، فيما حلت فرنسا في المركز السادس بـ90 نقطة.

ويعكس إنجاز السعودية ما تشهده من تطور متسارع في بناء منظومة رقمية متقدمة، ترتكز على سياسات تنظيمية ناضجة، وأطر حوكمة فعّالة، وقدرات مؤسسية عالية، بما يعزز تنافسية الأسواق الرقمية، ويدعم النمو الاقتصادي والاجتماعي، ويواكب مستهدفات المملكة في الانتقال إلى العصر الذكي.

ويُعد هذا المؤشر أحد المؤشرات الدولية المتخصصة في قياس الجاهزية الوطنية للمنظومات الرقمية، من خلال تقييم أنظمة وسياسات الاتصالات والتقنية وأدوات الحوكمة، بالاستناد إلى مخرجات تحليلية تشمل النضج التنظيمي الرقمي وتطور تنظيمات القطاع، ويضم 117 مؤشراً موزعة على 9 محاور رئيسة.

وأكد تصدر السعودية لهذا المؤشر مكانتها العالمية بوصفها نموذجاً رائداً في بناء بيئة رقمية تمكينية، تتبنى أفضل الممارسات التنظيمية، وتعزز القرارات المبنية على البيانات، وتدعم تكامل الأدوار بين الجهات ذات العلاقة، بما يسهم في رفع مرونة المنظومة الرقمية وقدرتها على مواكبة المتغيرات التقنية والمتسارعة عالمياً.

كما يبرز هذا التقدم حجم الجهود الوطنية في تطوير الأطر التنظيمية والتشريعية، وتمكين الأسواق الرقمية، وتعزيز كفاءة البنية المؤسسية، وهو ما أسهم في وصول السعودية إلى فئة «مرتفع جداً» التي تضم نسبة محدودة من دول العالم، بما يجسد ريادتها الدولية ومتانة مسيرتها التنموية في قطاع الاتصالات والتقنية.

ويأتي هذا الإنجاز ثمرةً لتكامل الجهود الوطنية بين عدة جهات حكومية وتنظيمية، ممثلة بوزارات «المالية، والتجارة، والإعلام، والصحة، والتعليم، والاقتصاد والتخطيط، والبيئة والمياه والزراعة» وهيئات «الاتصالات والفضاء والتقنية، والحكومة الرقمية، والبيانات والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني»، إضافة إلى «البنك المركزي»، وجهات شريكة، بينها، هيئات «تنظيم الإعلام، والنقل، والمياه، وتنظيم الكهرباء، والمنافسة»، و«مركز التنافسية»، وجمعية حماية المستهلك.

ويُرسخ هذا الإنجاز حضور السعودية في المؤشرات الدولية المتخصصة، ويُعزِّز موقعها مركزاً عالمياً رائداً في الاقتصاد الرقمي، ووجهة جاذبة للاستثمار والابتكار، مدعومة برؤية طموحة نحو مستقبل أكثر نمواً وازدهاراً.


«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)

أعاد البرنامج الإذاعي المصري «الملهمون»، الذي يحكي سيرة أعلام مصرية وعربية بارزة في مجالات متنوعة، الفنانة والإعلامية المصرية صفاء أبو السعود لأثير «ماسبيرو» مجدداً، بعد تقديمها لحلقات إذاعية تمثيلية أخيراً، في بعض الإذاعات المحلية، حيث اشتهرت الفنانة المصرية بأعمالها بالسينما والدراما التلفزيونية، وتقديم البرامج الحوارية الفنية، والغناء خصوصاً للأطفال.

وأعلنت «الهيئة الوطنية للإعلام»، برئاسة الكاتب أحمد المسلماني، في بيان صحافي، الثلاثاء، عن إطلاق برنامج «الملهمون»، الذي بدأت أولى حلقاته الأحد، وتناولت سيرة سيزا نبراوي، كما أكد الدكتور محمد لطفي رئيس الإذاعة بمصر، الانتهاء من تسجيل 12 حلقة مدة كل منها 30 دقيقة، تذاع على أثير «البرنامج العام»، مساء الأحد من كل أسبوع، وكذلك على جميع المحطات الإذاعية الإقليمية، إذ يتناول البرنامج شخصيات أثرت في تاريخ مصر في مجالات مختلفة.

وتتناول الحلقات المقبلة، شخصيات لها دور مؤثر، مثل الدكتور نجيب محفوظ ميخائيل، وسليم وبشارة تقلا، وأبلة نظيرة، وأنيس عبيد، وغيرهم من الشخصيات التي لم يتم تسليط الضوء عليها درامياً ووثائقياً، بحسب البيان الصحافي.

الفنانة صفاء أبو السعود (فيسبوك)

وفي السياق، بدأت حلقة سيزا نبراوي عبر برنامج «الملهمون»، بتعليق صوتي جاء فيه «في كل زمن يولد من يغيره، ومن بين الزحام تلمع أسماء لا تنسى، هؤلاء لم يعيشوا فقط بل ألهموا العالم»، ويشارك في بطولة الحلقات إلى جانب صفاء أبو السعود، نخبة من نجوم الإذاعة المصرية، تأليف أحمد القصبي، وإخراج تامر شحاتة، بينما شارك في الأداء الإذاعي لحلقة سيزا نبراوي، عادل شعبان، ومصطفى درويش، وأحمد خليل، وأماني البحطيطي، وقام بدور الراوي علي مراد.

وسلطت الحلقة الضوء على دور السيدة سيزا نبراوي، في الدعوة لحرية النساء والوطن، وعلاقتها بالسيدة هدى شعراوي، وخروجها في مظاهرات ثورة 1919، وتأسيسها لجريدة «الاتحاد النسائي»، باللغة الفرنسية، ومساهمتها في تحديد سن الزواج للفتيات، وحقهن في التعليم، وجمع التبرعات لمقاومة الاحتلال.

وأشاد وكيل وزارة الإعلام الأسبق، رئيس الشعبة العامة للإذاعيين العرب بالاتحاد العام للمنتجين العرب، الإذاعي المصري شريف عبد الوهاب، بدور الإذاعة المصرية في تسليط الضوء على الشخصيات البارزة بهدف «تعزيز الهوية»، مشيراً إلى أن الحديث عن «الشخصيات المهمة»، في كل المجالات لتكون قدوة حسنة للشباب، وللتأكيد على أهمية الماضي الذي يساعد على الانطلاق نحو المستقبل، أمر ضروري.

الفنانة صفاء أبو السعود اشتهرت بتقديم البرامج (فيسبوك )

وقال عبد الوهاب لـ«الشرق الأوسط»، إن محتوى «الملهمون»، الهادف ليس جديداً على الإذاعة المصرية، التي اعتادت على المسلسلات التي تسلط الضوء على القضايا المجتمعية، والشخصيات البارزة، لافتاً إلى أن «الشق الدرامي» خصوصاً في هذا البرنامج له تأثير كبير على المستمع، لا سيما فئة الشباب.

وأشار إلى أن «تناول البرنامج، لشخصيات منوعة وعدم اقتصاره على العلماء والكتاب والفنانين فقط، مثل سيرة أبله نظيرة، يدلان على أهمية التوجه المختلف، لأنها جزء من تراث عالم المطبخ المصري، وجزء أصيل من الهوية والعادات المصرية التي يمكن أن تصل للعالمية».

ونوّه عبد الوهاب بأن «الإذاعة ستظل الصديق الحميم للمستمع، لأنها تعتمد على الخيال، وبناء الصورة بشكل منفرد»، مؤكداً أن «سر جمالها يكمن في التأثير والوصول للشباب وكأنها صديق مقرب».

وفنياً، شاركت صفاء أبو السعود في العديد من الأعمال السينمائية منذ ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي، من بينها «بمبة كشر» و«المتعة والعذاب»، وقدمت برامج حوارية فنية من بينها «ساعة صفا»، و«سهراية»، واشتهرت صفاء أبو السعود بتقديم أوبريتات وأغنيات للأطفال، مثل «أهلا بالعيد»، و«يلا نقضي أجازة سعيدة»، و«يا أصحابي وصحباتي»، وغير ذلك.

كما قدمت صفاء أبو السعود في الإذاعة حلقات «يوميات صفصف»، و«أوضتين وصالة»، و«بهجة رمضان»، و«ألو في خدمتك»، إلى جانب مسلسلات تلفزيونية مثل «هي والمستحيل»، و«النهر والتماسيح»، و«ملكة من الجنوب»، ومسرحيات من بينها «موسيقى في الحي الشرقي» و«20 فرخة وديك»، و«فندق الأشغال الشاقة».


«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
TT

«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)

يحتفل المصريون بعيد «شم النسيم» من خلال استدعاء طقوس قديمة تعود لآلاف السنين، فهذا العيد وُلد على ضفاف نهر النيل ليعلن انتصار الحياة، وتفتح الزهور، وبداية فصل الحصاد في مصر القديمة، وفق ما يذكره المتحف المصري بمناسبة استدعاء طقوس هذا اليوم.

ووفق منشور للمتحف، الاثنين: «لم يكن شم النسيم عند المصريين القدماء مجرد نزهة، بل كان طقساً مقدساً يرتبط بعقيدة البعث والخلود؛ فقد اختار المصري القديم وقت الاعتدال الربيعي ليحتفل بتساوي الليل والنهار، بوصفه لحظة بدء الخلق، ومن هنا جاءت تسمية (شمو)».

ويلفت إلى تغيير دلالة هذه الكلمة من الإشارة إلى الموسم الثالث والأخير في التقويم المصري (موسم الحصاد والجفاف الذي يمتد من مايو «أيار» إلى سبتمبر «أيلول») ثم ليصبح «شوم إن نيسيم» (بمعنى بستان الزروع أو الحدائق الخضراء) في اللغة القبطية، وبعد دخول العربية وجد المصريون في عبارة «شم النسيم» ترجمة ملائمة لجوهر الاحتفال، ليظل هذا العيد دليلاً حياً على استمرارية الحضارة المصرية؛ إذ يحتفل به المصريون جميعاً لأكثر من 4500 عام حتى اليوم.

وعدّت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، شمّ النسيم من أبرز المظاهر الثقافية التي تُجسّد استمرارية الذاكرة الحضارية في مصر عبر آلاف السنين.

مصريون يحتفلون بعيد شم النسيم (محافظة القاهرة)

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «يكتسب هذا العيد طابعه الفريد من كونه نموذجاً نادراً على تداخل الطقس الشعبي مع الاستمرارية التاريخية، حيث لم ينقطع عبر التحولات الدينية والاجتماعية الكبرى التي شهدتها مصر، بل أعاد إنتاج نفسه داخل سياقات ثقافية مختلفة، محتفظاً بجوهره القائم على الخروج إلى الطبيعة وتناول أطعمة رمزية مثل الفسيخ والبيض والخس، وهي ممارسات يربطها عدد من الباحثين بالرمزية الزراعية والخصوبة وتجدد الحياة في مصر القديمة».

ومن منظور أنثروبولوجي، يمكن قراءة شم النسيم بوصفه «ذاكرة جمعية حيّة»، لا تُحفظ في النصوص فقط، بل تتجلى في الممارسة اليومية، حيث تتحول النزهات في الحدائق، وعلى ضفاف النيل إلى طقس اجتماعي يعزز الهوية المشتركة، كما يعكس العيد قدرة الثقافة المصرية على إعادة تفسير عناصرها القديمة دون انقطاع.

وفي السياق المعاصر، يظل هذا العيد، وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم، «شاهداً على واحدة من أعمق سمات الحضارة المصرية، وهي القدرة على تحويل الطقس القديم إلى ممارسة حيّة تتجدد كل عام دون أن تفقد جذورها التاريخية».

وخلف كل طقس موجود اليوم تكمن فلسفة مصرية عميقة، وفق ما نشره المتحف المصري، «فمائدة شم النسيم هي قربان احتفالي لدورة الحياة المتجددة، فكان البيض رمزاً لخروج خالق الكون في أساطير العقيدة المصرية القديمة، وتلوينها هو تجسيد لبعث الحياة من السكون. أما السمك المملح، فقد ارتبط بتقديم النذور للنيل (حابي) لضمان استمرار الفيض، حيث قدس المصري القديم السمك لخصوبته العالية، وكان تمليحه وسيلة لـ حفظ الحياة واستمرار النماء، كما برز البصل في متون الأهرام والنصوص الطبية القديمة كعنصر مطهر، وارتبط بأساطير الشفاء، فصار رمزاً لهزيمة الأرواح الشريرة، وتميمة للحماية تُعلق على الأبواب.

الحدائق والمتنزهات تشهد إقبالاً في شم النسيم (محافظة القاهرة)

وترى الباحثة في الحضارة المصرية القديمة، عزة سليمان، التي رصدت الأعياد المصرية القديمة في كتبها «كراريس إيزيس» أن «هناك عادات راسخة يقوم بها المصريون في شم النسيم، فدائماً هناك حالة من الفرح والسعادة والرغبة في الاستمتاع بالطبيعة عبر النزهات والأطعمة الخاصة بهذه المناسبة في عيد الربيع، وهو لا يتوقف على عيد الربيع، لكنه كان بمنزلة العيد المصري الرئيسي في العصور القديمة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «ارتبط هذا العيد بأرض مصر ومصالحها الاقتصادية وموسم حصاد القمح، وهناك كثير من الطقوس التي ما زالت مستمرة حتى اليوم في شم النسيم، منها تجهيز الطعام، خصوصاً الأسماك المملحة (الفسيخ) والمجففة (البكلاه) التي كان يحتفظ بها المصري القديم لطعامه في الحقل؛ حيث كان يظل هناك مدة طويلة حتى يحصد القمح». وأشارت عزة إلى أن الفسيخ كان يصنع في 7 أيام واسمه نفسه يعني «سبعة»، كما تمت صناعة أسماك حديثة لهذه المناسبة مثل الرنجة وغيرها، كما لفتت إلى عادات ما زالت موجودة مثل تلوين البيض وأكل الخس والملانة (الحمص) التي تعد رموزاً مهمة للأرض الخضراء الخصبة.