إطلالة على الزمن المفقود

إطلالة على الزمن المفقود

الاثنين - 1 شهر ربيع الأول 1444 هـ - 26 سبتمبر 2022 مـ رقم العدد [ 16008]

حين أُنشِئَت قائمة الخمسين الأفضل في الأعمال الأدبية على مدار التاريخ الحديث والمعاصر، التي شملت أعمالاً للرواد والعمالقة من وليم شكسبير إلى ميغيل دي سيربانتيس إلى تشالز ديكنز... من أنطون تشيخوف إلى فيدور دوستويوفسكي إلى كافكا إلى نجيب محفوظ... جاءت رواية «في البحث عن الزمن المفقود» للكاتب الفرنسي مارسيل بروست - الرواية ذات الأجزاء السبعة، التي تأتي مئوية إتمامها هذا العام 2022 - على رأس القائمة.

المفارقة أننا ونحن نحتفي أدبياً بـ«الزمن المفقود»... أننا نحياه واقعاً بمفهوم أكثر ثقلاً مما أراده الفن والأدب...!

وقفت السيدة كريستين لاغارد، رئيسة صندوق النقد الدولي، قبل عدة سنوات لتستعرض إرهاصات أزمة اقتصادية لاح أفقها... استشرفت ملامح الريبة التي تكتنف حركة الاقتصاد حينها وما قد تفضي إليه من انهيار هيكلي ووظيفي في البنية الاقتصادية العالمية... حذرت بأن العالم بصدد أن يفقد من قدراته عشر سنوات... أرادت أن تضخم لاغارد من وقع الخطر، فحذرت مجازاً من أن العالم بصدد عشرية مترنحة... عشر عجاف... حذرت من أن العالم يخطو نحو «عِقد مفقود».

لا أظن أن السيدة لاغارد ومستمعيها من أساطين السياسة والاقتصاد كانوا يعرفون أنه - وبعد سنوات قليلة - سيكون الواقع أكثر مبالغة من المجاز... وستتجاوز الحقائق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية خيالاً لم يداعب أكثر المبدعين تطرفاً شططاً... وأننا سنكون - وبحق - نطل على «الزمن المفقود».

على أعتاب عقدنا الفريد (٢٠٢٠ - ٢٠٣٠) - مع الاعتذار لابن عبد ربه الأندلسي - وإن تبدت جائحة «الكورونا» هي العنوان الأكثر صخباً وإلحاحاً، فليست هي الحقيقة الأعمق أثراً... وإن بدت هي الدافع والمحرك لتغييرات جذرية اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً... ستبقى ومن دون أن تزيد هامشاً على متن...!

نحن بصدد عقد وكأنه مدرج للتسليم والتسلم بين إنسانيتين... وكأن الإنسانية تخلع عن كاهلها معانيَ وأفهاماً ومصطلحات وأدوات - شكلت واقعها لثلاثمائة سنة - لتبدأ سطوراً أولى في فصل جديد به مفردات اقتصاد جديد وسياسة جديدة، وعي جديد ومجتمع جديد... بِسنة الحياة، جديد أفضل من سابقه ليس على إطلاقه ولكن بنسبية حياتنا.

عالم ستحدد قسماته ثنائية سيكون لها القول الفصل في ولاية عقل أو في تسيد جهل... في عموم عدل أو في تفشي ظلم... في رشادة تعاون أو في شطط صراع... في تأجيج مخاطر أو في ترسيخ سلم وأمن... في انطلاق اقتصاد أو تعثره... في نجاعة سياسة أو إخفاقها... في بقاء سلطة أو زوالها... تلك هي ثنائية «الوباء والذكاء»...!

الوباء... كيف وصلنا إلى هنا... وإلى أين من هنا؟

في عام ٢٠١٥، عشية انحسار وباء «الإيبولا» الفتاك، وقف بيل غيتس - الملياردير ومؤسس شركة «مايكروسوفت» - ليحاضر عن الخطر الداهم الذي سيواجه البشرية في العقود المقبلة.

في مقارنة بين خطر إفناء العالم جراء الحرب النووية، الذي نشأ عليه في صباه... إذ بغيتس يحذر من أن ما سيفني عشرات الملايين من البشر في العقود التي نحياها الآن هو الفيروسات أو الخطر البيولوجي.

تحدث الرجل من موقع خبرته كأحد أهم قادة العمل الخيري في دنيانا، وبعد أن لامس - عن قرب - هول الكارثة الإنسانية التي أحدثها «إيبولا» حين ضرب غرب أفريقيا عام 2014 قبل أن يندثر في 2016.

قال قاطعاً إن ما يلزم أن تتحسب له البشرية خشية فنائها ليس قنبلة نووية بقدر ما هو تفشي وباء قاتل.

ما تعلمه غيتس من تلك المأساة هو أن الوباء لن يصرع البشرية فقط لقوة فتكه، ولكن لحقيقة كون البشرية ليست مستعدة لمجابهته... فبقدر ما نتحسب للحروب وبقدر ما نبني أنظمتنا الدفاعية عسكرياً... تهاونا وتقاعسنا في بناء أنظمة دفاعاتنا الصحية... ولذلك نُصرع أمام انتشار أي وباء.

تأتي الأيام لتصدق كلام غيتس بعد أقل من خمس سنوات... ليواجه العالم أحد أعتى تحديات تاريخنا المعاصر، الذي جاء كاشفاً فاضحاً مدى قصور القدرات الإنسانية - برغم كل الفتح التكنولوجي - عن محاصرة كائن أوهن من أن يصمد أمام قليل من الماء... ولكن له قدرات مذهلة على الانتشار والتراكم والاختراق والفتك...!

ما بين محاضرة غيتس في 2015 ويومنا هذا، خفت صوت العلم أمام أنواء السياسة وصراعات الهيمنة في الدول الأكثر عقلاً وعلماً وانفتاحاً... ولم يؤبه بالعلم بالأساس في الدول الأكثر جهلاً واستبداداً وانغلاقاً...! بقيت البشرية منشغلة أكثر في أثرتها... ولتجد نفسها تائهة ضائعة أمام هجوم من فيروس أثره الاقتصادي والاجتماعي قد يفوق ما خلفته حروب عالمية من دمار.

ولنعرف كيف وصلنا إلى تلك المحنة المظلمة وإلى أين نحن ذاهبون... وبتفصيل وكأنه تحذير جديد أكثر وضوحاً من تحذير غيتس... منذ قرابة العام وقفت خبيرة الأوبئة آلانا شايك لتؤكد أن جائحة فيروس «الكورونا» التي تكاد تعصف بالبشرية الآن... لن تكون الأخيرة...!

قالت آلانا ما قالته ليس من باب التخمين، لكن من باب سرد حقيقة علمية مؤكَدة... إنها اختياراتنا وممارساتنا البشرية هي ما يقذف بنا إلى مسار الهاوية.

إصرار الإنسان على مزاحمة الحياة البرية وهتك عذريتها واقتحام فضاءاتها البيولوجية - كالإجهاز على غابات الأمازون، أو استباحة الكائنات البرية في النظام الغذائي في الصين، والأهم مخالطة البشر في كل هذه الممارسات لسلالات برية لم تُخاَلط من قبل، بكل ما تحمله تلك الكائنات من بكتيريا وفيروسات وميكروبات جديدة بالكلية على العلم الإنساني - هو ما يوردنا المهالك.

إذن... ها نحن هنا... دهمتنا الجائحة... وهكذا وصلنا...!

لم يتوقف غيتس ولا آلانا شايك عند مجرد التحذير الأجوف، ولكن قدم كل منهم رؤاه من واقع خبرة معايشة جوائح سابقة... ومن المستغرب - أو غير المستغرب علماً - أن ما نلدى به العالمان أتى وكأنه متطابق في شأن مواجهة جائحة الوباء في حالٍ وفي تالٍ.

أكدا أن المواجهة الحالية لحصر الوباء أو تقليل من أثر انتشاره هي من باب تقليص خسائر المنهزم وليس من باب الانتصار عليه... أما إذا أردنا النصر على تلك الكوارث البيولوجية - وبمثل أي حرب عرفتها البشرية - يكون الاستعداد للحرب هو جوهر النصر.

مهما بدا فرق القوة المادية لصالح أحد الخصمين... فالمسار الاستراتيجي قبل التكتيكي للحرب هو عنوان النصر أو الهزيمة... حتى وإن كان الخصم هملاً لا يرى بالعين.

أو كما تقول العرب «الرأي والتدبير نصف الظَفَرِ أو جُلُهُ»...!

تحدث العالمان عن مسار استراتيجي للمواجهة أكثر منه لإدارة الأزمة وتجاوزها وكفى... كان عنوان هذا المسار وجوهره هو «العدل»... نعم العدل...!

فحين يكون عصب المواجهة - في حال وفي تال - هو بناء قاعدة نظام صحي عالمي متزن مستطرق بين دول العالم متقدمها ومتخلفها... فقيرها قبل غنيها... ابتداءً بالدول الفقيرة المورد والفقيرة الفكر... فهذا هو «العدل الرعائي والصحي».

وحين يكون قلب المواجهة هو تقليل الفجوات بين النظم التعليمية في العالم لدرء الحد الأدنى من الجهل، ضماناً لجدوى التواصل والتعاون والشراكة بين مجتمعات العالم في مواجهة الأخطار المشتركة... فهذا هو «العدل التعليمي».

وحين تكون الدعوة هي لأولوية جهود البحث والتطوير في مجالي اللقاحات والكشف المبكر عن الفيروسات حتى وإن بقي لتطوير أسلحة الدمار مجالها وبحوثها... فذاك استعادة لحق سُلِبَه البشر حين وجهت جُل مواردهم لخدمة أحلام الهيمنة وجنون السطوة لنفر قليل.

إن الاستثمار في تلك المسارات الاستراتيجية سيجعل العالم بالضرورة أأمن... فقط لأنه بات أعدل.

إذن في تلك الزاوية من الزمن المفقود نحن نطل على عالم منتظر مشدوه... بين رجاء في زوال وترقب لحلول... يتطلع متوجساً لبزوغ الواقع الجديد... ويأمل بحذر لزوال محنة وباء.

أن يتعافى البشر من الداء - بحول الله وحده - لا جديد في ذلك، ولكن الجديد هو شكل الأوطان والعالم بعد الزوال، الذي نستطيع أن نجزم بأن ما بعده لن يكون كما قبله...!

سَمهِ «بعد الزوال» أو «شمس اليوم التالي» أو «عالم ما بعد الوباء»... أياً ما كان الإطار الزمني الذي تشي به تلك العناوين من مستقبل قريب أو بعيد أو أبعد... سيظل هو الأولى بوعينا وحركتنا.

وفي ذلك يأتي سرد واجب في مقالنا القادم عن ثانية الثنائية، وهي عالم الذكاء الاصطناعي... وإرهاصاته الحالة وأثره العميق الذي سيرمي بسهامه الأولى في قلب البشرية - التي عهدناها - في نهايات هذا العقد المفقود...

فَكرُوا تَصحُوا...

- كاتب ومفكر مصري


اختيارات المحرر

فيديو