موسكو تشدد العقوبات على رافضي القتال وتمنح الجنسية للمقاتلين الأجانب

أوكرانيا تخفض مستوى العلاقات مع إيران... وطهران تتوعد بـ«رد مناسب»

اعتقال أحد المحتجين ضد قانون التعبئة في موسكو أمس (أ.ف.ب)
اعتقال أحد المحتجين ضد قانون التعبئة في موسكو أمس (أ.ف.ب)
TT

موسكو تشدد العقوبات على رافضي القتال وتمنح الجنسية للمقاتلين الأجانب

اعتقال أحد المحتجين ضد قانون التعبئة في موسكو أمس (أ.ف.ب)
اعتقال أحد المحتجين ضد قانون التعبئة في موسكو أمس (أ.ف.ب)

وقَّع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، السبت، تعديلات تنص على عقوبة السجن عشرة أعوام بحق العسكريين الذين يرفضون القتال في فترة التعبئة الجزئية التي أعلن عنها قبل أيام. وتنص التعديلات على عقوبات بالسجن بحق الجنود الذين يفرون أو يسلِّمون أنفسهم للعدو «من دون إذن»، أو يرفضون القتال، أو يعصون الأوامر في مرحلة التعبئة. وتأتي هذه التعديلات التشريعية بعدما قررت روسيا هذا الأسبوع تعبئة جزئية لعناصر الاحتياط، بهدف القتال في أوكرانيا؛ حيث تعرضت القوات الروسية لهزائم في الأسابيع الأخيرة. وأثار قرار التعبئة الذي يشمل حسب السلطات 300 ألف شخص، قلق عدد كبير من الروس، واختار بعضهم مغادرة البلاد.
وفي وقت تسعى فيه موسكو بكل السبل إلى تجنيد مزيد من العناصر للقتال في أوكرانيا، وقَّع بوتين السبت أيضاً قانوناً يسهل منح الجنسية الروسية للأجانب الذين يقاتلون في صفوف الجيش. ونص هذا القانون الذي صدر أيضاً في الجريدة الرسمية على أن الأجانب الذين ينضمون إلى الجيش لفترة لا تقل عن عام، يمكنهم طلب الحصول على الجنسية، من دون أن يضطروا إلى إثبات إقامتهم على الأراضي الروسية لخمسة أعوام. ويبدو أن هذا الإجراء يتوجه خصوصاً إلى المهاجرين المتحدرين من الجمهوريات السوفياتية السابقة في آسيا الوسطى، الذين يمارسون في المدن الكبيرة، على غرار موسكو، مهناً شاقة جداً. وقبل أن يوقع بوتين القانون، دعت قرغيزستان وأوزبكستان هذا الأسبوع مواطنيهما إلى عدم المشاركة في أي نزاع.
وذكر نشطاء حقوقيون أنه تم اعتقال عدة أشخاص في روسيا خلال احتجاجات جديدة، رداً على تعبئة جنود الاحتياط للقتال في أوكرانيا. وأظهرت صور ومقاطع فيديو، نشرتها وسائل إعلام مستقلة، متظاهرين في خاباروفسك ونوفوسيبيرسك وأركوتسك وتومسك وتشيتا وسيبيريا، يتم اقتيادهم من قبل الشرطة. وذكرت تقارير أن أشخاصاً كانوا يرفعون لافتات كُتبت عليها شعارات، مثل: «لسنا لحوماً».

ونُظمت مظاهرات أمس السبت في العاصمة موسكو، وفي مدينة سان بطرسبرغ. وكانت احتجاجات قد اندلعت بمختلف أنحاء البلاد، في أعقاب أوامر من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتعبئة جنود الاحتياط، بعد حوالي سبعة أشهر من بدء الحرب في أوكرانيا. ووقعت أولى الاحتجاجات في يوم الإعلان نفسه، وطبقاً لبوابة الحقوق المدنية «أو في دي» فقد تم اعتقال أكثر من 1400 شخص.
وأعلنت وزارة الدفاع الروسية في بيان أصدرته أمس السبت، إقالة ديمتري بولغاكوف نائب وزير الدفاع الروسي من منصبه. وعزت الوزارة في بيانها هذه الخطوة بشكل رسمي إلى نقل بولغاكوف إلى «منصب آخر». وسيخلف بولغاكوف في منصبه ميخائيل ميزينتسيف الذي كان يرأس حتى الآن مركز إدارة الدفاع الوطني، وسيشرف ميزينتسيف في منصبه الجديد بشكل خاص على لوجستيات الجيش. وأظهرت المكاسب الأخيرة التي حققها الجيش الأوكراني في هجوم مضاد عيوباً لوجستية مهمة لدى الروس، ويرى محللون أن الخدمات اللوجستية هي الحلقة الضعيفة في الجيش الروسي.
يذكر أن ميزينتسيف معروف في الخارج أيضاً؛ حيث إنه مسؤول عن الهجمات الخطيرة التي وقعت على مدينة ماريوبول الساحلية في جنوب أوكرانيا التي استولى عليها الروس في نهاية مايو (أيار) الماضي. وحسب الجانب الأوكراني، فقد قُتِل آلاف المدنيين أثناء حصار المدينة الذي استغرق أسابيع، كما دُمِّر جزء كبير من المدينة. وكانت بريطانيا قد أدرجت ميزينتسيف على قائمة عقوبات، بوصفه «جزار ماريوبول».
في سياق متصل، كتب ميخائيلو بودولاك، مستشار الرئيس الأوكراني في تغريدة باللغة الإنجليزية، أمس السبت، أن إيران تدعم روسيا «من خلال تقديم طائرات مُسيَّرة حديثة إلى دولة رجعية لقتل الأوكرانيين». وكان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قد وصف تزويد موسكو بطائرات مُسيَّرة إيرانية، بأنها خطوة «تواطؤ مع الشر». وقررت أوكرانيا الجمعة سحب اعتماد سفير إيران، وكذلك تقليص عدد الموظفين الدبلوماسيين في السفارة الإيرانية في كييف بشكل كبير، بسبب إمداد طهران القوات الروسية بطائرات مُسيَّرة. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية أمس السبت، إن طهران تخطط لاتخاذ «الرد المناسب» إزاء قرار أوكرانيا خفض العلاقات معها. وأضاف المتحدث باسم الوزارة ناصر كنعاني، أن أوكرانيا يجب أن «تكف عن الخضوع لتأثير أطراف ثالثة تسعى لتدمير العلاقات بين البلدين». وقال كنعاني -كما نقلت عنه «رويترز»- إن قرار أوكرانيا «استند إلى تقارير غير مؤكدة، ونتج عن ضجة إعلامية من قبل أطراف أجنبية». ولم يشر كنعاني مباشرة إلى الطائرات المُسيَّرة.
ونفت إيران في السابق تزويد روسيا بطائرات مُسيَّرة؛ لكن صحيفة «كيهان» اليومية المحافظة، قالت السبت إن إيران باعت «مئات الطائرات المُسيَّرة المسلحة». وقالت الصحيفة التي يختص الزعيم الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي بتعيين رئيس تحريرها: «على مدار الفترة الماضية، كانت الطائرات المُسيَّرة الإيرانية تنفذ عمليات في سماء أوكرانيا ضد حلف شمال الأطلسي».
وقالت السلطات العسكرية في جنوب أوكرانيا، أمس السبت، إنها أسقطت ما لا يقل عن سبع طائرات مُسيَّرة إيرانية، من بينها ست طائرات من طراز «شاهد-136» (الانتحارية)، فوق البحر، بالقرب من ميناءي أوديسا وبيفديني، الجمعة. وأفادت القيادة العسكرية الجنوبية بأن الطائرات شملت -لأول مرة في أوكرانيا- طراز «مهاجر-6»، وهي طائرة مُسيَّرة إيرانية أكبر حجماً.
ومع تقدم القوات الأوكرانية على الجبهة الشمالية الشرقية، قال الجيش البريطاني، أمس السبت، إن روسيا قصفت سد بشينهي على نهر سيفيرسكي دونتس في شمال شرقي أوكرانيا، مستخدمة صواريخ باليستية قصيرة المدى أو أسلحة مماثلة. وذكرت وزارة الدفاع في نشرة المخابرات اليومية أن الهجوم وقع في يومي 21 و22 سبتمبر (أيلول)، في أعقاب هجوم سابق استهدف سد كاراشونيفسكي على نهر كريفي ريه في وسط أوكرانيا في 15 سبتمبر، مضيفة أن القوات الأوكرانية تتقدم في اتجاه مصب النهرين. وقالت الوزارة على «تويتر» إن القادة الروس ربما كانوا يحاولون قصف بوابات السد لإغراق نقاط عبور عسكرية أوكرانية.


مقالات ذات صلة

مقتل 7 وإصابة العشرات في هجوم روسي كبير على أوكرانيا 

أوروبا مضادات جوية أوكرانية تتصدى لمسيّرات روسية فوق كييف  (أ.ف.ب)

مقتل 7 وإصابة العشرات في هجوم روسي كبير على أوكرانيا 

أدى هجوم كبير شنته روسيا على أوكرانيا خلال الليل إلى مقتل ​سبعة أشخاص وإصابة العشرات، إذ أطلقت موسكو أكثر من 660 من الطائرات المسيرة والصواريخ 

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا جنود في الجيش الأوكراني (أ.ب)

إقالة قائد عسكري أوكراني ترك جنوده يتضورون جوعاً على الجبهة

أعلنت أوكرانيا، الجمعة، إقالة قائد وحدة عسكرية بعد انتشار صور لجنود يعانون من الهزال إثر تركهم يتضورون جوعا لأشهر على الجبهة بدون إمدادات كافية من الطعام.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أفراد من الشرطة الروسية (أ.ف.ب)

روسيا: إحباط مخطط لتفجير يستهدف مسؤولين في قطاع الاتصالات

أعلنت روسيا أنها أحبطت مخطّطاً لتفجير كان يستهدف مسؤولين في هيئة تنظيم الاتصالات الحكومية، في وقت يتصاعد الاستياء داخل البلاد جراء القيود المفروضة على الإنترنت.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا أسرى أوكرانيون لدى الإفراج عنهم من روسيا (الرئيس الأوكراني عبر منصة إكس)

روسيا وأوكرانيا تعلنان تبادل 193 أسير حرب من كل جانب

أعلنت موسكو وكييف، الجمعة، تبادل 193 أسير حرب من كل جانب، وأوضح الجيش الروسي أن الإمارات والولايات المتحدة توسّطتا في عملية التبادل الجديدة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكدًا أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...