إيطاليا اليوم أمام الفصل الأخير من صعود اليمين المتطرف إلى السلطة

قلق جديد للأوروبيين في زمن المواجهة المفتوحة مع موسكو

جورجيا ميلوني وسيلفيو برلوسكوني وماتيو سافليني في المهرجان الانتخابي الأخير في روما، 22 سبتمبر (أيلول) الحالي (أ.ب)
جورجيا ميلوني وسيلفيو برلوسكوني وماتيو سافليني في المهرجان الانتخابي الأخير في روما، 22 سبتمبر (أيلول) الحالي (أ.ب)
TT

إيطاليا اليوم أمام الفصل الأخير من صعود اليمين المتطرف إلى السلطة

جورجيا ميلوني وسيلفيو برلوسكوني وماتيو سافليني في المهرجان الانتخابي الأخير في روما، 22 سبتمبر (أيلول) الحالي (أ.ب)
جورجيا ميلوني وسيلفيو برلوسكوني وماتيو سافليني في المهرجان الانتخابي الأخير في روما، 22 سبتمبر (أيلول) الحالي (أ.ب)

يذهب الإيطاليون اليوم إلى الانتخابات العامة وسط اهتمام أوروبي غير مسبوق بنتائجها التي ترجح كل الاستطلاعات بأنها ستكون لصالح الائتلاف اليميني المتطرف الذي يقوده حزب «إخوان إيطاليا»، وعدم اكتراث داخلي أمام هذا الاستحقاق الذي يتكرر بوتيرة قياسية منذ سبعين عاماً تعاقبت خلالها على إيطاليا 67 حكومة من غير أن تعدل قيراطاً واحداً في النزعة المتأصلة لدى طبقتها السياسية للمكائد والوقوف دائماً على شفا الهاوية.
لا يتوقف الإيطاليون كثيراً عند التحذيرات المتداولة في الأوساط الأوروبية من وصول فلول الفاشيين وحلفائهم من اليمين المتطرف إلى الحكم، لأن هؤلاء سبق وشاركوا في الحكومات الأربع التي رأسها سيلفيو برلوسكوني، وفي الحكومتين الائتلافيتين بين «حركة النجوم الخمس» وحزب «الرابطة». لكنهم لم يصلوا أبداً إلى رأس السلطة التنفيذية كما هو متوقع غداً عندما تتوج النتائج النهائية جيورجيا ميلوني، الطالعة من صفوف الحركة الفاشية، كأول رئيسة للحكومة في تاريخ إيطاليا.
لكن القلق الذي يسود الأوساط الأوروبية منذ السقوط المفاجئ لحكومة ماريو دراغي مطلع الصيف الماضي، له ما يكفي ويزيد من مبررات على الجبهات السياسية والاقتصادية، رغم الجهود التي بذلتها ميلوني في الأسابيع الأخيرة للتطمين والتهدئة والتخفيف من حدة خطابها الناري، الذي رفع شعبية حزبها من 4 في المائة في انتخابات عام 2018 إلى 25 في المائة، إذا صحت التوقعات التي ترجح فوز الائتلاف اليميني بما يزيد عن 60 في المائة من أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب.
يتزامن الوصول المتوقع لليمين المتطرف إلى الحكم في إيطاليا مع وصول حزب «النازيين الجدد» إلى السلطة في السويد، التي تعد من أكثر الدول اعتدالاً في أوروبا، ومع احتدام الصدام بين المفوضية الأوروبية والمجر حول الامتثال لقواعد المشروع الأوروبي، واحترام المبادئ والقيم الأساسية التي يقوم عليها. ولم تتردد ميلوني خلال الأسابيع الأخيرة في تكرار دعمها لرئيس الحكومة المجرية، وحليفها السياسي الأول في أوروبا، فكتور أوروبان، مؤكدة وجوب احترام نتائج الانتخابات الديمقراطية التي جددت ولايته للمرة الثالثة، ورافضة القرار الأوروبي حرمان المجر من المساعدات المالية، ومشددة مرة أخرى على موقفها المعروف، وملخصه «أن سياسة المؤسسات الأوروبية خاضعة للنقاش، والأولوية للمصالح الوطنية».
المسؤولون الأوروبيون، الذين يحرصون كثيراً على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، لا يخفون قلقهم من وقوع إيطاليا في قبضة اليمين المتطرف في هذه المرحلة من الإصلاحات المهمة المطروحة أمام المشروع الأوروبي وطرائق عمله، والمواجهة المفتوحة مع موسكو التي تسعى لتحريك بيادقها داخل الاتحاد الأوروبي لضرب وحدة الموقف من العقوبات والمساعدات العسكرية لأوكرانيا.
هذا القلق المتنامي على وقع التصعيد الأخير في الموقف الروسي، هو الذي دفع المستشار الألماني أولاف شولز إلى التصريح مؤخراً بأن فوز ميلوني سوف يأخذ إيطاليا في الاتجاه الخطأ، وبرئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين، إلى الشطط والخروج عن الرصانة الدبلوماسية عندما قالت منذ يومين «سنرى ما ستسفر عنه نتائج الانتخابات في إيطاليا، بعد الانتخابات الأخيرة في السويد. إن موقفنا يقوم على الاستعداد للعمل مع أي حكومة ديمقراطية مستعدة للعمل معنا... أما إذا سارت الأمور في الاتجاه الصعب، وكانت لنا تجارب سابقاً مع بولندا والمجر، فلدينا الأدوات اللازمة».
كانت فرنسا أيضاً ألمحت إلى خشيتها من اصطفاف إيطاليا بجانب المحور البولندي - المجري، وفقدان المحور الألماني - الفرنسي حليفاً مهماً مثل إيطاليا.
المخاوف الأكثر إلحاحاً بالنسبة للشركاء الأوروبيين مصدرها الموقف الذي يمكن أن تتخذه الحكومة الجديدة في إيطاليا من المواجهة مع موسكو، رغم التصريحات المتكررة التي صدرت عن ميلوني مؤكدة دعمها للموقف الغربي الموحد من العقوبات والمساعدات العسكرية. فالحليف الأقوى لميلوني، ماتيو سالفيني الذي ينتظر أن يتولى منصب نائب رئيس الحكومة، ينادي منذ فترة بإنهاء العقوبات الأوروبية المفروضة على موسكو، التي أعلن رئيس الوزراء المجري فكتور أوروبان مؤخراً أنه يتطلع إلى إلغائها في موعد لا يتجاوز نهاية السنة الحالية، في وقت كان وزراء خارجية الاتحاد قرروا منذ يومين في نيويورك إعداد حزمة جديدة منها.
وما زاد من هذه المخاوف التصريحات التي أدلى بها يوم الخميس الماضي الحليف الآخر لميلوني، سيلفيو برلوسكوني، الذي قال إن العملية العسكرية الخاصة التي قامت بها القوات الروسية، كانت تقضي بالوصول إلى كييف في غضون أسبوع واستبدال حكومة زيلنسكي بأخرى من أشخاص صالحين، والعودة إلى قواعدها بعد أسبوع، مضيفاً: «لكنها واجهت مقاومة غير متوقعة تعززت بفضل إمدادات بكل أنواع الأسلحة من الغرب». ولم تنفع التوضيحات اللاحقة التي صدرت عن حزب برلوسكوني مؤكدة تأييده للموقف الغربي، ولا تصريحات ميلوني التي أحالت إلى تلك التوضيحات، بتهدئة خواطر الشركاء الأوروبيين الذين يخشون خروج روما عن وحدة الصف الأوروبي مع وصول الحكومة الجديدة.
لكن مصادر رفيعة في المفوضية الأوروبية، تحدثت إليها «الشرق الأوسط»، تعتقد أن الحكومة الإيطالية الجديدة لن تجنح نحو المواجهة الصدامية مع بروكسل على غرار ما حصل مع بولندا والمجر، لأن ميلوني أدركت أن المصالح الحيوية لإيطاليا مرتبطة عضوياً بالمشروع الأوروبي الذي شكل خشبة الخلاص لها في كل الأزمات الاقتصادية الماضية، التي تنتظر أن يمدها اليوم بمساعدات تزيد عن 200 مليار يورو للنهوض من تداعيات الجائحة، وضخ النشاط في شرايين الاقتصاد الراكد منذ سنوات، على أبواب أزمة اقتصادية واجتماعية تنذر بشتاء عاصف في البلد الذي يزيد دينه العام عن 150 في المائة من إجمالي ناتجه القومي.
وتتوقع هذه الأوساط أن تستمر ميلوني في خطابها التقليدي ضد الهجرة غير الشرعية والإجهاض والحريات الجنسية، والمناداة بالدفاع عن المصالح الوطنية، وتقاسم الأعباء بين الشركاء الأوروبيين، لكنها ستسعى إلى الحفاظ على علاقات بناءة ومثمرة مع المؤسسات الأوروبية.
ترجيحات استطلاعات الرأي الأخيرة
ترجح آخر استطلاعات الرأي أن ينال الائتلاف اليميني، الذي يضم أحزاب «إخوان إيطاليا» و«الرابطة» و«فورزا إيطاليا»، ثلثي المقاعد تقريباً في مجلسي الشيوخ والنواب. لكن في الوقت نفسه، قد يكون عدد الأصوات التي تحصل عليها الأحزاب والقوى اليسارية مجتمعة، أكبر من الأصوات الإجمالية لأحزاب اليمين الثلاثة التي تخوض الانتخابات متحالفة للمرة الأولى.
السبب في ذلك هو أن القانون الانتخابي الإيطالي، وهو صيغة هجينة بين نظام الأغلبية والنظام النسبي، «يكافئ» التحالفات التي تتشكل قبل الانتخابات، حيث إن 37 في المائة من المقاعد تعطى على أساس قاعدة الأغلبية الجغرافية التي تقوم على انتخاب مرشح واحد هو الذي يجمع أكبر عدد من الأصوات. وتفيد آخر التقديرات بأن الائتلاف اليميني قد يحصل على 90 في المائة من هذه المقاعد التي يبلغ عددها 147.
تجدر الإشارة إلى أن أحزاب اليسار، كعادتها في إيطاليا، تخوض هذه الانتخابات في تحالفات صغيرة وضيقة، لا بل أحياناً منشطرة على ذاتها داخل الحزب الواحد. يذكر أن إيطاليا غيرت قانونها الانتخابي خمس مرات في العقود الثلاثة المنصرمة، ومن المرجح أن يبادر الائتلاف اليميني، في حال الفوز، إلى تعديل القانون الحالي، كما دعا في برنامجه الانتخابي الذي يتضمن أيضاً اقتراحاً بانتخاب رئيس الجمهورية مباشرة من الشعب ومنحه صلاحيات واسعة على غرار النظام الرئاسي الفرنسي.


مقالات ذات صلة

برلين: اعتقالات جديدة في قضية «محاولة الانقلاب»

العالم برلين: اعتقالات جديدة في قضية «محاولة الانقلاب»

برلين: اعتقالات جديدة في قضية «محاولة الانقلاب»

حدد ممثلو ادعاء ألمان هويات خمسة مشتبه بهم آخرين، لهم صلة بحركة «مواطني الرايخ» اليمينية المتطرفة، في أعقاب مداهمات وقعت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. ووفق وكالة الأنباء الألمانية، قالت متحدثة باسم مكتب المدعي العام الاتحادي، في كارلسروه، إن مداهمات جرت اليوم الأربعاء واستهدفت خمسة مشتبه بهم من بافاريا وساكسونيا السفلى وساكسونيا وسويسرا، حيث يشتبه أنهم يدعمون منظمة إرهابية. بالإضافة إلى ذلك، تم تفتيش منازل 14 آخرين، لا ينظر إليهم على أنهم مشتبه بهم. وأجريت عمليات تفتيش للمنازل أيضا في سويسرا.

«الشرق الأوسط» (برلين)
العالم مظاهرة ضد السياسي السويدي الذي أحرق القرآن خارج سفارة السويد في أنقرة أمس (أ.ف.ب)

استنكار واسع لإحراق نسخة من المصحف في استوكهولم

تسبب قيام سياسي دنماركي سويدي متطرف بإحراق نسخة من القرآن الكريم خلال احتجاج أمام مبنى السفارة التركية في ستوكهولم، بمزيد من العقبات في طريق حصول السويد على موافقة تركيا على طلب انضمامها إلى عضوية حلف شمال الأطلسي (الناتو)؛ إذ ردّت أنقرة بإلغاء زيارة كانت مقررة لوزير الدفاع السويدي في 27 يناير (كانون الثاني) الحالي إليها، لبحث موقف تركيا من مسألة الانضمام، وذلك بعد أن ألغت تركيا زيارة رئيس البرلمان السويدي، بسبب فعالية لأنصار حزب «العمال الكردستاني» أهانوا فيها الرئيس رجب طيب إردوغان. وأعربت المملكة العربية السعودية عن إدانتها واستنكارها الشديدين لسماح السلطات السويدية بإحراق نسخة من المصحف ال

العالم مظاهرة ضد السياسي السويدي الذي أحرق القرآن خارج سفارة السويد في أنقرة أمس (أ.ف.ب)

تنديد بإحراق القرآن الكريم أمام سفارة تركيا في استوكهولم

أضاف قيام سياسي دنماركي سويدي متطرف بإحراق نسخة من القرآن الكريم أمام مبنى السفارة التركية في استوكهولم، مزيداً من العقبات في طريق حصول السويد على موافقة تركيا على طلب انضمامها إلى عضوية حلف شمال الأطلسي (الناتو)؛ إذ ردت أنقرة بإلغاء زيارة كانت مقررة لوزير الدفاع السويدي في 27 يناير (كانون الثاني) الحالي إليها، لبحث موقف تركيا من مسألة الانضمام، وذلك بعد أن ألغت تركيا زيارة رئيس البرلمان السويدي، بسبب فعالية لأنصار حزب «العمال الكردستاني» أهانوا فيها الرئيس رجب طيب إردوغان. ونددت وزارة الخارجية التركية، بشدة، بسماح السلطات السويدية لرئيس حزب «الخط المتشدد» الدنماركي اليميني المتطرف راسموس بالو

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
العالم السعودية تدين سماح السويد لمتطرف بحرق المصحف

السعودية تدين سماح السويد لمتطرف بحرق المصحف

أعربت المملكة العربية السعودية عن إدانتها واستنكارها الشديدين لسماح السلطات السويدية لأحد المتطرفين بإحراق نسخة من المصحف الشريف أمام سفارة تركيا في استوكهولم. وأكدت وزارة الخارجية السعودية في بيان أمس موقف بلادها الثابت الداعي إلى أهمية نشر قيم الحوار والتسامح والتعايش، ونبذ الكراهية والتطرف. كما أدانت منظمة التعاون الإسلامي بأشد العبارات العمل الدنيء الذي أقدم عليه نشطاء من اليمين المتطرف بحرق نسخة من القرآن الكريم في استوكهولم، وبترخيص من السلطات السويدية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا خلال حديثه اليوم مع الصحافيين في برازيليا (د.ب.أ)

لولا يؤكد أن أبواب القصر الرئاسي شُرّعت أمام المتظاهرين من الداخل

أكد الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا اليوم (الخميس) اقتناعه بأن المتظاهرين الذين اقتحموا القصر الرئاسي في برازيليا الأحد، تلقوا مساعدة من الداخل، معلناً عملية «تدقيق عميقة» بالموظفين. ووفق وكالة الصحافة الفرنسية، قال الزعيم اليساري خلال مأدبة الفطور الأولى مع الصحافيين منذ تنصيبه في الأول من يناير (كانون الثاني): «أنا مقتنع بأن أبواب قصر بلانالتو فتحت ليتمكن الناس من الدخول لأنه لم يتم خلع أي باب». وأوضح: «هذا يعني أن أحدهم سهل دخولهم إلى هنا».

«الشرق الأوسط» (برازيليا)

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...