هل نواجه الكائنات «الغازيَة» بتحويلها إلى غذاء؟

خسائرها بمئات مليارات الدولارات سنوياً

صيادون فلسطينيون قرب أحد شواطئ جنوب غزة (أ.ف.ب)
صيادون فلسطينيون قرب أحد شواطئ جنوب غزة (أ.ف.ب)
TT

هل نواجه الكائنات «الغازيَة» بتحويلها إلى غذاء؟

صيادون فلسطينيون قرب أحد شواطئ جنوب غزة (أ.ف.ب)
صيادون فلسطينيون قرب أحد شواطئ جنوب غزة (أ.ف.ب)

وثّق العلماء خلال السنوات القليلة الماضية نزوح آلاف الأنواع من الكائنات الحية، بعيداً عن خط الاستواء، وصعوداً باتجاه أعالي الجبال، وغوصاً نحو أعماق البحار. فعلى محيط الدائرة القطبية الشمالية، انتشرت الشجيرات ذات الأوراق المتساقطة، مثل الصفصاف وبعض أنواع البلوط، في مناطق السهول المنخفضة (التندرا). وفي شرق البحر المتوسط، استوطنت الأسماك المعروفة بالببغاء والأرنب غابات أعشاب البحر. وقبالة شواطئ تكساس، وجدت بعض أنواع المرجان القادمة من البحر الكاريبي في الجنوب موئلاً لها.
ومن المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه نتيجة الاحترار العالمي؛ حيث تسعى الأنواع الحية التي تعتمد عليها المجتمعات لتعزيز قيمها الاقتصادية والثقافية والترفيهية، إلى تغيير نطاقها الحيوي للبقاء على قيد الحياة. ويعتبر علماء الأحياء انتقال الأنواع إلى موائل جديدة غزوات محتملة لأنواع غريبة لها القدرة على تهديد النظم الإيكولوجية المحلية والأنواع المقيمة سلفاً. ويستتبع ذلك وضع نهج حماية للأنواع الأصيلة، ونهج ترصُّد ومراقبة للأنواع الغريبة يصل إلى حد مكافحتها عند إخلالها بالتوازن البيئي.
- خسائر بمئات المليارات
لا يُعطي تصنيف الأنواع الحية إلى أصيلة أو غريبة تصوراً واضحاً عن التفاعلات التي قد تنشأ بين الأحياء وأثرها الاقتصادي والبيئي. فالموطن الأصلي للقمح مثلاً هو الشرق الأوسط؛ لكن زراعته تنتشر الآن في أغلب أرجاء العالم، وبينما الموطن الأصلي للطماطم هو أميركا الجنوبية، فقد انتقلت كنوع غريب إلى أوروبا ثم إلى بلدان العالم القديم.
وتوجد في بيولوجيا الغزو «قاعدة العشرات» التي تنص على أن 10 في المائة فقط من الأنواع الغريبة تستقر في موائل جديدة، وأن 10 في المائة فقط من تلك الأنواع قد تسبب ضرراً غير مرغوب فيه، أكان للاقتصاد أو النظام البيئي أو صحة الإنسان. وعلى الرغم من هذه النسب المنخفضة، تُقدّر الخسائر الاقتصادية الناتجة عن الأنواع الغازية بالمليارات سنوياً. وتشير دراسة أعدّها علماء فرنسيون إلى أن خسائر العالم خلال السنوات بين 1970 و2017 بسبب الأنواع الغازيَة كانت نحو 1.3 تريليون دولار، وبمعدل وسطي يبلغ 26.8 مليار دولار سنوياً.
ويُخفي هذا المعدّل اتجاهاً مثيراً للقلق؛ إذ إن الخسائر السنوية كانت تتضاعف بمقدار 3 مرات في كل عقد، وبلغت الكلفة السنوية للأنواع الغازية 162.7 مليار دولار في عام 2017، وهو العام الأخير للبيانات التي لحظها الباحثون في دراستهم التي صدرت أخيراً.
وتجد دراسة أخرى أعدّها باحثون في جامعة جنوب فلوريدا، ونُشرت مطلع هذه السنة، أن الكلفة السنوية للأنواع الغازية في الولايات المتحدة قفزت من ملياري دولار في ستينات القرن الماضي إلى نحو 21 مليار دولار خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. وتخلص دراسة ثالثة، صدرت منتصف هذه السنة في دورية «نيوبيوتا»، إلى أن الخسائر الناتجة عن الأنواع الغازية في أوروبا بلغت 23.58 مليار دولار في 2013، وارتفعت إلى نحو 140 مليار دولار في 2020.
ويعلل كثيرون هذه الزيادة المطردة بتغيُّر المناخ العالمي، واتساع حركة النقل العالمية، ونشوء ممرات للأنواع الحية بين النظم البيئية التي كانت منفصلة. وتساهم الأنشطة البشرية عموماً في انتشار الأنواع الغازية، وغالباً ما يحمل الناس أثناء سفرهم أنواعاً حية غير مرغوب فيها. ويمكن أن تتسلل الحشرات في ألواح الخشب والصناديق التي يتم شحنها حول العالم، وتستطيع بذور بعض أنواع نباتات الزينة الانتقال من المنازل إلى البرية لتصبح غازية، كما أن بعض الأنواع الغازية هي حيوانات أليفة جرى إطلاقها عمداً أو عرضاً في الطبيعة.
وتسبب الأنواع الغازية ضرراً للحياة البرية بعدة طرق. وتفتقر بعض الأنظمة البيئية إلى مفترسات طبيعية تستطيع مواجهة الأنواع الجديدة والعدوانية الغريبة، أو ضوابط تحول دون تكاثرها وانتشارها بسرعة وسيطرتها على المنطقة. وقد لا تكون الحياة البرية الأصلية طوّرت بعد دفاعات ضد الغزاة، أو أنها لا تستطيع منافسة الأنواع التي ليست لديها مفترسات طبيعية.
وتشمل التهديدات المباشرة للأنواع الغازية افتراس الأنواع المحلية، والتغلُّب على الأنواع المحلية للحصول على الغذاء أو الموارد الأخرى، والتسبب في المرض أو نقله، ومنع الأنواع المحلية من التكاثر، أو قتل صغار الأنواع المحلية. ويمكن للأنواع الغازية تغيير شبكة الغذاء في النظام البيئي عن طريق تدمير أو استبدال مصادر الغذاء المحلية. وقد تغيِّر الأنواع الغازية وفرة أو تنوُّع الأنواع التي تعتبر موطناً مهماً للحياة البرية أو المائية المحلية.
- القضاء على الغزاة بالتهامهم
بمجرد ظهور الأنواع الغازية وانتشارها، تصبح السيطرة عليها صعبة ومكلفة للغاية. ولذلك فإن أفضل الطرق للتعامل مع الأنواع الغازية هي إنشاء آليات فعّالة لمنع إدخالها في المقام الأول، وإقامة أنظمة مراقبة للكشف عن الإصابات الجديدة، والتحرك بسرعة للقضاء على الغزاة الذين يجري اكتشافهم مبكراً.
وتنطوي الطرق التقليدية في القضاء على الأنواع الغازية بالسموم والمبيدات على مخاطر كبيرة على البيئة والأنواع الحية الأصيلة. بينما يُبدي حماة البيئة مخاوفهم من تقنيات الهندسة الوراثية التي تتيح إنتاج أجيال عقيمة من الأنواع الغازية، أو من خلال زيادة أعداد الذكور بشكل كبير مقارنة بأعداد الإناث. ويبدو التعديل الوراثي واعداً لمواجهة الأنواع الغازية في الجُزُر التي توفّر ظروف احتواء مناسبة، كما في إمكانية القضاء على البعوض الغازي في جُزُر هاواي، أو للسيطرة على القوارض في الجُزُر التي استوطنها البشر حديثاً.
من الخيارات الأخرى لمواجهة الأنواع الغازية هو التهامها، وهو اتجاه عرفته البشرية منذ زمن طويل كما في حالة التغذّي على أسراب الجراد في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قبل استخدام المبيدات. ومن العلماء المعاصرين الذين روّجوا فن الطهو كأداة لمكافحة الغزو كان جو رومان، أستاذ الحفاظ على البيئة في جامعة فيرمونت الذي عرض وجهة نظره قائلاً: «إذا كان بإمكاننا اصطياد الأنواع المحلية حتى الانقراض، كما فعلنا منذ دهور، فلماذا لا نسلّط شهيتنا النهمة ضد الغزاة؟».
وقد تبنّت الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي في الولايات المتحدة خيار التهام الغزاة؛ حيث أطلقت عام 2010 حملة «تغذّوا على دجاجة البحر» لمواجهة انتشار الأسماك الغازية في خليج المكسيك والكاريبي، لا سيما سمكة دجاجة البحر التي تعرف أيضاً باسم سمكة الأسد.
وتُعتبر سمكة دجاجة البحر واحدة من بين أنواع خطيرة عدّة غزت البحر المتوسط، قادمة من المحيط الهندي عبر قناة السويس. ويغطي جسم السمكة مجموعة من الأشواك السامّة، وهي سمكة مفترسة وشرهة، وتُعتبر من الأنواع التنافسية، وتسبب عديداً من المشكلات للنظام البيئي المحلي وحيوانات المنطقة الأصلية. ومنذ سنوات قليلة، بدأ الصيادون في لبنان وسوريا في اصطياد هذه السمكة وتقديمها وجبة شهية يتطلب تحضيرها بعض الحذر.
ومن الأسماك الغازية الأخرى في البحر المتوسط التي يمكن تناولها بحذر، سمكة القط الثعباني المخطط، وسمكة البطاطا (السيجان) نظراً لاحتوائها على غدد سامّة تتطلب الحيطة عند صيدها وتحضيرها. بينما تصنّف أسماك البالون ضمن الأنواع السامّة الغازية التي يُمنع عرضها للبيع في الأسواق، نظراً لسمّيتها الشديدة.
ومن أنواع المياه العذبة الغازية سمكة الكارب التي تُعرف بأسماء محلية مختلفة، كالمبروك والشبوط والناصري والبحري. وينافس الكارب الأسماك المحلية على العوالق والحشائش، فيقلل من أعدادها، كما يتّصف بقدرته العالية على البقاء في الظروف القاسية مقارنة بغيره من الأنواع، كما في حالات انخفاض الأوكسجين وارتفاع الملوّثات. ويُستهلك الكارب كأحد أنواع الأسماك المنخفضة الثمن، ولكن يجب تحاشي تناوله عند تكاثره ضمن الأوساط الملوّثة.
وفي عالم النبات، كانت شجيرة القبّار إلى وقت قريب بمثابة نوعٍ غازٍ في سوريا؛ حيث أخذت تنتشر في الأراضي الزراعية شبه الجافة، وبدأت تفرض نفسها نوعاً دائم الخضرة مقاوماً لظروف المناخ القاسية. والقبّار نبات بري شائك، يصل قطر أغصانه إلى المترين وتصعب إزالته. ونتيجة الطلب العالمي على براعمه الزهرية كصنف من المقبّلات، تحوّل هذا النوع الغازي إلى نبات اقتصادي. ويبلغ ثمن الكيلوغرام الواحد من براعم القبّار محلياً نحو 3 دولارات، ويجري تخزينها بالماء المملح تمهيداً لتصديرها إلى أوروبا.
حول العالم، توجد عشرات الأنواع الغازية التي يمكن التغذّي عليها، مثل سرطان الشاطئ الآسيوي، وروبيان النمر الآسيوي، ونبتة البقلة (الرجلة)، وسمك السلور الأزرق، والهندباء البرية (الطرخشقون)، وسمك البياض النيلي، وغيرها. ولكن هل التهام المشكلة هو حل كامل لها؟
يجادل علماء في أن ترويج التغذي على الأنواع الغازية قد لا يمثل مقاربة سليمة لحل المشكلة لأسباب مختلفة، أهمها هو أن إنشاء سوق للأنواع الغازية يمثّل حافزاً لحمايتها من أجل الحفاظ على السوق، وقد يدفع ذلك لنشر الغازي لزيادة الأرباح. في سوريا على سبيل المثال، بدأ بعض المزارعين منذ سنتين في إكثار شجيرة القبّار في أراضيهم وإحلالها بديلاً عن أشجار أصيلة كالزيتون واللوز.
إن الترويج لحل لم يتم اختباره في ظل الغياب التام للأدلة على فعاليته، والفوائد الاقتصادية الواعدة دون اعتبار للتكلفة المحتملة، يقود المجتمع للاعتقاد بأن حلاً سريعاً سيكون موجوداً لأي غازٍ. ولذلك يجب تثقيف المجتمع حول طرق إدارة الأنواع الغازية، وعدم الاكتفاء بالحلول «غير الناضجة».


مقالات ذات صلة

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

بيئة سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي ومعهد «بيركلي إيرث» الأميركي، الأربعاء، أن 2025 كان ثالث أحرّ الأعوام المسجلة على مستوى العالم.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق أطفال يمرون بجوار مبنى منهار في ماندالاي بعد 5 أيام من وقوع زلزال كبير ضرب وسط ميانمار (أ.ف.ب)

الوضع لا يزال «مقلقاً»... تراجع خسائر الكوارث في 2025 وسط استمرار المخاوف

انخفضت خسائر الكوارث الطبيعية في جميع أنحاء العالم بشكل حاد إلى 224 مليار دولار في عام 2025، وفق ما أعلنت شركة إعادة التأمين «ميونيخ ري».

«الشرق الأوسط» (برلين)
العالم طفل فلسطيني يصرخ بانتظار الحصول على الطعام من مطبخ خيري وسط أزمة الجوع في مدينة غزة (رويترز)

برنامج الأغذية العالمي: 318 مليون شخص في العالم يواجهون مستويات جوع خطيرة

قال برنامج الأغذية العالمي إن 318 مليون شخص في أنحاء العالم يواجهون مستويات جوع خطيرة أو أسوأ، محذراً من تفاقم انعدام الأمن الغذائي نتيجة النزاعات وتغير المناخ.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوقع قراراً تنفيذياً في البيت الأبيض (رويترز)

الأمم المتحدة: انسحاب أميركا من المنظمات الدولية «خطأ فادح»

عدّت الأمم المتحدة قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن انسحاب الولايات المتحدة من عشرات المنظمات الدولية بما فيها معاهدة باريس لتغير المناخ «خطأً فادحاً».

علي بردى (واشنطن)
علوم مشروعات هندسية لحجب الشمس... احتمالات غير آمنة

جدال علمي حول مشروعات حجب الشمس

رش الهباء الجوي العاكس في طبقة الستراتوسفير قد يغير الدورة الجوية الطبيعية ===


السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
TT

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)

تستضيف السعودية خلال الربع الأخير من العام الحالي أعمال «القمة العالمية الأولى للشعب المرجانية»؛ تأكيداً لريادتها الدولية في مجال حماية النظم البيئية البحرية، وإبراز مكانتها المتقدمة في قيادة الجهود الدولية لمواجهة التحديات البيئية حول العالم.

وأعلنت عن استضافة القمة الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان السفيرة السعودية لدى الولايات المتحدة، خلال فعاليات «البيت السعودي» المنعقدة على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.

من جانبه، أكّد المهندس عبد الرحمن الفضلي وزير البيئة والمياه والزراعة السعودي، أن هذه الاستضافة تُجسّد جهود بلاده محلياً ودولياً في حماية وحفظ النظم البيئية البحرية، عبر تبنّي أفضل البرامج والتقنيات المبتكرة، والممارسات العالمية؛ للإسهام في تحقيق مستهدفات التنمية المُستدامة، من خلال إعادة تأهيل الشُعب المرجانية، واستعادة التوازن البيئي، وتحسين جودة الحياة.

بدوره، أوضح الدكتور خالد الأصفهاني، الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة المحافظة على الشعب المرجانية والسلاحف في البحر الأحمر»، أن أعمال القمة ستركز على 3 محاور رئيسية، هي السياسات، والبحث العلمي، والتمويل، منوهاً بأنها تسعى لطرح إطار عملي وموجّه للسياسات والتشريعات، يُمكّن من تحقيق الاستدامة المالية للشعب المرجانية والأنظمة البحرية المرتبطة بها، مع رسم مسار واضح للانتقال من الحوار إلى التنفيذ.

وأضاف الأصفهاني أن القمة تهدف أيضاً إلى إبراز الشعب المرجانية كأصول اقتصادية ضمن استراتيجيات الاقتصاد الأزرق، واستحداث آليات تمويل مستدامة وقابلة للتوسع، كذلك إشراك القادة وصنّاع ومتخذي القرار؛ لتطوير نماذج استثمارية قابلة للتنفيذ عبر السياسات والتشريعات، وإنشاء مسار تعبئة دولي منظم يقود إلى مخرجات ملموسة وقابلة للقياس.

وتتولى السعودية تنظيم هذه القمة العالمية، من خلال المؤسسة، وذلك بصفتها رئيساً للمبادرة الدولية للشعاب المرجانية (ICRI)، التي تضم في عضويتها 45 دولة، ما يعكس الثقة الدولية في دور المملكة القيادي في حماية الشعب المرجانية حول العالم.


2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
TT

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي ومعهد «بيركلي إيرث» الأميركي، الأربعاء، أن 2025 كان ثالث أحرّ الأعوام المسجلة على مستوى العالم، متوقعاً أن يبقى 2026 عند مستويات مرتفعة تاريخياً.

وأشار مرصد «كوبرنيكوس» في تقريره السنوي إلى أن درجات الحرارة العالمية لا تزال منذ ثلاث سنوات عند مستويات لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري، إذ تجاوز معدل درجات الحرارة خلال هذه الفترة مستويات ما قبل الثورة الصناعية (1850-1900) بمقدار 1,5 درجة مئوية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي سياق منفصل، قال علماء من معهد «بيركلي إيرث» في الولايات المتحدة إن «الارتفاع الحاد المسجل بين عامي 2023 و2025 كان استثنائياً، ويشير إلى تسارع وتيرة الاحترار المناخي».

وأقرّ العديد من علماء المناخ والقادة السياسيين، بالإضافة إلى الأمم المتحدة، علناً منذ العام الماضي بأن الاحترار سيتواصل بمعدل 1,5 درجة مئوية، وهو الحد الذي طمحت اتفاقية باريس الموقعة عام 2015 إلى عدم تجاوزه.

ومع بلوغ هذه العتبة منذ ثلاث سنوات، يرجّح برنامج «كوبرنيكوس» أن يتم الإعلان رسمياً عن تجاوز الحد المستدام بحلول نهاية هذا العقد، أي قبل أكثر من عقد من الموعد المتوقع أساساً.

ويثير هذا التسارع قلقاً متزايداً نظراً لأن الولايات المتحدة، ثاني أكبر مصدر لانبعاثات غازات الدفيئة، تتخلى عن التعاون المناخي العالمي في عهد رئيسها دونالد ترمب.

صورة أرشيفية من طوكيو عاصمة اليابان لأشخاص يحملون الشماسي للوقاية من حرارة الشمس (أ.ف.ب)

منحى مشابه في 2026

في الوقت نفسه، تفقد الجهود المبذولة للجم انبعاثات غازات الدفيئة زخمها في الدول الغنية. ففي فرنسا وألمانيا، تراجعت جهود خفض الانبعاثات مجدداً في عام 2025، وفي الولايات المتحدة، تسبب التوسع الكبير في محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم في زيادة البصمة الكربونية للبلاد مرة أخرى، ما بدّد سنوات من التقدم.

وقال رئيس وحدة «كوبرنيكوس»، ماورو فاكيني، في مؤتمر صحافي: «الحاجة إلى العمل المناخي باتت ملحّة أكثر من أي وقت مضى».

ولا توجد أي مؤشرات على أن عام 2026 سيخالف الاتجاه المسجل في السنوات الأخيرة.

وتوقعت نائبة مدير قسم تغير المناخ في «كوبرنيكوس»، سامانثا بورغيس، أن يكون عام 2026 من بين أحرّ خمسة أعوام مسجلة على الإطلاق، وقد يكون مماثلاً لعام 2025.

ويتوقع علماء المناخ في «بيركلي إيرث» أيضاً أن يكون 2026 «على الأرجح مشابهاً لعام 2025، مع ترجيح أن يكون رابع أحرّ عام منذ عام 1850».

وفي حال حدوث ظاهرة «إل نينيو» وما يصاحبها من ارتفاع في درجات الحرارة، «قد يجعل ذلك 2026 عاماً قياسياً»، وفق ما أوضح مدير قسم تغير المناخ في المرصد، كارلو بونتيمبو، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

لكن «سواء كان ذلك في عام 2026 أو 2027 أو 2028، فالأمر لا يهم حقاً. المسار واضح جداً»، حسب بونتيمو.

سكان يراقبون حريقاً كبيراً يقترب من كونغوستا بإسبانيا (رويترز - أرشيفية)

معدلات قياسية في آسيا وأنتركتيكا

عام 2025، فاق معدل درجات حرارة سطح الأرض والمحيطات بـ1,47 درجة مئوية مستويات ما قبل الثورة الصناعية، بعد أن سجل معدل حرارة قياسياً تخطى تلك المستويات بـ1,60 درجة مئوية عام 2024.

ويخفي هذا المتوسط العالمي درجات حرارة قياسية في مناطق معينة، لا سيما في آسيا الوسطى والقارة القطبية الجنوبية ومنطقة الساحل، وفق تحليلات أجرتها «وكالة الصحافة الفرنسية» باستخدام بيانات يومية من الخدمة الأوروبية.

وبذلك، شهد 770 مليون شخص موجات حر قياسية في بلدانهم، حسب حسابات معهد «بيركلي إيرث».

والأربعاء، أفادت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة، بأنّ اثنتين من مجموعات البيانات الثماني التي حلّلتها أظهرتا أنّ عام 2025 كان ثاني أكثر السنوات حراً، ولكن المجموعات الأخرى صنّفته في المرتبة الثالثة.

وقدّرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية متوسط الاحترار للفترة 2023-2025 عند 1,48 درجة مئوية، مع هامش خطأ يبلغ زائد أو ناقص 0,13 درجة.

وقالت الأمينة العامة للمنظمة، سيليست سولو، في بيان، إنّه على الرغم من ظاهرة التبريد المناخي «لا نينيا»، فإنّ عام 2025 «يبقى أكثر الأعوام حراً على الإطلاق على مستوى العالم بسبب تراكم الغازات الدفيئة في غلافنا الجوي».

في الوقت نفسه، لم تُسجل أي درجات حرارة منخفضة قياسية في عام 2025، وفق المعهد الأميركي.

شهد عام 2025 العديد من الظواهر الجوية المتطرفة، من موجات حرّ وأعاصير وعواصف عاتية في أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية، إلى حرائق غابات مدمرة في إسبانيا وكندا وكاليفورنيا، تفاقمت حدتها أو تواترها بفعل الاحترار العالمي.

وتلعب التقلبات الطبيعية دوراً في الاحترار؛ فعلى سبيل المثال، كانت ظاهرة التبريد المعروفة باسم «لا نينيا» ضعيفة نسبياً في العام الماضي.

لكن كبير العلماء في مركز «بيركلي إيرث»، روبرت رود، يُبدي قلقه إزاء عوامل أخرى غير متوقعة تُفاقم الاحترار، حتى وإن كان ذلك بمقدار أجزاء من عشرة أو من مائة من الدرجة على المستوى العالمي.

وعلى وجه الخصوص، كان للقواعد الدولية التي خفضت محتوى الكبريت في زيت وقود السفن منذ عام 2020 أثر غير مقصود، تمثل في المساهمة في الاحترار من خلال خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت. ففي السابق، كانت هذه الجسيمات العالقة تتسبب في نشوء سحب صافية تعكس ضوء الشمس، ما يُساهم في تبريد الأرض.


المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
TT

المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)

أفاد فريق من العلماء من مختلف أنحاء العالم، الجمعة، بأن المحيطات امتصت كمية قياسية من الحرارة عام 2025، مما زاد من احتمال ارتفاع مستوى البحار وحدوث عواصف عنيفة وموت الشعاب المرجانية.

وقد ارتفعت الحرارة المتراكمة في المحيطات، العام الفائت، بنحو 23 زيتا غول، أي ما يعادل استهلاك الطاقة الأولية العالمية لأربعة عقود تقريباً.

وذكر الباحثون أن هذه النتيجة التي نُشرت في مجلة «أدفانسيس إن أتموسفيريك ساينسز» Advances in Atmospheric Sciences، تُعدّ أعلى قراءة سنوية منذ بدء تسجيل البيانات الحديثة في أوائل خمسينات القرن الماضي.

ولإجراء هذه الحسابات، استخدم أكثر من 50 عالماً من 31 مؤسسة بحثية مصادر متعددة، من بينها مجموعة كبيرة من الروبوتات العائمة التي ترصد تغيرات المحيطات حتى عمق 2000 متر، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

مؤشر أدق

وقالت المشاركة في إعداد الدراسة، كارينا فون شوكمان، إن النظر إلى أعماق المحيطات بدلاً من تقلبات سطحها، يقدّم مؤشراً أدق إلى كيفية استجابة المحيطات للضغط المستمر الناتج من انبعاثات البشر.

تُعدّ المحيطات عاملاً أساسياً في تنظيم مناخ الأرض؛ إذ تمتص 90 في المائة من الحرارة الزائدة في الغلاف الجوي الناتجة عن انبعاثات غازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون.

تحمل هذه الطاقة الإضافية تأثيراً كبيراً، فارتفاع درجة حرارة المحيطات يزيد من رطوبة الغلاف الجوي، مما يُوفّر عوامل للأعاصير المدارية والأمطار الغزيرة.

ويسهم احترار المحيطات بشكل مباشر في ارتفاع مستوى البحار؛ إذ تتمدد المياه عند ارتفاع درجة الحرارة، مما يجعل الظروف صعبة جداً للشعاب المرجانية الاستوائية التي تموت خلال موجات الحر البحرية الطويلة.

وقالت شوكمان: «إذا تواصل تراكم الحرارة في الأرض، فستستمر حرارة المحيطات في الارتفاع، وسيرتفع مستوى البحار، وستُسجَّل أرقام قياسية جديدة».

وتيرة أسرع

وترتفع درجة حرارة المحيطات في بعض المناطق بوتيرة أسرع من غيرها.

وكانت المحيطات الاستوائية، وجنوب المحيط الأطلسي، والبحر الأبيض المتوسط، وشمال المحيط الهندي، والمحيط الجنوبي من بين المسطحات المائية التي امتصت كميات قياسية من الحرارة سنة 2025.

وقد سُجّل ذلك رغم انخفاض متوسط درجات حرارة سطح البحر بشكل طفيف سنة 2025، غير أنه ظل ثالث أعلى رقم مسجّل على الإطلاق.

ويُعزى هذا الانخفاض إلى التحوّل من ظاهرة «إل نينيو» القوية التي أدت إلى ارتفاع درجة الحرارة في 2023 - 2024، إلى ظروف شبيهة بظاهرة «لا نينا» التي عادة ما ترتبط بتبريد مؤقت لسطح المحيطات.

وعلى المدى البعيد، يتسارع معدل ارتفاع درجة حرارة المحيطات نتيجة الزيادة المستمرة في تركيزات غازات الدفيئة في الغلاف الجوي، والتي تُعزى أساساً إلى حرق الوقود الأحفوري.