أغزر المياه المتدفقة على كوكب الأرض... أنهار في السماء

أغزر المياه المتدفقة على كوكب الأرض... أنهار في السماء

الأحد - 29 صفر 1444 هـ - 25 سبتمبر 2022 مـ رقم العدد [ 16007]
لقطة جوية لإعصار «فيونا» في جزيرة برمودا شرق الولايات المتحدة (أ.ف.ب)

عند الحديث عن الغلاف الجوي، يتجه التفكير إلى الغازات مثل النيتروجين والأوكسيجين والهواء الذي نتنفسه. ولكن الغلاف الجوي يحتوي على أنهار كاملة من الماء أيضاً. هذه «الأنهار الجويّة» هي أحزمة طويلة ودافقة تحمل بخار الماء، ويمكن أن يبلغ طولها عدة آلاف من الكيلومترات، وعرضها بضع مئات من الكيلومترات، ويصل عمقها إلى 5 كيلومترات.

وتوصف الأنهار الجوية على أنها أكبر أنهار المياه العذبة على كوكب الأرض، حيث يمكن لنهر منها أن يحمل تدفقات من المياه تفوق ما ينقله نهر الأمازون، أكثر الأنهار تدفقاً على اليابسة. وفي أي وقت، يتواجد في الغلاف الجوي ما بين 3 إلى 5 أنهار، وقد ازدادت شدّتها خلال القرن الماضي بسبب تغيُّر المناخ.

- مصدر لإمدادات المياه

تعرّف مقالة، نُشرت في يناير (كانون الثاني) 2019 في دورية رسائل الأبحاث الجيوفيزيائية، الأنهار الجوية على أنها «أعمدة طويلة ومتعرجة من بخار الماء تنشأ غالباً فوق المحيطات الاستوائية، وتجلب هطولات مستديمة وغزيرة إلى السواحل الغربية لأميركا الشمالية وشمال أوروبا».

وفيما تسير الأنهار على الأرض مع الجاذبية نحو الأدنى، تتدفق الأنهار الجوية في اتجاه الهواء الذي تحرّكه أنظمة الطقس. وبشكل عام، تحمل الأنهار الجوية الماء من الهواء الدافئ الرطب في المناطق الاستوائية، وتسقطه إلى الأرض في المناطق الأكثر برودة على شكل هطولات مطرية أو ثلجية غزيرة.

ويلتقط أحد الأنهار الجوية، المعروف باسم نهر الأناناس السريع (Pineapple Express)، الهواء الدافئ الرطب بالقرب من هاواي. وعندما يضرب اليابسة غرب الولايات المتحدة وكندا، يتسبب في تساقط أمطار غزيرة وثلوج، وقد يتجاوز معدل الهطول المطري لهذا النهر في كاليفورنيا 125 ميلليمتراً في يوم واحد.وتُعتبر الأنهار الجوية شائعة إلى حدٍ ما في فصل الشتاء في غرب الولايات المتحدة. وخلال الفترة من أكتوبر (تشرين الأول) 2018 إلى آذار (مارس) 2019 كان هناك 47 نهراً جوياً، تم تصنيف 12 منها قوياً أو شديداً. ويتسبب عدد قليل من الأنهار الجوية كل سنة بحدوث نصف معدل الهطول المطري على الساحل الغربي للولايات المتحدة.

وفيما تمثّل هذه الأنهار مصدراً مهماً للمياه العذبة على الساحل الغربي وعاملاً مفيداً في منع حرائق الغابات الموسمية، يمكن أن تؤدي هطولاتها الغزيرة، التي قد تستمر عدة أيام، في حدوث فيضانات وانزلاقات طينية وكوارث أخرى. وتبلغ أضرار الأنهار الجوية في الولايات المتحدة وحدها نحو 1.1 مليار دولار سنوياً، وفقاً لدراسة أجراها معهد سكريبس لعلوم المحيطات في جامعة كاليفورنيا.

وتترافق الأنهار الجوية في حالات كثيرة مع ظواهر هطول الأمطار الشديدة التي ينتج عنها فيضانات عنيفة في العديد من مناطق خطوط العرض الوسطى والساحلية الغربية من العالم، بما في ذلك الساحل الغربي لأميركا الشمالية والساحل الغربي لشمال أفريقيا وشبه الجزيرة الإيبيرية وإيران ونيوزيلندا. وقد ارتبط غياب الأنهار الجوية بحدوث حالات الجفاف في عدة أجزاء من العالم، بما فيها جنوب أفريقيا وإسبانيا والبرتغال.

ولا ينتج عن أغلب الأنهار الجوية أضرار ذات شأن، إذ إنّ معظمها عبارة عن أنظمة ضعيفة توفّر غالباً أمطاراً وثلوجاً ضرورية لإمدادات المياه. وتُعتبر هذه الأنهار سمة رئيسية في دورة المياه العالمية، حيث تحمل نحو 90 في المائة من بخار الماء العالمي في أي يوم من الأيام. كما ترتبط ارتباطاً وثيقاً بكل من إمدادات المياه ومخاطر الفيضانات، وهي تسهم في نحو 22 في المائة من إجمالي الجريان السطحي العالمي.

وفي حين توفّر الأنهار الجوية كميات كبيرة من الأمطار، تسهم أيضاً في الزيادات المفيدة في الكتلة الثلجية. وكانت سلسلة من الأنهار الجوية تسببت في عواصف عنيفة ضربت الساحل الغربي للولايات المتحدة من غرب واشنطن إلى جنوب كاليفورنيا في شتاء 2010. ونتج عنها هطولات تجاوزت 600 ميلليمتر في بعض المناطق خلال أقل من أسبوعين (من 10 إلى 22 ديسمبر (كانون الأول)، وساهمت في تساقط الثلوج على جبال سييرا، التي تلقّت 75 في المائة من ثلوجها السنوية خلال هذه الفترة.

- نهر جوي في الشرق الأوسط

وفيما تُظهر مجموعة كبيرة من الأبحاث تأثيرات الأنهار الجوية على الكوارث الطبيعية المرتبطة بالطقس في غرب الولايات المتحدة وأوروبا، لا يُعرف الكثير عن آلياتها ومساهمتها في الفيضانات ضمن منطقة الشرق الأوسط. ومع ذلك جرى تحديد نهر نادر في الغلاف الجوي كان مسؤولاً عن فيضانات شهر مارس (آذار) 2019 في إيران، التي ألحقت أضراراً بثلثي البنى التحتية للبلاد وتسببت في مقتل 76 شخصاً.

ويشير تحليل هذا النهر الجوي، الذي أُطلق عليه اسم دينا، إلى أنّ رحلته بدأت غرباً على بعد 9 آلاف كيلومتر في المحيط الأطلسي، وسافر عبر شمال أفريقيا قبل وصوله إلى جبال زاغروس. وساعدت الظروف الجوية الاستثنائية، بما في ذلك التيارات النفّاثة المدارية وحرارة سطح البحر الدافئة، في تشكيل هذا النهر.

وكان النقل المائي بواسطة نهر دينا الجوي يتجاوز 150 ضعف مجموع التدفق الإجمالي للأنهار الرئيسية الأربعة في المنطقة، دجلة والفرات وكارون والكرخة. وجعلت أمطار نهر دينا معدل الهطول المطري عام 2019 الأعلى خلال نصف قرن، في تناقض حاد مع الموسم السابق الذي كان الأكثر جفافاً خلال الفترة ذاتها.

ويراقب العلماء الأنهار الجوية لإدارة حالات الطوارئ وقضايا إمداد المياه. ويلتقط القمر الاصطناعي «غوز وست» (GOES West) صوراً ومعلومات عنها كل 5 دقائق، تتضمن كمية الرطوبة التي تحملها ومسارها في الغلاف الجوي. وتساعد هذه المعطيات خبراء الأرصاد الجوية في وضع تقديرات دقيقة حول الأمطار الغزيرة والفيضانات الومضية التي قد تتسبب بها قبل 5 أو 7 أيام، مما يعزز قدرة المجتمعات على مواجهة العواصف والبقاء بأمان.

ويؤدي تغيُّر المناخ الناتج عن النشاط البشري إلى زيادة شدّة العديد من الظواهر الجوية المتطرفة، والأنهار الجوية ليست استثناءً. وكانت الأبحاث التي أجراها علماء في هيئة المسح الجيولوجي الأميركية وجدت أنه على مدار الأعوام السبعين الماضية كان نمط زيادة نقل بخار الماء إلى الساحل الغربي في الولايات المتحدة مرتبطاً باحترار سطح المحيط. ولا تتوقع الأبحاث أن تصبح أنهار الغلاف الجوي أكثر تواتراً، لكن هطول الأمطار في كاليفورنيا سيكون أكثر تقلباً مع تركيز المزيد من المياه في عدد أقل من الأنهار الجوية العالية الكثافة.

يمكن لعواصف الأنهار الجوية أن تتسبب بالكثير من الأضرار، ومن المحتمل أن يكون هناك المزيد منها في المستقبل. ولكن، على عكس الزلازل أو الحرائق، يملك العلماء الأدوات التي تساعد في التنبؤ بتوقيت وقوة الأنهار الجوية قبل عدة أيام، مما يسمح باتخاذ الاستعدادات الكافية لمواجهة الحالات الطارئة. وعلى المدى الطويل، يمكن أن تسهم دراسة الأنهار الجوية في زيادة الوعي حول عوامل تشكُّل العواصف الكبرى وتؤدي إلى تطوير بنى تحتية تحدّ من مخاطرها المدمّرة.


العالم تغير المناخ

اختيارات المحرر

فيديو