مركبة فضائية تستعد للاصطدام بكويكب لتحويل مساره

رسم تخيلي للمركبة الفضائية دارت قبل اصطدامها بالكويكب بسرعة 23 ألف كيلومتر في الساعة (أ.ف.ب)
رسم تخيلي للمركبة الفضائية دارت قبل اصطدامها بالكويكب بسرعة 23 ألف كيلومتر في الساعة (أ.ف.ب)
TT

مركبة فضائية تستعد للاصطدام بكويكب لتحويل مساره

رسم تخيلي للمركبة الفضائية دارت قبل اصطدامها بالكويكب بسرعة 23 ألف كيلومتر في الساعة (أ.ف.ب)
رسم تخيلي للمركبة الفضائية دارت قبل اصطدامها بالكويكب بسرعة 23 ألف كيلومتر في الساعة (أ.ف.ب)

ستحاول وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) الاثنين القيام بإنجاز لم تشهد البشرية مثيلاً له من قبل، وهو صدم مركبة فضائية عمدا بكويكب لتحويل مساره، في اختبار رئيسي لقدرة البشرية على منع الأجسام الكونية من تدمير الحياة على الأرض.
وأطلقت المركبة الفضائية «دابل أسترويد ريدايركشن تست» (دارت) من كاليفورنيا في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي وهي تقترب بسرعة من هدفها الذي ستضربه بسرعة 23 ألف كيلومتر. أما حجمها فأصغر من حجم سيارة فيما يبلغ قطرها نحو 160 مترا. ولا داعي للهلع. فلا الكويكب ديمورفوس ولا الكويكب الأكبر الذي يدور حوله ديديموس يشكلان أي تهديد لأنهما يدوران حول الشمس على مسافة نحو سبعة ملايين ميل من الأرض في أقرب نقطة. لكن وكالة «ناسا» اعتبرت أن من المهم تنفيذ هذه المهمة قبل أن تكون الحاجة إليها فعلية.
وقال المسؤول في قسم الدفاع الكوكبي في «ناسا» ليندلي جونسون للصحافيين «إنها لحظة مثيرة ليس للوكالة فحسب بل أيضاً لتاريخ الفضاء وتاريخ البشرية» طبقا لتقرير وكالة الصحافة الفرنسية. وإذا سار كل شيء وفق المخطط، فإن من المتوقع أن يحدث الاصطدام بين المركبة الفضائية والكويكب عند الساعة 19:14 بالتوقيت الشرقي (23:14 ت غ) ويمكن متابعته عبر البث المباشر لـ«ناسا». ومن خلال الاصطدام بديمورفوس، تأمل «ناسا» في دفعه إلى مدار أصغر حيث توفر عشر دقائق من الوقت الذي يستغرقه للالتفاف حول ديديموس والذي يبلغ حاليا 11 ساعة و55 دقيقة، وهو تغيير سيكتشف بواسطة تلسكوبات أرضية في الأيام التالية.
وهذه التجربة ستجعل ما جرب في السابق فقط في الخيال العلمي خصوصاً في أفلام مثل «أرماغيدن» و«دونت لوك اب»، حقيقة.
ومن أجل ضرب هذا الهدف الصغير، ستتوجه المركبة بشكل مستقل خلال الساعات الأربع الأخيرة من الرحلة، مثل صاروخ موجه ذاتيا. وستلتقط كاميرتها المسماة «دراكو» الصور الأولى للكويكب الذي لا يعرف شكله بعد (دائري أو مستطيل...) في اللحظة الأخيرة. بمعدل صورة في الثانية، ستكون من الممكن رؤيته مباشرة على الأرض مع تأخير حوالي 45 ثانية فقط. وبعد دقائق، سيمر قمر اصطناعي بحجم علبة أحذية يسمى LICIACube وانفصل عن «دارت» قبل أسبوعين، قرب الموقع لالتقاط صور الاصطدام والمواد المقذوفة -الصخور المسحوقة التي ألقيت بفعل الاصطدام.
وسترسل صورLICIACube في الأسابيع والأشهر التالية.
كذلك، ستراقب هذا الحدث مجموعة من التلسكوبات، على الأرض وفي الفضاء، من بينها «جيمس ويب»، وقد تكون قادرة على رؤية سحابة غبار مضيئة.


مقالات ذات صلة

«ناسا» تخصص 20 مليار دولار لبناء قاعدة قمرية… وتعلّق خطط محطتها المدارية

يوميات الشرق صاروخ نظام الإطلاق الفضائي التابع لـ«ناسا» لبعثة «أرتيميس 2» والمركبة الفضائية «أوريون» يظهران عند شروق الشمس في فلوريدا (أ.ف.ب)

«ناسا» تخصص 20 مليار دولار لبناء قاعدة قمرية… وتعلّق خطط محطتها المدارية

أعلن رئيس «ناسا»، اليوم الثلاثاء، أن وكالة الفضاء الأميركية ستستثمر 20 مليار دولار لتطوير قاعدة على سطح القمر، مع تعليق خططها لإنشاء محطتها المدارية القمرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر

أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

سترسل وكالة الطيران والفضاء الاميركية ناسا، أربعة رواد فضاء في مهمة أرتميس 2 في رحلة تستغرق 10 أيام حول القمر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ كبسولة «أوريون» جزء من مهمة «أرتميس 2» التابعة لوكالة «ناسا» في فلوريدا (إ.ب.أ)

«ناسا» تجري تغييرات جذرية في برنامج للهبوط على القمر

أضافت إدارة ‌الطيران والفضاء الأميركية (ناسا) مهمة جديدة إلى برنامجها «أرتميس» الخاص بالقمر، تتضمن اختبار التحام مركبة فضائية في مدار الأرض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)

مشكلات تقنية تحول دول إطلاق «أرتيميس 2» إلى القمر في مارس

أعلن رئيس وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» جاريد آيزكمان، السبت، أن إطلاق مهمة «أرتيميس 2» لن يكون ممكناً في مارس.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم صاروخ «أرتميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود في مركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)

«ناسا» تحدد 6 مارس أقرب موعد لإرسال رواد فضاء في رحلة حول القمر

أعربت وكالة «ناسا» عن التفاؤل، الجمعة، بعد أن كشف اختبار أرضي ثان لمهمتها المتمثلة في إرسال طاقم حول القمر في أقرب وقت ممكن تقدما كبيرا بعد مشاكل تقنية سابقة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

هاني شاكر يغادر «الرعاية المركزة» ويبدأ العلاج الطبيعي

الفنان هاني شاكر يخضع للعلاج في فرنسا (صفحته على «فيسبوك»)
الفنان هاني شاكر يخضع للعلاج في فرنسا (صفحته على «فيسبوك»)
TT

هاني شاكر يغادر «الرعاية المركزة» ويبدأ العلاج الطبيعي

الفنان هاني شاكر يخضع للعلاج في فرنسا (صفحته على «فيسبوك»)
الفنان هاني شاكر يخضع للعلاج في فرنسا (صفحته على «فيسبوك»)

استقرت الحالة الصحية للفنان المصري هاني شاكر، بعد فترة من إقامته في الرعاية المركزة عقب الأزمة الصحية التي تعرض لها، وأعلن نقيب المهن الموسيقية، مصطفى كامل، عن تحسن الحالة الصحية لهاني شاكر، وقال في بيان للنقابة، الأربعاء، إنه يتابع حالة الفنان الكبير باستمرار عبر التواصل مع أسرته.

وأكد البيان الذي أصدره نقيب الموسيقيين أن «هاني شاكر غادر غرفة العناية المركزة في المستشفى الذي يخضع للعلاج فيه بفرنسا، وبدأ مرحلة العلاج الطبيعي، وهو ما عرفه من اتصال مع زوجته السيدة نهلة توفيق».

وعدّ البيان هذه الخطوة مؤشراً إيجابياً على تعافي شاكر من أزمته الصحية، وعبّر نقيب الموسيقيين عن تمنياته بعودته سريعاً إلى مصر واستئناف نشاطه الفني بين جمهوره ومحبيه.

وأكد كامل أن الوسط الفني يترقب عودة هاني شاكر، داعياً له بالشفاء التام والرجوع سالماً إلى أرض الوطن في أقرب وقت.

وعانى هاني شاكر من أزمة صحية عقب عملية جراحية أجراها لاستئصال جزء من القولون بعد إصابته بنزيف حاد، وزاره في المستشفى الذي عولج فيه بالقاهرة وزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، حيث حرص على الاطمئنان عليه وعلى الرعاية المقدمة له، متمنياً له الشفاء العاجل، وتعرّض لمضاعفات بعد العملية وتردد أن حالته ساءت وتعرض لغيبوبة وحظي بدعم كبير من الفنانين ومحبيه من الجمهور، ونفت الفنانة نادية مصطفى، عضوة مجلس نقابة المهن الموسيقية، ما تردد عن سوء حالة هاني شاكر وسقوطه في غيبوبة، وبعد أيام سافر إلى فرنسا لاستكمال العلاج.

هاني شاكر يتعافى من أزمته الصحية (صفحته على «فيسبوك»)

وينتمي هاني شاكر (74 عاماً) إلى جيل غنائي عاصر عبد الحليم حافظ وغنى معه في الكورال، وكذلك محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش، وشارك في فيلم «سيد درويش» من بطولة كرم مطاوع عام 1966 حيث جسد دور سيد درويش وهو طفل، واكتشفه الموسيقار محمد الموجي وقدم له أولى أغانيه.

ويتابع مجلس نقابة المهن الموسيقية برئاسة الفنان مصطفى كامل الحالة الصحية للفنان هاني شاكر، بوصفه أحد أهم رموز الغناء في مصر والعالم العربي، والذي يحظى بمحبة وتقدير كبيرين من جمهوره وزملائه.

وعرف هاني شاكر بلقب «أمير الغناء العربي»، وقدم العديد من الأغاني والألبومات التي شكلت جزءاً من وجدان جيل الثمانينات والتسعينات في مصر والوطن العربي، ومن أعماله الشهيرة «علّي الضحكاية» و«حكاية كل عاشق» و«كده برضه يا قمر» و«الحلم الجميل» و«جرحي أنا».


إسرائيل تخشى «صفقة ناقصة» بين واشنطن وطهران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بالم بيتش بولاية فلوريدا الأميركية يوم 29 ديسمبر 2025 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بالم بيتش بولاية فلوريدا الأميركية يوم 29 ديسمبر 2025 (رويترز)
TT

إسرائيل تخشى «صفقة ناقصة» بين واشنطن وطهران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بالم بيتش بولاية فلوريدا الأميركية يوم 29 ديسمبر 2025 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بالم بيتش بولاية فلوريدا الأميركية يوم 29 ديسمبر 2025 (رويترز)

تبدو الحرب عند مفترق لا يُشبه وقفاً للنار بقدر ما يُشبه اختباراً متبادلاً للإرادات. فالولايات المتحدة أرسلت إلى إيران مقترحاً من 15 نقطة عبر باكستان، مع تداول أسماء تركيا ومصر أيضاً وسطاء أو ممرات رسائل، فيما يواصل الرئيس دونالد ترمب الحديث عن «محادثات بناءة»، وعن أنه يتعامل مع «الأشخاص المناسبين» في طهران.

وتنفي إيران علناً وجود مفاوضات، وتسخر من الخطاب الأميركي، في حين تواصل إسرائيل ضرباتها وتراقب بحذر احتمال أن يفضي هذا الحراك إلى تسوية لا تُحقق أهدافها بالكامل. وفي الخلفية، تتحرك قوات أميركية إضافية إلى المنطقة، بما فيها عناصر من «الفرقة 82» المحمولة جواً، بما يوحي بأن الدبلوماسية الجارية ليست بديلاً عن التصعيد، بل جزء منه.

مخرج أم مصالحة؟

وحسب ما رشح من تفاصيل في الصحافة الأميركية، لا تبدو خطة واشنطن «تسويةً وسطًا» بقدر ما تبدو محاولة لفرض شروط ما بعد الحرب بصيغة تفاوضية. فالمقترح، وفق التقارير، يتضمن إخراج مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، ووقف التخصيب، وكبح برنامج الصواريخ الباليستية، وتقليص دعم الحلفاء الإقليميين. كما تتحدث مصادر أميركية عن قبول إيراني ببعض هذه النقاط، من دون وجود دليل علني يثبت أن جهة إيرانية صاحبةَ قرار قد قدّمت مثل هذا التعهد.

كما أن «أكسيوس» نقلت أن الإسرائيليين أُبلغوا بأن إيران قد تكون وافقت على التخلي عن مخزون يناهز 450 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، وقبول رقابة أممية مشددة، لكن حتى هذا بقي موضع شك داخل إسرائيل نفسها.

هنا تظهر المعضلة الحقيقية: واشنطن لا تعرض مصالحة مع النظام الإيراني، بل «مخرج مشروط» يُحقق لها 3 أهداف دفعة واحدة: خفض تكلفة الحرب على الأسواق، ومنع تحول إغلاق مضيق هرمز إلى فيتو إيراني دائم على التجارة والطاقة، وتثبيت المكاسب العسكرية في ملفي النووي والصواريخ. ولهذا بدا توصيف «نيويورك تايمز» دالاً حين ربط اندفاعة الإدارة نحو الخطة برغبتها في إيجاد مخرج من حرب هزت الاقتصاد العالمي.

أما «وول ستريت جورنال» فذهبت أبعد، فرأت في هذا المشهد «ضبابية دبلوماسية» مقصودة؛ حيث يمد ترمب يده للتفاوض فيما يهيئ اليد الأخرى للضرب.

استعراض للصواريخ الباليستية الإيرانية خلال حفل للقوات المسلحة في طهران خلال أغسطس 2023 (رويترز)

شروط إيرانية لشراء الوقت

في المقابل، لا توحي الرسائل الإيرانية بأن طهران مستعدة لتوقيع استسلام سياسي. فـ«رويترز» تحدثت عن تشدد إيراني يشمل المطالبة بضمانات ضد هجمات مستقبلية، ورفض فرض قيود على البرنامج الصاروخي، فيما تحدثت مصادر أخرى عن مطالب تشمل تعويضات، ورفع العقوبات، وإخراج القوات الأميركية من الخليج، وربط المرور في «هرمز» بترتيبات تتحكم بها إيران.

ونقلت تقارير أميركية أن مسؤولين أميركيين وعرباً وصفوا بعض هذه المطالب بأنها غير واقعية ومفرطة، فيما وصفها مسؤول أميركي بأنها «سخيفة» أو أقرب إلى شروط تعجيزية.

لكن هذه الشروط، مهما بدت قصوى، لا تعني بالضرورة أن إيران أغلقت الباب نهائياً. فهي قد تكون جزءاً من محاولة لرفع سقف التفاوض، أو لتأكيد أن أي حديث عن وقف الحرب يجب أن يبدأ من وقف الضربات والتعويض وطمأنة النظام أنه لن يُستدرج إلى مفاوضات تحت النار ثم يُفاجأ بضربة جديدة.

«أكسيوس» نقلت بوضوح أن مسؤولين إيرانيين يشتبهون في أن ترمب يحاول تهدئة الأسواق وكسب الوقت لخططه العسكرية، عبر الحديث عن تقدم دبلوماسي غير موجود فعلياً، وهو ما يفسر الإصرار الإيراني العلني على النفي، حتى مع الإقرار بتبادل الرسائل عبر وسطاء.

المشكلة الأعمق أن أحداً لا يبدو واثقاً بمن يملك قرار التوقيع داخل طهران. «أكسيوس» و«رويترز» أشارتا إلى فوضى داخلية وصعوبة في الاتصالات داخل النظام، مع غموض يحيط بمدى قدرة أي وسيط، بمن في ذلك رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، على الالتزام باسم مراكز القوة كافة، ولا سيما «الحرس الثوري». وهذا يعني أن جزءاً من الحراك الحالي ليس تفاوضاً على البنود فقط، بل اختبار لمعرفة من بقي قادراً على اتخاذ القرار في إيران بعد أسابيع من الاستنزاف.

لوحة دعائية ضخمة عليها صور لصواريخ إيرانية في طهران (رويترز)

الحذر الإسرائيلي

التحفظ الإسرائيلي ليس على الخطة من حيث المبدأ، بل على احتمال أن يحولها ترمب إلى مخرج سياسي سريع يوقف الحرب قبل استكمال الأهداف الإسرائيلية. فـ«أكسيوس» نقلت عن مصادر إسرائيلية أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يخشى أن يبرم ترمب اتفاقاً يقل كثيراً عن الأهداف الإسرائيلية، ويُقيد حرية إسرائيل في مواصلة الضربات مستقبلاً. كما أن مسؤولين إسرائيليين شككوا أصلاً في أن تكون إيران قدمت فعلاً التنازلات التي تقول واشنطن إنها تلقتها. ووفق «رويترز»، تريد إسرائيل أن يحتفظ أي اتفاق بحقها في شن ضربات استباقية لاحقاً.

هذا التوجس مفهوم لأن الفجوة بين أولويات الطرفين اتسعت. إسرائيل تريد تغييراً استراتيجياً عميقاً، يضمن ألا تستعيد إيران قدرتها على التهديد، في حين يبدو ترمب معنياً أكثر بتثبيت مكاسب الحرب، ومنع انفجار اقتصادي عالمي ينعكس عليه داخلياً، خصوصاً بعد تقلبات النفط والأسواق؛ لذلك فإن ما تراه إسرائيل «تنازلاً خطيراً» قد يراه البيت الأبيض «صفقة عملية» إذا حققت وقف التخصيب مؤقتاً، وفتحت «هرمز»، وخففت الضغط على الأسواق، حتى لو رُحّل جزء من الملفات إلى تفاوض لاحق.

جنود من «الفرقة 82» المحمولة جواً في نورث كارولاينا فبراير 2022 (نيويورك تايمز)

دبلوماسية بغطاء عسكري

إذا كان هناك ما ينسف فكرة أن المنطقة تتجه سريعاً إلى التهدئة، فهو التحشيد العسكري الأميركي المتزامن مع الرسائل السياسية. فالتقارير تتحدث عن توجيه عناصر قيادة من «الفرقة 82» المحمولة جوّاً و«لواء مشاة» من عدة آلاف إلى الشرق الأوسط، بما يوسع هامش الخيارات للعمليات البرية المحتملة، إضافة إلى وحدات من مشاة البحرية في الطريق. ووصفت «وول ستريت جورنال» هذا الأسلوب بأنه «دبلوماسية على طريقة ترمب»: تفاوض تحت النار، مع اقتراب 2200 من مشاة البحرية ثم احتمال لحاق قوة إضافية من المارينز وعناصر من «قيادة 82» المحمولة جواً.

المعنى السياسي واضح: واشنطن تريد أن تقول لطهران إن باب التفاوض مفتوح، لكنه ليس بديلاً عن الاستعداد لمرحلة أشد. وهذا ينسجم أيضاً مع تفضيل الإدارة، وفق «أكسيوس»، التفاوض من دون وقف مؤقت للنار، حفاظاً على الرافعة العسكرية. أي أن الخطة الأميركية ليست عرض سلام كلاسيكياً، بل جزء من معادلة ضغط: وافقوا الآن فيما ما زالت الضربات جارية، وإلا فثمة تصعيد أكبر، ربما يشمل ضرب البنى المدنية للطاقة أو عمليات أكثر تعقيداً في الميدان.

في المحصلة، لا يبدو أن المنطقة تقف على أعتاب سلام وشيك، و«الضبابية الدبلوماسية» ليست وصفاً عابراً، بل جوهر اللحظة نفسها.


هل يكون لبنان الخاسر الكبير بعد وقف النار؟

الدخان يتصاعد جراء اعتراض صاروخ إيراني فوق منطقة ساحل علما في جبل لبنان (رويترز)
الدخان يتصاعد جراء اعتراض صاروخ إيراني فوق منطقة ساحل علما في جبل لبنان (رويترز)
TT

هل يكون لبنان الخاسر الكبير بعد وقف النار؟

الدخان يتصاعد جراء اعتراض صاروخ إيراني فوق منطقة ساحل علما في جبل لبنان (رويترز)
الدخان يتصاعد جراء اعتراض صاروخ إيراني فوق منطقة ساحل علما في جبل لبنان (رويترز)

أعربت مصادر سياسية مطلعة في بيروت عن تخوفها من أن يكون لبنان هو الخاسر الكبير حين تنطفئ نار الحرب المشتعلة حالياً في المنطقة. ولخصت المصادر لـ«الشرق الأوسط» مخاوفها في النقاط الآتية:

واضح أن لبنان يتجه في الوضع الحاضر نحو أزمة مكونات لم يشهد مثيلاً لحدتها في تاريخه الحديث. وتدور الأزمة الحالية حول سلاح «حزب الله» الذي تتمسك الغالبية الشيعية ببقائه، في حين ترى غالبية المكونات الأخرى أن السبيل الوحيد لبقاء لبنان هو تنفيذ قرارات سابقة لمجلس الوزراء بـ«حصر السلاح» تجاوباً مع رغبة الأكثرية اللبنانية والإرادتين العربية والدولية. وتلاحظ غالبية المكونات أن «حزب الله» بادرَ مرة أخرى إلى الانخراط في حرب إقليمية تفوق قدرته على التأثير في مسارها وتنذر بتحميل لبنان أعباء لا قدرة له على احتمالها.

دخان متصاعد من صاروخ إسرائيلي أصاب بلدة زوطر الشرقية في منطقة مرجعيون جنوب لبنان الأربعاء (أ.ف.ب)

تكاليف باهظة

تمتاز الحرب الحالية في المنطقة بأنها حرب مرتفعة التكاليف والخسائر بالنسبة إلى المنخرطين فيها، وكذلك بالنسبة إلى المتضررين من تطاير شظاياها إلى خرائط كانت قد اختارت البقاء بعيدة عن الحرب ومجرياتها.

سيُظهر وقف النار لدى حصوله أن إيران أُصيبت في مؤسساتها الدفاعية والصناعية وبنيتها التحتية بخسائر تفوق كل ما عرفته سابقاً. وقد يكتشف الإيرانيون أن الحرب أعادتهم عقوداً إلى الوراء. لكنَّ إيران بلد كبير ويمتلك إمكانات نفطية وغازية وصاحب تجربة في التعامل مع الأوضاع الاقتصادية الصعبة. وهذا يعني أن إيران قد تكون قادرة على التعامل مع ذيول الحرب ما لم يتصدع النظام تحت وطأة أرقام الخسائر الفادحة.

ستظهر مشاهد ما بعد الحرب أن الصواريخ الإيرانية ألحقت دماراً غير قليل بعدد من المؤسسات الإسرائيلية، وكذلك بالبنية التحتية رغم تمكن دفاعاتها الجوية من اعتراض نسبة عالية من الصواريخ التي استهدفتها. لكن فاتورة اعتراض الصواريخ شديدة الارتفاع اقتصادياً. ومع ذلك تبدو إسرائيل مستعدة لتقبل الخسائر فيما عدّتها «حرباً وجودية». تضاف إلى ذلك طبيعة الاقتصاد الإسرائيلي والمساعدات الأميركية السخية.

مخيم في وسط بيروت للنازحين من المناطق الجنوبية هرباً من القصف الإسرائيلي (أ.ف.ب)

سيكون من الصعب على لبنان التغلب على آثار الحرب. فاقتصاده يعاني أصلاً من حالة تشبه الانهيار. ولا مبالغة في القول إن لبنان سيواجه وضعاً كارثياً. مليون نازح ودمار واسع في المنطقة الحدودية مع إسرائيل التي أعلنت بوضوح عزمها على إقامة «منطقة آمنة» داخل الأراضي اللبنانية، مما يعني عودة الاحتلال إلى أجزاء من لبنان «بانتظار ضمان سلامة سكان الجليل»، كما أعلن المسؤولون الإسرائيليون. وأخطر ما يمكن أن يواجهه لبنان هو أن تستمر الحرب الإسرائيلية على جبهته حتى ولو حدث وقف للنار على جبهة أميركا وإسرائيل مع إيران.

يضاعف من صعوبة مواجهة آثار الحرب أن الشرخ الذي تعمَّق بعد اندلاعها بين المكونات اللبنانية يُنذر بانتقال الصراع إلى الداخل اللبناني، في وقت يبدو فيه أن الدور الذي كان يلعبه رئيس المجلس النيابي نبيه بري، مجمَّد أو معطَّل، أو أن اتساع النزاع أدى بطبيعته إلى تقليص هذا الدور. وأشارت المصادر إلى أن «أزمة السفير الإيراني» الحالية هي مجرد تعبير عن الخلاف العميق بين المكون الشيعي والمكونات الأخرى حول السلاح والحرب وموقع لبنان الإقليمي.

رجل يعبر شارعاً مدمَّراً بعد قصف إسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت الأربعاء (أ.ف.ب)

«استحالة التعايش»

لاحظت المصادر ارتفاع أصوات في الداخل اللبناني تتحدث عن «استحالة التعايش» مجدداً بين «شبه دولة» و«دويلة حزب الله». وأشارت إلى أن الدول التي كانت تبادر بعد أي محنة لبنانية إلى دعم جهود الإعمار، وتحديداً الدول الخليجية، ستكون معنية بالدرجة الأولى بمعالجة الخسائر التي لحقت بها من جراء الاستهداف الإيراني. يضاف إلى ذلك أن هذه الدول كانت قد أعربت في الفترة الماضية عن عدم استعدادها للانخراط في مساعدة لبنان ما لم تقم فيه دولة تحتكر فعلاً قرار الحرب والسلم.

وكررت المصادر الإعراب عن تخوفها من أن يكون لبنان الخاسر الكبير، خصوصاً إذا وسَّعت إسرائيل هجومها البري وتفاقم التباعد بين المكونات اللبنانية وبلغ حد التفكير في إعادة النظر بصيغة التعايش نفسها.