بسبب السلاح الروسي... سباق تسلح صامت في غرب أفريقيا

جنود من «الحركة الوطنية لتحرير أزواد» في مدينة كيدال بمالي 26 أغسطس (أ.ف.ب)
جنود من «الحركة الوطنية لتحرير أزواد» في مدينة كيدال بمالي 26 أغسطس (أ.ف.ب)
TT

بسبب السلاح الروسي... سباق تسلح صامت في غرب أفريقيا

جنود من «الحركة الوطنية لتحرير أزواد» في مدينة كيدال بمالي 26 أغسطس (أ.ف.ب)
جنود من «الحركة الوطنية لتحرير أزواد» في مدينة كيدال بمالي 26 أغسطس (أ.ف.ب)

منذ منتصف القرن العشرين والخوف يدفع الحكومات في غرب أفريقيا إلى اقتناء مزيد من الأسلحة. خوفٌ على المقاعد والمناصب، وخوفٌ من المتمردين والجيران، وحتى الخوف من الشعب. إلا أن السنوات الأخيرة ضاعفت الخوفَ مع صعود الإرهاب، فتضاعفت معه الرغبة لدى هذه الحكومات في اقتناء مزيد من السّلاح، لتصبح المنطقة واحدة من أهم الأسواق التي يتنافسُ عليها تجارُه، وكانت دولة مالي المهددة في وجودها والأكثر خوفاً على مستقبلها، في قلب عاصفة الصراع بين تجار السّلاح ومروجيه.
مالي التي احتل تنظيم «القاعدة» قبل عشر سنوات أجزاء واسعة من أراضيها، وعاشت منذ ذلك الوقت حرباً شرسة لاستعادة الاستقرار دون جدوى، يحكمها اليوم بقوة السّلاح، ضباط أغلبهم من مواليد مطلع ثمانينات القرن الماضي، يصفهم خصومهم بالمغرورين عديمي الخبرة والتجربة، بينما يرى فيهم أنصارهم الأبطالَ الذين امتلكوا شجاعة أخذ زمام المبادرة وطرد المستعمر الفرنسي السابق بعد أن عاد تحت ذريعة «الحرب على الإرهاب».
ولكن هؤلاء الضباط في حقيقة الأمر إنما ألغوا صفقات سلاح كانت ستوقع مع الفرنسيين، وتوجهوا نحو روسيا لعقد شراكة عسكرية وأمنية، مكنتهم خلال عامين فقط من امتلاك تجهيزات عسكرية وأسلحة لم يكن الجيش المالي يحلم بها، مع خدمات خاصة تقدمها مجموعة «فاغنر» الروسية، دون أن تُعرف تفاصيل الصفقة، ولا ما ستدفعه مالي الفقيرة مقابل هذا السّلاح، غير أن موسكو بكل تأكيد ربحتْ موطئ قدم لها في منطقة الساحل وغرب أفريقيا، حيث أصبحت تتمركزُ الحرب العالمية ضد الإرهاب، وحيث سوق الأسلحة النشطة والواعدة.
في منتصف شهر أبريل (نيسان) الماضي، جلس الكولونيل آسيمي غويتا رئيس مالي الانتقالي، كان بالقرب منه وزير دفاعه القوي الكولونيل ساديو كامرا، ليتصدرا احتفالية ضخمة بتسليم مروحيات عسكرية وأسلحة متنوعة مقبلة من موسكو، كان السفير الروسي إيغور غروميكو حاضراً إلى جانبهما، مستمتعاً بشمس باماكو الحارقة، ومزهواً بحجم التقدير الذي يحظى به في مدينة شيّدها الفرنسيون مطلع القرن العشرين، حين كانوا أسياد البلد، اليوم يحتفي الماليون بسفير موسكو بعد أن طردوا سفير باريس، وغادر آخر جندي فرنسي بلادهم.

عسكريون ماليون يتسلمون شحنة أسلحة روسية في 9 أغسطس (إ.ب.أ)

لا يهتم الماليون لدخول قادتهم الجدد في صراع جيو - استراتيجي أكبر من دولتهم الهشة والمهددة، وإنما يعقدون كثيراً من الأمل على السّلاح الروسي، من أجل قلب موازين القوة لصالح جيشهم في حربه ضد تنظيمي «القاعدة» و«داعش» اللذين يسيطران على مناطق من البلاد، ولكن هذا السّلاح من شأنه أن يغير المعادلة في شبه المنطقة، فقد أُشعل سباق تسلح صامت بين جيران مالي، وهم يخشون تكرار السيناريو الليبي، حين سقط سلاح القذافي قبل أكثر من عشر سنواتٍ، في أيدي جماعات إرهابية وإجرامية، أشعلت ليبيا وجيرانها في الساحل الأفريقي، حريق لا يزال مستمراً حتى اليوم، بل إن دائرة لهبه تتسع وتتسع.
> جيش مبادر
الضباط الشبان الذين يحكمون مالي، أعلنوا كثيراً من الوعود منذ البداية، ولكن وعدهم الأكبر كان إعادة بناء الجيش، حتى يكون جيشاً مبادراً وقادراً على الهجوم، بدل الاختباء وانتظار هجمات الإرهابيين ليقوم بعد ذلك بردّةِ فعلٍ باردة وبطيئة، كان شعارهم في ذلك «الصعود القوي»، وتحت ذلك الشعار أبرموا اتفاقياتهم مع روسيا، فلم يتأخر سلاح موسكو كثيراً.
السفير الروسي في باماكو أصبح أكثر حضوراً في الإعلام المحلي، وكثيراً ما يوجه إلى الماليين رسائل التطمين؛ تحدث مرة قائلاً إن «روسيا لن تدخر أي جهد في سبيل تعزيز تعاونها مع مالي، على الصعيد السياسي والأمني والعسكري، ولن يقف أي أحد في وجه صداقتنا وأخوتنا»، ثم أضاف: «روسيا ستقف دوماً إلى جانب مالي لمساعدتها، وأنا متأكد من أن مالي من جانبها سوف تساعدنا».
كان التحدي الأكبر أمام حكام مالي الجدد هو تحقيق نتائج على الأرض، لأن ذلك هو السبيل لإقناع شعبهم بأن استبدال الروس بالفرنسيين لم يكن خطأ ولا قراراً طائشاً، وهم الذين يدفعون ثمن قرارهم غالياً على شكل حصار اقتصادي وسياسي فرضته دول غرب أفريقيا المتحالفة مع فرنسا. وبالفعل تحققت سريعاً نتائج على الأرض، وبدأ الجيش المالي في شن هجمات فعالة ضد مقاتلي «القاعدة» و«داعش»، ولكن ذلك لا يعني تحقيق النصر، لأن الجماعات الإرهابية هي الأخرى غيرت استراتيجيتها، واقتربت أكثر من العاصمة باماكو، ذلك ما يؤكده سيديك آبَّا، وهو صحافي وكاتب من النيجر يقيم في فرنسا، مختص في ملفات الأمن والإرهاب في أفريقيا.
سيديك آبَّا الذي ألف كثيراً من الكتب حول التحديات الأمنية في منطقة غرب أفريقيا، من أشهرها كتابه «رحلة إلى عمق بوكو حرام»، قال في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن «التعاون الثنائي بين مالي وروسيا، سمح لسلطات مالي بالحصول على كثير من المعدات العسكرية، منها نصف دزينة من مروحيات سوكوي وميغ 35 وميغ 21، وطائرات شحن الجنود، إلى جانب كميات هائلة من الأسلحة الفردية، وبشكل خاص مدافع الكلاشنيكوف».
> الهجمات الإرهابية
وأكد الكاتب والصحافي النيجري أن السّلاح الروسي «مكن الجيش المالي من تحسين قدرته على التنقل، ليصبح أكثر حيوية وفاعلية، ما غير بعضَ الأمور في الميدان، إذ إنه قبل التعاون العسكري مع روسيا، كان الجيش في وضعية الدفاع عن النفس، تقبع وحداته في الثكنات مكتفية بصد الهجمات الإرهابية، ولكنها لا تبادر أبداً بالهجوم، ومنذ أن توجه الماليون نحو التعاون العسكري مع روسيا، وقطعوا خطوات ملموسة لتطوير هذا التعاون، خصوصاً فيما يتعلق بالقدرات الجوية والاستخباراتية، أصبح الجيش المالي يشن هجمات ضد قواعد الإرهابيين، وهذا بحد ذاته كان تغيراً كبيراً في موازين المواجهة على الميدان».
يضيف الصحافي الذي يتابع عن كثب التطورات على الأرض، أن جيش مالي حقق «بعض النتائج الإيجابية ميدانياً، على شكل انتصارات في وسط البلاد»، إلا أن الصحافي يبدي بعض التحفظ، مشيراً إلى أن «هذا التحسن في قدرات الجيش المالي لا يعني أن الوضع الأمني في منطقة الساحل قد تغير إلى الأحسن، لأنه حتى إن تحسنت الأمور في مالي، إن لم يشمل ذلك بقية الدول المجاورة، فالوضع سيبقى دوماً يسوده التعقيد».
التحسن الذي أدخله السلاح الروسي على قدرات جيش مالي، ووجود مقاتلي «فاغنر» إلى جانب الجنود الماليين، لا يزال غير كافٍ للقضاء على بؤر الإرهاب، وهنا يؤكد الصحافي سيديك آبَّا: «في الوقت الذي يحقق فيه الجيش المالي بعض الانتصارات والنتائج الإيجابية، لا يزال الوضع الأمني معقداً جداً في البلد، إذ إنه منذ أيام قليلة لاحظنا أن الجماعات الإرهابية حققت هي الأخرى توسعاً نحو مناطق جديدة، ونفذت هجمات قبل أيام معدودة في مناطق من مالي لم تكن أبداً داخل دائرة نفوذها، في محافظتي كوليكورو وخاي، جنوب البلاد»، ويضيف في السياق ذاته، أن «الملاحظة الثانية التي توقفنا عندها مؤخراً، هي أن المجموعات الإرهابية نفذت ست هجمات متزامنة في مدن مختلفة، وهو أمر لم يسبق أن حدث في مالي».
> سباق تسلح
النموذجُ الذي قدمته مالي، حين تخلت عن الشراكة التقليدية مع المستعمر الفرنسي السابق، واستبدلت به حضن الدب الروسي، يثير انتباه بقية دول الساحل وغرب أفريقيا التي تراقب التجربة المالية، وفي حالة ما إذا نجحت الأمور في مالي، فسيكون الوضعُ سيئاً بالنسبة للفرنسيين.
تلك هي الفكرة التي يدافعُ عنها مامادو سوادوغو، وهو خبير أمني من بوركينا فاسو، قال في حديث مع «الشرق الأوسط»، إنه لا يستبعدُ اتساع دائرة النفوذ الروسي في غرب أفريقيا، وأضاف: «بإمكان روسيا أن تخلق سوقاً كبرى لبيع سلاحها في المنطقة، إذ يمكننا اعتبار دولة مالي البوابة التي ستدخل منها هذه الأسلحة منطقة غرب أفريقيا، فهنالك عدة دول تراقب الوضع في مالي، وحين تتحقق نتائج ملموسة على الأرض ويقلب السلاح الروسي المعادلة، لا شك أنَّ هذه الدول ستحذو حذو باماكو».
إلا أن الخبير الأمني البوركينابي يستدركُ قائلاً إن «فرنسا تملك نفوذاً قوياً في غرب أفريقيا، حيث مستعمراتها السابقة، وإن كانت قد أخذت على حين غرّة في مالي، فإنها يقظة جداً الآن، وأي دولة تفكر في أن تسلك طريق مالي مستقبلاً ستواجه ضغوطاً قوية لن تكون قادرة على تحملها». ولكن الكاتب النيجري المختص في قضايا الأمن والإرهاب سيديك آبَّا، لديه رأي آخر، إذ يقول: «لست متأكداً من أن النموذج الذي اعتمدته سلطات مالي يثير اهتمام دول الساحل وغرب أفريقيا»، ويشرحُ سيديك آبَّا رأيه بالقول: «على سبيل المثال بوركينا فاسو قررت أن تسلك طريقاً مختلفاً، وهو الاعتماد على نفسها، فشكلت وحدات عسكرية خاصة بمحاربة الإرهاب، وأعادت تمركزها خارج العاصمة، تحديداً في المناطق الأكثر تضرراً من الهجمات».
ويضيف في السياق ذاته، أن «النيجر اختارت تعزيز شراكتها العسكرية والأمنية مع فرنسا، واستقبلت أكثر من ألف جندي فرنسي انسحبوا من مالي، كما توجهت النيجر إلى شراء الأسلحة التركية، فأبرمت صفقة لشراء مروحيات وطائرات من دون طيار تركية الصنع، نفس الطائرات بدأت بوركينا فاسو تخطط لشرائها».
ويؤكد سيديك آبَّا أن «لكل بلد مقاربته الخاصة، ولا أعتقد أن هنالك بلداناً في شبه المنطقة قد تقلد مالي في شراكتها مع موسكو، وأنا شبه متأكد من ذلك»، مشيراً في السياق ذاته إلى أن «السلاح الروسي ليس بالغريب على منطقة الساحل، رغم أن الحديث عنه زاد مؤخراً، ولكننا نعلم أن النيجر اقتنت في السابق مروحيات ميغ من موسكو لمحاربة تمرد الطوارق، وهنالك كميات كبيرة من السلاح الروسي في منطقة الساحل، لعبت أدواراً كبيرة في حركات التمرد والحروب، ومن هنا يمكنني القول إن السلاح الروسي لن يكونَ جزءاً من الحل، ولا أي سلاحٍ آخر».
وعبر الكاتب النيجري عن قلقه حيال سباق «التسلح الصامت» الدائر في غرب أفريقيا، وهو سباق سببه الأول رغبة القوى الدولية في بيع أسلحتها، وقال في هذا السياق، إن «منطقة غرب أفريقيا أصبحت سوقاً كبيرة للسلاح، ولكن هذا السلاح لم يغير أي شيء وإنما زاد من تعقيد الأوضاع الأمنية، إذ يكفي أن نعلم أن نيجيريا من أجل مواجهة جماعة بوكو حرام، أنفقت 1.3 مليار دولار على السلاح الأميركي، خلال حكم دونالد ترمب وما مضى من حكم جو بايدن».
> تهريب السلاح
وفي ظل القلق المتنامي من سباق التسلح الصامت في غرب أفريقيا، يعتقدُ الباحث الموريتاني المختص في الشأن الأفريقي محفوظ ولد السالك، أن الوضع يجعلُ مالي مقبلة على «السيناريو الأسوأ»، معتمداً على التجارب السابقة للسّلاح الروسي في أفريقيا، ويوضح في حديثه مع «الشرق الأوسط»، أنه «قياساً على بعض البلدان الأفريقية الأخرى، التي دخلتها مجموعة فاغنر، وحظيت بالدعم العسكري الروسي، على غرار ليبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى والكونغو الديمقراطية وغيرها، فإن مالي مقبلة على سيناريو أكثر خطورة مما هو متوقع».
وأضاف في السياق ذاته، أن الدول التي سبق أن دخلها السلاح الروسي، ضمن سباق التسلح العالمي «تشهد نشاطاً كبيراً لمهربي السّلاح، وهذا ما فتح جبهات أمنية أخرى أشد خطورة، وأصبح السلاح نشاطاً تجارياً ومصدر تمويل مربحاً، تستفيد منه حتى الجماعات المسلحة نفسها، وهكذا تنتقل عدوى عدم الاستقرار إلى دول أخرى آمنة، وهذا السيناريو هو ما يُخشى تكراره في منطقة الساحل، بعد الوجود العسكري الروسي المتنامي في مالي».
ولم يستبعد الباحث الموريتاني أن تتحول دولة مالي في المستقبل القريب إلى «مصدر لتهريب السلاح»، وفي ذلك خطر كبير يثير قلق دول الجوار، وأضاف: «السّلاح الروسي المتفقد على مالي سيعمق الانتهاكات الإنسانية والحقوقية في البلد، ويذكي الصراع بين مكوناته الاجتماعية، وستكون (فاغنر) هي الرابحُ الأول حينها، فمن ناحية تستفيد من المتاجرة بالسلاح ونشاط التهريب في المنطقة، ومن ناحية أخرى تستفيد من استغلال موارد مالي الطبيعية، لأن ميزانية الدولة على المدى المتوسط لن تكون قادرة على توفير الـ10 ملايين دولار شهرياً، التي يتحدث الغرب عن أنها مبلغ الصفقة بين باماكو وفاغنر».
ويضيف ولد السالك أن «وسائل إعلام مالية قالت إن فاغنر تمتلك نسبة 78 في المائة من أسهم الشركة الوطنية المسؤولة عن تعدين الذهب وتكريره، كما قالت وسائل إعلام أميركية إن المجموعة الروسية ابتعثت جيولوجيين وخبراء للتنقيب إلى مالي، وكل ذلك يؤكد استغلال موارد مالي مقابل السّلاح، رغم أن فرنسا لم تكن بالطبع استثناء من ذلك، ولن يسلم منه أي حليف دولي آخر، الفرق فقط يكمن في الطرق والآليات»، على حد تعبيره.
> التدخل الدولي
أمام الوضع الأمني المتردي في منطقة الساحل، والمستقبل الغامض والمليء بالشك، لا تتقاعس حكومات دول غرب أفريقيا عن حضور معارض السلاح التي تقامُ عبر العالم سنوياً، وتعقد على هامشها صفقات واتفاقيات تُنفقُ فيها مليارات الدولار، في سباق محموم بدأ يظهر على شكل توتر في العلاقات بين دول المنطقة.
وقال الخبير الأمني البوركينابي مامادو سوادوغو في حديثه مع «الشرق الأوسط»، إن صراع القوى الدولية على سوق السلاح في غرب أفريقيا «أصبح يؤثر على العلاقات بين الدول، وشاهدنا كيف تدهورت العلاقات بين النيجر ومالي، حين قررت الأخيرة التوجه نحو موسكو بدل باريس، وقررت الأولى تعزيز شراكتها مع باريس، وهنا تحضر الأجندات الخارجية لتعقد الوضع على الأرض، لأن التنسيق الأمني بين مالي والنيجر توقف بشكل شبه تام، والمستفيد الأول هو الجماعات الإرهابية، الشيء نفسه حدث بين مالي وبوركينا فاسو، فالعلاقات ليست في أفضل حال، وشاهدنا أيضاً الأزمة التي وقعت بين مالي وكوت ديفوار». وأضاف الخبير الأمني والعسكري أن «الصراع الدولي ألقى بظلاله على شبه المنطقة، فالعلاقات بين دول غرب أفريقيا تعيش واحدة من أصعب فتراتها، وذلك من تداعيات الصراع بين المعسكر الغربي من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى».
أما الكاتب والصحافي النيجري سيديك آبَّا، فيعتقد أن على دول الساحل التوجه نحو «السلاح الأفريقي» كبديل للسلاح الغربي والروسي، مشيراً إلى أن هنالك عدة دول أفريقية تطورت فيها الصناعة العسكرية، على غرار مصر وجنوب أفريقيا، ولكن الكاتب النيجري يقدم فكرته ضمن ما يسميه مشروع «التضامن الأفريقي»، من خلال إيجاد حلول أفريقية للمشاكل الأفريقية. وأوضح الكاتب النيجري أن «التضامن الأفريقي هو الضامن الوحيد لمنع التدخلات الخارجية، التي من شأنها أن تجعل الدول الأفريقية في مواجهة، بعضها مع بعض، فعلى سبيل المثال فرنسا قد تعمل على الإيقاع بين مالي والنيجر، أو الإيقاع بين مالي وكوت ديفوار، وتركيا قد تقوم بالشيء نفسه، والصين أيضاً وروسيا، إنها لعبة المصالح التي تتحكم في كل شيء».
من جانبه، يعتقدُ الباحث الموريتاني المختص في الشأن الأفريقي محفوظ ولد السالك، أن «إيجاد مقاربة أفريقية محلية بعيدة عن الارتهان للأطراف الدولية، تعوقه الوسائل والقدرات، لأن أفريقيا غير قادرة على إنتاج سلاحها ومتطلباتها التنموية، وبالتالي ستظل دائماً بحاجة لسند دولي في معارك الأمن والتنمية والاستقرار».
ويخلص ولد السالك إلى أن «التدخل الأجنبي في أفريقيا يوفر حماية سياسية لكثير من الأنظمة السياسية، التي تريد البقاء في السلطة مهما كلفها ذلك، والثمنُ غالباً ما يكون مدفوعاً من الثروات القابعة في باطن الأرض، من ذهب ونفط وغاز».


مقالات ذات صلة

إسقاط مسيّرة قرب قاعدة جوية روسية في القرم

العالم إسقاط مسيّرة قرب قاعدة جوية روسية في القرم

إسقاط مسيّرة قرب قاعدة جوية روسية في القرم

أعلنت السلطات المعينة من روسيا في القرم إسقاط طائرة مسيرة قرب قاعدة جوية في شبه الجزيرة التي ضمتها روسيا، في حادثة جديدة من الحوادث المماثلة في الأيام القليلة الماضية. وقال حاكم سيفاستوبول ميخائيل رازفوجاييف على منصة «تلغرام»: «هجوم آخر على سيفاستوبول. قرابة الساعة 7,00 مساء (16,00 ت غ) دمرت دفاعاتنا الجوية طائرة من دون طيار في منطقة قاعدة بيلبيك».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم الاتحاد الأوروبي يحذّر موسكو من استغلال الهجوم المفترض على الكرملين

الاتحاد الأوروبي يحذّر موسكو من استغلال الهجوم المفترض على الكرملين

حذّر مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل روسيا، اليوم الخميس، من استغلال الهجوم المفترض على الكرملين الذي اتهمت موسكو كييف بشنّه، لتكثيف هجماتها في أوكرانيا. وقال بوريل خلال اجتماع لوزراء من دول الاتحاد مكلفين شؤون التنمي«ندعو روسيا الى عدم استخدام هذا الهجوم المفترض ذريعة لمواصلة التصعيد» في الحرب التي بدأتها مطلع العام 2022. وأشار الى أن «هذا الأمر يثير قلقنا... لأنه يمكن استخدامه لتبرير تعبئة مزيد من الجنود و(شنّ) مزيد من الهجمات ضد أوكرانيا». وأضاف «رأيت صورا واستمعت الى الرئيس (الأوكراني فولوديمير) زيلينسكي.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
العالم هجوم بطائرة مسيرة يستهدف مصفاة «إلسكاي» جنوب روسيا

هجوم بطائرة مسيرة يستهدف مصفاة «إلسكاي» جنوب روسيا

ذكرت وكالة «تاس» الروسية للأنباء، صباح اليوم (الخميس)، نقلاً عن خدمات الطوارئ المحلية، أن حريقاً شب في جزء من مصفاة نفط في جنوب روسيا بعد هجوم بطائرة مسيرة. وقالت «تاس»، إن الحادث وقع في مصفاة «إلسكاي» قرب ميناء نوفوروسيسك المطل على البحر الأسود. وأعلنت موسكو، الأربعاء، عن إحباط هجوم تفجيري استهدف الكرملين بطائرات مسيرة، وتوعدت برد حازم ومباشر متجاهلة إعلان القيادة الأوكرانية عدم صلتها بالهجوم. وحمل بيان أصدره الكرملين، اتهامات مباشرة للقيادة الأوكرانية بالوقوف وراء الهجوم، وأفاد بأن «النظام الأوكراني حاول استهداف الكرملين بطائرتين مسيرتين».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم روسيا تتعرض لهجمات وأعمال «تخريبية» قبل احتفالات 9 مايو

روسيا تتعرض لهجمات وأعمال «تخريبية» قبل احتفالات 9 مايو

تثير الهجمات وأعمال «التخريب» التي تكثّفت في روسيا في الأيام الأخيرة، مخاوف من إفساد الاحتفالات العسكرية في 9 مايو (أيار) التي تعتبر ضرورية للكرملين في خضم حربه في أوكرانيا. في الأيام الأخيرة، ذكّرت سلسلة من الحوادث روسيا بأنها معرّضة لضربات العدو، حتى على بعد مئات الكيلومترات من الجبهة الأوكرانية، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. تسببت «عبوات ناسفة»، الاثنين والثلاثاء، في إخراج قطارَي شحن عن مساريهما في منطقة محاذية لأوكرانيا، وهي حوادث لم يكن يبلغ عن وقوعها في روسيا قبل بدء الهجوم على كييف في 24 فبراير (شباط) 2022. وعلى مسافة بعيدة من الحدود مع أوكرانيا، تضرر خط لإمداد الكهرباء قرب بلدة في جنو

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

أكد سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي نيكولاي باتروشيف أن حلف شمال الأطلسي (ناتو) نشر وحدات عسكرية إضافية في أوروبا الشرقية، وقام بتدريبات وتحديثات للبنية التحتية العسكرية قرب حدود روسيا، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الروسية «سبوتنيك»، اليوم الأربعاء. وأكد باتروشيف في مقابلة مع صحيفة «إزفستيا» الروسية، أن الغرب يشدد باستمرار الضغط السياسي والعسكري والاقتصادي على بلاده، وأن الناتو نشر حوالى 60 ألف جندي أميركي في المنطقة، وزاد حجم التدريب العملياتي والقتالي للقوات وكثافته.


حرية الصحافة وحدود السلطة وأزمة الثقة في أميركا

ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
TT

حرية الصحافة وحدود السلطة وأزمة الثقة في أميركا

ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)

معركة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الإعلام، لم تعد خلافاً على سؤال مستفز أو تقرير سلبي. فمع منع الـ«سي إن إن» والـ«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من دخول البيت الأبيض، وتعليق الشبكات الكبرى التغطية التلفزيونية المشتركة لأنشطته، انتقل النزاع إلى اختبار حدود السلطة على المعلومات، وقدرة الصحافة على الدفاع عن استقلاليتها أمام جمهور تتراجع ثقته بها. وتجمع المواجهة بين أسئلة يصعب فصلها: أين تنتهي صلاحية الإدارة في تنظيم الوصول إلى المؤسّسات الحكومية؟ وأين تبدأ معاقبة التوجه التحريري؟ وهل أضعفت بعض وسائل الإعلام موقعها حين غلَّبت الخصومة السياسية على تفسيرها للوقائع؟ ثم هل يفسر أسلوب ترمب وحده هذا التصعيد، أم أنه يكشف عن أزمة أوسع في العلاقة بين المؤسسات المنتخبة والصحافة والمواطنين؟ وبين رئيس يرى في التغطية «المعادية» تشويهاً لسياساته، ومؤسسات تعد استبعادها اعتداء على حرية الصحافة، يدور صراع يتجاوز الطرفين: من يحدد المعلومات التي تصل للأميركيين عن حكومتهم، وبأي شروط؟

بدأ الفصل الأخير، الأسبوع الماضي، حين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب حظر الـ«سي إن إن» والـ«إم إس ناو» و«بوليتيكو»، متهماً إياها بنشر أخبار كاذبة. وبعد ذلك منع صحافيوها من الدخول وسحبت تصاريحهم. ودخل القضاء على خط المواجهة بعدما لجأت المؤسسات إليه يوم الاثنين. ويوم الأربعاء أمر القاضي تيموثي كيلي، الذي عيّنه ترمب عام 2017، بإعادة اعتمادات صحافيي المؤسسات الثلاث فوراً، ووقف تنفيذ الحظر لمدة 14 يوماً. ورجح القرار مخالفة الحظر للضمانات الدستورية، واعتبر أن مبررات الأمن القومي تفتقر إلى سند واقعي كاف. وهو تدخّل مؤقت يضع إجراءات الإدارة تحت الرقابة القضائية، فيما يستمر النزاع بشأن حدود سلطتها على وصول الصحافة.

جذور في ولاية ترمب الأولى

للخلاف جذور في ولاية ترمب الأولى، حين ألغى اعتماد مراسل الـ«سي إن إن» جيم أكوستا عام 2018، قبل أن يأمر كيلي بإعادته لغياب الضمانات الإجرائية اللازمة. لكن الانتقال من إجراء ضد مراسل إلى استبعاد مؤسسات كاملة يوسع نطاق السؤال: هل ينظم عمل الصحافة وفق قواعد معلنة، أم يصبح استمرار وجودها رهناً بتقييم الرئيس لتغطيتها؟

وامتد النزاع في ولايته الثانية إلى مواقع أخرى. ففي فبراير (شباط) 2025، أخرج البنتاغون مؤسسات من مساحات عملها ضمن برنامج قال إنه يوسع فرص الوصول لمؤسسات أخرى. ثم أثارت شروط الاعتماد اللاحقة نزاعاً قضائياً، وفي مارس (آذار) 2026، حكم قاض بعدم دستورية السياسة المطعون فيها، قبل أن تعلن الوزارة تعديلات ومواصلة الاستئناف.

وتكشف هذه الوقائع عن أن القضية تتصل بقواعد مؤسسية قابلة للاستمرار بعد مغادرة ترمب منصبه. وفي المقابل، فإن اختزال خيارات اليمين، من الهجرة إلى التجارة والسياسة الخارجية، في شخصية الرئيس، يحجب النقاش حول أسباب تأييدها. فالإعلام يستطيع مساءلة الخيارات ونتائجها، لكن تفسير كل منها بوصفه نزوة شخصية قد يضعف قدرته على فهم المجتمع الذي يمنحها التأييد. كما أن «شخصنة» الصراع تؤدي أيضاً خدمة سياسية للرئيس: فحين تتحوّل المناقشة إلى محاكمة طباعه، يسهل تقديم الاعتراض على قراراته، باعتباره خصومة معه ومع ناخبيه. وعندئذ تتراجع الأسئلة القابلة للتحقق، مثل كلفة السياسة ونتائجها والبدائل المتاحة، لمصلحة سجال حول النيات والولاءات. وتلك مشكلة تحريرية حتى حين تكون الانتقادات الأصلية مبرّرة.

الصحافة تحت الاختبار

تمنح أزمة الثقة هذا الخطاب أرضية أوسع؛ ففي استطلاع «غالوب»، نشر في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، قال 28 في المائة من الأميركيين إن لديهم ثقة كبيرة أو معقولة بقدرة الصحف والتلفزيون والإذاعة على تقديم الأخبار بدقة وإنصاف وشمول. وبلغت النسبة 8 في المائة بين الجمهوريين، و27 في المائة بين المستقلين، و51 في المائة بين الديمقراطيين.

وحقاً، لا تثبت هذه الأرقام أن الأخبار خاطئة، لكنها تظهر أن المؤسسات الإعلامية لا تخاطب جمهوراً يتفق على أهليتها للحكم على الوقائع. كما أن ضعف الثقة بين المستقلين، وتراجعها حتى عند الديمقراطيين، يمنعان تفسير المشكلة كنتيجة لخطاب ترمب وحده.

ومع ذلك، يحتاج اتهام الإعلام بالتحول إلى معارضة سياسية إلى أدلة تتجاوز عدد الأخبار السلبية: هل تُمنح المعلومات المخالفة للرواية الغالبة مكانها؟ هل يظهر التصحيح بوضوح؟ وهل يستطيع القارئ تمييز الخبر من التحليل والرأي؟ وهي معايير يمكن تطبيقها على المؤسسات الليبرالية والمحافظة معاً.

في تغطية حرب إيران، على سبيل المثال، يتهم وزير الخارجية ماركو روبيو وسائل الإعلام بأنها بدت وكأنها تدافع عن طهران. هنا يختلف نقد قرار الحرب أو مساءلة الرواية الرسمية عن تفاصيل عملياتية قد تعرّض أفراداً للخطر. كما يختلف التحقيق في خسائر أو إخفاقات عن افتراض سوء نيات الإدارة سلفاً. وحين تصف السلطة النقد بالخيانة أو بتشويه الحقائق، وحين تتعامل التغطية مع كل تفسير رسمي بوصفه تضليلاً محسوماً، تضيع هذه الفروق.

بيد أن مشكلة المصالح تظهر في ملفات أخرى، كالجدل الدائر حول «أخطار» الذكاء الاصطناعي. ففي مقال رأي في الـ«وول ستريت جورنال»، جادل غابرييلي مازيني الذي يشغل منصب زميل في مبادرة «إم آي تي كونيكشن ساينس»، وقاد الفريق الذي صاغ مقترح قانون الذكاء الاصطناعي الخاص بالمفوضية الأوروبية، بأن تضخيم شركات الذكاء الاصطناعي أخطار تقنياتها، قد يخدم مصالح تنظيمية وتجارية واحتكارية. وهذه حجة تستدعي اختبار روايات الشركات ومصادرها، من دون أن تثبت أن الأخطار مختلقة أو أن الصحافة تتبنى أجندة موحدة ضد الرئيس.

والاختبار هنا عملي: هل تُعامل ادعاءات شركة نافذة بالمقدار نفسه من التدقيق الذي يواجه به تصريح سياسي؟ وهل يوضح التقرير ما ثبت بالتجربة وما بقي متوقعاً؟ هذه الأسئلة تصلح أيضاً للتعريفات الجمركية والهجرة والحروب، حيث تتنافس مصادر رسمية وتجارية وحزبية على توجيه التغطية. ومن نافلة القول إن مهنية الصحافة تقاس بقدرتها على كشف هذه المصالح، بما فيها مصالح المصادر التي تتفق معها.

في دفاعها أمام المحكمة،

قالت الإدارة إن دخول البيت الأبيض

«امتياز وليس حقاً»، واتهمت المؤسسات

المستبعدة بمخالفة معايير المهنية

الأمن القومي وحدود السلطة

في دفاعها أمام المحكمة، قالت الإدارة إن دخول البيت الأبيض «امتياز وليس حقاً»، واتهمت المؤسسات المستبعدة بمخالفة معايير المهنية ونشر معلومات حساسة وسرية. وبحسب «نيويورك تايمز»، استشهدت الرسائل الموجهة إليها بتقارير عن منشآت البيت الأبيض وترتيبات أمنية، وأخرى عن تقديرات ترمب للحرب مع إيران.

هذه حجج للسلطة التنفيذية في دعوى جارية، وليست أحكاماً تثبت وقوع مخالفات. وتقول المؤسسات الإعلامية إن العقوبة استهدفت توجهها التحريري ونُفذت من دون إنذار أو فرصة مسبقة للاعتراض، بينما تتمسك الإدارة بأن الإجراءات التي وفرتها بعد المنع كانت كافية. والتمييز القانوني أساسي: ليست الصحافة صاحبة حق مطلق في دخول كل مكان أو حضور كل لقاء رئاسي. لكن سابقة «شيريل ضد نايت» عام 1977 قررت أن إدارة نظام التصاريح الصحافية تخضع لضمانات دستورية، تشمل معايير واضحة وإخطاراً بأسباب الرفض وفرصة الرد.

ومن هنا، لا يكفي وصف الدخول بالامتياز لإعفاء قرارات الاستبعاد من المراجعة. وتزداد حساسية المساءلة عندما يتسع مفهوم الأمن القومي ليشمل نشر تقدير سياسي لا يعجب الرئيس. ونقلت الـ«نيويورك تايمز» عن أستاذة القانون باربرا ماكويد قولها، إن المحاكم تمنح السلطة التنفيذية هامشاً في المسائل الأمنية، لكنها حذرت من أن الاستخدام غير الجدي لهذه الذريعة قد يضعفها حين تكون ضرورية بالفعل.

ويشمل النزاع توقيت تقديم أسباب المنع والضمانات المتاحة للاعتراض عليه. وتقول المؤسسات الثلاث إن الإدارة سحبت اعتمادات صحافييها من دون إخطار مسبق أو فرصة للطعن، بينما يتمسك البيت الأبيض بكفاية الإجراءات التي أتاحها بعد تنفيذ القرار. ونقلت الصحيفة عن غيب روتمان، نائب رئيس السياسات في لجنة المراسلين لحرية الصحافة، اعتراضه على تعليق الاعتماد ثم تقديم مبررات لاحقة. وبذلك، يمتد الخلاف إلى الإجراءات التي اتبعتها الإدارة، إلى جانب النزاع بشأن مضمون التغطية الصحافية.

السوابق ومعيار المقارنة

يدافع نائب الرئيس جي دي فانس عن القرار بعدّه حجباً لوصول مميز عن مؤسسات تمارس، وفق وصفه، الدعاية، ويستشهد بمعاملة وسائل محافظة في عهدي أوباما وبايدن. وتقول الإدارة إن المؤسسات المستبعدة ما زالت قادرة على النشر، بينما ترى تلك المؤسسات أن استمرار البث لا يعوض حرمانها من جمع الأخبار داخل المقر الرئاسي.

وتوجد بالفعل سوابق لضغوط اتخذتها إدارات ديمقراطية، أبرزها تحقيقات التسريبات في عهد أوباما التي شملت سجلات الـ«أسوشييتد برس» ومراسل «فوكس نيوز» جيمس روزن. غير أن هذه السوابق لا تنتج تبريراً تلقائياً للإجراء الحالي، ولا تسمح بنسبة حسابية تختزل المقارنة بين الحزبين.

إذ إن ملاحقة مصدر، والحصول على سجل اتصالات، والاستبعاد من مقابلة، وسحب اعتماد مؤسسة، إجراءات تختلف في طبيعتها وآثارها. وقد يكون إجراء محدود العدد بالغ التأثير إذا أخاف المصادر وعطل التحقيقات. المعيار الأكثر جدية يجمع بين نطاق الإجراء ومدته، وضمانات الاعتراض عليه، ومدى ارتباطه بمخالفة محددة أو بموقف تحريري.

وتعقّد مشاركة «فوكس نيوز»، المحسوبة على الجمهوريين، في موقف الشبكات اختزال المواجهة بأنه صراع مع الإعلام الليبرالي. ففي بيان مشترك نشرته الشبكة مع الـ«إيه بي سي» والـ«سي بي إس» والـ«سي إن إن» والـ«إن بي سي»، أكّدت المؤسسات «مصلحة الجمهور في معلومات مستقلة»، ورفضت تقييد مؤسسة بسبب الاعتراض على تقاريرها. غير أن هذا «التضامن» وإن كان لا يلغي المنافسة أو الانحيازات بين الشبكات، لكنه يوضح وجود مصلحة مهنية مشتركة في منع السلطة من اختيار من يراقبها. وأيضاً يضع سؤالاً أمام الإعلام نفسه عن كيفية الدفاع عن حق الوصول مع استمرار تزويد الجمهور بالمعلومات، حتى في أثناء الاحتجاج على القيود.

الديمقراطية وأزمة الثقة

قابل البيت الأبيض تراجع التغطية المشتركة بإطلاق بث «ترمب تي في»، الذي يقدم محتوى تختاره الإدارة. وبدأ بخطابات الرئيس ومشاهد عسكرية، من دون برامج أصلية. وهو ما يبرز إمكانية تجاوز الوسيط الصحافي والوصول مباشرة إلى الجمهور، مع غياب الأسئلة المستقلة عن الشاشة الرسمية. غير أن أزمة الوساطة ليست أميركية حصراً، فقد وجد تقرير «معهد رويترز لدراسة الصحافة» لعام 2026 أن الثقة بالأخبار انخفضت في 29 من أصل 48 سوقاً شملها، وبلغ متوسطها 37 في المائة. ويربط التقرير هذا التراجع بتحولات استهلاك الأخبار والقلق الأوسع من المؤسسات، مع بقاء الثقة بعلامات إعلامية محددة أكثر تماسكاً من الثقة بالإعلام عموماً.

وتدعم النتائج بحث أزمة أوسع في الديمقراطيات الغربية، لكنها لا تكفي لإعلان انهيار نموذج واحد. فالفروق بين الدول، وأنظمة الإعلام، واستقلال المحاكم، وملكية المؤسسات، تؤثر في قدرة كل مجتمع على مواجهة الضغط. كما أن تراجع الثقة قد يطال الحكومة والصحافة معاً، فلا تستفيد منه السلطة بالضرورة على المدى الطويل.

وفي الولايات المتحدة يختبر اللجوء إلى القضاء والتضامن بين شبكات متنافسة قدرة المؤسسات على فرض حدود للصراع. ومع أن القضاء تدخل لإعادة الاعتمادات مؤقتاً، فإن قراره لا يعالج وحده شكوك جمهور يرى الصحافة خصماً، ولا يعفي غرف الأخبار من مراجعة أخطائها.

والواقع أن المواجهة الجارية بين ترمب ووسائل الإعلام تكشف عن تاريخ أوسع من استخدام السلطة التنفيذية أدواتها للضغط على الصحافة؛ إذ شهد عهد الرئيس الديمقراطي باراك أوباما إجراءات طالت اتصالات الصحافيين ومصادرهم، وأثارت اعتراضات حادة على إدارة تعهدت بالشفافية، ثم وسعت ملاحقة تسريبات المعلومات الحكومية.

في مايو (أيار) 2013، كشفت وكالة الـ«أسوشييتدبرس» أن وزارة العدل حصلت سراً على سجلات 21 خطاً هاتفياً استخدمها صحافيوها ومكاتبها خلال فترة شهرين. واعترض رئيس الوكالة آنذاك، غاري برويت، على اتساع الإجراء وتنفيذه من دون إخطار مسبق يتيح الطعن فيه، محذراً من أثره في قدرة الصحافة على جمع الأخبار.

وطالت التحقيقات جيمس روزن، مراسل «فوكس نيوز»؛ إذ حصل المحققون على سجلات اتصالاته وبريده الإلكتروني في قضية تسريب معلومات عن كوريا الشمالية. ولقد وصفته وثائق التحقيق بأنه شريك محتمل في مخالفة قانون التجسس، بما أثار مخاوف من التعامل مع العمل الصحافي نفسه بوصفه نشاطاً جنائياً. ولم توجّه إليه اتهامات، لكن الإجراء وضع سرية علاقته بمصادره تحت ضغط مباشر.

وبحسب تقرير «لجنة حماية الصحافيين» في أكتوبر 2013، شملت الملاحقات بموجب قانون التجسّس منذ 2009 ستة موظفين حكوميين ومتعاقدَين اثنين، مقارنة بثلاث ملاحقات مماثلة في الإدارات السابقة مجتمعة. وتتعلق هذه الأرقام بقضايا التسريب، لكنها تكشف عن حجم التصعيد الذي رافق خطاب الإدارة عن الانفتاح.

وتبرز هذه الوقائع وجهاً للضغط لا يظهر بالضرورة في منع كاميرا أو سحب اعتماد: حين يخشى المصدر كشف اتصالاته، قد تتوقّف المعلومة قبل وصولها إلى الصحافي. ولذلك، لا يكفي استمرار مؤسسة إعلامية في النشر للقول إن حريتها لم تتأثر. وتمنح هذه السوابق أساساً للاعتراض على انتقائية الدفاع عن الصحافة وفق هوية الرئيس أو المؤسسة المستهدفة. فالمعيار هو ما تفعله السلطة بأدواتها، ومدى خضوعها للمساءلة. ومن مراقبة الاتصالات في عهد أوباما إلى سحب الاعتمادات في عهد ترمب، يبقى السؤال: كيف تُحمىَ قدرة الصحافة على كشف ما تُفضِّل الإدارة حجبه عن الجمهور؟


أولريش زيغموند... شاب يفرض «البديل» قوة حزبية شعبوية متطرفة في ألمانيا

تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
TT

أولريش زيغموند... شاب يفرض «البديل» قوة حزبية شعبوية متطرفة في ألمانيا

تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني

عبر مكبر الصوت في أحد التجمعات الانتخابية في ولاية سكسونيا-أنهالت في شرق ألمانيا، يخرج هتاف «زيغ»، الذي في الألمانية يعني «النصر». دلالات الهتاف التاريخية لا تخفى على أحد في ألمانيا ولا خارجها؛ ذلك أن «زيغ هايل»، ومعناه «يعيش النصر»، كان شعار النازيين الذي تردد لسنوات، وأصبح محظوراً في ألمانيا بعد هزيمة النازيين من ضمن مساعي البلاد للابتعاد عن إرثها الداكن. ومع ذلك، يلعب مرشح حزب «البديل من أجل ألمانيا» الفائر بالانتخابات في ولاية سكسونيا-أنهالت، أولريش (أولي) زيغموند، على الكلمات، ويحمّس مؤيديه على الرد لدى سماع كلمة «زيغ» في تجمّعاته، بكلمة «موند»، وهي تعني بالألمانية «فم»، ثم يمازح قائلاً إن اسمه «زيغ موند»، وإن الهتاف هو هتاف لاسمه، ضاحكاً ومتسائلاً: «ما المشكلة في اسمي؟!». لعل هذه القصة تلخّص الكثير عن الرجل الذي تحوّل إلى نجم من دون منافس لدى الحزب اليميني المتطرف، والذي سيصبح قريباً أول رئيس حكومة محلية في ألمانيا ينتمي إلى حزب يميني متطرف منذ هزيمة النازيين. فهو يستخدم خليطاً من الفكاهة و«الكاريزما» ليرى إلى أي مدى يمكنه تخطي الخطوط الحمراء. وكما حول الشعار المحظور إلى دعابة، يسعى الشاب البالغ من العمر 35 سنة إلى فرض واقع جديد في ألمانيا. ويسعى حزبه إلى أن يختبر عبره إلى أي مدى يمكن الذهاب في ولاية صغيرة، على أمل نقل التجربة على الصعيد الوطني قريباً.

في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024، وقف أولريش زيغموند أمام قرابة 20 شخصاً، بينهم نازيون جدد ومتطرفون يمينيون، داخل فندق فخم ناءٍ في مدينة بوتسدام القريبة من برلين، يتكلم أمام مشاركين في اجتماع سرّي دُعي إليه برسائل ورقية.

كان حينذاك رئيس الكتلة النيابية لحزبه «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية سكسونيا-أنهالت. ووقف داعياً المشاركين إلى تقديم تبرعات لحملته الانتخابية التي كان بدأ يعد لها منذ ذلك الوقت، وعارضاً أفكاره لـ«تغيير صورة الشوارع في ألمانيا».

في ذلك التجمع قال إنه في حال فوزه، فإن «المطاعم الأجنبية» في ولايته «ستصبح تحت ضغوط كبيرة»، وإنه سيجعل العيش في سكسونيا-أنهالت «غير جذاب بأكبر قدر ممكن لهذه الفئة»، قاصداً بذلك المهاجرين ومَن هم من أصول مهاجرة، الذين كانوا حقاً موضوع نقاش الاجتماع السرّي. وتابع يقول إن تحقيق ذلك «سيكون سهلاً جداً جداً».

فضح الاجتماع السرّي

الاجتماع السرّي فضحه لاحقاً صحافيون ألمان من موقع «كوريكتيف» الاستقصائي الذي كشف أن إحدى الرسائل سُربت إليه، وأنه أرسل صحافياً إلى الفندق لكي يراقب الاجتماع ويكتب عنه.

وكان هدف الاجتماع الذي دعا إليه اثنان من كبار رجال الأعمال والمموّلين الألمان، مناقشة خطة لترحيل ملايين المهاجرين والألمان من أصول مهاجرة، بحسب الموقع الاستقصائي.

أثار الكشف عن الاجتماع آنذاك غضباً كبيراً في ألمانيا وإدانات سياسية واسعة؛ خاصة لأنه حمل أصداء تاريخية، مذكّراً باجتماع النازيين لمناقشة وإقرار «الحل النهائي» الذي شكّل بداية المحرقة (الهولوكوست). وللعلم، أيضاً عُقد اجتماع النازيين في مدينة بوتسدام في مكان قريب من موقع الاجتماع الحديث الذي شارك فيه زيغموند.

اللافت أن زيغموند كان واحداً من 3 سياسيين في حزب «البديل من أجل ألمانيا» شاركوا في الاجتماع، والثلاثة يعتبرون من المتطرفين داخل الحزب؛ ولذا حاول الحزب إبعاد نفسه عنهم، مدّعياً أنهم حضروا «بصفة شخصية»، وأن ما نوقش ليس سياسة يتبناها الحزب. غير أن الحزب لم يتمكن من إنكار ما نوقش بسبب وجود تسجيلات تثبت ذلك.

لا ذكر للاجتماع في الإعلام

أيضاً، كان لافتاً أنه رغم الصدمة والنقمة التي تسبب فيها الكشف عن الاجتماع في ذلك الحين، لم تُذكر القصة في الإعلام الألماني خلال حملة زيغموند الانتخابية وتغطية الانتخابات التي سبقت فوزه، وكأن الجميع نسي أنه شارك في ذاك الاجتماع، علماً بأنه في ذاك الوقت لم يكن معروفاً خارج ولايته، على عكس الوضع اليوم؛ فهو الآن بات معروفاً ليس فقط في كامل ألمانيا، بل في العالم بأسره؛ ذلك أن فوزه جذب الإعلام العالمي وترددت أصداء فوزه في كل مكان. وقد تكون مجلة «دير شبيغل» قد ساهمت عن غير قصد في تحويله إلى «نجم» بعدما وضعته على غلافها قبل الانتخابات، في صورة تثني عليه مع عنوان «أخطر رجل في ألمانيا»، ولكن من دون مضمون يعكس العنوان. زيغموند، نفسه، استغل ذلك لينشر صوراً له مع المجلة مبتسماً، والحزب اشترى كل الأعداد ليوزّعها على مؤيديه الذين بدأوا يصطفون في تجمّعاته حاملين المجلة للحصول على توقيعه.

وعندما سئل زيغموند أخيراً عن مشاركته في اللقاء قبل سنتين في سؤال عابر ضمن مقابلة مع مجلة «بوليتيكو» أخيراً، قلّل القيادي اليميني المتطرف من أهمية اللقاء، منتقداً في المقابل الصحافة التي زعم أنها «ضخّمت القصة!». أيضاً رفض زيغموند وصفه بـ«رجل متطرّف خطير»، مدّعياً أنه «شخص عادي يقلق على بلده، ويريد بلداً أفضل له ولعائلته وأولاده». وأردف: «ببساطة لا أستطيع أن أقف على الحياد في حين أشاهد بلدي يتطوّر بهذا الشكل السلبي وبسرعة». ولكن رغم إنكار الحزب تبنّي السياسات التي ناقشها الاجتماع السرّي، فإن الحملة الانتخابية في سكسونيا-أنهالت، التي قادها زيغموند وأوصلته إلى الفوز، أثبتت أن «البديل من أجل ألمانيا» تبنّى الكثير منها، ثم إن تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني؛ فزعيمته أليس فايدل، التي تحظى بإعجاب «أغنى رجل في العالم» إيلون ماسك، تكرّر أنه يجب إعادة كل السوريين إلى بلدهم. والحزب أيضاً استخدم التعبير مراراً في بيانه الانتخابي في ولاية سكسونيا-أنهالت الذي امتد على أكثر من 140 صفحة. وفيه يتعهد الحزب بإلغاء المشاريع المموّلة من الحكومة والمخصّصة لدمج المهاجرين، وإلغاء مسؤولي ومفوّضي الدمج وإبدال «مفوضي إعادة الهجرة» بهم.

نشأة زيغموند وتدرّجه

وُلد أولريش زيغموند عام 1990 في بلدة هافلبرغ بولاية سكسونيا-أنهالت لعائلة كاثوليكية. وهو متزوّج من يوليا، التي تعمل مدرّسة، ولديهما ابنة، ويعيشان في بلدة تانغرمونده القريبة من مكان ولادته في هافلبرغ.

في بدايات حياته المهنية، تلقى زيغموند تدريباً في تجارة الجملة والتجارة الخارجية، وأسّس شركة عطور عام 2014. وتخرّج لاحقاً عام 2016 في جامعة هامبورغ ببكالوريوس في العلوم الإدارية وعلم النفس الاقتصادي.

وعام 2017 هجر زيغموند الكنيسة الكاثوليكية بسبب «دورها السياسي المشين» بحسب زعمه. وللعلم، تدافع الكنيسة الكاثوليكية عن اللاجئين بشكل مستمر، وتفتح أبوابها للذين تصدر بحقهم طلبات ترحيل.

وقبل الانتخابات التي فاز بها حزب «البديل من أجل ألمانيا» في سكسونيا-أنهالت، حذّرت الكنيسة الكاثوليكية في ماغدبورغ، عاصمة الولاية، من التصويت للحزب. وعلّقت لافتات ضخمة على الكاتدرائية وسط المدينة تذكّر فيها بالأخلاق المسيحية، وتدعو إلى التصويت «بضمير»، ومما كتبت: «أَحِب جارك، الحوار، الكرامة الإنسانية، التضامن، صوّت بضمير!». وبعد فوز الحزب المتطرف، أعرب مطران الكاتدرائية، إلى جانب الكنيسة البروتستانتية، عن صدمته وقلقه الكبير من زيادة الانقسام في المجتمع.

العداء للهجرة واللاجئين

من ناحية أخرى، مع أن زيغموند وُلد وكبر في ريف سكسونيا-أنهالت، حيث أعداد اللاجئين ضئيلة، فهو بنى شعبيته في الولاية على مهاجمة اللاجئين وسياسات الحكومة الفيدرالية «وسخائها» في المعونات المقدّمة لهم، مدّعياً أنه يعبر عن مشاعر أبناء الولاية. وهو دائماً يكرّر في مقابلاته أن الشوارع في ألمانيا «لم تعُد آمنة»، ويزعم أن طفولته في المقابل كانت «مليئة بالحرية... وكان بإمكانك اللعب بأمان في الشوارع ليلاً». ومن ثم، يقول إن هذه ألمانيا التي يريد إعادتها. بالطبع، هو يلمِّح إلى مسؤولية اللاجئين والمهاجرين عن جعل الشوارع أقل أماناً.

في المقابل، رغم تسخيف حزب «البديل من أجل ألمانيا» التهم الموجّهة إليه بأن بعض أفكاره تحمل صدى النازية، فإن زيغموند نفسه تكلّم عن «استخدام القوة» لتنفيذ خطط «إعادة المهاجرين».

وعندما سئل عن موقفه من خطط فتح مصنع سلاح في الولاية، قال إنه لا يعارض الفكرة، مضيفاً: «سنحتاج بطبيعة الحال إلى الموارد اللازمة لحملة إعادة الهجرة والترحيل اللاحقة، وهذا يصب في مصلحة الأمن الداخلي واستقرارنا الذاتي والدفاع الوطني»، ثم عاد ليوضح لاحقاً أن «المصنع سيصنع أيضاً المعدات والآليات ووسائل تكنولوجية وغيرها لتستخدمها القوات المسلحة الألمانية والشرطة والسلطات الأمنية». ولكن الشركة التي يتكلم عنها شركة تصنيع أسلحة إسرائيلية متخصصة فقط في تصنيع تكنولوجيا عسكرية وأنظمة دفاع وآليات مدرعة، ولا علاقة لها بتصنيع معدات للشرطة.

على خطى أبيه

في الحقيقة، لا يحمل «أولي» زيغموند أفكاراً بعيدة عن أفكار عائلته؛ فوالده يعمل لدى أحد نواب حزب «البديل من أجل ألمانيا»، وهو ما دفع كثيرين لاتهامه وأعضاء في الحزب بالمحسوبية. ومثل معظم المنتمين إلى اليمين المتطرف، يتشكك زيغموند من الإعلام، ويتكلم عن خطط لـ«إصلاحه»، وإقفال القناة الرسمية المموّلة من أموال دافعي الضرائب في الولاية. وعوضاً عن ذلك، يترافق بشكل شبه عام مع «مؤثرين» على «يوتيوب» يحملون أفكاراً يمينية متطرفة، يروّجون له وينتقدون الإعلام المهني.

ويدعو برنامج الحزب إلى وقف توظيف الأجانب حتى في الوظائف المتخصصة، في مقابل إعداد خطط لإعادة جذب الألمان الذين هاجروا لملء تلك الوظائف.

وعن طلاب المدارس من أبناء المهاجرين أو المتحدّرين من أصول مهاجرة، يقول إنه يريد فصلهم في صفوف خاصة، والإحجام عن دمجهم مع الطلاب الألمان، وبدلاً من ذلك تعليمهم بمناهج بلدهم الأصلي، وبواسطة أساتذة مهاجرين، إذا أمكن، وذلك «تمهيداً لترحيلهم إلى بلدانهم» عندما تسمح الظروف بذلك.


ولاية سكسونيا ــ أنهالت تتأهب لتحالف متطرفي اليمين واليسار

سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
TT

ولاية سكسونيا ــ أنهالت تتأهب لتحالف متطرفي اليمين واليسار

سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)

يدخل أولريش زيغموند زعيم التنظيم المحلي لحزب «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية سكسونيا-أنهالت الألمانية مفاوضات مع حزب «تحالف زارا فاغنكنيشت» الشعبوي اليساري المتطرف لتشكيل حكومة جديدة للولاية، وذلك بعدما تبين أن هذا الحزب كان الوحيد الذي وافق على التفاوض مع الحزب اليميني لتشكيل حكومة.

تلاقى الحزبان المتطرفان - يميناً ويساراً - بأفكارهما حول تشديد الهجرة وإعادة العلاقات مع روسيا. وبالتالي، يأمل زيغموند أن يصبح قريباً أول رئيس حكومة ولاية ينتمي لحزب متطرف في ألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

خطط الحزب تمتد إلى المناهج التعليمية التي يريد تعديلها لكي تخفّف التركيز على الشعور بالذنب الذي يلاحق الألمان بسبب ما ارتكبوه أيام النازيين، وإعادة توجيهها بحيث تركز على «الوطنية والجوانب الإيجابية».

ولا يتردد زيغموند نفسه في الكلام عن ذلك؛ إذ ينتقد فكرة أن النازيين ارتكبوا «أعظم جريمة ضد الإنسانية في التاريخ»، ويقول إن ما يبدو إنكاراً للمحرقة النازية، وهي جريمة يعاقب عليها القانون الألماني، «لا أدعي القدرة على الحكم على ذلك؛ لأنني لا أستطيع تقييم البشرية جمعاء». ويضيف: «أرى أن هذا التفسير مبالغ فيه للغاية ومنفصل تماماً عن الواقع، فبالنسبة لي من المهم التطلع إلى المستقبل لا النظر إلى الماضي. وبالطبع يجب علينا دائماً أن نتعلم من التاريخ، ليس فقط من جوانب محددة منه، بل من التاريخ ككل».

أفكار زيغموند هذه نجح في إيصالها إلى أعداد كبيرة من مؤيديه من خلال متابعيه على شبكات التواصل الاجتماعي التي ينشط عليها بشكل كبير، خاصة على منصتَي «تيك توك» و«إنستغرام» اللتين يتابعه عليهما أكثر من 600 ألف شخص، ما يجعله من ثم السياسي الألماني الأكبر شعبية على المنصتين، ثم إنه غالباً ما ينشر صوراً له تظهره «واحداً من الشعب»، في نقيض للسياسيين المنتمين للأحزاب الأخرى.

بداية مشوار زيغموند مع التطرف غير واضحة، ولكن على الأرجح أنه كان دائماً يحمل أفكاراً متطرفة تطوّرت مع الوقت لتطول اللاجئين والمهاجرين. بداياته السياسية تظهر أنه بدأ مشواره عندما كان يبلغ 19 سنة مع أكثر الأحزاب محافظةً آنذاك، وهو حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي»، الذي يتزعمه اليوم المستشار الألماني فريدريش ميرتس.

في حينه، لم يكن حزب «البديل من أجل ألمانيا» قد أُسس بعد، ولم تكن هناك أحزاب على يمين الديمقراطيين المسيحيين، ولكن بعد تأسيس «البديل من أجل ألمانيا» عام 2013، انضم زيغموند للحزب عام 2015.