سياحة موجزة في قرنين من أدب العالم العربي

ترجمة عربية للجزء الرابع من مشروع كامبريدج الضخم

محمّد مصطفى بدوي
محمّد مصطفى بدوي
TT

سياحة موجزة في قرنين من أدب العالم العربي

محمّد مصطفى بدوي
محمّد مصطفى بدوي

صدرت شهر يوليو (تموز) الماضي 2022 عن المركز القومي للترجمة في مصر ترجمة عربية لكتاب «الأدب العربي الحديث»، وهو الجزء الرابع من «تاريخ كامبريدج للأدب العربي Cambridge History of Arabic Literature» الذي دأبت جامعة كامبريدج على إصدار أجزاء كثيرة منه منذ عقود عدّة؛ فقد صدرت من هذا التاريخ تسعة أجزاء تتناول أدب الحقب الأموية، والعباسية، وما بعد الكلاسيكية، وأدب الأندلس؛ بل حتى ثمة جزء يتناول الأدب والدين والفلسفة في العالم العربي في السنوات التأسيسية للأدب العربي. نهض بالعبء التحريري للجزء الذي صدرت ترجمته عن المركز القومي للترجمة الدكتور الراحل محمد مصطفى بدوي (1925 – 2012) الذي عمل أستاذاً للأدب العربي والإنجليزي في كلية سانت أنتوني بجامعة أكسفورد، وهو معروف بمساهماته الكبيرة في حقل التأليف والترجمة وتعريف الأدب العربي لغير الناطقين باللغة العربية؛ فقد ظلّ أستاذاً في جامعة أكسفورد على نحوٍ متّصل منذ 1964 حتى 1996. أودُّ الإشارة هنا إلى أنّ هذا الكتاب المترجم الصادر عن «كامبريدج» ليس هو ذاك الذي ألّفه بدوي بعنوان «موجز تاريخ الأدب العربي الحديث A Short History of Modern Arabic Literature» وصدر عن جامعة أكسفورد عام 1992.
يبدأ الكتاب (كعادة كلّ تواريخ كامبريدج) بقائمة كرونولوجية (تبعاً للترتيب الزمني) للوقائع والأحداث المفصلية في المنطقة العربية منذ الحملة النابليونية على مصر 1798 حتى عام 1991، وفي هذا إشارة واضحة إلى أنّ الكتاب يغطّي قرابة قرنين من زمان الأدب العربي فضلاً عن تأكيده أهمية التداخل البنيوي بين النتاج الأدبي والحراك السياسي والمجتمعي؛ فالأدب ليس نتاج منطقة فراغ ذهني أو ميتافيزيقي حتى لو كان المسعى الأصلي يتجه نحو غايات ميتافيزيقية.
يقدّمُ بدوي في بداية الكتاب تنويهاً شديد الأهمية للقارئ، يكشفُ فيه أنّ مؤلفي الفصول المختلفة طُلِب إليهم رفعُ كلّ الإحالات المرجعية والتنويهات على متون الكتاب بغية اختزال الحجم وعدم الإثقال على القارئ بتفصيلات غير ذات أهمية له.
الكتاب جهدٌ تحريري كما بيّنتُ سابقاً؛ لذا فالمتوقّعُ أن ينهض المحرّر بالعبء الأكبر في عملية توليف الفصول وجعلها كلاً متسقة بدل أن تكون ثوباً مرقعاً، وقد نجح الدكتور بدوي بقدر ما يختصُّ الأمر به نجاحاً هائلاً. بالإضافة إلى الجهد التحريري المتطلّب شارك بدوي في كتابة مقدّمة ممتازة للكتاب أراها الجزء الوحيد في الكتاب الذي عرض لنا السياقات الثقافية والمجتمعية التي نشأ في خضمّها الأدب العربي الحديث. جاءت المقدّمة في قسمين:
القسم الأول: وعنوانه «الخلفية The Background» عرض فيه بدوي الممهّدات التي قادت إلى فكر النهضة في المنطقة العربية. تناول بدوي في هذا القسم الفترة العثمانية، والحملة النابليونية على مصر، ثم صعود نجم محمد علي، وتناول بعد ذلك تحديث التعليم وتأثير هذا التحديث في نشأة الأدب العربي الحديث، ثم تناول أثر الطباعة وولادة حركة الترجمة والصحافة، وتأثير الخديو إسماعيل في «حركة التغريب Westernization»، ثمّ يتناول بدوي موضوعة التغريب والإسلام ونشوء مفهوم جديد للأدب بالاقتران مع تنامي طبقة جديدة من الجمهور القارئ. يحدّد بدوي في نهاية هذا القسم ثلاث فترات لتطوّر الأدب العربي الحديث:
الفترة الأولى، فترة الترجمات والاقتباسات وبزوغ الكلاسيكية الجديدة (النيوكلاسيكية).

غلاف الترجمة العربية

الفترة الثانية، صعود الرومانتيكية والحركة القومية (لا بد –كما أرى- في هذا المقام من تفكيك العلاقة المشتبكة بين الوطنية والقومية. هنا نرى القومية شكلاً من الحسّ الرومانتيكي المقترن بنشوء الأمة – الدولة).
الفترة الثالثة، فك ارتباط الأدب مع الرومانتيكية بالتزامن مع تعاظم مشهد الآيديولوجيات المتصارعة.
أما في القسم الثاني وعنوانه «الترجمات والاقتباسات في أعوام 1834 – 1914» فيتناول فيها المستعرب الأميركي بيير كاكيا، أستاذ الأدب العربي في جامعة كولومبيا، موضوعات مركزية أهمها المساهمة الجوهرية للمسيحيين العرب (السوريين بخاصة) في ترجمة الأعمال الأدبية الغربية وإعلاء الحسّ القومي العربي.
يتناول الكتاب الشعر العربي الحديث في ثلاثة فصول؛ تناول الأوّل منها شعراء المدرسة الكلاسيكية الجديدة، وتناول الثاني الشعراء الرومانتيكيين، أما الثالث فتناول شعراء الحركة الحداثية.
تناولت الفصول الثلاثة التالية موضوع الرواية؛ اختصّ الفصل الخامس ببدايات الرواية العربية، فيما تناول الفصل السادس الرواية العربية (الناضجة mature) خارج مصر، وتُرك الفصل السابع لتتناول فيه الأستاذة المستعربة هيلاري كيركباترك من جامعة بِرن، وبشكل حصري، الرواية المصرية منذ نشر رواية «زينب» لمحمد حسين هيكل حتى عام 1980. لابأس من الإشارة إلى أنّ الفصلين الخامس والسادس كتبهما الأستاذ روجر آلن Roger Allen، أستاذ الأدب العربي بجامعة بنسلفانيا الذي عرفناه عَلَماً من أهم أعلام الغرب المتخصصين بالأدب العربي (والرواية العربية الحديثة بالتحديد)، وله في هذه الميادين مؤلفات مهمّة ومترجمة إلى العربية.
اختصّ الفصل الثامن من الكتاب بالقصة القصيرة، ونكفّل بكتابة هذا الفصل الدكتور صبري حافظ، الأستاذ بجامعة لندن. أعقب هذا الفصل فصلان تناولا المسرحية، تناول بدوي في أولهما بدايات الأدب المسرحي العربي من مارون النقاش حتى عشرينات القرن العشرين؛ أما الفصل التالي فتغطي فيه دراسة الدكتور علي الراعي الأدب المسرحي في الوطن العربي من ثلاثينيات القرن العشرين حتى العقد الثمانيني فيه.
توزّعت الفصول الأربعة الأخيرة من الكتاب على موضوعات: الأسلوبيين Stylists، ويقصدُ بهم كُتّاب النثر الفني ابتداء من كتاب «الإنشاء» للشيخ حسن العطّار ثم من أعقبوه من أمثال الرافعي والمنفلوطي ومي زيادة وطه حسين... إلخ. تلا ذلك فصل عن النقّاد العرب وحركة النقد العربي، ثمّ تناول الفصلان الأخيران (وهما أكثر فصول الكتاب إسهاباً، حسب رأي محرّر الكتاب الدكتور بدوي) الكاتبات النسويات العربيات ثمّ شعر العامية العربية. سوّغ المحرّر طول الفصلين الأخيرين بأنّ موضوعيهما لم ينالا قدراً مستحقاً من البحث والدراسة في الأدبيات العربية والعالمية. انتهى الكتاب –كما هو متوقّعٌ- بقائمة مكثفة من المراجع وفهرس شامل للأسماء والعناوين.


غلاف النسخة الإنجليزية

ثمّة الكثير مما يمكن أن يقال بشأن طبيعة هذا الكتاب من حيث موضوعاته وهيكليته. أظنّ أنّ الإشارات التالية تصلحُ أن تكون نقاط شروع لمساءلة الكتاب:
1. قرنان في دراسة أي أدب عالمي هي فاصلة زمنية طويلة لو درسنا أي جنس أدبي وحده؛ فكيف الحال إذا اقترن طول الزمن مع تنوّع الأجناس الأدبية بين شعر ورواية وقصة قصيرة ومسرحية ونقد أدبي وشعر عامي؟! ألم يكن الأفضل تخصيص كتاب مرجعي من كتب «كامبريدج» لكلّ جنس أدبي وحده؟ ربّما سيسوّغ القائمون على أمر تواريخ «كامبريدج» أنّ هذه التواريخ تخاطب القارئ الأجنبي وليس العربي المتخصص؛ وعليه سيكون الاختصار مطلوباً. هذا صحيح؛ لكن مَنْ من الأجانب سيقرأ هذه التواريخ؟ إنّه المهتم بشؤون الاستعراب والعالم العربي ولن يكون قارئاً سياحياً عابراً؛ وعليه فإنّ الإيغال في الاختصار أراه مثلبة في هذا الكتاب.
2. نفهم بالبداهة أنّ كلّ عمل تحريري لا بد أن يشهد جمعاً من المؤلفين ذوي الخلفيات الثقافية والفكرية المتباينة؛ لكنّ أحد واجبات القائم بأمر التحرير هو انتخاب مؤلفين ذوي خلفيات متقاربة كلّما أمكن ذلك (وهو أمرٌ شاق وليس بالمستطاع دوماً). نشهدُ في الكتاب تبايناً شاسعاً في خلفيات المؤلفين: هناك روجر آلن المتمرّس بالأدب العربي والمنطقة العربية وصديق معظم الأدباء العرب، ثم هناك المستعربون ومتخصصو الأدب العربي الذين لا يرتقون لمرتبة آلن. لا أقول إن هذه مثلبة معيبة في الكتاب بقدر ما أريدُ القول إن تبايناً كبيراً في معرفة المؤلفين بالأدب العربي وجغرافية وتاريخ المنطقة العربية سيكون أمراً بيّناً لكلّ قارئ مدقّق في حيثيات التفاصيل الصغيرة في الكتاب.
3. الكتاب في معظم مادته ذو طبيعة وقائعية وتاريخانية؛ بمعنى أنّه يكتفي بعرض الوقائع وأرخنتها من غير الغوص عميقاً في دراسة الخيوط الخفية المؤثرة في تشكيل الأدب وصناعته، وليس هذا بالأمر الذي يقلّل من شأن الكتاب الذي يتوجّه لمخاطبة القارئ الغربي وليس العربي. هذا الكتاب سيكون بالتأكيد مصدراً ممتازاً لطلبة الدراسات العليا؛ لكنّ الباحثين المدققين في تاريخ الأدب العربي سيكونون في حاجة لكتب أكثر تخصصاً.
4. الاختلاف بيّن في أسلوب الكتابة. واضحٌ أنّ المستعربين يكتبون بطريقة تُعلي شأن الأعمال الكلاسيكية وتغفلُ شأن الأعمال الحديثة. الاتجاه الكلاسيكي بشكل عام له طغيان واضحٌ في نمط الكتابة وأسلوبها حتى لو كان الكاتب على دراية بالتوجهات الحداثية في الأدب العربي.
5. ربما كان المختصّون العرب أفضل من نظرائهم الأجانب في الكتابة عن الأدب العربي وبخاصة في الجوانب الحداثية منه؛ لذا لو زيدت المساحة المخصصة لمساهمة المختصين العرب في مثل هذه التواريخ فربما سيكون أمراً له نتائجه المحمودة. نعرف أنّ بعض المختصين العرب قد لا يتقن الكتابة باللغة الإنجليزية الاحترافية، وهنا لا بأس من ترجمة مساهماتهم إلى اللغة الإنجليزية من مترجمين احترافيين ذوي معرفة بشؤون الأدب العربي.
خطوة ممتازة أقدم عليها المركز القومي للترجمة في مصر بترجمة هذا الكتاب المرجعيّ، ولعله سيكون بشارة ودافعاً لترجمة باقي أجزاء تاريخ «كامبريدج» في الأدب العربي.


مقالات ذات صلة

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

كتب حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة

ندى حطيط
كتب النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية

«الشرق الأوسط» (عمان)
ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).