رحيل جان-لوك غودار... المخرج النابغة الذي عاش لسينماه

التزم بأسلوبه وأفكاره على مدى سنين طويلة

جان لوك غودار مع الفيلسوف الوجودي الفرنسي الشهير جان بول سارتر خلال جلسة مع صحافيين عام 1971 (أ.ف.ب)
جان لوك غودار مع الفيلسوف الوجودي الفرنسي الشهير جان بول سارتر خلال جلسة مع صحافيين عام 1971 (أ.ف.ب)
TT

رحيل جان-لوك غودار... المخرج النابغة الذي عاش لسينماه

جان لوك غودار مع الفيلسوف الوجودي الفرنسي الشهير جان بول سارتر خلال جلسة مع صحافيين عام 1971 (أ.ف.ب)
جان لوك غودار مع الفيلسوف الوجودي الفرنسي الشهير جان بول سارتر خلال جلسة مع صحافيين عام 1971 (أ.ف.ب)

توفي اليوم المخرج السويسري جان-لوك غودار وفازت صحيفة «ليبراسيون» بالخبر قبل سواها. نعته وذكّرت بما لا يحتاج إلى تذكير من نبوغ هذا المخرج وصدق اتجاهاته الفنية والسياسية. غودار مارس السينما بأسلوب مختلف تطوّر واختلف منذ البداية تبعاً لمراحل وظروف، لكنه لم يخرج من الخط الذي رسمه لنفسه: أن يكون مخرجاً هو أن تعبّر عن موقفك من السياسة والثقافة والتاريخ. إذا كنت قادراً على مزج كل ذلك بأسلوبك الخاص. وغودار مارسه بأسلوبه الخاص بلا ريب.

لقاء بدأ مسيرة
بالنسبة إليه، فإن الفيلم عليه أن يحكي الموضوع الذي يطرحه من جهة، وأن يحكي عن الفيلم ومكوّناته من جهة أخرى، ومرجعياته الفكرية أيضاً. هذا ما عمد إليه في أكثر من 70 فيلم روائي وغير روائي بدءاً من فيلمه الأول «نفس لاهث» سنة 1960 وصولاً إلى آخر فيلم له، ذاك الذي حققه سنة 2018 تحت عنوان «كتاب الصورة» The Image Book.
وُلد غودار في باريس لعائلة بروستانتينية ميسورة في الثالث من ديسمبر (كانون الأول) سنة 1930. في سن الثالثة عاد والداه إلى سويسرا. وعاد هو إلى باريس ليدرس علم الأجناس في السوربون سنة 1941. خلال فترة دراسته تلك واظب على حضور الأفلام في «نادي سينما الكارتييه لاتان» حيث تعرف على المنظر أندريه بازان وعلى هاويين للسينما انتقلا لاحقاً لصنع الأفلام هما جاك ريفيت وإريك رومير.
كانت لقاءات لطرح الأفكار وتبادل الآراء حول الأفلام التي يشاهدونها والحديث عن السينما الفرنسية والأميركية غالباً. هذه الأحاديث قادت إلى التفكير بتأسيس مجلة سينما. والمجلة فعلاً تأسست في العام 1950 باسم «كاييه دو سينما» التي لا تزال تصدر إلى اليوم.
أول مقال نقدي كتبه غودار لمجلة «كاييه دو سينما» نُشر في العام 1952 عن فيلم ألفريد هيتشكوك «غريبان في قطار» Strangers on a Train، لكن شغف غودار الأساسي لم يكن الكتابة فقط بل توخاها للوصول إلى غاية أخرى هي الإخراج. عندما وجد أن الكتابة لن تصنع له هذا المستقبل، عاد إلى سويسرا وعمل في البناء (من بين أشغال أخرى) بغية جمع ما يكفي لتحقيق ذلك الهدف.
في العام 1956، عاد إلى الكتابة من جديد ثم توقف مرة أخرى عنها لكي يخرج فيلمه الروائي الطويل الأول «نفس لاهث» الذي صوّره سنة 1959 وعرضه في العام 1960 عن سيناريو كتبه رفيقه الآخر فرانسوا تروفو. وهو منذ ذلك الحين لم يتوقف عن العمل باستثناء فترة منعزلة من حياته امتدت من العام 1972 إلى العام 1978 أخرج فيها أفلاماً قلما شوهدت نسبة إلى شروط حياة وتقاليد عمل وضعها لنفسه.


غودار في مهرجان برلين عام 1966 قبل إعلان فوز فيلمه Masculin, feminin بجائزة المهرجان (أ.ف.ب)

عندما غلبت السياسة
من العام 1959، تاريخ تحقيقه أول أفلامه، إلى اليوم، مرت سينما غودار بمراحل أربعة. كل منها يتميّـز بخضم من الأفكار التي أنجزت له مكانته الكبيرة الحالية على الرغم ما مر به من صعاب.
امتدت المرحلة الأولى من فيلمه الأول «نفس لاهث» إلى «واحد زائد واحد» سنة 1968. في تلك الفترة جرّب غودار عدة حلول لرغبته بكسر التقليد السردي المتّبع. شغله على أسلوبه كان قائماً، حسب تفسيره، على «الشكل المختلف ضد الشكل التقليدي» وشمل تأسيس كل ما قامت عليه سينماه لاحقاً.
المرحلة الثانية شهدت تبلور غودار من الإيمان بالوجودية إلى الإيمان بالماوية (حسب تعاليم ماو تسي سونغ).‫ كذلك بدت تأثيرات السينمائي الروسي دزيغا فرتوف ومنهجه المسمى بـ«سينما الحقيقة» واضحة على أعماله. إنها الفترة التي بدأت بفيلم «حكمة مرحة» (1968) وامتدت لبضع سنوات رفض فيها العمل ضمن «النظم البرجوازية» كما وصفها فرتوف في أبحاثه التي حلّل فيها التركيبات الاجتماعية، وبيّن أوجه ما سمّاه بـ«الصراع الذي يعايشه المخرج الملتزم إذا ما سمح لنفسه بالتعامل مع النظام الرأسمالي».
إعجاب غودار بدزيغا فرتوف دفعه، وجان بيير كورين، لتأسيس «جمعية دزيغا فرتوف» وإلى إعلان غودار أن منهجه بات «صنع أفلام ثورية بأسلوب ثوري». خلال هذه الفترة، انقطع غودار عن التعامل مع أبناء الصناعة السينمائية في فرنسا ملتزماً بتحقيق أفلامه عن الطبقة البروليتارية وحدها.
أما المرحلة الثالثة، فتقع أيضاً في السبعينات، وفيها بلغ تطرّف غودار السياسي حداً انقلب فيه حتى على أعماله السابقة. انتقل للعيش في بلدة غرينوبل مع زوجته الثالثة آن ماري ميافيل وأسس شركة اسمها دالٌ على منحاه الجديد في هذه المرحلة وهو SonImage أو «بلا صورة».
أعماله القليلة في تلك الفترة كانت أقرب الى «أفلام البيت» Home movies وأنجزها بعيداً عن أدوات السينما وبكاميرا فيديو مبكرة. الملاحظ أن هذه الفترة وقعت مباشرة بعد أن تعرّض غودار لحادثة حين كان ينطلق بدراجته النارية كاد أن يُقتل فيه. تأثير ذلك النفسي عليه ليس معروفاً لنا على نحو معمّق لكنه أدى، بوضوح، إلى عزلته واختيار الطريق الذي انعزل فيه وسينماه عن التواصل مع الآخرين حتى ولو كانوا من المؤيدين لطروحاته السابقة، فنية أو سياسية.
مع نهاية السبعينات بادر إلى التبلور من جديد فيما يمكن أن يطلق عليه الآن مرحلة رابعة. إنها فترة النضج الفني حتى ضمن أسلوبه الخاص. لكن عوض التبعثر فكراً وأسلوباً، صار أكثر تنظيماً، وضّب غودار أفكاره وصاغ منها مواضيع شيّقة سردها بأسلوب يحكي أكثر مما يُبدي.
هذا واضح في كل أعماله المتوالية في الثمانينات مثل «الاسم الأول كارمن» و«هايل ماري» و«تحري»، وصولاً إلى التسعينات وما بعدها كما الحال في «موتزار للأبد» و«موسيقى أخرى» و«فيلم سوشياليزم» و«غودار عن غودار: بورتريه شخصي»، وحتى «كتاب الصورة» الذي لم ينجز بعده شيئاً وإن قيل إنه كان يحضّر لتحقيق مشروع آخر على الأقل في القريب العاجل.


غودار مع النجم الفرنسي آلان ديلون في مهرجان كان عام 1990 (أ.ف.ب)

الفيلمان الأول والأخير
ما بين فيلمه الأول وفيلمه الأخير مسافات شاسعة ونبوغ واحد.
«نفس لاهث» فيلم روائي ويمكن له أن يوصف بفيلم بوليسي في الوقت الذي ينتمي إلى «سينما المؤلف» (تلك التي تبنتها جماعة نقاد «كاييه دو سينما») بكل راحة.
هو عن ميشيل (جان- بول بلموندو) الذي يسرق سيارة أميركية موديل أواخر الخمسينات لسبب يعلن عنه لاحقاً بقوله «أنا معجب بصناعتين أميركيتين: السيارات والأفلام». بعد مطاردة قصيرة يقتل ميشيل رجل بوليس ثم يعود إلى باريس ليسترد ديناً لصديق وليقابل المرأة الأميركية التي يحب (جين سييبرغ). يقول لها إن «الرجل لا يحب إلا من لا تناسبه» وهناك جزء طويل من الفيلم يدور في غرفة فندق يتبادلان فيه الكثير من الحديث الكاشف عن نقاط نفسية وعاطفية ستقود لما سيلي. تحاول باتريشا تجنّب فعل الحب معه رغم إصراره.
يدرس غودار العلاقة بينهما من منطلق منظور ميشيل أساساً إلى الحياة وموقف كل منهما حيال الآخر. هو مشهد طويل ليس لاختيار خطأ من المخرج، بل لأسلوبه في سرد الحكاية. الغاية إظهارهما قريبين-بعيدين: هي الباحثة عن شيء لا تعرفه، وهو ذو القناعة بأشياء يؤكد عليها: «أنتم الأميركيون معجبون بأغبى الشخصيات الفرنسية: لا فاييت وموريس شيفالييه». يقول لها موقظاً الحس بأن غودار هو الذي يقول. وغودار أيضاً هو الذي يضع على لسانها العبارة التالية (ولو في مشهد آخر): «لا أعرف إذا ما كنت غير سعيدة لأنني غير حرّة أو غير حرّة لأنني غير سعيدة».
حب ميشيل لفتاته لا يقابله حب متبادل، إذ تخبر عنه وينتهي مقتولاً في أحد شوارع العاصمة الفرنسية.
إلى جانب ما تبثه الحكاية من مشاعر وآراء فإن الإنجاز المنفرد هو التوليف المتوتر الذي نتج عن حذف فقرات من ثواني الفيلم بحيث تقفز اللقطة على الشاشة قصداً. هذه الحلول جاءت مدروسة وخالية من الخوف، ما صنع عملاً فنياً نموذجياً لسينما جديدة أرادت تغيير وجه السينما الفرنسية وكان لها ما أرادت.
أما فيلمه الأخير «كتاب الصورة» فهو تسجيلي، أو على وجه الدقة، فيلم غير خاضع للتصنيف. وينتمي إلى أعمال غودار الأخيرة التي لا تحكي شيئاً محدداً، لكنها في الوقت ذاته عن كل ما يخطر على بال غودار من أفكار عن الموسيقى وعن الحياة وعن الثقافة والسياسة و-طبعاً- عن الصورة.
شغل كهذا تطلّب منه التركيز على التوليف كيف يستطيع أن يخلق منه الشكل الطاغي والفريد عوض أن يسرد مواضيعه، تسجيلية كانت أو روائية، بالتتابع التقليدي وحسب لقطات رقمية.
هذا التوجه مارسه في «موسيقى أخرى» و«تاريخ السينما» و«وداعاً للغة» ولو امتد به العمر لمارسه لاحقاً كذلك.


غودار في حوار مع المنتج الإسرائيلي مناحم غولن على هامش مهرجان كان 1987 (أ.ب)

شخصية مثيرة للاهتمام
كان غودار دوماً شخصية مثيرة للإهتمام، لا كمخرج فقط (وهذا كافٍ بالتأكيد) لكن كشخصية شاركت في ثورة 1968 الثقافية وكان لها موقف مؤيد لفلسطين، وعندما رفض نياشين الدولة (مثل «نيشان الجدارة الوطنية الفرنسي» قائلاً: «لا أحب تلقي أوامر وليس عندي أي جدارة»)، وكذلك عندما هاجم غولدا مائير في فيلمه «هنا وفي غير مكان» (1976) فاتهم بمعاداة السامية وطُلب منه نفي ذلك لكنه لم يكترت للرد وأكمل طريقه في السينما كما أحب ورغب.
مهما كان من أمر غودار ومواقفه، فإنه من أولئك الذين يمكن وصف السينما به كأحد أركانها ومحدثيها وفنانيها الكبار.



مهرجان البندقية السينمائي يضيف وثائقياً عن غزة إلى اختياراته الرسمية

صورة نشرها مهرجان البندقية السينمائي تظهر مشهدًا من فيلم «نازا» (ا.ب)
صورة نشرها مهرجان البندقية السينمائي تظهر مشهدًا من فيلم «نازا» (ا.ب)
TT

مهرجان البندقية السينمائي يضيف وثائقياً عن غزة إلى اختياراته الرسمية

صورة نشرها مهرجان البندقية السينمائي تظهر مشهدًا من فيلم «نازا» (ا.ب)
صورة نشرها مهرجان البندقية السينمائي تظهر مشهدًا من فيلم «نازا» (ا.ب)

أعلن مهرجان البندقية السينمائي، الاثنين، عبر موقعه الإلكتروني أن فيلما وثائقيا عن غزة من إخراج مخرجين إسرائيليين حائزين جائزة الأوسكار، سينضم إلى الاختيارات الرسمية للدورة الثالثة والثمانين للمهرجان التي تقام في الفترة من 2 إلى 12 سبتمبر (أيلول).

وكان المخرجان يوفال أبراهام وراحيل تسور من بين المشاركين في تأليف الوثائقي الشهير «لا أرض أخرى» (No Other Land) الذي يتناول الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية والحائز جائزة أوسكار لأفضل فيلم وثائقي لعام 2025.

ويكشف هذا الفيلم الجديد الذي يحمل عنوان «نازا»، بالتفصيل «الآليات الكامنة وراء المجزرة المخطط لها التي ترتكبها إسرائيل بحق المدنيين الفلسطينيين في غزة» بحسب ما جاء في بيان مهرجان البندقية السينمائي.

وسيُعرض الفيلم في 10سبتمبر بحضور المخرجين والمنتجين وصحافيين من «ذي غارديان" البريطانية التي تشارك في الإنتاج.


هل قسا نجيب محفوظ على أبناء بلده في مجمل أعماله؟

«الفتوّة» (أفلام العهد الجديد)
«الفتوّة» (أفلام العهد الجديد)
TT

هل قسا نجيب محفوظ على أبناء بلده في مجمل أعماله؟

«الفتوّة» (أفلام العهد الجديد)
«الفتوّة» (أفلام العهد الجديد)

في 30 أغسطس (آب) الحالي، تكون قد مضت 20 سنة على وفاة نجيب محفوظ. عاش اسماً كبيراً ورحل محتفظاً بمكانته الرفيعة. نال شهرة واسعة، وأثرى الأدب العربي، في مصر وخارجها، بحكايات استمدّها من واقع الحياة في بلده. وفي الوقت نفسه، كتب محفوظ قصصاً وسيناريوهات للسينما، لكنه لم يتولَّ بنفسه اقتباس رواياته الأدبية للشاشة، بل ترك هذه المهمة لكتّاب سيناريو آخرين.

خلال مسيرته، اقتبست السينما عدداً كبيراً من رواياته وقصصه، بتوقيع مخرجين كثر. كذلك نهل التلفزيون والإذاعة والمسرح من أعماله، حتى بعد وفاته عام 2006، عن عمر ناهز 94 عاماً.

في عام 2020، قُدّمت مسرحية مقتبسة من روايته «أفراح القبة»، وفي العام التالي قُدّم على المسرح عملا «بين السماء والأرض» و«زقاق المدق»، وقد سبق تحويلهما إلى فيلمين سينمائيين شهيرين.

واقتبس التلفزيون عدداً كبيراً من روايات محفوظ وقصصه في مسلسلات وسهرات وأفلام تلفزيونية، ولا سيما منذ ثمانينات القرن العشرين. أما حضور محفوظ في السينما فبدأ عام 1947، عندما أخرج صلاح أبو سيف فيلم «المنتقم»، الذي شارك محفوظ في كتابة السيناريو عن قصة لإبراهيم عبود.

ومن بين الاقتباسات السينمائية المتأخرة لأعماله فيلم «النشوة في نوفمبر» عام 2009، وهو فيلم قصير أخرجته عايدة الكاشف عن قصة قصيرة لمحفوظ، وشاركت مع مصطفى يوسف في كتابة السيناريو والحوار.

«فتوات الحسينية» (أفلام محمد فوزي)

نوع جديد

لم يكن «المنتقم» واحداً من أهم أعمال صلاح أبو سيف، كما أن قصة الفيلم لم تختلف كثيراً عن الميلودرامات التي عرفتها السينما المصرية قبل ذلك التاريخ وبعده. لكنه مثّل بداية علاقة محفوظ بالكتابة السينمائية، وكان نجاح الفيلم كافياً لكي يعيد أبو سيف التجربة عام 1951، من خلال «لك يوم يا ظالم»، المقتبس من رواية «تيريز راكان» للكاتب الفرنسي إميل زولا، والذي شارك محفوظ وأبو سيف في كتابة السيناريو.

بعد ذلك، شارك محفوظ في كتابة سيناريو «ريا وسكينة»، الذي أُنتج عام 1952 وعُرض عام 1953. في عام 1954، شارك محفوظ في كتابة قصة وسيناريو فيلم «الوحش»، الذي أخرجه صلاح أبو سيف، وقام ببطولته أنور وجدي وسامية جمال، بينما أدى محمود المليجي شخصية «الوحش». وفي العام نفسه، أخرج نيازي مصطفى فيلم «فتوات الحسينية»، الذي شارك محفوظ ومصطفى في كتابة القصة والسيناريو، وكتب السيد بدير حواره، ومن بطولة فريد شوقي وهدى سلطان ومحمود المليجي.

مثَّل «فتوات الحسينية» بداية مبكرة لنوع جديد من الأفلام المصرية التي تدور أحداثها في الحارة الشعبية، وتستمد شخصياتها من بيئتها، بينما تتناول الصراع على الزعامة والسلطة داخل تلك الحارة.

بداية ونهاية (دينار فيلم)

تساؤلات

لم تكن الحارة المصرية، في واقعها وصورتها السينمائية، نسخة مطابقة للحارات الموجودة في عدد من العواصم العربية. كان هناك دوماً «قبضايات» في لبنان وسوريا، وما يوازيهم في العراق وسواه، لكن الحارة المصرية بدت لنا، بوصفنا مشاهدين، أكثر درامية من سواها.

الصراع على زعامة الحي، أو الحارة، في كتابات نجيب محفوظ وفي الأفلام المقتبسة منها، كان عنيفاً في الشكل كما في الجوهر: الضرب بالعصي الغليظة، وإراقة الدماء، والقتل، وفرض الإتاوات، وإجبار النساء على الزواج ممن لا يحببن. وكانت هذه الممارسات جميعاً تندرج تحت الصراع على من يحكم الحارة، بينما كان صاحب السلطة غالباً جائراً.

يدفع ذلك إلى طرح أسئلة عدة؛ من بينها: هل كان الواقع على هذا النحو فعلاً؟ وهل كان نجيب محفوظ قاسياً على شخصياته عموماً؟

ضمن هذا التساؤل، نلاحظ أن أفلاماً مثل «فتوات الحسينية»، و«فتوات بولاق»، و«الفتوة»، و«زقاق المدق»، و«الجوع»، قدّمت نماذج بشرية تتصارع على السلطة والنفوذ. واستمر هذا النوع حتى أواخر الثمانينات، وشمل أيضاً أفلاماً لا علاقة لها بنجيب محفوظ، مثل «السلخانة»، و«شادر السمك»، و«الباطنية».

نلاحظ ذلك في عدد من الأفلام التي كتب نجيب محفوظ قصصها، والتي تصوّر نماذج بشرية سلبية عديدة. ففي «فتوات بولاق» (يحيى العلمي، 1981)، يحتفظ ميمون، الذي يؤدي دوره فريد شوقي، بزعامة الحي، بينما يحيك محروس، الذي يؤدي دوره نور الشريف، خطته لانتزاع الزعامة منه، مستخدماً الوسائل نفسها. وفي «الشيطان يعظ» (أشرف فهمي، 1981)، تدخل الحارة بأكملها في صراع بين سلطتين، تحاول كل منهما قهر الأخرى. وبينهما مكوجي مضطهد، يؤدي دوره نور الشريف، يجد نفسه منجذباً إلى عالم الفتوات، طمعاً في القوة والنفوذ.

أما في «الفتوة» (صلاح أبو سيف، 1957)، الذي شارك محفوظ في كتابة السيناريو، فتؤول الزعامة إلى رجل ثار على السلطة القائمة، لكنه ما يلبث أن يكرر أخطاءها ويمارس أساليبها نفسها.

إدانة

حتى في الأفلام البعيدة عن عالم الفتوات والسلطة والقوة الذكورية والنرجسية العمياء، نجد أن محفوظ أحاط شخصياته بنقاط ضعف واضحة.

يُعدّ «بين السماء والأرض»، الذي أخرجه صلاح أبو سيف عام 1959، نموذجاً لهذا المنهج. كتب محفوظ قصة الفيلم مباشرة للسينما، بينما تولَّى السيد بدير وصلاح أبو سيف كتابة السيناريو والحوار. وتكشف الشخصيات العالقة في المصعد، خلال أحداث الفيلم، عن جوانب سلبية ونقاط ضعف متعددة.

ويقدّم «اللص والكلاب»، الذي أخرجه كمال الشيخ عام 1962 عن رواية محفوظ الصادرة عام 1961، نموذجاً أكثر جدية لهذا الاتجاه. بطله سعيد مهران، الذي يؤديه شكري سرحان، لص يخرج من السجن عازماً على الانتقام. أما الصحافي رؤوف علوان، الذي يؤديه كمال الشناوي، فقد شق طريقه من القاع إلى القمّة بالحيلة والنصب، في حين يشي عليش سدرة، الذي يؤديه زين العشماوي، بسعيد ويتزوج طليقته بعد دخوله السجن.

وفي «بداية ونهاية»، الذي أخرجه صلاح أبو سيف عام 1960 عن رواية محفوظ، تعاني الشخصيات جميعها من وطأة الفقر ومن نقاط ضعف ذاتية. حتى الأم، التي تؤديها أمينة رزق، والتي وهبت حياتها لأولادها، تفتقر إلى الوعي والقدرة اللذين كان من شأنهما حمايتهم من الانهيار.


شاشة الناقد: لقاءات قريبة مع الذكريات والطبيعة ووحوش الأمس

لقطة من فيلم «بعيداً عن الأشجار» (ملف مهرجان لوكارنو)
لقطة من فيلم «بعيداً عن الأشجار» (ملف مهرجان لوكارنو)
TT

شاشة الناقد: لقاءات قريبة مع الذكريات والطبيعة ووحوش الأمس

لقطة من فيلم «بعيداً عن الأشجار» (ملف مهرجان لوكارنو)
لقطة من فيلم «بعيداً عن الأشجار» (ملف مهرجان لوكارنو)

FAR FROM THE TREES

★★★★

> إخراج: ميريتشل كوليل أباريسيو

‫> إسبانيا، بيرو (2026)

> عروض مهرجان لوكارنو‬

«بعيداً عن الأشجار» فيلم مهرجانات على نحو مؤكد. نعم، سيُعرض في صالات منتقاة في أوروبا، وربما في بعض دول أميركا اللاتينية، غير أن هذا لن يعني انتشاره، فهو أصعب من أن يجذب حتى الباحثين عن سينما مبدعة.

هو فيلم روائي، لكنه ليس دراما، وليس فيلماً تسجيلياً، وليس زواجاً بين الدراما والتسجيلي، كما بات متوفراً في السنوات الأخيرة بكثرة. ما هو عليه حكاية امرأة مكسيكية اسمها أداليا (أنجليكا كاستيللو)، تعيش في فيينا، لكنها الآن تستكشف غابات بيرو المحاذية لنهر الأمازون. هي بصدد تحقيق تسجيل لصوت مواطني المنطقة ولغتهم التي تشرف على الاندثار. في الوقت نفسه، مهتمّة بلغة الطبيعة وأشجارها، والفيلم يتيح لهذين الاهتمامين (الناس والطبيعة) مشاهد متأنية في فيلم لا يكترث للإيقاع، بل يتقدّم كمركب صغير فوق سطح الماء بهدوء.

هذا هو جزء من توليفة الفيلم. الجزء الآخر يكمن في أنها تعيش في الماضي. تتذكر حياتها حين كانت فتاة صغيرة مع جدَّتها وجدِّها. كانت قد ترعرعت خلال الحرب الأهلية الإسبانية التي أثرت فيها وفي الشخصيات الأخرى التي واكبتها في تلك السن المبكرة.

تركيب قصَّة على هذه الحبكة صعب، لكن المخرجة تنجح في تأليف فيلم كامل عن حياة بطلته القلقة على مصير الناس والطبيعة، هائمة بين أمس حُرمت منه ومستقبل مجهول.

THE END OF OAK STREET

★★★

> إخراج: ديفيد روبرت ميتشل

‫> الولايات المتحدة (2026) ‬

> عروض: تجارية.

«نهاية شارع أوك» هو فيلم عائلي وفيلم كوارث في آن واحد. ينطلق بتقديم عائلة غير مرتاحة حيال وضعها الحالي ومستقبلها. تعيش في إحدى الضواحي بجانب عائلات أخرى. إيوان مكروغر هو الزوج العاطل عن العمل، الذي على شفير الإدمان على الكحول تحت عبء وضعه. زوجته دنيس (آن هاثاواي) تقوم بكتابة رواية تعكس وضعها، إذ تدور حول زوجة تسعى للانعتاق من الحياة الزوجية والانتقال إلى المدينة، وولداهما لديهما مشاكلهما الصغيرة التي قد تكبر إذا لم تتم معالجتها في الوقت المناسب.

آن هاثاواي في «نهاية شارع أوك» (وورنر برذرز)

الشارع ينتهي بجدار ليس بعيداً كثيراً عن منزل العائلة. المخرج ميتشل يقول في بعض أحاديثه إنه عاش في شارع مماثل ينتهي أيضاً بجدار، وكان يسأل نفسه دوماً، حين كان صغيراً، ما الذي يخفيه الجدار وراءه. في الفيلم، يبدو الجدار فاصلاً بين الحاضر وما قبله. ذلك لأنه في يوم عاصف ينتقل الحي بأسره إلى زمن بعيد، عندما كانت الديناصورات ما زالت حيَّة. فجأة، تغزو الديناصورات الحي بأسره، والجميع يصبحون في خطر، مهدَّدين بالموت بين أنياب تلك الوحوش.

العائلة التي في قلب هذا الفيلم تدرك أن الاتحاد العائلي هو الملجأ الأخير للدفاع عن نفسها أمام العدوان.

في «نهاية شارع أوك»، يُثمر الخطر الداهم عن وحدة مصير بين أفراد العائلة. يكتشف الزوج مسؤولياته، وتنبري الزوجة لقيادة العائلة صوب النجاة. يختار الفيلم الوحدة العائلية كرد على المخاطر المحدقة، وبذلك تصبح الوحوش مجازاً لمخاطر الحياة ذاتها، ومن بينها تفكك الروابط العائلية وتعثر تحقيق الحلم الأميركي. لا توجد قراءة أعمق من هذا المفاد السهل. إنه حل مريح لفيلم لا ينوي تعميق الدلالات، رغبة منه في الدفع باتجاه عنصرَي التشويق والحركة، وتجسيد حالة خيالية حول مواطنين عاديين في ظرف مفاجئ.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز