رحيل جان-لوك غودار... المخرج النابغة الذي عاش لسينماه

التزم بأسلوبه وأفكاره على مدى سنين طويلة

جان لوك غودار مع الفيلسوف الوجودي الفرنسي الشهير جان بول سارتر خلال جلسة مع صحافيين عام 1971 (أ.ف.ب)
جان لوك غودار مع الفيلسوف الوجودي الفرنسي الشهير جان بول سارتر خلال جلسة مع صحافيين عام 1971 (أ.ف.ب)
TT

رحيل جان-لوك غودار... المخرج النابغة الذي عاش لسينماه

جان لوك غودار مع الفيلسوف الوجودي الفرنسي الشهير جان بول سارتر خلال جلسة مع صحافيين عام 1971 (أ.ف.ب)
جان لوك غودار مع الفيلسوف الوجودي الفرنسي الشهير جان بول سارتر خلال جلسة مع صحافيين عام 1971 (أ.ف.ب)

توفي اليوم المخرج السويسري جان-لوك غودار وفازت صحيفة «ليبراسيون» بالخبر قبل سواها. نعته وذكّرت بما لا يحتاج إلى تذكير من نبوغ هذا المخرج وصدق اتجاهاته الفنية والسياسية. غودار مارس السينما بأسلوب مختلف تطوّر واختلف منذ البداية تبعاً لمراحل وظروف، لكنه لم يخرج من الخط الذي رسمه لنفسه: أن يكون مخرجاً هو أن تعبّر عن موقفك من السياسة والثقافة والتاريخ. إذا كنت قادراً على مزج كل ذلك بأسلوبك الخاص. وغودار مارسه بأسلوبه الخاص بلا ريب.

لقاء بدأ مسيرة
بالنسبة إليه، فإن الفيلم عليه أن يحكي الموضوع الذي يطرحه من جهة، وأن يحكي عن الفيلم ومكوّناته من جهة أخرى، ومرجعياته الفكرية أيضاً. هذا ما عمد إليه في أكثر من 70 فيلم روائي وغير روائي بدءاً من فيلمه الأول «نفس لاهث» سنة 1960 وصولاً إلى آخر فيلم له، ذاك الذي حققه سنة 2018 تحت عنوان «كتاب الصورة» The Image Book.
وُلد غودار في باريس لعائلة بروستانتينية ميسورة في الثالث من ديسمبر (كانون الأول) سنة 1930. في سن الثالثة عاد والداه إلى سويسرا. وعاد هو إلى باريس ليدرس علم الأجناس في السوربون سنة 1941. خلال فترة دراسته تلك واظب على حضور الأفلام في «نادي سينما الكارتييه لاتان» حيث تعرف على المنظر أندريه بازان وعلى هاويين للسينما انتقلا لاحقاً لصنع الأفلام هما جاك ريفيت وإريك رومير.
كانت لقاءات لطرح الأفكار وتبادل الآراء حول الأفلام التي يشاهدونها والحديث عن السينما الفرنسية والأميركية غالباً. هذه الأحاديث قادت إلى التفكير بتأسيس مجلة سينما. والمجلة فعلاً تأسست في العام 1950 باسم «كاييه دو سينما» التي لا تزال تصدر إلى اليوم.
أول مقال نقدي كتبه غودار لمجلة «كاييه دو سينما» نُشر في العام 1952 عن فيلم ألفريد هيتشكوك «غريبان في قطار» Strangers on a Train، لكن شغف غودار الأساسي لم يكن الكتابة فقط بل توخاها للوصول إلى غاية أخرى هي الإخراج. عندما وجد أن الكتابة لن تصنع له هذا المستقبل، عاد إلى سويسرا وعمل في البناء (من بين أشغال أخرى) بغية جمع ما يكفي لتحقيق ذلك الهدف.
في العام 1956، عاد إلى الكتابة من جديد ثم توقف مرة أخرى عنها لكي يخرج فيلمه الروائي الطويل الأول «نفس لاهث» الذي صوّره سنة 1959 وعرضه في العام 1960 عن سيناريو كتبه رفيقه الآخر فرانسوا تروفو. وهو منذ ذلك الحين لم يتوقف عن العمل باستثناء فترة منعزلة من حياته امتدت من العام 1972 إلى العام 1978 أخرج فيها أفلاماً قلما شوهدت نسبة إلى شروط حياة وتقاليد عمل وضعها لنفسه.


غودار في مهرجان برلين عام 1966 قبل إعلان فوز فيلمه Masculin, feminin بجائزة المهرجان (أ.ف.ب)

عندما غلبت السياسة
من العام 1959، تاريخ تحقيقه أول أفلامه، إلى اليوم، مرت سينما غودار بمراحل أربعة. كل منها يتميّـز بخضم من الأفكار التي أنجزت له مكانته الكبيرة الحالية على الرغم ما مر به من صعاب.
امتدت المرحلة الأولى من فيلمه الأول «نفس لاهث» إلى «واحد زائد واحد» سنة 1968. في تلك الفترة جرّب غودار عدة حلول لرغبته بكسر التقليد السردي المتّبع. شغله على أسلوبه كان قائماً، حسب تفسيره، على «الشكل المختلف ضد الشكل التقليدي» وشمل تأسيس كل ما قامت عليه سينماه لاحقاً.
المرحلة الثانية شهدت تبلور غودار من الإيمان بالوجودية إلى الإيمان بالماوية (حسب تعاليم ماو تسي سونغ).‫ كذلك بدت تأثيرات السينمائي الروسي دزيغا فرتوف ومنهجه المسمى بـ«سينما الحقيقة» واضحة على أعماله. إنها الفترة التي بدأت بفيلم «حكمة مرحة» (1968) وامتدت لبضع سنوات رفض فيها العمل ضمن «النظم البرجوازية» كما وصفها فرتوف في أبحاثه التي حلّل فيها التركيبات الاجتماعية، وبيّن أوجه ما سمّاه بـ«الصراع الذي يعايشه المخرج الملتزم إذا ما سمح لنفسه بالتعامل مع النظام الرأسمالي».
إعجاب غودار بدزيغا فرتوف دفعه، وجان بيير كورين، لتأسيس «جمعية دزيغا فرتوف» وإلى إعلان غودار أن منهجه بات «صنع أفلام ثورية بأسلوب ثوري». خلال هذه الفترة، انقطع غودار عن التعامل مع أبناء الصناعة السينمائية في فرنسا ملتزماً بتحقيق أفلامه عن الطبقة البروليتارية وحدها.
أما المرحلة الثالثة، فتقع أيضاً في السبعينات، وفيها بلغ تطرّف غودار السياسي حداً انقلب فيه حتى على أعماله السابقة. انتقل للعيش في بلدة غرينوبل مع زوجته الثالثة آن ماري ميافيل وأسس شركة اسمها دالٌ على منحاه الجديد في هذه المرحلة وهو SonImage أو «بلا صورة».
أعماله القليلة في تلك الفترة كانت أقرب الى «أفلام البيت» Home movies وأنجزها بعيداً عن أدوات السينما وبكاميرا فيديو مبكرة. الملاحظ أن هذه الفترة وقعت مباشرة بعد أن تعرّض غودار لحادثة حين كان ينطلق بدراجته النارية كاد أن يُقتل فيه. تأثير ذلك النفسي عليه ليس معروفاً لنا على نحو معمّق لكنه أدى، بوضوح، إلى عزلته واختيار الطريق الذي انعزل فيه وسينماه عن التواصل مع الآخرين حتى ولو كانوا من المؤيدين لطروحاته السابقة، فنية أو سياسية.
مع نهاية السبعينات بادر إلى التبلور من جديد فيما يمكن أن يطلق عليه الآن مرحلة رابعة. إنها فترة النضج الفني حتى ضمن أسلوبه الخاص. لكن عوض التبعثر فكراً وأسلوباً، صار أكثر تنظيماً، وضّب غودار أفكاره وصاغ منها مواضيع شيّقة سردها بأسلوب يحكي أكثر مما يُبدي.
هذا واضح في كل أعماله المتوالية في الثمانينات مثل «الاسم الأول كارمن» و«هايل ماري» و«تحري»، وصولاً إلى التسعينات وما بعدها كما الحال في «موتزار للأبد» و«موسيقى أخرى» و«فيلم سوشياليزم» و«غودار عن غودار: بورتريه شخصي»، وحتى «كتاب الصورة» الذي لم ينجز بعده شيئاً وإن قيل إنه كان يحضّر لتحقيق مشروع آخر على الأقل في القريب العاجل.


غودار مع النجم الفرنسي آلان ديلون في مهرجان كان عام 1990 (أ.ف.ب)

الفيلمان الأول والأخير
ما بين فيلمه الأول وفيلمه الأخير مسافات شاسعة ونبوغ واحد.
«نفس لاهث» فيلم روائي ويمكن له أن يوصف بفيلم بوليسي في الوقت الذي ينتمي إلى «سينما المؤلف» (تلك التي تبنتها جماعة نقاد «كاييه دو سينما») بكل راحة.
هو عن ميشيل (جان- بول بلموندو) الذي يسرق سيارة أميركية موديل أواخر الخمسينات لسبب يعلن عنه لاحقاً بقوله «أنا معجب بصناعتين أميركيتين: السيارات والأفلام». بعد مطاردة قصيرة يقتل ميشيل رجل بوليس ثم يعود إلى باريس ليسترد ديناً لصديق وليقابل المرأة الأميركية التي يحب (جين سييبرغ). يقول لها إن «الرجل لا يحب إلا من لا تناسبه» وهناك جزء طويل من الفيلم يدور في غرفة فندق يتبادلان فيه الكثير من الحديث الكاشف عن نقاط نفسية وعاطفية ستقود لما سيلي. تحاول باتريشا تجنّب فعل الحب معه رغم إصراره.
يدرس غودار العلاقة بينهما من منطلق منظور ميشيل أساساً إلى الحياة وموقف كل منهما حيال الآخر. هو مشهد طويل ليس لاختيار خطأ من المخرج، بل لأسلوبه في سرد الحكاية. الغاية إظهارهما قريبين-بعيدين: هي الباحثة عن شيء لا تعرفه، وهو ذو القناعة بأشياء يؤكد عليها: «أنتم الأميركيون معجبون بأغبى الشخصيات الفرنسية: لا فاييت وموريس شيفالييه». يقول لها موقظاً الحس بأن غودار هو الذي يقول. وغودار أيضاً هو الذي يضع على لسانها العبارة التالية (ولو في مشهد آخر): «لا أعرف إذا ما كنت غير سعيدة لأنني غير حرّة أو غير حرّة لأنني غير سعيدة».
حب ميشيل لفتاته لا يقابله حب متبادل، إذ تخبر عنه وينتهي مقتولاً في أحد شوارع العاصمة الفرنسية.
إلى جانب ما تبثه الحكاية من مشاعر وآراء فإن الإنجاز المنفرد هو التوليف المتوتر الذي نتج عن حذف فقرات من ثواني الفيلم بحيث تقفز اللقطة على الشاشة قصداً. هذه الحلول جاءت مدروسة وخالية من الخوف، ما صنع عملاً فنياً نموذجياً لسينما جديدة أرادت تغيير وجه السينما الفرنسية وكان لها ما أرادت.
أما فيلمه الأخير «كتاب الصورة» فهو تسجيلي، أو على وجه الدقة، فيلم غير خاضع للتصنيف. وينتمي إلى أعمال غودار الأخيرة التي لا تحكي شيئاً محدداً، لكنها في الوقت ذاته عن كل ما يخطر على بال غودار من أفكار عن الموسيقى وعن الحياة وعن الثقافة والسياسة و-طبعاً- عن الصورة.
شغل كهذا تطلّب منه التركيز على التوليف كيف يستطيع أن يخلق منه الشكل الطاغي والفريد عوض أن يسرد مواضيعه، تسجيلية كانت أو روائية، بالتتابع التقليدي وحسب لقطات رقمية.
هذا التوجه مارسه في «موسيقى أخرى» و«تاريخ السينما» و«وداعاً للغة» ولو امتد به العمر لمارسه لاحقاً كذلك.


غودار في حوار مع المنتج الإسرائيلي مناحم غولن على هامش مهرجان كان 1987 (أ.ب)

شخصية مثيرة للاهتمام
كان غودار دوماً شخصية مثيرة للإهتمام، لا كمخرج فقط (وهذا كافٍ بالتأكيد) لكن كشخصية شاركت في ثورة 1968 الثقافية وكان لها موقف مؤيد لفلسطين، وعندما رفض نياشين الدولة (مثل «نيشان الجدارة الوطنية الفرنسي» قائلاً: «لا أحب تلقي أوامر وليس عندي أي جدارة»)، وكذلك عندما هاجم غولدا مائير في فيلمه «هنا وفي غير مكان» (1976) فاتهم بمعاداة السامية وطُلب منه نفي ذلك لكنه لم يكترت للرد وأكمل طريقه في السينما كما أحب ورغب.
مهما كان من أمر غودار ومواقفه، فإنه من أولئك الذين يمكن وصف السينما به كأحد أركانها ومحدثيها وفنانيها الكبار.



نجومية لا تنقذ الأفلام... لماذا أدار الجمهور ظهره لبراد بِت وتوم كروز؟

مايكي ماديسون وجيريمي ألن وايت في «سوشال ريكونينغ» (ألكون إنترتينمنت)
مايكي ماديسون وجيريمي ألن وايت في «سوشال ريكونينغ» (ألكون إنترتينمنت)
TT

نجومية لا تنقذ الأفلام... لماذا أدار الجمهور ظهره لبراد بِت وتوم كروز؟

مايكي ماديسون وجيريمي ألن وايت في «سوشال ريكونينغ» (ألكون إنترتينمنت)
مايكي ماديسون وجيريمي ألن وايت في «سوشال ريكونينغ» (ألكون إنترتينمنت)

شهد الأسبوعان الماضيان سقوط 3 أفلام بنسب متفاوتة. هذا لا يحدث للمرّة الأولى، لكن اللافت أنّ اثنين منها بقيادة ممثلين من رتبة نجوم. الفيلم الثالث لا يحمل نجوماً، وإنما يحارب بسيف مضمونه.

في البداية، تقدّم إلى حقل الألغام فيلم «قلب الوحش» من بطولة براد بِت وإخراج ديفيد آير. استند هذا الفيلم إلى حكاية عاطفية إنسانية تربط بين كلب وصاحبه. كلّ منهما يحتاج إلى الآخر لينقذه من مخاطر المنطقة الموحشة التي وجدا نفسيهما فيها. تكلَّف الفيلم 82 مليون دولار، وحقَّق نحو 134 مليون دولار عالمياً، علماً بأن الإيرادات الإجمالية لا تمثّل أرباحاً صافية بعد اقتطاع حصة دور العرض وتكاليف التسويق.

الثاني هو فيلم «ديغر» الذي يحمل اسمين مهمّين؛ أحدهما تجاري هو توم كروز، والآخر فنّي هو المخرج أليخاندرو غونزاليز إيناريتو. بلغت ميزانيته الإنتاجية، وفق تقديرات منشورة، ما بين 160 و180 مليون دولار، وحقَّق نحو 35 مليون دولار عالمياً خلال أيامه العشرة الأولى.

توم كروز في «ديغر» (وورنر برذرز)

الفيلم الثالث، «سوشال ريكونينغ»، انطلق هذا الأسبوع بميزانية محدودة لا تتجاوز 30 مليون دولار، وحقَّق افتتاحاً متواضعاً بلغ 5.5 مليون دولار في أميركا الشمالية. هو الوحيد بين الثلاثة الذي لا يحمل أسماء ممهورة بالشهرة التجارية نفسها. مخرجه آرون سوركين معروف لمتابعي الأفلام وهُواتها، وبطلاه جيريمي ألن وايت ومايكي ماديسون معروفان خصوصاً لدى متابعي السينما. على ذلك، فإن سقوطه في «شباك التذاكر» له أهمية تتساوى مع أهمية الفيلمين الآخرين.

إقبال وعزوف

«قلب الوحش» يحمل مواصفات تجارية أكثر ممّا يحمل عناصر فنية. هو فيلم مغامرات تقع أحداثه في مناطق غير مأهولة في ولاية ألاسكا، بطلها ضابط من القوات الخاصة نجا من تحطّم طائرته. معه في الطائرة كلبه الوفي. كلاهما يتعرَّض على الأرض لمآزق تكاد تودي بحياته. بطل الفيلم (براد بِت) ينقذ الكلب أحياناً، والكلب ينقذه أحياناً أخرى.

حبكة جيّدة، بصرف النظر عن أنّ الحكاية تعرض خيطاً من الوقائع المتوقعة، وأداء بِت يبقي الفيلم دون مستوى الإثارة رغم نجاح مَشاهد الخطر. إلى ذلك، لا معنى وراء مشهد نرى فيه دباً ضخماً يُغيّر رأيه بعد تحديق طويل في الطيّار ويتركه وشأنه (ربما تذكّر الدب أن السيناريو لا ينصّ على مهاجمة البطل). ثم تبرد أجواء الفيلم بكاملها مع مشهد النهاية، حيث أحدهما سيقضي والثاني سيعيش.

نقدياً، وُوجه الفيلم بنسبة عالية من غير المعجبين، لكن سقوطه يبقى غريباً، كون الجمهور السائد لا يقرأ النقد، وإذا فعل فلا يمتثل له. إلى ذلك، فإن وجود براد بِت في الواجهة كان يُفترض أن يسهم في تحقيق إيراد أعلى.

بالنسبة إلى فيلم «ديغر»، فإن المشكلة أكبر حجماً. هذا فيلم رسالة سياسية على غرار «معركة تلو أخرى» قبل عام، أو «أوبنهايمر» قبل 3 أعوام. لماذا نجح هذان الفيلمان وسقط هذا الفيلم تحديداً؟

فيلم بول توماس أندرسن «معركة تلو أخرى» هو فيلم أكشن. تكلّف نحو 140 مليون دولار، وحقَّق نحو 213 مليون دولار. لا تكفي هذه الأرقام وحدها للجزم بأرباحه أو خسائره، لكنه حقّق إيرادات تفوق ميزانيته الإنتاجية.

أما «أوبنهايمر» لكريستوفر نولان، فإنّ تكلفته بلغت نحو 100 مليون دولار، لكنه وثب عالياً، محقّقاً نحو مليار دولار (975 مليوناً و811 ألفاً و333 دولاراً وفق بيانات «IMDb»). هذا ما دفع الشركة المنتجة «يونيفرسال» إلى رصد ميزانية ضخمة لفيلم نولان التالي «الأوديسة»، الذي حقّق إيرادات تجاوزت 1.7 مليار دولار عالمياً. الفيلم ليس جماهيرياً بالمعنى التقليدي، لكنه يحمل عناصر تجارية وفكرية متوازية.

«ديغر» موضوع جاد أيضاً حول تهديد البيئة ومسؤولية ذلك الملياردير «ديغر» (توم كروز) عن تعريض البيئة والعالم للخطر. هذه الرسالة لم تُثر الجمهور مطلقاً، ولم يرغب في مشاهدة توم كروز بكرش، ولو صغير، وشعر خفيف، رغم أنّ تمثيله يستحق «الأوسكار» المقبل، وربما سيكسبه.

براد بِت في «قلب الوحش» (باراماونت)

رسالة لا تصل

إيضاحاً، يُضاف إلى الكلفة الإنتاجية المعلنة لفيلم «ديغر» (160 مليون دولار وفق أحد التقديرات) نحو 100 مليون دولار للدعاية والإعلام، ممّا يرفع مجموع الكلفة المقدّرة إلى 260 مليون دولار، لا قيمة الخسارة الصافية. هذا شأن كل فيلم آخر، وهو ما يوضح لماذا أخفق «قلب الوحش» تجارياً.

يلتقي «سوشال ريكونينغ» لآرون سوركين مع «ديغر» في أن كليهما فيلم رسالة. الأول يكشف عن سلطة «فيسبوك» ورئيسها مارك زوكربيرغ، في أحداث تشمل فضح التأثيرات السلبية للمنصة وطغيان الثروة، والثاني يهاجم جنوح رأس المال نحو نهب الثروات وضمّها إلى حسابه الخاص.

كلاهما فيلم برسالة متشابهة في موقفه ضد سطوة تقنيات القرن الحالي. يجمعهما كذلك مصير واحد: كلاهما حاول إيضاح الحقيقة عارية أمام المشاهد، لكن هذا كان قد قرّر منذ مدّة بعيدة أنه لا يكترث لما قد يقع للبيئة، ولا لمَن يؤثّر باسم التقنيات العصرية.

إنه موقف لم يتوقّعه أيّ من المخرجين إيناريتو وسوركين (ولا شركتا الإنتاج «وورنر برذرز» و«سوني بيكتشرز»). إيناريتو استند إلى نجاحاته السابقة، والآخر استند إلى نجاح فيلم كان سوركين قد كتبه ونال عنه «أوسكار» أفضل سيناريو مقتبس، هو «سوشال نتوورك»، الذي أخرجه قبل 16 سنة ديفيد فينشر. ليس أن سوركين أقل موهبة من فينشر فقط، بل وصل متأخّراً نحو هدفه.


شاشة الناقد: ملحمتان من مصر واليابان ترصدان تحوّلات المجتمع والسياسة

«القصص»: مشهد من الفيلم (سينينوفو)
«القصص»: مشهد من الفيلم (سينينوفو)
TT

شاشة الناقد: ملحمتان من مصر واليابان ترصدان تحوّلات المجتمع والسياسة

«القصص»: مشهد من الفيلم (سينينوفو)
«القصص»: مشهد من الفيلم (سينينوفو)

القصص

(جيد)

• إخراج: أبو بكر شوقي

• مصر، فرنسا (2026) | ملحمة عن عائلة ووطن

هناك كثير ممّا يمكن الحديث عنه في هذا الفيلم الخامس لمخرجه، وهذا كثير يفصح عن عمل ذي طروحات عدّة، تمتزج فيه حسنات كثيرة وبعض السلبيات.

إنه ميلودراما عن عائلة محورها «أحمد» (أمير المصري جيّد في كلّ مشاهده). لديه شقيقان، هما «شرف»، خالد مختار، و«حسن»، أحمد الأزعر. هذا الأخير يُجنَّد في الجيش قبيل حرب 1973 ويستشهد فيها، ممّا يترك تأثيراً نفسياً كبيراً في «أحمد»، فيترك فيينا، حيث كان قد حصل على منحة لدراسة الموسيقى، ويعود إلى القاهرة. عائلة «أحمد» كبيرة، وهي منصرفة إلى متابعة مباريات كرة القدم وما يدور من أوضاع في مصر قبيل هزيمة 1967 وبعدها، مروراً بحرب 1973، وصولاً إلى عام 1984. يمرّ الفيلم بذلك على مراحل جمال عبد الناصر، ثم أنور السادات وحسني مبارك، مبيّناً ما كان يعيشه الشارع بوصفه محيطاً عاماً، والعائلة بوصفها مثالاً.

كان «أحمد» قد التقى في فيينا صديقة المراسلة «إليزابيث»، ڤاليري باشنر، التي تأتي إلى القاهرة ويتزوّجان. لاحقاً، نراهما يُرزقان بولد. عند ذلك، تنتهي الصورة المرسومة والمزدحمة بمعالم الألم، ومن دون حنين. هذا ليس فيلم نوستالجيا، لأن لا شيء يدعو إلى الحبور في مراحل يبدو فيها الوطن موزّع الاتجاهات، ومواطنوه يدفعون الثمن في كلّ مرحلة. الدمج بين النموذج الشخصي المتوافر عبر «أحمد» وعائلته، وبين الشارع والأجواء السياسية وانعكاساتها، ناجح.

ما هو أقل نجاحاً أن المخرج نقل التعبير من فرد إلى آخر على نحو متكرّر. لم يعد الفيلم عن رؤية «أحمد» وحده، وإنما عن رؤى الأب والأم وباقي أفراد العائلة، يستدرجها المخرج لعكس آراء وحالات. أيضاً، هناك مَشاهد متكرّرة في مفادها. أحدها أن اشتغال المخرج على عبارة «السمكة بلا أجنحة والطير لا يسبح في الماء» تكرّر، مرّة مع شخصية يهودية التقاها «أحمد» في فيينا، ومرّة أخرى (بعد دقائق يسيرة) في مشهد من «Fiddler on the Roof» بطولة توبول. أيضاً، هناك رغبة لدى المخرج في خلق «ترند» شعبي لحكايته. بهذا، تتحوّل الدراما إلى ميلودراما، مع ما يلزمها من جدّية هنا وكوميديا هناك، وحتى مشهد احتفال راقص.

إلى كلّ ذلك، يعمد المخرج في عدد من المَشاهد الداخلية (منزل العائلة وخارجها) إلى التذكير بأنّ للكاميرا دوراً. نراها تنتقل من وجه إلى آخر بحركة أفقية سريعة، عوض اعتماد تأسيس المشاهد بأسلوب رصين يناسب جدّية الموضوع.

«أطفال غير معروفين»: آمي كوياي في مشهد من الفيلم (بنكر هِل)

CHILDREN UNKNOWN

(ممتاز)

• إخراج: ميوا نيشيكاوا

• اليابان (2026) | دراما | عروض «مهرجان تورنتو»

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وإلقاء القنبلتين النوويتين على هيروشيما وناغازاكي، أفاقت اليابان على مشكلات جيل من الأطفال فقدوا ذويهم في هاتين المدينتين، أو وجدوا أنفسهم ضحايا البطالة والظروف الاجتماعية في بلد يحاول الوقوف على قدميه من جديد.

بطلة الفيلم فتاة تُدعى «كوتوكو»، آمي كوياي، في الـ12 من عمرها، وابنة عائلة شجّعتها على عزف البيانو، لكنها الآن مشرَّدة ومعرّضة لخطر الاعتداءات والجوع. نتيجة ذلك، تقصّ شعرها وتتنكّر في زيِّ صبي، ممّا يتيح لها الانضمام إلى صبيان يعيشون في مثل حالتها، وتحت وطأة الظروف القاسية نفسها. عصابة من «الياكوزا» تؤويهم وتدرّبهم على النشل والسرقة. هذا هو نصف الحبكة وجزء بسيط من الحكاية (لضيق المجال). النصف الآخر يتناول مدرّسة الموسيقى «فوميكو»، (فومي نيكايدو)، التي تبحث عن «كوتوكو». تكنّ «فوميكو» للفتاة تقديراً إنسانياً وفنياً كبيراً، وتريد إنقاذها ودفعها إلى العودة للعزف. والفيلم ينتقل من الحبكة الأولى (التي تستغرق معظم الوقت) إلى الحبكة الثانية بسلاسة ومن دون افتعال.

إلى جانب ما توفّره المخرجة نيشيكاوا من إدارة للأحداث بحرفية تنفيذية مثيرة للإعجاب، هناك قدرتها على أن تبقى دائماً فوق الحكاية التي تسردها، قريبة من شخصياتها وذات رؤية شاملة في الوقت ذاته. يخلق ذلك عملاً مثيراً جداً للإعجاب على أكثر من مستوى؛ أوّلها إنساني يتعلّق بالوضع الذي تعيشه «كوتوكو»، والذي يهدّدها باستمرار، وثانيها القالب التاريخي الذي تدور الحكاية في أرجائه. كلّه ضمن نسيج فنّي لا يخلو من الرموز والمجازات، من دون التخلّي عن وضوح رؤيته وموضوعه. فيلم آسر لا يجب تفويته.


«ديغر» صرخة ضد العبث بالبيئة يطلقها إيناريتو وكروز

 المخرج إيناريتو وراء ممثليه  (وورنر برذرز)
المخرج إيناريتو وراء ممثليه (وورنر برذرز)
TT

«ديغر» صرخة ضد العبث بالبيئة يطلقها إيناريتو وكروز

 المخرج إيناريتو وراء ممثليه  (وورنر برذرز)
المخرج إيناريتو وراء ممثليه (وورنر برذرز)

أول ما يسترعي الاهتمام حتى من قبل أن يبدأ فيلم «ديغر» في استعراض خطابه السياسي، ذلك القدر الكبير من الخيال الكامن في كتابته ثم ما يوازي ذلك الخيال حجماً من تنفيذ فني وإنتاجي. وهو في هذا يشترك مع عدد من أبرز أفلام السنوات الأخيرة، مثل «ميغالوبوليس» لفرنسيس فورد كوبولا و«فرانكنشتاين» لغييرمو دل تورو و«معركة بعد أخرى» لبول توماس أندرسن و«الأوديسا» لكريستوفر نولان.

إنها هذه الأفلام ومثيلاتها التي توعز بأن هوليوود لا تكتفي بتحقيق أفلام سهلة القبول لدى الجمهور السائد، بل، وبفضل مخرجين لهم الكلمة الأخيرة، تدفع باتجاه سينما ذات فن وكلمة.

توم كروز وريز أحمد في «ديغر» (وورنر برذرز)

جبل من الجليد

يلتقي فيلم «ديغر» لأليخاندرو غونزاليس إيناريتو مع «ميغالوبوليس» لفرنسيس فورد كوبولا في تصوّره عالماً غارقاً في اللهو والانشغال بذاته، إلى حد إهمال الأسئلة الجوهرية المتعلقة بسبب وجوده ومسار مستقبله.

لكن «ديغر» لا يتحدّث عن مستقبل بعيد، بل يضع ذلك المستقبل في قلب الحاضر، وكأنه واقع قائم بالفعل. بطله ديغر روكويل (توم كروز) أحد أكبر أصحاب القرار والنفوذ في العالم. ورث إمبراطورية النفط والغاز عن آبائه وأجداده، ثم وسّعها واستثمرها حتى بات يمتلك من السلطة والتأثير ما يجعل رئيس الولايات المتحدة (جون غودمان) يعقد اجتماعاته مع الوزراء والمستشارين في منزل ديغر، لا في البيت الأبيض.

يطير الرئيس إلى مقر ديغر ليبحث مستقبل الأرض بعدما تسبب الاحتباس الحراري في انفصال كتلة جليدية من القطب الشمالي، أخذت في الانجراف باتجاه أوروبا مهددة أجزاء واسعة منها. خلال اللقاء يتبادل الرجلان الاتهامات: الرئيس غاضب ولا يعرف كيف يتصرّف، وديغر يذكّره بأنه هو من وافق سابقاً على مشاريعه الاستثمارية. في هذه الأثناء كانت موجات التسوماني التي أحدثها انهيار جبل الجليد ابتلعت غرينلاند وهولندا وتواصلت في مسارها المدمر صوب ولاية ألاسكا وما بعدها.

يرسم إيناريتو صورة ساخرة وحقيقية محذّراً مما يفترض وقوعه إذا ما استمر العبث بالبيئة. إنه ليس افتراضاً بعيد الاحتمال، والسيناريو الذي كتبه المخرج بنفسه يروي حكاية مستندة إلى الواقع أكثر مما هي خيالية. الخيال والواقع هنا مدمجان بسهولة مثل ورقة ذات وجهين لا يمكن فصلهما.

ديغر أمام المجلس (وورنر برذرز)

معجزة في البال

يبدو ديغر، في مستهل الفيلم، شخصية لا تُطاق. لا يكترث بالآخرين ويكره آراءهم. معتد بنفسه ولا يقبل أن يقترح عليه أحد ما عليه فعله لأنه لا يطيق وجهة نظر مخالفة لما يراه.

عندما تقع الكارثة ويجتاح البحر أجزاء واسعة من أوروبا، يجد ديغر نفسه في مواجهة مجلس حاشد من الغاضبين المطالبين بمحاكمته. وكان مستشاره لشؤون البيئة، الدكتور غانش (ريز أحمد في أحد الأدوار الرئيسية)، قد واجهه منذ البداية بالحقيقة متهماً إياه بالمسؤولية المباشرة عما آلت إليه الأمور. غانش يدرك حجم الكارثة ولا يتردد في المجاهرة بها، حتى حين يرفض ديغر الاستماع إليه.

بعد معارضة يعترف ديغر أمام المجلس بمسؤوليته عن جزء مما حدث، لكنه يقلب الطاولة على الحاضرين، مذكّراً إياهم بأن الذنب ليس ذنبه وحده. فالقادة الذين منحوا التراخيص، ورجال الأعمال الذين سعوا وراء الأرباح، وحتى المستهلكون العاديون الذين طالبوا بالمزيد من الطاقة وما توفره من رفاهية وتقنيات حديثة، جميعهم شركاء في المسؤولية. وبذلك يحوّل إيناريتو الاتهام من فرد واحد إلى مجتمع بأسره، جعل من الاستهلاك المتزايد شرطاً للحياة المعاصرة، ثم فوجئ بالثمن البيئي الذي ترتب على ذلك.

يبدأ الفيلم بستارة مرسومة ترتفع كما لو أننا على وشك مشاهدة عرض مسرحي، وينتهي بتحويل العالم كله إلى خشبة مسرح. ففي المشهد الختامي، يقف الجمهور في الصالة مصفقاً لما شاهده من أحداث، أي للأحداث نفسها التي تابعناها نحن طوال الفيلم، وذلك بعد أن يلقي ديغر بنفسه في البحر.

وقبيل هذه النهاية، يقدّم الفيلم أحد أكثر مشاهده دلالة. فديغر، الذي بات يعيش على متن باخرة بعد الكارثة، يواجه مع مرافقيه أزمة نفاد الطعام. عندها يلجأ إلى الصلاة معتقداً أن معجزة ستنقذهم. يأمر الجميع بالركوع، ثم يقف ويرفع رأسه مبتسماً: لقد تحققت المعجزة وها هي الغرفة مليئة بالطعام. لكن هذا في خياله الجانح وحده. الباقون يدركون أن المعجزة لم تتحقق.

صوب الأوسكار

البداية بستارة مسرحية والنهاية المماثلة تعيداننا إلى فيلم إيناريتو «بيردمان‪:‬ الفضيلة غير المتوقعة للجهل» (Birdman or the Unexpected Virtue of Ignorance) الذي أخرجه سنة 2014 والذي دارت أحداثه داخل المسرح (ما عدا مشاهد قليلة). لكن هذا ليس اللقاء الوحيد بين الفيلمين. هناك أيضاً إدارة الكاميرا في مشاهد يتحرك فيها الممثل والكاميرا في ممرات ضيّقة بين الغرف. المصوّر في كلا الفيلمين واحد هو إيمانويل لوبيزكي.

ما هو مختلف هنا هو قيام المخرج بالاتفاق مع مدير التصوير باعتماد إضاءة باهتة خصوصاً في الساعة الأولى من الفيلم الممتد لنحو ساعتين وعشر دقائق. الضوء يفتقد الحدة والصفاء، إذ تغشاه مسحة باهتة تبدو جزءاً من رؤية الفيلم لعالم ديغر؛ عالم أقرب إلى حلم مضطرب أو كابوس مغبّش تذوب فيه الحدود بين الواقع والوهم. في مشاهد أخرى يميل الاختيار للون البنّي المشابه، حسب الفيلم، للعقلية التقليدية التي يتبناها ديغر والمسؤولين السياسيين والعسكريين.

لا يشبه أداء كروز في هذا الفيلم أي أداء سابق له. خطابه أمام المجلس يشبه خطاب ند بيتي في فيلم سيدني لومت «نتوورك» (1976) وروبرت دوڤال في «الحواريّ» (The Apostle) في 1997. يبدو كروز كما لو أنه أعاد اختراع نفسه وقد وصل إلى سن تسمح له بذلك.

السياسة في «ديغر» هي رداء يرتديه الفيلم بكامله. الرئيس الأميركي قُصد به أن يكون كاريكاتورياً، كذلك المحيطون به. مشكلته أنه آخر من يعلم في كل شيء. لا يستطيع أن يجد حلاً لشيء (ويعترف بذلك) لذا فإن القرار السهل هو لوم الصين وروسيا وشن حرب نووية عليهما، أي مواجهة كارثة بأخرى.

لكن الفيلم يقع في فخ صعب، إذ يطرح الأزمة بقوة ثم يعمد لتمييعها. كما في مشهد المحاكمة التي يخرج ديغر منها منتصراً بعدما وزع المسؤولية على الآخرين.

وفي النهاية يقرر إيناريتو إحالة كل ما سبق إلى عرض مسرحي داخل الفيلم. كان مارتن سكورسيزي خسر قضيّته في «قتلة فلاور مون» (2023) عندما حوّل الفيلم في نهايته إلى برنامج إذاعي. إيناريتو يكرر هذا النوع من النهايات الذي يكاد يُلغي المضامين السابقة ومفاداتها المهمّة.

لن يقف هذا المأخذ حائلاً دون نجاح الفيلم على صعيد الجوائز. فـ«ديغر» يمتلك كل المقومات التي تدفعه بقوة نحو موسم الأوسكار من ناحية الإخراج والتمثيل. إنه من تلك الأفلام التي تخاطب المزاج السائد في المرحلة الراهنة، حيث يتصاعد النقد الموجه إلى أصحاب القرار السياسي والاقتصادي، وإلى السياسات القصيرة النظر التي تهدد مستقبل العالم.