رئيس مجلس إدارة «ديور» لـ «الشرق الأوسط»: الموضة ثقافة تخاطب كل الحواس

بيترو بيكاري يضع لمساته على مفهوم التسوق كـ«مضاد» للـ«ميتافيرس»

«30 مونتين» مبنى «ديور» الرئيسي في باريس بحلته الجديدة
«30 مونتين» مبنى «ديور» الرئيسي في باريس بحلته الجديدة
TT

رئيس مجلس إدارة «ديور» لـ «الشرق الأوسط»: الموضة ثقافة تخاطب كل الحواس

«30 مونتين» مبنى «ديور» الرئيسي في باريس بحلته الجديدة
«30 مونتين» مبنى «ديور» الرئيسي في باريس بحلته الجديدة

الزائر إلى باريس هذه الأيام لن يفوته أن معلمة حديثة أضيفت إلى معالمها المهمة: ألا وهي 30 أفينو مونتين. عنوان يرتبط ارتباطاً وثيقاً بدار «ديور» منذ تأسيسها، وهو ما سيجعل البعض يقول إنه ليس جديداً بحُكم أنه يعود إلى الخمسينات من القرن الماضي، أي منذ أن جعله كريستيان ديور مقره الرئيسي في 15 ديسمبر (كانون الأول) 1946 تحديداً.


بيترو بيكاري رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لـ{كريستيان ديور كوتور} وخلفه تحفة فنية على شكل وردة بارتفاع 26 قدماً للفنانة إيسا جينزكن (تصوير: بريجيت لاكومب)

لكن شتان بين هذا العنوان بالأمس وصورته اليوم. فالزائر إليه هذه الأيام لا بد أن يصاب بالحيرة ما إذا كان المبنى بمساحته التي تُقدر بنحو 12 ألف متر مربّع، «بوتيك» فخم للتسوق أم هو متحف للغوص في تاريخ الدار أم فندق مصغر لقضاء بعض الوقت والانغماس في عالم ديور، أم ماذا؟
رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة كريستيان ديور كوتور بيترو بيكاري يجيب على هذه الأسئلة في لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» قائلاً إنه كل هذا وأكثر... إنه الوجه الجديد للتسوق بكل ما يحمله من مشاعر وإثارة لكل الحواس وترفيه». لم ينس أن يُشير إلى أنه تبلور كمضاد لعالم الميتافيرس رغم أن فكرته جاءت قبل أن يولد هذا المفهوم بالأساس. يشرح لي بحماس: «إنه يُلخص كل معاني الفن والثقافة لأن الموضة لم تكن يوماً عن الأزياء والإكسسوارات فحسب، بل هي ثقافة تعكس المجتمعات وتسجل تطوراتها كما تؤثر عليها. لدينا الآن 40 مليون متابع على «إنستغرام»، مما يجعلنا نأخذ دورنا وصورتنا بجدية حتى يكون تأثيرنا إيجابياً».


من البداية إلى النهاية يوفر البوتيك صوراً رائعة تُغذي كل احتياجات الجيل الجديد لالتقاط صور على إنستغرام

عندما اقترح بيكاري فكرة توسيع المبنى وإحداث تسهيلات جديدة فيه على المجموعة والمسؤولين بعد شهرين فقط من التحاقه بها، كان من الطبيعي أن يراها البعض مجازفة غير محسوبة النتائج. فإن يُغلق محل رئيسي يقع في موقع استراتيجي ويدر الملايين على الدار، ولأمد غير معروف، لا يُمكن أن يخطر على بال سوى شخص جامح أو عبقري أو يمتلك بلورة يقرأ بها ما سيأتي به المستقبل. لم يكن مفهوم الميتافيرس قد وُلد بعد، ولم يكن بيكاري جامحاً أو مُجازفاً، لأنه كان يعرف أن داراً بقيمة وحجم «ديور» قامت بشتى التطويرات التي يمكنه أن يُفكر فيها، لكنه كان يريد أن يترك بصمته وأثره فيها. لم يكن قد مر سوى شهرين على التحاقه بها عندما ألح عليه إحساس بأنه يجب أن يقدم شيئاً غير تقليدي لم يسبقه إليه أحد. لكن كيف يمكنه أن يُحقق ذلك كرئيس مجلس إدارة ورئيس تنفيذي فيها بشكل يستبق المستقبل ويبنى على ما تركه من كانوا قبله؟ زيارة لتفقُد حجرة كان المصمم الراحل كريستيان ديور يستعملها لأخذ قياسات التصاميم وتجربتها على العارضات، ثم تحولت فيما بعد إلى مستودع لوضع الكراكيب، ألهمته بإعادة تصميم المقر ككل واستغلال مساحة هذا المستودع الذي كان في يوم من الأيام مطبخ الأفكار والتصاميم وفي الوقت ذاته رد الاعتبار لمكان كان المؤسس يقضي فيه الكثير من الوقت. «في هذه المساحة ولدت الفكرة في فبراير (شباط) من عام 2018 وبدأت مناقشتها فعلياً في شهر مايو (أيار) من العام نفسه، أي قبل الجائحة. شعرت أننا نحتاج إلى مساحة أكبر، وهذا المُستودع الذي كانت تولد فيه أفكار المؤسس جعلني أشعر بأن من حقه علينا أن نحتفل به وبكل جوانب حياته، من حبه للطبخ إلى رغبته في أن يكون مهندساً معمارياً قبل أن يتحول إلى تصميم الأزياء مروراً بعشقه لزراعة الورود وباقي أنواع الفنون». كان المكان بالنسبة لبيكاري تاريخياً تكاد تشعر في كل ركن منه بروح كريستيان ديور تحوم حوله، لهذا عززه بتفاصيل يفهمها الزائر أكثر بعد مروره على متحف مصغر، «لاغاليري ديور» ملاصق للمكان تُعرض فيه تصاميم من خط الـ«هوت كوتور» منذ تأسيس الدار إلى اليوم، وفي الوقت ذاته قصاصات تتبع بدايات التأسيس وكل ما يتعلق بالراحل كريستيان ديور، بما في ذلك حبه لفن العمارة. هناك مثلاً قصاصة معروضة في القاعة تعود إلى عام 1955 قال فيها أثناء محاضرة ألقاها في جامعة السوربون: «كنت أرغب في أن أصبح مهندساً معمارياً؛ لهذا أجد نفسي الآن وبصفتي مصمم أزياء أحترم قوانين ومبادئ الهندسة المعمارية»... أصبح هذا التصريح بمثابة مانيفستو للدار، وفتح الباب أمام بيكاري ليقوم بتجميل المبنى بأدوات العصر وحسب متطلباته. فهو و«ديور» يعرفان أن طريقة نسج القصص وحكيها في غاية الأهمية. ورغم أن «30 أفينو مونتين غني بالتاريخ والقصص فإن طريقة إعادة نسجها بلغة العصر مستمرة لا تتوقف سواء في عروضها التي تتضمن شعارات نسوية واجتماعية والآن في معمارها وديكوراتها التي تستهدف إدخال الزائر إلى عالمها الخاص».


تمنح «لا غاليري ديور» للبوتيك زخماً ثقافياً يعبر عن إرثها المتوارث عدا عن سينوغرافيا سرديّة فريدة تؤكد فنيتها

ثم أن ثقافة التسوق في العالم الرقمي بالنسبة لبيكاري ولدت سلوكيات جديدة يتطلبها العصر، لم تنجح كلها في التعويض عن العاطفة التي يثيرها اكتشاف منتج جديد. «وهذا تحديداً ما شجعني على خلق فضاء يُجسد مفهوم الترف والفخامة، ويلعب في الوقت ذاته دوراً مضاداً لعالم الميتافيرس والتجارب الرقمية والافتراضية. فالتسوق أولاً وأخيراً ترف يوقظ أجمل المشاعر بعد لمس قطعة من الحرير أو الكشمير، أو شم رائحة عطر يستحضر ذكريات جميلة، كما أنه متعة اجتماعية تجمع الأصدقاء بشكل أو بآخر» حسب قوله. هذه المتعة أو المشاركة الجماعية يُوفرها المكان بشكل معاصر وحديث. فهناك جناح فخم في الطابق الرابع مُهيأ لكي يقضي فيه الزبون المهم بضعة أيام يستمتع فيها بكل تفاصيل الدار بعد أن يتسلم مفاتيح أبوابها المُغلقة. بإمكانه مثلاً التسوق في المساء بكل حرية بعد الإغلاق، أو دعوة أصدقاء على حفل عشاء كما كان المؤسس يعمل في حياته. «قد لا يكون الجناح بمساحة جناح في فندق كبير» حسب قول بيترو بيكاري «لكنه حميم ويتوفر على كل التسهيلات التي يحلم بها عاشق للموضة».


غرفة خاصة بالسيّد كريستيان ديور كانت تُستعمل في أيامه لأخذ المقاسات وتغيير الأزياء قبل خروج العارضات إلى منصّة العرض.

يشرح بيكاري بالكثير من الحماس أنه في الوقت الذي يجمع فيه المكان تناقضات شتى فإنه أيضاً يُروضها. فهو مثلاً ديمقراطي يمكن أن يحتسي فيه الزائر فنجان قهوة مع قطعة حلوى أو يزور فيه «لاغاليري ديور» بسعر 12 يورو فقط، ونخبوي يمكن أن يطلب فيه الزبون قطعة من «الهوت كوتور» أو يقتني قطعة مجوهرات تقدر بالملايين. كلما تم الصعود إلى الطوابق العلوية زادت خصوصيته وتفرده.
كان بيكاري يُدرك عند تقديمه فكرته للمسؤولين، أن تسويقها لهم يحتاج لتغلفيها بشكل مُغرٍ ومُربح من كل الجوانب. كان اقتراحه بأن يحتضن العنوان كافّة عوالم الدار وأوجهها المُتعدّدة، وأن يخاطب الجيل الجديد بتوفيره خلفية رائعة على «إنستغرام»، وأن يكون أيضاً متنوعاً وحميماً إلى جانب كونه معلمة تاريخية... والأهم من هذا أن يحقق النجاح التجاري المطلوب. وهو ما تحقق له: «فبعد ثلاثة أيام فقط من افتتاحه حققنا الكثير من المبيعات من بينها قطعة مجوهرات من الماس يُقدر سعرها بـ12 مليون يورو». بيد أن أكثر ما أثلج صدره رؤية ردود أفعال المنافسين الذين لم يتأخروا عن زيارة المكان لاستكشافه وكأنه مدرسة يأخذون منها أفكاراً للمستقبل «أكد لي هذا أننا كنا على صواب في اتخاذ هذه الخطوة الجريئة»، حسب قوله.


تستعرض «لا غاليري ديور» La Galerie Dior، المهارات الإبداعية لـ«كريستيان ديور» والمُصمّمين الستّة الذين خلفوه: إيف سان لوران ومارك بوهان وجيانفرانكو فيري وجون غاليانو وراف سيمونز وماريا غراتسيا كيوري

لم يكن هذا وحده مصدر اعتزازه. فعملية البناء والترميم استغرقت رقماً قياسياً لا يتعدى 18 شهراً تقريباً. «بدأنا العمل في أكتوبر (تشرين الأول) 2020 وافتتحناه في مارس (آذار) 2022 وهذا رقم قياسي». يقول بيكاري هذا وهو يستعرض مُبتسماً رسمات هندسية تبُين تطور تحول المبنى من مجرد هيكل فارغ بعد أن هُدم كل شيء بداخله إلى معلمة تاريخية وفنية وثقافية مُربحة. يُعيد الفضل في هذا إلى تعاونه مع مهندس الديكور العالمي بيتر مارينو، قائلاً إنه كان تعاوناً مُثيراً رغم الصعوبات التي شكلها البُعد الجغرافي واختلاف التوقيت بين باريس ونيويورك، مكان إقامة مارينو وطبعاً عدم القدرة على السفر خلال جائحة «كوفيد»، وهي الفترة الذي أنجز فيها العمل. «كانت هناك العديد من اللقاءات عبر (زووم) ولحسن الحظ كان بيننا انسجام وتفاهم. كنت أقضي الكثير من الوقت في عين المكان وأنا أحمل (آيباد) لكي أطلعه على تطورات العمل ونتبادل الأفكار والاقتراحات عن كل ركن وزاوية...كان الأمر في غاية المتعة لأنه كان جدلاً فكرياً مثيراً لا يمكن أن يتحقق سوى بين شخصيين بنفس العقلية ويفكران على نفس الموجة والمستوى».


جانب من لاغاليريا حيث تُعرض تحف نسجتها أنامل المؤسس والمصممون الستة الذين توالوا على الدار من إيف سان لوران إلى ماريا غراتزيا كيوري

أما عن حُلمه في ترك بصمته على الدار، وما إذا كان قد تحقق، فلم تكن هناك حاجة لطرح هذا السؤال لأن الأرقام الأخيرة تُشير إلى أن ديور قد انتقلت من المرتبة 12 في عام 2021 إلى المرتبة الأولى كأقوى ماركة أزياء حالياً.



باكستان تجري محادثات مع «طالبان» الأفغانية

عنصر من «طالبان» يقف فوق مركبة مدرعة بينما تنقل سيارات الإسعاف توابيت ضحايا غارة جوية باكستانية في كابل (أ.ف.ب)
عنصر من «طالبان» يقف فوق مركبة مدرعة بينما تنقل سيارات الإسعاف توابيت ضحايا غارة جوية باكستانية في كابل (أ.ف.ب)
TT

باكستان تجري محادثات مع «طالبان» الأفغانية

عنصر من «طالبان» يقف فوق مركبة مدرعة بينما تنقل سيارات الإسعاف توابيت ضحايا غارة جوية باكستانية في كابل (أ.ف.ب)
عنصر من «طالبان» يقف فوق مركبة مدرعة بينما تنقل سيارات الإسعاف توابيت ضحايا غارة جوية باكستانية في كابل (أ.ف.ب)

تجري باكستان وأفغانستان محادثات اليوم في الصين سعياً لإيجاد حلّ لإنهاء النزاع المستمر منذ أشهر بينهما، الذي تفجر إثر وقوع هجمات عبر الحدود، حسبما صرح مسؤولان لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الأربعاء.

ويأتي هذا الاجتماع في مدينة أورومتشي بشمال غربي الصين غداة زيارة لوزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار إلى بكين الثلاثاء التقى خلالها نظيره الصيني وانغ يي.

وناقش الجانبان دور إسلام آباد في مساعيها لحث الولايات المتحدة وإيران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، ووضعا خطة مشتركة من خمس نقاط لإنهاء الحرب.

وعاد دار إلى إسلام آباد، الأربعاء، بدعم صيني للجهود الدبلوماسية الباكستانية التي شهدت اجتماعاً لوزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا في العاصمة الباكستانية نهاية الأسبوع الماضي.

وسعت الصين للتوسط في النزاع المتصاعد بين باكستان وأفغانستان، وأرسلت مبعوثاً خاصاً وتعهدت بلعب «دور بنّاء في خفض التصعيد».

وتقول باكستان إنها تستهدف المتطرفين الذين نفذوا هجمات عبر الحدود، لكن السلطات في كابل تنفي إيواء أي مسلحين.

ولم يصدر أي تعليق فوري من وزارة الخارجية الباكستانية أو الجيش الباكستاني لدى تواصل «وكالة الصحافة الفرنسية» معهما، أو من الحكومة الأفغانية بشأن المحادثات.

لكن مسؤولاً أمنياً باكستانياً رفيع المستوى قال إن «وفداً يقوده مسؤول من وزارة الخارجية موجود في أورومتشي لعقد محادثات مع طالبان الأفغانية»، مضيفاً أن «الاجتماع جاء بطلب من أصدقائنا الصينيين».

ووفقاً لمسؤول حكومي آخر فإن «الاجتماع سيضع الأساس لحوار شامل» بين الجانبين.

وقال المسؤول الأول إن مطالب باكستان من أفغانستان «لم تتغير»، وحثّ كابل على «اتخاذ إجراءات يمكن التحقق منها» ضد المتطرفين و«إنهاء أي دعم» لهم.

كما تسعى باكستان إلى «ضمان عدم استخدام الأراضي الأفغانية قاعدة لشنّ هجمات ضد باكستان».

«الهدوء وضبط النفس»

وباكستان من أقرب شركاء الصين في المنطقة. وقد دعت بكين إلى «الهدوء وضبط النفس» في نزاع إسلام آباد مع أفغانستان.

ويُمثّل هذا الاجتماع أول تواصل جاد بعد فشل جهود وساطة سابقة سهلتها قطر وتركيا، للتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، ما دفع إسلام آباد إلى شنّ عملية عسكرية واسعة النطاق تضمنت غارات جوية في عمق أراضي أفغانستان.

تصاعدت حدة النزاع في 26 فبراير (شباط) بعد أيام قليلة من غارات جوية باكستانية أعقبها هجوم بري شنته القوات الأفغانية.

وأعلن الطرفان هدنة بمناسبة عيد الفطر.

وقالت إسلام آباد إن الهدنة انتهت، لكن لم ترد أنباء عن وقوع هجمات كبيرة.

وجاءت الهدنة بعد يومين من غارة باكستانية استهدفت مركزاً لإعادة تأهيل مدمني المخدرات في العاصمة الأفغانية، التي قالت السلطات الأفغانية إنها أسفرت عن مقتل أكثر من 400 شخص.

وتؤكد إسلام آباد أن قصفها كان ضربة دقيقة استهدفت «منشآت عسكرية وبنية تحتية داعمة للإرهاب».


مقترح تشكيل سلطة ليبية جديدة يثير مخاوف تمديد المرحلة الانتقالية

لقاء الدبيبة وبولس في طرابلس يناير الماضي (حكومة الوحدة)
لقاء الدبيبة وبولس في طرابلس يناير الماضي (حكومة الوحدة)
TT

مقترح تشكيل سلطة ليبية جديدة يثير مخاوف تمديد المرحلة الانتقالية

لقاء الدبيبة وبولس في طرابلس يناير الماضي (حكومة الوحدة)
لقاء الدبيبة وبولس في طرابلس يناير الماضي (حكومة الوحدة)

لا تنقطع دعوات الليبيين لطي صفحة المرحلة الانتقالية الممتدة منذ 2011، سواء على المستوى الرسمي والسياسي، أو على الصعيد الشعبي، في ظل تطلع واضح لإنهاء دوامة مؤقتة من الجمود والانقسام السياسي طال أمدها.

غير أن تسريباً منسوباً إلى «الحوار المهيكل»، الذي ترعاه الأمم المتحدة، أعاد إحياء المخاوف من انزلاق جديد نحو تمديد هذه المرحلة، عبر مقترحات تتحدث عن تشكيل سلطة انتقالية جديدة، في مشهد يراه عدد من الليبيين إعادة إنتاج للأزمة أكثر من كونه مدخلاً لحلها.

* تشكيل سلطة جديدة

تقترح المسودة تشكيل سلطة جديدة تشمل رئيساً للدولة ونائباً مع مراعاة التوازن الجغرافي بين برقة وطرابلس وفزان، ويكون الانتخاب بنظام «القائمة الموحدة» عبر حوار أممي، مع الحصول على تزكية 25 في المائة من أعضاء الحوار. على أن تكون مدة الولاية 36 شهراً غير قابلة للتمديد، مع ضمانات مالية محدودة، ورفع الاعتراف الدولي بعد انتهاء المدة.

تيتيه تلقي إحاطتها أمام مجلس الأمن في فبراير الماضي (أرشيفية - البعثة الأممية)

وفي حين سارع بعض أعضاء «الحوار المهيكل»، من بينهم أسعد زهيو، إلى التأكيد على أن المقترح «مجرد تصور خارج الإطار الرسمي ولا يعبر عن مجريات الحوار»، فإن مجرد تداوله كان كافياً لإثارة قلق ليبي، في ظل حالة إنهاك سياسي وشعبي، نتيجة مسارات انتقالية متعاقبة لم تُحقق الاستقرار، أو تنجح في تنظيم انتخابات حاسمة.

ووصف محمد الأسعدي، المتحدث باسم البعثة الأممية، خريطة الطريق التي اقترحتها المبعوثة الأممية هانا تيتيه في أغسطس (آب) الماضي، التي دعمها مجلس الأمن، بأنها مبادرة عملية تهدف إلى إنهاء المراحل الانتقالية التي تشهدها البلاد منذ عام 2011، عبر تمهيد الطريق، وتقليص المدى الزمني للوصول إلى انتخابات عامة نزيهة وشفافة، تحظى بإجماع على نتائجها.

يُذكر أن الحوار المهيكل، المزمع استئناف جلساته في أبريل (نيسان) الحالي، هو بند من خريطة تيتيه التي تشمل أيضاً تعديل القوانين الانتخابية، وملء الشواغر في مجلس المفوضية الانتخابية، إلى جانب تشكيل حكومة موحدة.

وأضاف الأسعدي لـ«الشرق الأوسط» أن «الخريطة التي تعمل البعثة على تنفيذها تهدف إلى وضع حد لحالة الجمود والانقسام في ليبيا»، مؤكداً أن أي مقترحات، أو تحركات ضمن المسار الأممي ينبغي أن تصدر بصورة رسمية عن البعثة، وأن أي مبادرات تُطرح خارج هذا الإطار تعبّر فقط عن وجهات نظر الجهات التي تقف وراءها.

إحدى جلسات الحوار الليبي المهيكل في العاصمة طرابلس فبراير الماضي (أرشيفية - البعثة الأممية)

ومع ذلك، يبرز الحديث عن المراحل الانتقالية فجوة بين تطلعات الشارع الليبي نحو إنهاء المرحلة المؤقتة، وبين واقع سياسي لا يزال أسير التوازنات الداخلية والتجاذبات الدولية.

وفي هذا السياق يرى عضو المجلس الأعلى للدولة، أبو القاسم قزيط، أن البلاد «لا تزال بعيدة عن تجاوز المراحل الانتقالية»، مشيراً إلى «تصاعد المخاوف من ترسيخ الفساد، وإعادة إنتاج أنماط حكم سلطوية داخل مؤسسات يفترض أن تكون دائمة في المستقبل».

وقال قزيط في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن «شريحة واسعة من الليبيين ترفض انتقال شخصيات مثيرة للجدل، أو موصومة بالفساد، إلى بنية الدولة المستقرة».

في المقابل، تتواصل التحركات الرسمية التي تؤكد التمسك بهدف إنهاء المرحلة الانتقالية، وهو ما تركزت عليه مباحثات رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، مع رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، عبر «خطوات عملية» لتهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية.

كما أعلن مسؤولون محليون وقيادات اجتماعية قبلية في منطقة الجبل الغربي دعمهم للمساعي، الرامية إلى إنهاء المراحل المؤقتة، خلال لقاء مع النائب بالمجلس الرئاسي عبد الله اللافي مؤخراً.

* حالة «سأم عام»

هذا الزخم السياسي لا يخفي، وفق تقديرات بحثية، حالة «سأم عام» من مسارات المرحلة الانتقالية المتعاقبة. ويشير السنوسي بسيكري، مدير «المركز الليبي للبحوث والتنمية»، إلى أن «البلاد تعيش حالة من الإنهاك السياسي، والانقسام الأمني والعسكري، التي انعكست مباشرة على الأوضاع المعيشية، من تضخم ونقص السيولة وتراجع الخدمات».

وقال بسيكري لـ«الشرق الأوسط» إن هذه الأزمات تتفاقم في ظل مستويات مرتفعة من الفساد، لافتاً إلى ما ورد في مسودة تقرير أممي عن تورط شخصيات عسكرية في تهريب النفط، وعادّاً أن التسريبات المرتبطة بالحوار المهيكل تحمل «رسائل سياسية» رغم غياب الإجماع حولها.

القائم بالأعمال الأميركي جيريمي برنت خلال إحدى جلسات الحوار المهيكل في طرابلس فبراير الماضي (البعثة الأممية)

كما تحدث بسيكري عن تعثر جهود توحيد الحكومتين في شرق وغرب البلاد، بما في ذلك مساعٍ يقودها مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في ظل استمرار الخلافات بين الأطراف.

وسبق أن قاد بولس مشاورات بين أطراف سياسية في شرق ليبيا وغربها بعواصم أوروبية هدفت - حسب تقارير - إلى دمج الحكومتين، لكنها لقيت انتقادات سياسية، أبرزها كتلة الوفاق بالمجلس الأعلى للدولة.

من جهته، يرى المحلل السياسي حازم الرايس أن حالة الاستياء الشعبي «باتت واضحة»، تجاه ما يُنظر إليه بوصفه توجهاً نحو «تدوير الأزمة» بدلاً من حلها، مشيراً إلى أن استمرار الاعتماد على الأجسام السياسية القائمة يضعف الثقة في أي مسار يقود إلى انتخابات، وفق ما قاله لـ«الشرق الأوسط».

ويعتقد الرايس أن إطلاق «الحوار المهيكل» لم يبدد هذه المخاوف، خصوصاً مع التأكيد أن مخرجاته غير ملزمة، ما يعيد إلى الأذهان تجارب سابقة لم تحقق اختراقاً يُذكر في مسار القوانين الانتخابية. كما حذّر من أن التحركات الدولية الموازية، وعلى رأسها تحركات بولس التي قد تدفع نحو «تسويات تلفيقية» تراعي مصالح الفاعلين الخارجيين أكثر من المصلحة الوطنية.

وفي تقييمه لأداء البعثة الأممية، عدّ الرايس أن تعاملها يتسم بـ«التردد والتناقض»، بين الاستمرار في التعاطي مع المؤسسات القائمة، والتلويح بإمكانية تجاوزها، في ظل غياب دعم دولي حاسم داخل مجلس الأمن، مؤكداً أن هذا الجمود «يعزز الانطباع بأن التسوية لا تزال رهينة لتوازنات دولية، أكثر من كونها نتاج إرادة سياسية داخلية حقيقية».

وسبق أن انتقدت المبعوثة الأممية هانا تيتيه خلال إحاطتها أمام مجلس الأمن في فبراير (شباط) الماضي فشل مجلسي النواب والدولة في إحراز تقدم بخريطة الطريق الانتخابية، وذهبت إلى إعلان عزمها تشكيل مجموعة مصغرة لمعالجة الخطوتين الأساسيتين في الخريطة مباشرة، وهو ما لم يتحقق على الأرض حتى اللحظة.


سماء أستراليا تتحوَّل إلى لون الدم... ما سرّ المشهد المرّيخي؟

الأحمر يُهيمن على السماء في ظاهرة جوّية نادرة (إكس)
الأحمر يُهيمن على السماء في ظاهرة جوّية نادرة (إكس)
TT

سماء أستراليا تتحوَّل إلى لون الدم... ما سرّ المشهد المرّيخي؟

الأحمر يُهيمن على السماء في ظاهرة جوّية نادرة (إكس)
الأحمر يُهيمن على السماء في ظاهرة جوّية نادرة (إكس)

تسبَّبت المَشاهد المروّعة للسماء الحمراء فوق غرب أستراليا في جذب اهتمام إعلامي دولي واسع. ونتجت هذه الظاهرة غير المعتادة عن غبار قرمزي أثارته الرياح الخارجية القوية للإعصار الاستوائي الشديد «ناريل».

ووفق «الإندبندنت»، تُعدّ هذه الأحداث الجوية المذهلة غير شائعة في شمال غربي أستراليا؛ إذ تتطلَّب حدوث ظروف بيئية دقيقة جداً. فمعظم الأعاصير الاستوائية التي تضرب هذه المنطقة القاحلة لا تسفر عن سماء حمراء. وعادة ما تحدث العواصف الترابية الضخمة التي تُغيّر لون السماء خلال فترات الجفاف الطويلة. ولعلَّ أبرزها تلك العاصفة التي اجتاحت مدينة ملبورن في 8 فبراير (شباط) 1983، وأدَّت إلى تحوُّل السماء إلى اللون الأحمر البني ثم الأسود القاتم.

فما الذي تسبّب في العاصفة الترابية للإعصار «ناريل»؟ ولماذا اكتست السماء بهذا اللون الأحمر الظاهر؟ لقد اجتمعت 4 عوامل لتشكيل هذه الحالة: طبيعة جغرافية مكشوفة وشديدة الجفاف ذات تربة حمراء، ونقص في الأمطار السابقة، ورياح عاتية سبقت موجات المطر المصاحبة للإعصار، واتجاه محدَّد للرياح.

سرّ الحجم المهيب للعاصفة الترابية؟

يُعد شمال غربي أستراليا أحد الأماكن القليلة في العالم التي تؤثّر فيها الأعاصير الاستوائية على مناخ صحراوي قاحل، على غرار شبه الجزيرة العربية وأجزاء شبه قاحلة في الهند وباكستان. وتفتقر هذه المناطق الجافة إلى الغطاء النباتي الطبيعي الكافي لحماية التربة الهشَّة من رياح الأعاصير. وفي شمال غربي ولاية غرب أستراليا، تمنح التربة الغنية بالحديد، التي تجذب كبرى شركات التعدين، المنطقة مظهرها الأحمر الاستثنائي.

ووفق مكتب الأرصاد الجوية، شهدت المنطقة الشمالية الغربية الكبرى هطول أمطار تراوحت بين 10 و50 ملم فقط في الأسابيع الستة التي سبقت الإعصار «ناريل»، ممّا جعل الأرض القاحلة جافة تماماً. وكان هذا عاملاً حاسماً في حجم العاصفة الترابية ذات الصبغة الحمراء وضخامتها.

وفي نصف الكرة الجنوبي، تدور الأعاصير الاستوائية في اتجاه عقارب الساعة بسبب «قوة كوريوليس» التي تؤثّر في حركة الأجسام الدوّارة، ممّا يفسّر كيفية تطوُّر العاصفة؛ إذ كانت الرياح القوية جنوب عين الإعصار آتية من اتجاه الشمال الشرقي إلى الجنوب الشرقي، وبالتالي هبَّت فوق اليابسة الجافة.

وبعد تحرّكه جنوباً بالقرب من «نورث ويست كيب» في غرب أستراليا، عبر الإعصار «ناريل» الساحل أخيراً قرب «كورال باي» متوجّهاً نحو الداخل حيث تراجعت قوته.

وقد امتدَّت رقعة الرياح العاتية للإعصار لمسافة تتراوح بين 200 و260 كيلومتراً من مركزه. وهبَّت هذه الرياح القوية في المنطقة الجنوبية الغربية من الإعصار عبر أراضي «بيلبارا» الجافة، لتمتصَّ الرواسب الحمراء الدقيقة قبل وصول أحزمة المطر وتنقّلها غرباً. وضربت هذه العواصف الترابية الحمراء القانية المدن الساحلية في منطقتي غاسكوين وبيلبارا.

كما ساعدت التضاريس الواسعة والمنبسطة في بيلبارا على خلق مسافة هبوب طويلة للرياح فوق أرض مفتوحة، ممّا سمح بالتقاط كميات أكبر من جزيئات الغبار. ومع مرور الإعصار، ارتفعت مستويات الرطوبة بسرعة، وتبعتها سحب كثيفة ثم أمطار غزيرة؛ وهذا هو السبب في أنّ ذلك الغبار المريع لم يدم طويلاً؛ إذ غسلته الأمطار من الغلاف الجوّي وأعادته إلى الأرض.

لماذا بدت السماء بهذا اللون الأحمر القاني؟

تحتوي تربة منطقة بيلبارا ذات اللون الأحمر الداكن على نسبة عالية من أكاسيد الحديد، وهي التربة التي تُشكل حجر الزاوية لصناعة تعدين خام الحديد التي تُقدّر استثماراتها بمليارات الدولارات.

وتكمن الإجابة في فَهْم فيزياء الغلاف الجوّي؛ إذ تعمل جزيئات الغبار العالقة في الهواء على تشتيت الأطوال الموجية القصيرة (الضوءان الأزرق والأخضر) بشكل أكثر فاعلية، في حين تنفّذ الأطوال الموجية الأطول (الضوءان الأحمر والبرتقالي) أو تهيمن على ما يصل إلى العين. وقد أدَّت جزيئات التربة الحمراء إلى تعميق درجة اللون الأحمر المُنبعث، ومن هنا ظهرت السماء بلون برتقالي محمَّر داكن، أو حتى بلون الدم.

ونتيجة للمزيج الدقيق من الظروف البيئية، احتوت عاصفة «ناريل» الترابية على تركيز مرتفع جداً من الغبار، كان كثيفاً بما يكفي لترشيح ضوء الشمس الداخل إلى الغلاف الجوّي وصبغه بشكل ملحوظ؛ وهو ما خلق ذلك المظهر المريع الشبيه بسطح كوكب المريخ. كما اقترب الإعصار من منطقة نورث ويست كيب في الصباح الباكر، وهو الوقت الذي يضطر فيه ضوء الشمس إلى قطع مسافة أطول عبر الغلاف الجوّي، ممّا أدّى إلى مزيد من التشتُّت وجعل الدرجات الحمراء تبدو أكثر قوّة.

وتُعدّ العواصف الترابية الضخمة ظاهرة متكرّرة خلال فترات الجفاف الطويلة في وسط أستراليا وجنوب وشرقها. ومن الأمثلة الصارخة على ذلك عاصفة «الفجر الأحمر» التي اجتاحت سيدني في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، حيث استيقظ السكان على فجر أحمر مخيف بسبب سحابة غبار هائلة.

وعادة ما تنتج هذه العواصف الترابية الضخمة عن جبهات هوائية باردة قوية وعواصف رعدية شديدة تدفع جزيئات الرواسب الدقيقة إلى أعالي الغلاف الجوّي. وتتحرّك هذه الجزيئات عادة نحو الشرق، وتصل أحياناً إلى المستويات العليا من طبقة «التروبوسفير»، وفي حالات نادرة، يترسَّب هذا الغبار في أماكن بعيدة تصل إلى جبال الألب الجنوبية في نيوزيلندا (أوتياروا).

إنّ مثل هذه الأحداث الجوّية المُذهلة تبرز بوضوح على الساحة العالمية؛ فالتضافر النادر بين التربة الحمراء الاستثنائية لمنطقة بيلبارا، والرياح الإعصارية الآتية من الاتجاه الصحيح، والتوقيت المثالي الذي سبق هطول الأمطار، سمح ببناء تركيزات عالية جداً من الغبار الجوّي، ممّا جعله مشهداً جاذباً للأبصار وحدثاً دوّنته سجلات الأرقام القياسية.