بريطانيا هي مهد الموضة الرجالية، ففيها ولدت الكلاسيكية، من خلال التوكسيدو الذي سوقته لكل العالم، كما ولدت الداندية. والملاحظ أن مصممي لندن الكبار، عادوا إلى كتب التاريخ الإنجليزي، ومزجوا المدرستين مع بعض لتكون النتيجة خلطة مثيرة تضج بالأناقة وبكل ما يخطر على بال رجل متطلب يريد كل شيء يزيد من تميزه.
إذا كان هذا الرجل يبحث عن زي ملائم لحضور مهرجان «أسكوت»، الذي انطلق يوم الثلاثاء الماضي مثلا، فإن جون راي، مصمم دار «دانهيل» قدم إليه عدة اقتراحات جاهزة قبل يومين، أي يوم الأحد.
لربيع وصيف 2016. لم يغص المصمم جون راي في أرشيف «دانهيل» فحسب، بل في تاريخ الموضة الإنجليزية ككل، والطبقات الارستقراطية تحديدا، وخرج بصورة تلهب الخيال، ولا شك ستجعل حتى من لا يميل إلى البدلة المفصلة يتوق إليها.
تعتبر هذه رابع تشكيلة يقدمها جون راي للدار الإنجليزية، ولم يخف فيها أنه يعتز بالكلاسيكية العصرية ولا يجري وراء الصرعات. فقد استهل العرض بثلاث بدلات مسائية مكونة من ثلاث قطع، تتميز ستراتها بذيول طويلة، وطبعا بكل الإكسسوارات التي ستروق لأي رجل «داندي» بما فيها القبعات العالية وربطات العنق بنقشات «البايزلي» ومناديل الجيب وغيرها. لكن هذه المجموعة الصغيرة لم تكن سوى إشارة إلى ما هو آت، إذ توالت بدلات من كل الأشكال والألوان، لكن تصب كلها في خانة الكلاسيكية الإنجليزية من دون أن تغرق في الرسمية، حتى لا يعزف عنها الرجل الشاب. وكيف يعزف عنها وكل ما فيها يضج بالترف والأناقة التي أكد فيها جون راي أنه يعرف سوقه. نظرة سريعة إلى الحضور، تشير إلى أن نسبة عالية منهم من الصين، وبأن الدار تنوي أن تسوق الصورة الإنجليزية الأرستقراطية لهذا السوق المتعطش لكل ما هو مميز وله إرث وتاريخ، وإذا كان هذه الإرث يعود إلى الملك إدوارد VIII الأب الروحي للأناقة البريطانية كما نعرفها اليوم، فهذا هو عز المنى والطلب. الجميل في الأمر، أن التشكيلة لم تقتصر على البدلات والمعاطف المفصلة الطويلة بل شملت أيضا قطعا منفصلة كثيرة تناسب رجلا له أنشطة وهوايات لا يضاهي تنوعها سوى تنوع التصاميم والأقمشة. فقد كانت هناك بدلات مزدوجة، بصفي أزرار تلمع بلون الذهب وأخرى بصف واحد، فضلا عن سترات «بلايزر» عصرية لكن بأقمشة وألوان كلاسيكية، وبنطلونات بطيات من الأمام وأخرى من دون طيات، وكأنه يريد أن يعطي الرجل خيارات كثيرة لكي يعبر عن شخصيته. الشيء الوحيد غير المتاح هنا البنطلونات الضيقة جدا أو القصيرة التي اجتاحت عروض الأزياء منذ بضع مواسم، والتي غابت تماما في إشارة واضحة إلى أن المصمم لا يميل إليها أو يريد أن يساهم في استمرارها.
القول بأن جون راي أبدع وتفوق على نفسه غير مبالغ فيه، لأنه قدم درسا رائعا في التاريخ وكيف يجب تطويره ليواكب العصري ويحافظ في الوقت ذاته على بريقه. تشعر أنك لا يمكن أن تعاين تصاميم تشد أنفاسك بنفس القدر. ثم تحضر عرض «بيربري». صحيح أنك لا تنسى عبقرية جون راي وما قدمه لـ«دانهيل» لكنك تحضر درسا آخر في الكلاسيكية العصرية، من خلال بدلات مفصلة على الجسم، إلى درجة أنك تشعر بأن كل سنتيمتر في الأكتاف أو الخصر أو الطول أخذ بعين الاعتبار وخضع لحسابات دقيقة، بالقلم والمسطرة، كذلك من خلال لمسات من الداندية التي تجسدت في قماش الدانتيل. فبالعودة إلى القرن الثامن عشر، الحقبة التي ظهرت فيها موجة «الداندية» لأول مرة على يد بو برامل، كان الدانتيل من بين الأقمشة التي تبناها عشاقها آنذاك. ما قام به كريستوفر بايلي أنه اقتبس هذه اللمسة ووظفها بأسلوب عصري، وكأنه يريد أن يعيد للداندية اعتبارها في العصر الحديث. والحقيقة أن بطاقة الدعوة التي أرسلها ويظهر فيها طاووس ينفش ريشه بمجرد أن تفتحها لتتطلع على مكان العرض وتوقيته، لم تحضرنا لكمية الدانتيل التي تم عرضها.
الفرق بين تشكيلتي «بيربري» و«دانهيل» أن هذه الأخيرة موجهة لرجل «جنتلمان»، أو متطلع ليكون كذلك، بينما الأولى موجهة لرجل شاب يعانق الموضة ويستمتع باللعب بها. والأهم من هذا رجل يعانق جانبه الأنثوي ولا يتخوف من إبرازه، أو على الأقل قد يكون هذا هو الجواب الوجيه عن السؤال الملح الذي راود الأغلبية وهم يتابعون العارضين في بدلات تم تنسيقها مع قمصان الدانتيل الذي ظهر أيضا كزخرفات وتفاصيل على قطع أخرى مثل ياقة المعطف الواقي من المطر أو في ربطات عنق. 44 قطعة أرسلها المصمم كريستوفر بايلي، تضمنت 33 قطعة من الدانتيل بالتمام والكمال. فقد أرسل مثلا بدلة باللون الأخضر الزيتوني الغامق بصفي أزرار، وهو التصميم المفترض أن يكون رسميا للغاية، ظهر من تحتها قميص باللون الأخضر النعناعي بالدانتيل، ما ألغى هذه الرسمية ومحاها من الذهن. كذلك في المجموعة الأولى نسق سترات مفصلة على الجسم مع بنطلونات من الصوف مستوحاة من ملابس الرياضة، أضفت على الإطلالة الكثير من الديناميكية التي ستروق للشباب تحديدا.
كريستوفر بايلي صرح، وابتسامة رضا بادية على ملامحه وراء الكواليس: «بعض الرجال سيلبسون الدانتيل وبعضهم الآخر لن يلبسوه، وأنا أعرف أن بعض القطع لن تخاطب كل الشرائح، لكني أحب شاعرية الدانتيل وما يضفيه على المظهر من نعومة، لهذا سنطرح في المحلات قمصانا من البوبلين مزينة بأجزاء خفيفة من الدانتيل حتى تكون أكثر عملية واستعمالا». ما يقصده بايلي أن بعض هذه القطع هي لزيادة الإبهار وهو عنصر مهم في أي عرض أزياء، بينما سيتم التخفيف منها عندما تطرح في المحلات. بالنظر إلى ردود الأفعال فإن هذه القطع بالذات ستلقى قبولا كبيرا من الجنسين، وإن ستكون نسبة النساء أكبر».
كل ما في العرض يفتح النفس، من موسيقى وإضاءة طبيعية، إذ إن السماء تآزرت مع «بيربري» وانفرجت أساريرها في ذلك اليوم، حيث أشرقت الشمس بعد أيام من الغيوم المتجهمة، لتضفي على حضور الخيمة المنصوبة في حديقة كيسينغتون سعادة. كل ما في التشكيلة أيضا يؤجج الرغبة فيها، بمن فيهم الأكثر كلاسيكية وتحفظا. فهؤلاء، لا بد أن تتوق أنفسهم إلى واحدة من البدلات أو معطف من المعاطف المطروحة بكل الأشكال، بينما سيرغب الشباب المتعلق بالموضة والمرأة، في القمصان. وهذا ما يعرف في عالم الموضة بالذكاء الفني والتجاري، فطرح هذه الإكسسوارات المشهية ضربة معلم لأنك كلما وسعت رقعة من تخاطبهم كلما زاد الإقبال وارتفعت المبيعات. إضافة إلى هذا أن الإكسسوارات، من حقائب اليد وشالات وأحذية مصنوعة من الجلد أو الشامواه التي تتوسطها شراشيب بألوان متوهجة، ستكون على لائحة كل رجل في الموسمين المقبلين.
9:48 دقيقه
«دانهيل» و«بيربري» تقدمان درسًا في الكلاسيكية والداندية
https://aawsat.com/home/article/386071/%C2%AB%D8%AF%D8%A7%D9%86%D9%87%D9%8A%D9%84%C2%BB-%D9%88%C2%AB%D8%A8%D9%8A%D8%B1%D8%A8%D8%B1%D9%8A%C2%BB-%D8%AA%D9%82%D8%AF%D9%85%D8%A7%D9%86-%D8%AF%D8%B1%D8%B3%D9%8B%D8%A7-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%84%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%A7%D9%86%D8%AF%D9%8A%D8%A9
«دانهيل» و«بيربري» تقدمان درسًا في الكلاسيكية والداندية
الكبار يعودون إلى التاريخ البريطاني وينقبون فيه عن صورة الأناقة الراقية
- لندن: جميلة حلفيشي
- لندن: جميلة حلفيشي
«دانهيل» و«بيربري» تقدمان درسًا في الكلاسيكية والداندية
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة























