هل أصبحت منظمة التجارة العالمية «عاجزة وظيفياً»؟

رئيستها متشائمة بشأن المستقبل

وصفت مجلة «ذا ديبلومات» المتخصصة منظمة التجارة العالمية بأنها «عاجزة وظيفياً» (رويترز)
وصفت مجلة «ذا ديبلومات» المتخصصة منظمة التجارة العالمية بأنها «عاجزة وظيفياً» (رويترز)
TT

هل أصبحت منظمة التجارة العالمية «عاجزة وظيفياً»؟

وصفت مجلة «ذا ديبلومات» المتخصصة منظمة التجارة العالمية بأنها «عاجزة وظيفياً» (رويترز)
وصفت مجلة «ذا ديبلومات» المتخصصة منظمة التجارة العالمية بأنها «عاجزة وظيفياً» (رويترز)

فيما أعربت نغوزي أوكونجو إيويالا، رئيسة منظمة التجارة العالمية عن تشاؤمها، بشأن مستقبل التجارة العالمية، وأوضحت أن المخاطر السلبية على الاقتصاد العالمي لا تزال قائمة... وصفت مجلة «ذا ديبلومات»، المتخصصة في الشؤون الآسيوية، منظمة التجارة العالمية بأنها «عاجزة وظيفيا»؛ نظرا لأن المنظمة التي جرى إنشاؤها بهدف تعزيز التجارة الحرة أصبحت اليوم أكبر عقبة أمام تحقيق هدفها.
وقالت إيويالا في مقابلة مع تلفزيون بلومبرغ يوم الثلاثاء، على هامش قمة التكيف الأفريقية في روتردام، إن مزيجا من الاضطرابات التجارية سيستمر يلقي بظلاله على الانتعاش الاقتصادي العالمي، وفي المقدمة الحرب التي تشنها روسيا ضد أوكرانيا والتي لا تزال تؤجج أزمة متصاعدة في أسواق الطاقة والغذاء العالمية.
وأشارت إيويالا إلى أن الاختناقات لا تزال تصيب طرق الشحن، وأن صفوف سفن الحاويات التي تنتظر خارج موانئ بحر الشمال في ألمانيا زادت خلال الأسابيع الأخيرة.
وأوضحت المسؤولة أنه في الوقت نفسه، يتواصل إغلاق بعض أكبر المدن والموانئ ومراكز التصنيع في العالم، بسبب نهج «صفر كوفيد» الذي تتبناه الصين لمكافحة جائحة «كورونا». وقالت إيويالا إن «التوقعات ليست واعدة»، حيث كشفت الظواهر الجوية السيئة هذا الصيف، التأثير المدمر الذي يمكن أن يحدثه تغير المناخ على سلاسل التوريد في العديد من أكبر الاقتصادات في العالم. وأضافت «نحن في بيئة محفوفة بالمخاطر. وما زلنا نواجه أزمات متعددة وصدمات خارجية».
وبالتزامن مع هذه الرؤية، رأت مجلة «ذا ديبلومات»، في تقرير خاص حول المنظمة، أن منظمة التجارة العالمية تزيد من التوتر بدلا من الثقة في نظام التجارة الدولي، مرجعة ذلك إلى أنظمتها المتصدعة لتسوية المنازعات، وآليات التفاوض غير الفعالة، والسياسات المبهمة التي تؤدي إلى استغلال عام للمصالح الذاتية. وأضافت أن الحروب التجارية الحالية تدفع الدول إلى التحايل على منظمة التجارة العالمية مما يؤدي إلى تآكل شرعية المنظمة الآخذة في التضاؤل.
وأشارت المجلة إلى أن منظمة التجارة العالمية تسير في الاتجاه الخاطئ في محاولاتها لتشجيع التجارة الحرة، وفي الوقت نفسه فإنه مع استمرار المشاكل التجارية تستمر الدول القوية في استغلال قوتها التنافسية في العلاقات التجارية، مما يزيد بدوره من الضغط على النظام الاقتصادي العالمي ويرفع من حدة التوترات الأمنية، لافتة إلى أنه رغم استفادة نظام التجارة العالمي من منظمة التجارة العالمية ظاهريا، فإن المنظمة، تستمر في تسهيل الانقسامات مع هشاشة وضع الشؤون العالمية.
وعن تاريخ المنظمة، ذكرت المجلة أن منظمة التجارة العالمية استبدلت عند تأسيسها الاتفاقية العالمية بشأن التعريفات الجمركية والتجارة (غات) عام 1995، ومنذ ذلك الحين كانت مهمة المنظمة هي تعزيز التجارة العالمية الحرة بين أعضائها، ووضع الأسس والقواعد بناء على مبدأ المعاملة بالمثل، واتخاذ قرارات بالإجماع لتطوير سياساتها وتحسينها وتنفيذها، وتطبق المنظمة هذه المبادئ من خلال تشجيع الممارسات غير التمييزية والشفافية في صنع القرار والمعاملة الخاصة لأعضائها بالنسبة لاحتياجات كل منهم.
ومن الناحية النظرية، بحسب «ذا ديبلومات»، تبدو هذه المبادئ مفيدة عالميا، إلا أنها عمليا، تعد تفاؤلا مرتبطا بالتمني المتجذر في المثالية الخيالية؛ لأن العالم لا يعمل بهذه الطريقة خاصة فيما يتعلق بالعلاقات الاقتصادية، فالتجارة الحرة تعني باختصار التدفق الحر للسلع بين البلدان، وبذلك فهي تحفز المنتجين المحليين على تحسين وضعهم التنافسي مقارنة بالمنتجين الأجانب، وبالتالي تحسين الكفاءة وتقليل الاعتماد على الإعانات الحكومية، مما يؤدي في النهاية إلى تجارة أكثر قوة ونمو اقتصادي عالمي بسبب الاتفاقات المتبادلة المفيدة للطرفين، وهو ما لا يحدث على أرض الواقع.
ورغم الفوائد المحتملة لاتفاقيات التجارة الحرة، فإن آثارها السلبية أيضا قد تكون كبيرة، حيث أوضحت المجلة أن فتح المنافسة للأسواق الأجنبية يمكن أن يؤثر سلبيا على الشركات والأعمال غير المستعدة للمنافسة مع المنتجين الأجانب، مما يؤدي إلى فقدان الوظائف، والبديل هو فرض آليات لحماية الصناعات المحلية للحيلولة دون تآكلها، لكن حماية الصناعة تأتي بتداعيات للحكومات في شكل طلب إعانات، ولذلك تحتاج الحكومات إلى تحديد التوازن الصحيح بين السعي وراء التجارة الحرة، وتوسع السوق مقابل العواقب المتوقعة لذلك، وهو ما يبدو جيدا من الناحية النظرية؛ لكن ما يفرضه الواقع عبارة عن قواعد للتجارة تعقد النظام وتخلف التوترات.
وأشارت المجلة إلى أنه رغم عمل منظمة التجارة العالمية في شكل مؤسسة شرعية متعددة الأطراف، فإنها أقل إثارة للإعجاب في وظيفتها الفعلية اليوم، مرجعة ذلك إلى عدم كفاءة نظام تسوية المنازعات، لا سيما مع استمرار واشنطن في رفض هيئة الاستئناف الجديدة، ونظرا لأنه «لا يوجد شيء ملزم في نظام منظمة التجارة العالمية»، فإن التحكيم وحل النزاعات يظل بعيد المنال في نظام عالمي مدفوع بشكل متزايد بانتهازية المصلحة الذاتية وليس بالامتثال للقوانين والأعراف الدولية.
وأضافت أنه رغم مخالفة منظمة التجارة العالمية لبند اتفاقية «غات» القديمة حول قدرة أي من أعضائها اتخاذ «أي إجراء يعتبرونه ضروريا لحماية مصالحهم الأمنية الأساسية»، فإنها لم تتمكن من اتخاذ أي إجراء أثناء الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين التي تضمنت العديد من القرارات المماثلة.
ونوهت «ذا ديبلومات» إلى أن القوانين والسياسات المحلية أيضا من بين أهم العقبات التي يتعين على منظمة التجارة العالمية التغلب عليها؛ وعلى سبيل المثال تسمح المادة 301 من قانون التجارة الأميركي بفرض تعريفات جمركية على الشركاء التجاريين الذين يتم اعتبارهم متورطين في قيود غير عادلة ضد التجارة الأميركية، وهو قانون محلي في الولايات المتحدة له تداعيات دولية على التجارة الحرة، لكن منظمة التجارة العالمية لا يمكنها اتخاذ أي إجراء حيال ذلك.
وأشارت المجلة إلى أن التوتر المستمر في منظمة التجارة العالمية يدفع المزيد من الدول إلى تجنب الإجراءات المتصدعة الحالية لمنظمة التجارة العالمية، وتفضيل الاتفاقيات التجارية الثنائية التي تتخطى قيود منظمة التجارة العالمية.


مقالات ذات صلة

«تسلا» تتجاوز التوقعات بتسليمات قياسية في الربع الثاني

الاقتصاد سلّمت شركة «تسلا» 480.126 سيارة خلال الفترة من أبريل إلى يونيو بزيادة تقارب 25 في المائة (أ.ف.ب)

«تسلا» تتجاوز التوقعات بتسليمات قياسية في الربع الثاني

حققت شركة «تسلا» أداءً فاق توقعات الأسواق خلال الربع الثاني من العام، بعدما سجلت أعلى عدد من تسليمات السيارات في تاريخها لهذه الفترة.

«الشرق الأوسط» (تكساس)
الاقتصاد بائع يعرض أساور ذهبية للبيع في متجر للذهب في البازار الكبير بإسطنبول (أ.ف.ب)

الذهب يرتفع بدعم من ضعف بيانات الوظائف الأميركية وتراجع النفط

ارتفعت أسعار الذهب، يوم الخميس، مدعومة بصدور بيانات وظائف أميركية أضعف من المتوقع وتراجع أسعار النفط.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد ناقلة نفط راسية في أحد موانئ النفط البحرية الجنوبية للعراق قرب البصرة (ارشيفية-رويترز)

النفط يتراجع 1 % مع إحراز تقدم في المحادثات الأميركية - الإيرانية

تراجعت أسعار النفط بنحو 1 في المائة، يوم الخميس، لتواصل خسائرها لليوم الثالث على التوالي مع إحراز تقدم في المحادثات الأميركية - الإيرانية.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد أساور وقلائد ذهبية معروضة للبيع في متجر للذهب في البازار الكبير بإسطنبول (أ.ف.ب)

عوائد السندات تهبط بالذهب إلى قرب أدنى مستوى في 7 أشهر

تراجعت أسعار الذهب، يوم الأربعاء، بعدما لامست أدنى مستوياتها في نحو سبعة أشهر خلال الجلسة السابقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مضخة نفطية تُستخدم لرفع النفط من بئر في حوض بيرميان بالقرب من ميدلاند، تكساس (رويترز)

النفط يرتفع مع تعثر المحادثات الإيرانية - الأميركية وتجدد المخاوف بشأن الإمدادات

ارتفعت أسعار النفط في التعاملات الآسيوية، يوم الأربعاء، مع تصاعد المخاوف من تعثر المحادثات بين إيران والولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)

«علي بابا» تحظر استخدام أداة برمجة من «أنثروبيك» بين موظفيها

شعار شركة «علي بابا» الصينية (رويترز)
شعار شركة «علي بابا» الصينية (رويترز)
TT

«علي بابا» تحظر استخدام أداة برمجة من «أنثروبيك» بين موظفيها

شعار شركة «علي بابا» الصينية (رويترز)
شعار شركة «علي بابا» الصينية (رويترز)

حظرت شركة «علي بابا»، عملاق التكنولوجيا الصيني، على موظفيها استخدام «كلود كود» من «أنثروبيك» في العمل، بعد أن أثارت الأداة جدلاً واسعاً بسبب شفرة برمجية قد تساعد في تحديد المستخدمين المرتبطين بالصين، وذلك وفقاً لمصدر مطلع على القرار.

و«كلود كود» هو مساعد برمجة يعمل بالذكاء الاصطناعي من «أنثروبيك» لمطوري البرامج. وقد اكتسب شعبية واسعة بين المبرمجين في الصين رغم القيود التي تفرضها «أنثروبيك» على وصول المستخدمين والجهات الصينية إليه.

وأضاف المصدر أن موظفي «علي بابا» طُلب منهم استخدام منصة البرمجة الخاصة بالشركة «كيودر». وكانت «أنثروبيك» قد اتهمت «علي بابا» الشهر الماضي باستخراج قدرات نموذج الذكاء الاصطناعي «كلود» بشكل غير قانوني، فيما وصفته بأنه أكبر هجوم معروف من نوعه على الشركة، وذلك وفقاً لرسالة اطلعت عليها «رويترز».

وأشارت «أنثروبيك» في رسالتها إلى أن عملية الاستخراج تُسهم في تسريع قدرة الصين على الوصول إلى قدرات «ميثوس بريفيو» المتقدمة الخاصة بها.

ويأتي هذا الحظر بعد أيام قليلة من تصريح مطورين بأن «كلود كود» يحتوي على آليات تفحص بيئات المستخدمين، بما في ذلك معلومات المنطقة الزمنية والخوادم الوكيلة، وتُدرج علامات دقيقة في الرسائل المُرسلة إلى خوادم «أنثروبيك».

وكتب أحد موظفي «أنثروبيك»، الثلاثاء، على منصة «إكس» أن هذه الميزة كانت «تجربة أطلقناها في مارس (آذار)»؛ بهدف منع إساءة استخدام الحسابات من قِبل البائعين غير المصرح لهم والحماية من استخراج النموذج.


بعد «فابل»... الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف القوة والتحالف مع أميركا

شعار «أنثروبيك» ويد روبوتية على لوحة مفاتيح (رويترز)
شعار «أنثروبيك» ويد روبوتية على لوحة مفاتيح (رويترز)
TT

بعد «فابل»... الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف القوة والتحالف مع أميركا

شعار «أنثروبيك» ويد روبوتية على لوحة مفاتيح (رويترز)
شعار «أنثروبيك» ويد روبوتية على لوحة مفاتيح (رويترز)

لم يكن قرار إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب رفع القيود عن نموذج الذكاء الاصطناعي «فابل 5» التابع لشركة «أنثروبيك» مجرد تراجع تقني عن حظر استمر أسابيع، بل كشف عن لحظة انتقال كبرى في علاقة الحكومات بالذكاء الاصطناعي.

فالنماذج الأكثر تقدماً لم تعد تُعامل بوصفها منتجات تجارية عادية، وإنما بوصفها أصولاً استراتيجية تشبه الرقائق المتطورة والطاقة والتكنولوجيا العسكرية.

وبينما عاد «فابل» إلى المستخدمين، بقي نموذج «ميثوس 5» الأكثر حساسية متاحاً بصورة انتقائية لمؤسسات توافق عليها الحكومة الأميركية، بالتوازي مع إطلاق محدود لنموذج «جي بي تي-5.6» من «أوبن إيه آي». وهكذا انتهى الحظر المؤقت، لكن المعركة الأوسع حول من يملك حق تشغيل «العقل الاصطناعي» المتقدم، ومن يقرر مستخدميه وحدوده، بدأت فعلياً.

شعارا شركتي «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» (رويترز)

* ترخيص بلا قانون

أظهرت أزمة «فابل» أن الولايات المتحدة تتجه عملياً إلى بناء نظام ترخيص للنماذج الحدودية، حتى وإن ظل هذا النظام طوعياً وغير مكتمل قانونياً. فقد فرضت وزارة التجارة في 12 يونيو (حزيران) قيوداً على وصول الأجانب إلى نماذج «أنثروبيك»، بعد اكتشاف إمكانية تجاوز بعض ضوابطها واستخدامها في العثور على ثغرات برمجية وربما استغلالها. ومع تعذر التحقق الفوري من جنسية كل مستخدم، أوقفت الشركة النموذجين للجميع، قبل أن تسمح واشنطن بإعادتهما بعد تشديد الحواجز الأمنية والتزام تعاون أوسع مع الحكومة.

ويرى محللون أن هذه السابقة تغير العلاقة بين الدولة والشركات. فبدلاً من أن تطور الشركة نموذجاً ثم تطرحه وفق تقديرها التجاري، يصبح الإطلاق خاضعاً لمراجعة أمنية سابقة، وقدرة حكومية على تعطيل الوصول أو تحديد «العملاء الموثوقين».

والأمر لا يقتصر على «أنثروبيك»؛ إذ أخّرت «أوبن إيه آي» الإطلاق العام لـ«جي بي تي-5.6» بطلب من الإدارة، وبدأت بإتاحته لشركاء محدودين.

بذلك يتشكل واقع جديد: النموذج يصبح «آمناً» ليس فقط عندما تجتاز الشركة اختبارات السلامة، بل عندما توافق عليه الدولة.

شعار «أنثروبيك» على موقع إلكتروني (أ.ب)

* سباق مزدوج

المعضلة أن واشنطن تحاول تحقيق هدفين متعارضين: منع استخدام النماذج في الهجمات السيبرانية أو الأغراض العسكرية الخطرة، ومنع الصين في الوقت نفسه من تقليص الفجوة التكنولوجية.

والتشدد المفرط قد يبطئ الشركات الأميركية، ويدفع الباحثين والعملاء إلى بدائل أجنبية، ويشجع تطوير نماذج مفتوحة خارج نطاق السيطرة الأميركية. أما التساهل، فقد يمنح جهات معادية أدوات قادرة على اكتشاف ثغرات في البنى التحتية أو أتمتة هجمات معقدة.

لهذا تبدو السياسة الأميركية متقلبة: إدارة بدأت بخطاب مناهض للقيود التنظيمية وجدت نفسها تبتكر آلية رقابة سريعة، غامضة وقابلة للتدخل السياسي. لكن هذا التناقض ليس عارضاً؛ إنه نتيجة طبيعية لوصول الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة تصبح فيها زيادة القدرة مكسباً اقتصادياً وخطراً أمنياً في آن واحد.

والحل المرجح، حسب خبراء، لن يكون حظراً شاملاً أو حرية مطلقة، بل نظاماً متعدد الدرجات: إتاحة عامة للنماذج الأقل خطورة، ووصول مقيد للقدرات السيبرانية والبيولوجية الحساسة، ومراجعة حكومية مسبقة للنماذج الأعلى قدرة. وقد وضع الأمر التنفيذي الذي وقّعه الرئيس دونالد ترمب في 2 يونيو أساساً لإطار طوعي يتيح للحكومة فحص بعض النماذج الحدودية قبل توزيعها الأوسع.

* الحليف الموثوق

الأثر الأبعد يظهر في السياسة الخارجية. وحسب «أكسيوس» فإدارة ترمب تعيد تعريف الحليف وفق مساهمته في التفوق الأميركي بالذكاء الاصطناعي، لا وفق القيم المشتركة أو المعاهدات الأمنية وحدها. الرقائق، ومراكز البيانات، والطاقة، والمعادن الحرجة، وسلاسل التوريد، والوصول إلى النماذج الحدودية تتحول أوراق تفاوض. ويمكن لدولة أن تكون شريكاً عسكرياً لواشنطن، لكنها لا تحصل تلقائياً على أقوى أدواتها الرقمية.

هذا المنطق يضع أوروبا خصوصاً أمام اختبار صعب. فهي شريك ضروري في تأمين سلاسل الإمداد، لكنها في نظر البيت الأبيض تبالغ في التنظيم ولا تبني صناعة منافسة بالسرعة المطلوبة. لذلك قد تربط واشنطن الوصول إلى النماذج المتقدمة بمدى توافق الشريك مع المعايير الأميركية في الأمن السيبراني وضوابط التصدير، وباستثماره في الطاقة والحوسبة، وربما بموقفه من الصين. وتصبح عبارة «حليف موثوق» تصنيفاً تقنياً قابلاً للتجزئة: ثقة في ملف، وحجب في ملف آخر.

* سيادة الخوارزمية

ما بعد «فابل» سيدفع الحكومات إلى تبني مفهوم «السيادة الخوارزمية». فالدول التي لا تملك نماذج قوية، أو رقائق، أو قدرة حوسبية وطاقة كافية، ستجد نفسها معتمدة على قرارات الترخيص الأميركية وشروط الشركات. وقد تستجيب أوروبا واليابان والهند ودول الخليج بزيادة الاستثمار في البنية التحتية المحلية، وبناء نماذج سيادية، وتنويع الموردين، ووضع ترتيبات متبادلة للوصول إلى التقنيات الحساسة.

ويرى محللون أن الانقسام إلى كتل تكنولوجية يحمل تكلفة كبيرة. فكلما ضاقت دائرة الوصول، تقل فرص التعاون الدولي في إصلاح الثغرات ومواجهة الاستخدامات الإجرامية، ويزداد الحافز لظهور أسواق موازية ونماذج بلا ضوابط. ويقدم مشروع «غلاسوينغ»، الذي تسعى «أنثروبيك» عبره إلى توسيع الاستخدام الدفاعي لـ«ميثوس» لدى نحو 150 مؤسسة في أكثر من 15 دولة، نموذجاً وسطاً: وصول انتقائي، ومعايير مشتركة، ومشاركة للمعلومات، بدلاً من النشر المفتوح أو الاحتكار الكامل.

لقد أثبتت أزمة «فابل» أن الحكومات لن تقف خارج مختبرات الذكاء الاصطناعي بعد الآن، وأن الشركات لن تنفرد بتحديد من يستخدم أقوى نماذجها. وفي عصر ترمب، ستصبح قيادة الذكاء الاصطناعي معياراً للقوة، والوصول إليه امتيازاً سياسياً، ودعم التفوق الأميركي جزءاً من تعريف التحالف نفسه. أما الدول التي لا تبني قدراتها، فستنتقل من استيراد التكنولوجيا إلى استئجار مستقبلها بشروط الآخرين.


تركيا: تراجع أسعار الطاقة يكسر نسبياً موجة صعود التضخم

أظهر التضخم في تركيا تراجعاً للمرة الأولى منذ اندلاع حرب إيران (أ.ف.ب)
أظهر التضخم في تركيا تراجعاً للمرة الأولى منذ اندلاع حرب إيران (أ.ف.ب)
TT

تركيا: تراجع أسعار الطاقة يكسر نسبياً موجة صعود التضخم

أظهر التضخم في تركيا تراجعاً للمرة الأولى منذ اندلاع حرب إيران (أ.ف.ب)
أظهر التضخم في تركيا تراجعاً للمرة الأولى منذ اندلاع حرب إيران (أ.ف.ب)

سجل التضخم في أسعار المستهلكين في تركيا تراجعاً طفيفاً خلال يونيو (حزيران) الماضي للمرة الأولى منذ اندلاع حرب إيران في فبراير (شباط) مدفوعاً بانخفاض تكلفة فاتورة الطاقة.

وأظهرت بيانات رسمية نشرها معهد الإحصاء التركي، الجمعة، تراجع معدل تضخم أسعار المستهلكين إلى 0.99 في المائة على ‌أساس شهري ‌في ​يونيو، في حين بلغ المعدل ⁠السنوي 32.11 في المائة.

وأشارت البيانات ⁠أيضاً إلى ارتفاع مؤشر أسعار المنتجين المحليين بنسبة 1.80 في المائة على أساس شهري، ليبلغ معدل الارتفاع السنوي 28.09 في المائة. وبلغت نسبة التضخم في الإيجارات 32.24 في المائة.

أرقام متباينة وتوقعات سابقة

وخلافاً للأرقام الرسمية، أعلنت «مجموعة أبحاث التضخم» (إي إن إيه جي)، المؤلفة من أكاديميين وخبراء اقتصاد أتراك مستقلين، ارتفاع معدل التضخم الشهري في أسعار المستهلكين في يونيو بنسبة 1.49 في المائة على أساس شهري، و51.49 في المائة على أساس سنوي.

ساعد تراجع أسعار الخضراوات والفواكه في تباطؤ التضخم بتركيا في يونيو (إعلام تركي)

وسجل التضخم في مدينة إسطنبول، كبرى مدن تركيا ومركزها الاقتصادي، ارتفاعاً بنسبة 1.14 في المائة على أساس شهري في يونيو، في حين بلغ المعدل السنوي 35.94 في المائة، وفقاً لبيانات غرفة تجارة إسطنبول.

وكانت توقعات الخبراء السابقة للتضخم في تركيا في يونيو تراوحت عند 1.044 في المائة على أساس شهري، و32.17 في المائة على أساس سنوي.

وكان التضخم واصل ارتفاعه في مايو (أيار) الماضي مسجلاً زيادة بنسبة 1.71 في المائة على أساس شهري، و32.61 في المائة على أساس سنوي، وهو أعلى مستوى منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وذلك بعد قفزة واسعة في أبريل (نيسان) الماضي، بنسبة 4.18 في المائة، نتيجة التقلبات في أسعار الطاقة الناتجة عن حرب إيران.

أسعار الطاقة وتباطؤ التضخم

وكشفت بيانات معهد الإحصاء التركي في يونيو عن تراجع ضغوط أسعار الطاقة على التضخم، وتباطئه بعد موجة تسارع استمرت شهرين متتاليين، بعدما تأثرت تركيا، وهي من كبار مستوردي النفط والغاز الطبيعي، بارتفاع تكاليف الطاقة بسبب إغلاق مضيق هرمز.

وفي تعليقه على الأرقام الرسمية للتضخم في يونيو، قال وزير الخزانة والمالية التركي محمد شيمشيك، عبر حسابه في «إكس»، إن معدل التضخم الشهري بلغ 0.99 في المائة، واستؤنفت عملية انخفاض التضخم، التي توقفت مؤقتاً بسبب ارتفاع أسعار الطاقة العالمية نتيجةً لاضطرابات العرض.

وأضاف: «انخفض التضخم السنوي بمقدار 0.5 في المائة عن الشهر السابق، ليصل إلى 32.1 في المائة في يونيو... ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 0.2 في المائة على أساس شهري، مستفيدةً من الاتجاه الإيجابي في أسعار الفواكه والخضراوات الطازجة، في حين ساهم انخفاض أسعار الوقود أيضاً في دعم توقعات التضخم».

وتوقع شيمشيك استمرار انخفاض التضخم خلال الفترة المتبقية من العام، مدعوماً بتطبيع أسعار السلع الأساسية، وممارسات التسعير القائمة على القواعد، وانخفاض معدل تضخم الإيجارات، وتوقعات الطلب المعتدلة.

وقال: «نحن مستمرون في سياساتنا بما يتماشى مع هدفنا المتمثل في تحقيق استقرار دائم في الأسعار».

بدوره، توقع نائب الرئيس التركي، جودت يلماظ، بروز العوامل الداعمة لعملية خفض التضخم بشكل أكبر في النصف الثاني من العام، قائلاً إن اتجاه التحسن في الأوضاع العالمية والخطوات الرامية إلى تحقيق السلام والدبلوماسية بهدف تخفيف التوترات الجيوسياسية، التي تحد من الضغوط على أسعار الطاقة والسلع، تعزز التوقعات بشأن تكاليف الإنتاج الخارجية.

ولفت يلماظ عبر حسابه في «إكس» إلى أن تقلبات أسعار الطاقة والسلع المرتبطة بالتطورات الجيوسياسية قد تؤدي أحياناً إلى تباطؤ عملية خفض التضخم، موضحاً أنه رغم هذه الصدمات، من المتوقع استمرار الاتجاه التنازلي الرئيسي للتضخم، بفضل الاستقرار المالي الكلي الذي يوفره التنسيق بين السياسة النقدية والمالية وسياسات الدخل.

وواجه صنّاع السياسة النقدية في تركيا ضغوطاً متزايدة من الشركات والبنوك خلال النصف الأول من العام بسبب بطء وتيرة انحسار التضخم، ففي حين استقرت أسعار الفائدة قرب مستوى 40 في المائة معظم العام الماضي، تعثر مسار كبح التضخم.

وتحرك البنك المركزي للحد من التداعيات غير المباشرة لارتفاع أسعار الطاقة على التضخم؛ إذ أوقف دورة التيسير النقدي في مارس (آذار)، ما اعتُبر بمنزلة رفع غير معلن لأسعار الفائدة، واستمر في تمويل البنوك بسعر فائدة يبلغ 40 في المائة، بدلاً من سعر الفائدة الرئيسي البالغ 37 في المائة.

رئيس البنك المركزي التركي فاتح كارهان خلال اجتماع مع المستثمرين في لندن (إعلام تركي)

وأعلن رئيس البنك فاتح كارهان، خلال لقاء مع مستثمرين في لندن في يونيو الماضي، أن البنك لا يدرس إعادة سعر الفائدة على التمويل إلى 37 في المائة قبل اجتماع السياسة النقدية المقبل، المقرر عقده في 29 يوليو (تموز) الحالي.

ويؤدي استمرار الغموض بشأن حرب إيران إلى توقعات ‌بمسار أبطأ مما كان متوقعاً لتراجع التضخم، وتسود توقعات بأن يتراجع معدل التضخم إلى أقل بقليل من 30 في المائة بحلول نهاية العام، وهو تقدير أكثر تشاؤماً من توقعات البنك المركزي البالغة 26 في المائة.

وفي استطلاع توقعات المشاركين في السوق، الذي نشره البنك المركزي في يونيو، بلغت توقعات التضخم في يونيو 1.36 في المائة، في حين بلغت توقعات نهاية العام 29.14 في المائة.

عجز التجارة الخارجية

على صعيد آخر، سجل عجز التجارة الخارجية في تركيا في يونيو 10.38 مليار دولار.

وزير التجارة التركي عمر بولاط (من حسابه في «إكس»)

وقال وزير التجارة التركي عمر بولاط، في تصريحات الجمعة، إن إجمالي قيمة صادرات تركيا في يونيو بلغ 24.94 مليار دولار، مقابل واردات بقيمة 35.3 مليار دولار.

وأضاف أن ‌قيمة ⁠الصادرات خلال الأشهر الستة الأولى من العام ارتفعت بنسبة 3.6 في المائة، مقارنة بالفترة ⁠نفسها من العام الماضي، لتصل إلى 136.06 مليار ⁠دولار، في حين زادت الواردات 4.6 في المائة إلى 189.15 مليار دولار.