هل أصبحت منظمة التجارة العالمية «عاجزة وظيفياً»؟

رئيستها متشائمة بشأن المستقبل

وصفت مجلة «ذا ديبلومات» المتخصصة منظمة التجارة العالمية بأنها «عاجزة وظيفياً» (رويترز)
وصفت مجلة «ذا ديبلومات» المتخصصة منظمة التجارة العالمية بأنها «عاجزة وظيفياً» (رويترز)
TT

هل أصبحت منظمة التجارة العالمية «عاجزة وظيفياً»؟

وصفت مجلة «ذا ديبلومات» المتخصصة منظمة التجارة العالمية بأنها «عاجزة وظيفياً» (رويترز)
وصفت مجلة «ذا ديبلومات» المتخصصة منظمة التجارة العالمية بأنها «عاجزة وظيفياً» (رويترز)

فيما أعربت نغوزي أوكونجو إيويالا، رئيسة منظمة التجارة العالمية عن تشاؤمها، بشأن مستقبل التجارة العالمية، وأوضحت أن المخاطر السلبية على الاقتصاد العالمي لا تزال قائمة... وصفت مجلة «ذا ديبلومات»، المتخصصة في الشؤون الآسيوية، منظمة التجارة العالمية بأنها «عاجزة وظيفيا»؛ نظرا لأن المنظمة التي جرى إنشاؤها بهدف تعزيز التجارة الحرة أصبحت اليوم أكبر عقبة أمام تحقيق هدفها.
وقالت إيويالا في مقابلة مع تلفزيون بلومبرغ يوم الثلاثاء، على هامش قمة التكيف الأفريقية في روتردام، إن مزيجا من الاضطرابات التجارية سيستمر يلقي بظلاله على الانتعاش الاقتصادي العالمي، وفي المقدمة الحرب التي تشنها روسيا ضد أوكرانيا والتي لا تزال تؤجج أزمة متصاعدة في أسواق الطاقة والغذاء العالمية.
وأشارت إيويالا إلى أن الاختناقات لا تزال تصيب طرق الشحن، وأن صفوف سفن الحاويات التي تنتظر خارج موانئ بحر الشمال في ألمانيا زادت خلال الأسابيع الأخيرة.
وأوضحت المسؤولة أنه في الوقت نفسه، يتواصل إغلاق بعض أكبر المدن والموانئ ومراكز التصنيع في العالم، بسبب نهج «صفر كوفيد» الذي تتبناه الصين لمكافحة جائحة «كورونا». وقالت إيويالا إن «التوقعات ليست واعدة»، حيث كشفت الظواهر الجوية السيئة هذا الصيف، التأثير المدمر الذي يمكن أن يحدثه تغير المناخ على سلاسل التوريد في العديد من أكبر الاقتصادات في العالم. وأضافت «نحن في بيئة محفوفة بالمخاطر. وما زلنا نواجه أزمات متعددة وصدمات خارجية».
وبالتزامن مع هذه الرؤية، رأت مجلة «ذا ديبلومات»، في تقرير خاص حول المنظمة، أن منظمة التجارة العالمية تزيد من التوتر بدلا من الثقة في نظام التجارة الدولي، مرجعة ذلك إلى أنظمتها المتصدعة لتسوية المنازعات، وآليات التفاوض غير الفعالة، والسياسات المبهمة التي تؤدي إلى استغلال عام للمصالح الذاتية. وأضافت أن الحروب التجارية الحالية تدفع الدول إلى التحايل على منظمة التجارة العالمية مما يؤدي إلى تآكل شرعية المنظمة الآخذة في التضاؤل.
وأشارت المجلة إلى أن منظمة التجارة العالمية تسير في الاتجاه الخاطئ في محاولاتها لتشجيع التجارة الحرة، وفي الوقت نفسه فإنه مع استمرار المشاكل التجارية تستمر الدول القوية في استغلال قوتها التنافسية في العلاقات التجارية، مما يزيد بدوره من الضغط على النظام الاقتصادي العالمي ويرفع من حدة التوترات الأمنية، لافتة إلى أنه رغم استفادة نظام التجارة العالمي من منظمة التجارة العالمية ظاهريا، فإن المنظمة، تستمر في تسهيل الانقسامات مع هشاشة وضع الشؤون العالمية.
وعن تاريخ المنظمة، ذكرت المجلة أن منظمة التجارة العالمية استبدلت عند تأسيسها الاتفاقية العالمية بشأن التعريفات الجمركية والتجارة (غات) عام 1995، ومنذ ذلك الحين كانت مهمة المنظمة هي تعزيز التجارة العالمية الحرة بين أعضائها، ووضع الأسس والقواعد بناء على مبدأ المعاملة بالمثل، واتخاذ قرارات بالإجماع لتطوير سياساتها وتحسينها وتنفيذها، وتطبق المنظمة هذه المبادئ من خلال تشجيع الممارسات غير التمييزية والشفافية في صنع القرار والمعاملة الخاصة لأعضائها بالنسبة لاحتياجات كل منهم.
ومن الناحية النظرية، بحسب «ذا ديبلومات»، تبدو هذه المبادئ مفيدة عالميا، إلا أنها عمليا، تعد تفاؤلا مرتبطا بالتمني المتجذر في المثالية الخيالية؛ لأن العالم لا يعمل بهذه الطريقة خاصة فيما يتعلق بالعلاقات الاقتصادية، فالتجارة الحرة تعني باختصار التدفق الحر للسلع بين البلدان، وبذلك فهي تحفز المنتجين المحليين على تحسين وضعهم التنافسي مقارنة بالمنتجين الأجانب، وبالتالي تحسين الكفاءة وتقليل الاعتماد على الإعانات الحكومية، مما يؤدي في النهاية إلى تجارة أكثر قوة ونمو اقتصادي عالمي بسبب الاتفاقات المتبادلة المفيدة للطرفين، وهو ما لا يحدث على أرض الواقع.
ورغم الفوائد المحتملة لاتفاقيات التجارة الحرة، فإن آثارها السلبية أيضا قد تكون كبيرة، حيث أوضحت المجلة أن فتح المنافسة للأسواق الأجنبية يمكن أن يؤثر سلبيا على الشركات والأعمال غير المستعدة للمنافسة مع المنتجين الأجانب، مما يؤدي إلى فقدان الوظائف، والبديل هو فرض آليات لحماية الصناعات المحلية للحيلولة دون تآكلها، لكن حماية الصناعة تأتي بتداعيات للحكومات في شكل طلب إعانات، ولذلك تحتاج الحكومات إلى تحديد التوازن الصحيح بين السعي وراء التجارة الحرة، وتوسع السوق مقابل العواقب المتوقعة لذلك، وهو ما يبدو جيدا من الناحية النظرية؛ لكن ما يفرضه الواقع عبارة عن قواعد للتجارة تعقد النظام وتخلف التوترات.
وأشارت المجلة إلى أنه رغم عمل منظمة التجارة العالمية في شكل مؤسسة شرعية متعددة الأطراف، فإنها أقل إثارة للإعجاب في وظيفتها الفعلية اليوم، مرجعة ذلك إلى عدم كفاءة نظام تسوية المنازعات، لا سيما مع استمرار واشنطن في رفض هيئة الاستئناف الجديدة، ونظرا لأنه «لا يوجد شيء ملزم في نظام منظمة التجارة العالمية»، فإن التحكيم وحل النزاعات يظل بعيد المنال في نظام عالمي مدفوع بشكل متزايد بانتهازية المصلحة الذاتية وليس بالامتثال للقوانين والأعراف الدولية.
وأضافت أنه رغم مخالفة منظمة التجارة العالمية لبند اتفاقية «غات» القديمة حول قدرة أي من أعضائها اتخاذ «أي إجراء يعتبرونه ضروريا لحماية مصالحهم الأمنية الأساسية»، فإنها لم تتمكن من اتخاذ أي إجراء أثناء الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين التي تضمنت العديد من القرارات المماثلة.
ونوهت «ذا ديبلومات» إلى أن القوانين والسياسات المحلية أيضا من بين أهم العقبات التي يتعين على منظمة التجارة العالمية التغلب عليها؛ وعلى سبيل المثال تسمح المادة 301 من قانون التجارة الأميركي بفرض تعريفات جمركية على الشركاء التجاريين الذين يتم اعتبارهم متورطين في قيود غير عادلة ضد التجارة الأميركية، وهو قانون محلي في الولايات المتحدة له تداعيات دولية على التجارة الحرة، لكن منظمة التجارة العالمية لا يمكنها اتخاذ أي إجراء حيال ذلك.
وأشارت المجلة إلى أن التوتر المستمر في منظمة التجارة العالمية يدفع المزيد من الدول إلى تجنب الإجراءات المتصدعة الحالية لمنظمة التجارة العالمية، وتفضيل الاتفاقيات التجارية الثنائية التي تتخطى قيود منظمة التجارة العالمية.


مقالات ذات صلة

السندات العالمية تتكبد أسوأ خسائر في سبتمبر... والأسهم تصمد

الاقتصاد أحد المارة يسير أمام لوحة أسعار الأسهم التي تعرض مستوى سندات الحكومة اليابانية لأجل 10 سنوات وسعر صرف الدولار مقابل الين الياباني في طوكيو (رويترز)

السندات العالمية تتكبد أسوأ خسائر في سبتمبر... والأسهم تصمد

تتجه أسواق السندات العالمية لإنهاء سبتمبر بأحد أسوأ أشهرها في سنوات، تحت ضغط تدهور المالية العامة للحكومات، وكثافة الإصدارات وارتفاع التضخم.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

الدولار يتجه لأكبر مكسب شهري أمام اليورو في 14 شهراً

يتجه الدولار الأربعاء لتحقيق أكبر مكسب شهري أمام اليورو في 14 شهراً، مدعوماً بقوة الاقتصاد الأميركي وتوقعات ارتفاع أسعار الفائدة.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
الاقتصاد عامل يقوم بتلميع سبائك الذهب في مصفاة بسيدني (أ.ف.ب)

الذهب يتجه لخسارة شهرية تتجاوز 6 % ترقباً لبيانات التضخم الأميركية

تراجعت أسعار الذهب الأربعاء، متجهة إلى تسجيل خسارة شهرية تتجاوز 6 في المائة، مع تزايد ترقب المستثمرين لبيانات التضخم الأميركية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد ناقلة نفط تمر فوق أفق مدينة فانكوفر أثناء إبحارها في الميناء (أ.ب)

النفط يرتفع بعد نفي ترمب بحث تخفيف العقوبات على إيران

ارتفعت أسعار النفط الأربعاء بعدما نفى الرئيس الأميركي دونالد ترمب استعداده لتخفيف العقوبات المفروضة على إيران.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال استقباله أمين عام «أوبك» (إكس)

الغيص يحذر من تأثير الحديث عن تراجع الطلب على الاستثمار النفطي

حذّر الأمين العام لمنظمة البلدان المصدرة للنفط من أن الحديث المتزايد عن تراجع الطلب قد يبعث برسالة إلى المستثمرين مفادها أن الوقت حان للتوقف عن الاستثمار.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

السعودية ترصد 371 مليار دولار للإنفاق في موازنة 2027

وزير المالية في ملتقى الميزانية لعام 2026 (أرشيفية - الشرق الأوسط)
وزير المالية في ملتقى الميزانية لعام 2026 (أرشيفية - الشرق الأوسط)
TT

السعودية ترصد 371 مليار دولار للإنفاق في موازنة 2027

وزير المالية في ملتقى الميزانية لعام 2026 (أرشيفية - الشرق الأوسط)
وزير المالية في ملتقى الميزانية لعام 2026 (أرشيفية - الشرق الأوسط)

تمضي السعودية في دعم النمو الاقتصادي وتمويل أولوياتها التنموية والاستراتيجية خلال 2027، مع تقديرات أولية بوصول إجمالي الإنفاق إلى نحو 1.392 تريليون ريال (371.2 مليار دولار)، مقابل إيرادات تبلغ 1.202 تريليون ريال (320.5 مليار دولار)، فيما يقدَّر عجز الموازنة بنحو 3.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

وأعلنت وزارة المالية، الأربعاء، البيان التمهيدي للميزانية العامة للدولة للعام المالي 2027، في وقت تواصل فيه المملكة تنفيذ برامج التحول الاقتصادي وتوسيع قاعدة الأنشطة غير النفطية، بالتوازي مع اتباع سياسة مالية تستهدف دعم النمو والمحافظة على استدامة المالية العامة.

وتشير تقديرات وزارة المالية إلى ارتفاع إجمالي الإيرادات من 1.202 تريليون ريال (320.5 مليار دولار) في 2027 إلى نحو 1.351 تريليون ريال (360.3 مليار دولار) في 2029، بينما يرتفع إجمالي النفقات من 1.392 تريليون ريال (371.2 مليار دولار) إلى نحو 1.544 تريليون ريال (411.7 مليار دولار) خلال الفترة نفسها.

وتعكس هذه التقديرات استمرار الإنفاق على الأولويات التنموية والاستراتيجية والمشاريع ذات العائد الاقتصادي والاجتماعي، في إطار تخطيط مالي طويل المدى يستهدف الحفاظ على استدامة المالية العامة عبر الدورات الاقتصادية.

وفي الوقت نفسه، أسهمت مبادرات التنويع والإصلاحات الاقتصادية في زيادة الإيرادات غير النفطية من نحو 166 مليار ريال (44.3 مليار دولار) في 2015 إلى 505 مليارات ريال (134.7 مليار دولار) في 2025، مما عزز استقرار الإيرادات العامة وتنوع مصادرها.

الاقتصاد غير النفطي يحافظ على النمو

وتشير التقديرات الأولية إلى تأثر الاقتصاد السعودي خلال 2026 بالتطورات الاقتصادية والجيوسياسية، مع توقع انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 3.6 في المائة، نتيجة تراجع الأنشطة النفطية بنسبة 21.8 في المائة.

في المقابل، من المتوقع أن تواصل الأنشطة غير النفطية نموها بنسبة 3.2 في المائة خلال العام، بما يحد من أثر انخفاض النشاط النفطي على الاقتصاد ككل.

وخلال النصف الأول من 2026، سجلت الأنشطة غير النفطية نمواً بنسبة 1.8 في المائة، لترفع مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى مستوى تاريخي بلغ 57.3 في المائة، مدفوعةً بقوة الطلب المحلي وتدفقات الاستثمار الخاص.

البطالة عند 6.5 % والتضخم عند مستويات محدودة

وعلى صعيد المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، انخفض معدل البطالة بين السعوديين إلى 6.5 في المائة خلال الربع الثاني من 2026.

في الوقت نفسه، تشير التقديرات الأولية إلى تسجيل التضخم نحو 2.1 في المائة لكامل العام الحالي، في ظل استمرار مستويات الطلب المحلي وتطور النشاط الاقتصادي غير النفطي.

تمويل محلي ودولي لدعم المشاريع

وتعتزم الحكومة مواصلة عمليات التمويل المحلية والدولية خلال 2027 والمدى المتوسط، وفق إطار استراتيجية الدين متوسطة المدى، من خلال إصدار السندات والصكوك والحصول على القروض، إلى جانب التوسع في أدوات التمويل الحكومي البديل.

وتشمل هذه الأدوات تمويل المشاريع والبنية التحتية ووكالات ائتمان الصادرات، بما يوفر قنوات إضافية لتمويل المشاريع والأولويات التنموية.

وأكد وزير المالية محمد الجدعان أن التقديرات الأولية لموازنة 2027 تأتي في ظل بيئة اقتصادية عالمية تتسم باستمرار عدم اليقين وتسارع التطورات الجيوسياسية.

وقال إن المملكة تواصل إدارة ماليتها العامة من منظور طويل المدى، بما يعزز قدرتها على التعامل مع المتغيرات ومواصلة الإنفاق على الأولويات التنموية والاستراتيجية، مع المحافظة على استدامة المالية العامة ومتانة المركز المالي.

وأضاف أن الحكومة مستمرة في رصد التطورات الاقتصادية والجيوسياسية وتقييم انعكاساتها المحتملة على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد وأسواق الطاقة، والتعامل معها بسياسات مرنة واستباقية تدعم الاقتصاد وتعزز قدرته على مواصلة تحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030.

وأكد الجدعان استمرار خطط التحول الاقتصادي لدعم النمو وتوسيع القاعدة الاقتصادية، بما ينعكس على نمو الإيرادات غير النفطية ويسهم في تحقيق مستويات أكثر استدامة واستقراراً للإيرادات على المديين المتوسط والطويل.

عجز 2027 ضمن سياسة مالية طويلة المدى

يأتي العجز المقدر عند 3.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي ضمن سياسة مالية تستهدف المحافظة على متانة المركز المالي وتعزيز الاستدامة المالية، مع استمرار الإنفاق على المشاريع ذات الأولوية.

وحسب وزارة المالية، يتيح هذا النهج للحكومة تبني سياسات مالية متوازنة عبر الدورات الاقتصادية، ودعم النمو والتكيف مع المتغيرات وإدارة الأزمات والاحتياجات الطارئة، مع المحافظة على مستويات مستدامة من الدين العام واحتياطيات مالية معتبرة.

وتعتزم الحكومة مواصلة عمليات التمويل المحلية والدولية خلال 2027 وعلى المدى المتوسط، وفق إطار استراتيجية الدين متوسطة المدى، عبر إصدار السندات والصكوك والحصول على القروض بتكلفة عادلة، إلى جانب التوسع في أدوات التمويل الحكومي البديل، بما يشمل تمويل المشاريع والبنية التحتية ووكالات ائتمان الصادرات.


بين «دولة» لولا و«سوق» بولسونارو... اقتصاد البرازيل على مفترق طرق

سيارات «بي واي دي» على خط الإنتاج في مصنع الشركة للسيارات الكهربائية بمجمع كاماساري الصناعي بولاية باهيا البرازيلية يوم 3 فبراير 2026 (رويترز)
سيارات «بي واي دي» على خط الإنتاج في مصنع الشركة للسيارات الكهربائية بمجمع كاماساري الصناعي بولاية باهيا البرازيلية يوم 3 فبراير 2026 (رويترز)
TT

بين «دولة» لولا و«سوق» بولسونارو... اقتصاد البرازيل على مفترق طرق

سيارات «بي واي دي» على خط الإنتاج في مصنع الشركة للسيارات الكهربائية بمجمع كاماساري الصناعي بولاية باهيا البرازيلية يوم 3 فبراير 2026 (رويترز)
سيارات «بي واي دي» على خط الإنتاج في مصنع الشركة للسيارات الكهربائية بمجمع كاماساري الصناعي بولاية باهيا البرازيلية يوم 3 فبراير 2026 (رويترز)

تدخل الانتخابات الرئاسية البرازيلية، التي تُجرى جولتها الأولى الأحد، على وقع مواجهة اقتصادية واضحة بين الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الساعي إلى ولاية رابعة، ومنافسه فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو، إذ يطرح كل منهما رؤية مختلفة لدور الدولة والسوق، وفق تقرير لصحيفة «لوفيغارو» الفرنسية.

الصناعة في قلب مشروع لولا

يراهن لولا على تدخُّل قوي للدولة لدعم الصناعة وإعادة التصنيع، بعدما تراجعت حصة القطاع الصناعي من الناتج المحلي الإجمالي من 48 في المائة عام 1985 إلى 25 في المائة عام 2024.

ومنذ عودته إلى السلطة مطلع 2023، واصل لولا سياسة دعم الصناعة التي بدأها خلال ولايتيه الأوليين. وفي يونيو (حزيران)، أعلن تخصيص 140 مليار ريال (نحو 27 مليار دولار أميركي) إضافية للسياسة الصناعية، فيما تجاوز إجمالي الأموال المخصصة لخطة «الصناعة البرازيلية الجديدة» 750 مليار ريال (نحو 145 مليار دولار) بين 2023 و2026.

وتبرز مدينة بيتيم في ولاية ميناس جيرايس بالبرازيل ساحة رئيسية لهذه المنافسة. وتضم المدينة مصنعاً ضخماً لمجموعة «ستيلانتيس»، التي أعلنت استثمارات بقيمة 14 مليار ريال (2.7 مليار دولار) في المنطقة حتى عام 2030. وتُعدّ ميناس جيرايس ولاية محورية انتخابياً، إذ لم يُنتخب أي رئيس برازيلي منذ انتخابات 1950 من دون الفوز فيها.

لكن المدينة العمّالية التي كانت تُعد معقلاً لليسار شهدت تحولاً سياسياً. ففي الجولة الثانية من انتخابات 2022، حصل جايير بولسونارو فيها على 52.43 في المائة من الأصوات مقابل 47.57 في المائة للولا.

صورة مدمجة تُظهر الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (يسار) ومنافسه فلافيو بولسونارو (أ.ف.ب)

جاذبية العمل المستقل

وتواجه رؤية لولا تحدياً اجتماعياً يتمثل في تغيّر تطلعات شريحة من الشباب الذين بات بعضهم يفضّل العمل المستقل وريادة الأعمال على الوظائف التقليدية في المصانع والشركات.

ويقول مسؤولون في شركات محلية إن صعوبة جذب العمال والاحتفاظ بهم باتت تؤثر في خطط النمو، في وقت يرى فيه مؤيدون لبولسونارو أن اليمين يمنح مساحة أكبر للمبادرة الفردية والعمل الحر.

بولسونارو يراهن على تحرير السوق

في المقابل، يمنح برنامج فلافيو بولسونارو دوراً أكبر للسوق وأقل للدولة. ويرى أستاذ الاقتصاد في جامعة ميناس جيرايس الفيدرالية، ريكاردو ماتشادو لويز، أن معسكر بولسونارو يعتقد أن السوق الأقل خضوعاً للتنظيم قادرة على تقديم حلول للمشكلات الصناعية بصورة أفضل من تدخل الدولة.

وتستشهد دانييلا ماركيز، المنسقة الاقتصادية لحملة بولسونارو، بتجربة الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، وأعلنت أن البرنامج يستهدف إلغاء أكثر من ألف قاعدة وإجراء تنظيمي تفرضها الدولة على النشاط الاقتصادي.

وتعكس المنافسة بين لولا وبولسونارو انقساماً حول مستقبل الاقتصاد البرازيلي، بين نموذج يقوم على تعزيز دور الدولة ودعم الصناعة، وآخر يمنح السوق والمبادرة الفردية مساحة أكبر.


تضخم أهدأ ونمو أقوى يربكان حسابات «الفيدرالي»

لافتة «مطلوب موظفون» معلقة على نافذة مطعم في ميدفورد - ماساتشوستس (رويترز)
لافتة «مطلوب موظفون» معلقة على نافذة مطعم في ميدفورد - ماساتشوستس (رويترز)
TT

تضخم أهدأ ونمو أقوى يربكان حسابات «الفيدرالي»

لافتة «مطلوب موظفون» معلقة على نافذة مطعم في ميدفورد - ماساتشوستس (رويترز)
لافتة «مطلوب موظفون» معلقة على نافذة مطعم في ميدفورد - ماساتشوستس (رويترز)

رسمت البيانات الاقتصادية الأميركية الصادرة الأربعاء، صورة مزدوجة للاقتصاد، مع مراجعة قوية بالزيادة لنمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني، في وقت استقر فيه التضخم عند مستوى أعلى من هدف «الاحتياطي الفيدرالي»، في حين أظهرت بيانات منفصلة تسارع التوظيف في القطاع الخاص خلال سبتمبر (أيلول).

وتعزز هذه القراءات صورة اقتصاد لا يزال قادراً على النمو بوتيرة متماسكة، رغم استمرار ضغوط الأسعار؛ ما يعقّد حسابات «الفيدرالي» بشأن المسار المقبل لأسعار الفائدة.

ورفع مكتب التحليل الاقتصادي تقديره لنمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني إلى 2.2 في المائة على أساس سنوي، من 1.5 في المائة في التقدير السابق، بزيادة قدرها 0.7 نقطة مئوية. وكان الاقتصاديون يتوقعون الإبقاء على القراءة السابقة عند 1.5 في المائة.

ورغم المراجعة الكبيرة، تباطأ النمو مقارنة بالربع الأول، الذي عدّل المكتب تقديره أيضاً بالزيادة إلى 2.5 في المائة، من 2.1 في المائة في القراءة السابقة.

كما رفع المكتب تقديره لنمو الاقتصاد الأميركي خلال عام 2025 إلى 2.3 في المائة، من 2.1 في المائة سابقاً.

وتأتي المراجعة الصعودية لنمو الربع الثاني في وقت يترقب فيه المستثمرون القراءة الأولية للناتج المحلي الإجمالي للربع الثالث، والمقرر صدورها في 29 أكتوبر (تشرين الأول)؛ بحثاً عن مؤشرات على ما إذا كانت قوة الاقتصاد ستستمر خلال النصف الثاني من العام.

التضخم فوق الهدف

وفي بيانات منفصلة، أظهر مؤشر «نفقات الاستهلاك الشخصي» (PCE)، المقياس المفضل لدى «الفيدرالي» لقياس التضخم، ارتفاع الأسعار بنسبة 3.4 في المائة على أساس سنوي في أغسطس (آب) مقابل توقعات بارتفاعه إلى 3.7 في المائة، ليستقر عند المستوى نفسه المسجل في يوليو (تموز) بعد مراجعة بيانات الشهر السابق.

وارتفع المؤشر بنسبة 0.3 في المائة على أساس شهري خلال أغسطس، في حين سجل المؤشر الأساسي، الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة الأكثر تقلباً، زيادة سنوية قدرها 3 في المائة.

وتظل هذه المستويات أعلى بكثير من هدف «الفيدرالي» البالغ 2 في المائة، الذي لم ينجح التضخم في العودة إليه منذ أوائل عام 2021.

وتكتسب بيانات الأسعار أهمية خاصة بالنسبة للأسواق، التي تراقب مسار التضخم لتقييم الخطوة المقبلة للبنك المركزي، في ظل استمرار الاقتصاد في إظهار قدرة على النمو.

منشأة تصنيع تابعة لشركة «كوهيرنت» في شيرمان - تكساس (أ.ب)

التوظيف يعزز الصورة

وأظهرت بيانات «إيه دي بي» أن القطاع الخاص الأميركي أضاف 90 ألف وظيفة في سبتمبر، متجاوزاً توقعات الاقتصاديين بزيادة قدرها 70 ألفاً، بعد تعديل عدد الوظائف المضافة في أغسطس بالخفض إلى 36 ألفاً من 38 ألفاً.

ويصدر تقرير «إيه دي بي» بالتعاون مع «مختبر الاقتصاد الرقمي بجامعة ستانفورد»، قبل تقرير الوظائف الحكومي الذي يصدر الجمعة، والذي يوفر مؤشرات أوسع عن أوضاع سوق العمل.

وحسب استطلاع لـ«رويترز»، يتوقع الاقتصاديون إضافة 85 ألف وظيفة في القطاع الخاص خلال سبتمبر، و90 ألف وظيفة إلى إجمالي الوظائف غير الزراعية، مع استقرار معدل البطالة عند 4.1 في المائة للشهر الثالث على التوالي.

ولا يُعدّ تقرير «إيه دي بي» مؤشراً دقيقاً دائماً لأرقام الوظائف الحكومية؛ ولذلك ستظل بيانات مكتب إحصاءات العمل المنتظرة الجمعة أكثر أهمية في تقييم قوة سوق العمل.

وكان مكتب إحصاءات العمل قد أظهر الثلاثاء تراجع عدد الوظائف الشاغرة مقارنة بعدد العاطلين عن العمل، مع وجود 1.01 وظيفة شاغرة لكل شخص عاطل في أغسطس، مقابل 1.06 في يوليو.

وتضع البيانات الأخيرة «الفيدرالي» أمام معادلة غير سهلة: الاقتصاد ينمو بوتيرة أقوى مما أظهرت التقديرات السابقة، والتوظيف الخاص يستعيد بعض الزخم، في حين لا يزال التضخم أعلى من المستوى المستهدف.

وبذلك، لا توفر البيانات أساساً واضحاً لتوقع تحول سريع في السياسة النقدية؛ فاستمرار قوة النشاط الاقتصادي يقلل الحاجة إلى خفض قريب للفائدة، في حين يبقي استقرار ضغوط الأسعار الباب مفتوحاً أمام خفضها لاحقاً إذا استمر التضخم في مسار الانحسار.