الإرهاق الذهني... حالة نفسية بيولوجية تضعف الأداء المعرفي والجسدي

يعوق إنتاجية المرء في المهام العقلية والبدنية داخل بيئات مختلفة

الإرهاق الذهني... حالة نفسية بيولوجية تضعف الأداء المعرفي والجسدي
TT

الإرهاق الذهني... حالة نفسية بيولوجية تضعف الأداء المعرفي والجسدي

الإرهاق الذهني... حالة نفسية بيولوجية تضعف الأداء المعرفي والجسدي

هل تنتابك حالة من الإرهاق الذهني ولا تستطيع حينها مواصلة التفكير؟ هل تشعر بأنك أصبحت مستنزفاً عقلياً، ولا رغبة لديك في مزيد من القراءة خلال مراحل التحصيل العلمي أو الاستمرار في مراجعة البيانات أثناء عملك الوظيفي؟ إذا كان الأمر كذلك؛ فمن المحتمل أنك تعاني من «التعب العقلي».

- «تعب عقلي»
«التعب العقلي (Mental Fatigue)» يمكن أن يحدث؛ ولأي إنسان، حينما يرهق عقله بنشاط ذهني معرفي لوقت طويل، مما يعوق قدرة الاستمرار على الإنتاجية في إنجاز المهام؛ سواء أكانت مهام ذهنية، كمواصلة القراءة أثناء التحصيل العلمي أو مراجعة يومية لبيانات وظيفية مرهقة، أم مهام بدنية تتطلب تفكيراً ذهنياً، كالتنافس في الألعاب الرياضية أو تكرار قيادة السيارة. كما قد يتكرر حدوث ذلك التعب الذهني بشكل يومي لدى البعض، وتصبح لديه حالة مزمنة.
وفي الغالب، يمكن للشخص القيام بمعظم المهام في بداية اليوم، ويمكن اعتباره بصحة جيدة تماماً. ولكن بمرور الساعات؛ لا تكون الطاقة العقلية لديه كافية للاستمرار، وتؤثر بالتالي على قدرة العمل والمشاركة في الأنشطة الاجتماعية.
وتشمل الأعراض الأكثر شيوعاً كلاً من: التثبيط العقلي، وقلة الدافع، والتهيج، وزيادة الأكل أو فقدان الشهية، والأرق، وتعطيل النوم الليلي.
وتشير الأبحاث إلى أن الإرهاق العقلي يؤثر على الأشخاص من جميع الخلفيات والتركيبات السكانية والاجتماعية. وتفيد بأن نحو ربع الأشخاص في عموم الناس، يعانون من علامات التعب الذهني، وأن النساء أكثر عرضة من الرجال لذلك النوع من الإرهاق. وهذا الإرهاق العقلي يمكن أن يتأثر به الشخص على المديين القصير أو الطويل؛ سواء في قدرات التحمل النفسي أو الذهني، والبدني، كما يمكن أن يؤدي إلى أنواع من المشكلات الصحية.
ويوضح أطباء «مايو كلينك»: «يشعر كل شخص تقريباً بالإِنهاك وضغط العمل من وقت لآخر. ويمكن تحديد السبب وراء أمثلة الإرهاق المؤقت هذه، ومن المحتمل وجود علاج لها. من جانب آخر؛ قد يستمر الإنهاك الشديد لفترة أطول، ويكون معمقاً أكثر، ولا يمكن التخفيف منه عند الراحة. وهو حالة من الوهن المستمر تقريباً، وينشأ بمرور الوقت، فيُقلل من طاقتك وحماسك وتركيزك. ويؤثر الإرهاق عند هذا المستوى أيضاً على سلامتك الانفعالية والنفسية».
ومن أجل التغلب على التعب الذهني بشكل فعال حين حدوثه، ومنع تكرار الوصول إليه، من المهم أن يكون المرء قادراً على التعرف على بدايات أعراض هذا التعب، وفهم ما يمكن أن يسبب هذا الإرهاق له، ومعرفة ما الملائم له للتخفيف منه أو منع حدوثه.

- حلول طبية
ولا تزال مشكلة الإرهاق الذهني تبحث عن حلول لها من قبل الأوساط الطبية. وضمن مراجعة منهجية؛ قدم باحثون في جامعة «فريجي» في بروكسل ببلجيكا دراستهم بعنوان: «كيفية معالجة التعب العقلي: مراجعة منهجية للتدابير المضادة المحتملة والآليات الكامنة وراءها». ووفق ما جرى نشره ضمن عدد سبتمبر (أيلول) الحالي من «مجلة الطب الرياضي (Sports Medicine)»، أفاد الباحثون البلجيكيون: «التعب العقلي حالة نفسية بيولوجية تضعف الأداء المعرفي والجسدي في بيئات مختلفة. وفي الآونة الأخيرة، سعى العديد من الدراسات إلى معرفة طرق مواجهة هذه الآثار السلبية للتعب العقلي والتغلب عليها (MF Countermeasures). ويتم تصنيف هذه الإجراءات المضادة وفق توقيت تطبيقها واستخدامها (قبل أو أثناء أو بعد المعاناة من حالة التعب العقلي)، ووفق نوع التدخل (سلوكي أو فسيولوجي أو نفسي)».
وقال الباحثون في نتائجهم: «تكشف المراجعة المنهجية الحالية أن ثمة مجموعة واسعة من الإجراءات المضادة لمواجهة التعب العقلي بنجاح على المستوى الشخصي، والمستوى العصبي الفسيولوجي و/ أو السلوكي. ومن بين هذه العوامل، يعدّ الكافيين، والروائح العطرية، والموسيقى، والمساعدة من الغير (كالأصدقاء وأفراد الأسرة أو زملاء العمل)، هي الأكثر إثباتاً لفائدتها».
وصنف الباحثون كلاً من الكافيين والروائح العطرية بوصفها معالجات فسيولوجية، والاستماع إلى الموسيقى والمساعدة من الغير بوصفها معالجة سلوكية. وقالوا إن الآلية الأكثر افتراضاً التي تعمل من خلالها هذه الإجراءات المضادة هي «نظام الدوبامين (Dopaminergic System)». ومعلوم أن المسارات العصبية في «نظام الدوبامين» داخل الدماغ، تلعب دوراً رئيسياً في العديد من الوظائف العقلية الذهنية، كالوظائف التنفيذية والتعلم والتأثر الإيجابي بالمكافأة وبالعوامل المحفزة.
وضمن مراجعة علمية أخرى لباحثين من جامعة موناش في ملبورن بأستراليا، حول الآليات العصبية الكامنة وراء التعب العقلي، تم نشرها ضمن عدد يوليو (تموز) الماضي من مجلة «مراجعات في علوم الأعصاب (Reviews in the Neurosciences)»، قال الباحثون: «رغم تأثيره السلبي المعترف به على نطاق واسع، فإن الآليات العصبية التي تبرز هذه الظاهرة لا تزال غير مفهومة تماماً. والإرهاق العقلي عَرَض شائع في بعض الحالات المرضية المزمنة، ويؤثر على نوعية حياة المرضى. كما يمكن أن يؤدي استمرار أداء المهام المعرفية الذهنية، إلى حدوث حالة التعب العقلي، التي تتسم بالإحساس الذاتي بالتعب الذهني وانخفاض الأداء المعرفي. وبالإضافة إلى المخاطر المهنية المرتبطة بالإرهاق العقلي، يمكن أن يؤثر أيضاً على الأداء البدني، مما يقلل من القدرة على التحمل والتوازن والمهارات الفنية الخاصة بالرياضة».

- العقل والجسد
ومثالاً؛ عرض فريق مشترك لباحثين من جامعة «سارلاند» في ألمانيا، وجامعة «إيدج هيل» وجامعة «تشيتشستر» وجامعة «نيوكاسل» في بريطانيا، دراستهم بعنوان: «فهم وجود التعب العقلي لدى اللاعبات النخبة لكرة القدم النسائية». و«اللاعبون النخبة» يُقصد بهم المحترفون في الغالب. ووفق ما تم نشره ضمن عدد سبتمبر (أيلول) الحالي من مجلة «البحوث الفصلية لممارسة التمارين والرياضة (Research Quarterly for Exercise and Sport)»، قال الباحثون: «أظهرت الأبحاث السابقة في كرة القدم، تأثير الإرهاق العقلي على انخفاض الإنجاز المرتبط بالأداء البدني والفني والتكتيكي واتخاذ القرار». وقالوا في ملخص نتائج دراستهم: «تقدم هذه النتائج توصيات عملية لتقليل الإرهاق العقلي في إعدادات كرة القدم النخبوية، مثل النظر في توقيت اجتماعات الفريق ومحتواها ومدتها، وتزويد اللاعبين بوقت فراغ (راحة) حيثما أمكن ذلك، والنظر في طريقة إرشادات التدريب أثناء المباريات».
وكان باحثون من جامعة «غوتنبيرغ» في السويد قد نشروا ضمن عدد مارس (آذار) الماضي من مجلة «الرابطة الطبية السويدية (Lakartidningen)»، دراستهم بعنوان: «التعب العقلي... التفسيرات الممكنة وطرق التشخيص والعلاجات الممكنة».
وقال الباحثون: «التعب العقلي أو إرهاق الدماغ عَرَض مرضي، ومسبب للعجز، مع انخفاض الطاقة العقلية. وفيه يمكن للشخص القيام بمعظم الأشياء (في الأحوال العادية) ويمكن اعتباره بصحة جيدة تماماً، ولكن بمرور الوقت لا تكون الطاقة العقلية لديه كافية للاستمرار، ويؤثر بالتالي على قدرة العمل والمشاركة في الأنشطة الاجتماعية. وعلى سبيل المثال؛ بعد محادثة مع الغير، يمكن أن تُستنزف طاقة الشخص تماماً، ويكون بعدها وقت التعافي طويلاً بشكل غير متناسب».
ووصف الباحثون ظاهرة «التعب العقلي»، وقدموا نموذجاً توضيحياً لكيفية ظهور الحالة، وأشاروا إلى طرق التشخيص والعلاجات الممكنة، التي هي حالياً في مرحلة البحث، ولكن يمكن تنفيذها في مجال الرعاية الصحية في المستقبل المنظور.

- أعراض مختلفة للإرهاق العقلي
> «الإرهاق العقلي» يطال في الأساس قدرات المهارات المعرفية، مثل التفكير والذاكرة واتخاذ القرار وحل المشكلات. ولكن العلامات الشائعة الأخرى تشمل ما يلي:
- الاكتئاب أو القلق أو التشاؤم.
- صعوبة الاهتمام بأي شيء.
- الغضب أو الانفعال.
- صعوبة معالجة وإدارة العواطف.
- انخفاض في الدافع أو الإنتاجية.
- الشعور بالخمول أو التباطؤ في الحركات أو الاستجابات.
كما يمكن أن تظهر أعراض بدنية ليس لها سبب واضح. مثل:
- آلام الرأس والجسم.
- معدة مضطربة.
- مشكلات النوم.
- تغيرات في الشهية والوزن.
- شعور عام بالتوعك.
وبعض من هذه الأعراض قد يحدث أيضاً في حالات الإرهاق العاطفي والإرهاق البدني كذلك. ولكن على المرء أن يلاحظ أن ثمة مسببات مختلفة لكل منها.

- ما الذي يتسبب بالضبط بالإرهاق الذهني؟
> في صورته الشائعة، قد يحدث الإرهاق العقلي إذا كان المرء يؤدي بانتظام أنواعاً من المهام التي تستهلك كثيراً من الطاقة للتفكير المعرفي و/ أو التفاعل العاطفي، خصوصاً إذا نسي المرء تحديد وقت للاسترخاء والرعاية الذاتية. ولكن مسببات الإرهاق الذهني تختلف لدى الطالب عنها لدى التاجر، كما تختلف لدى المُضارب في الأسهم عنها لدى الطبيب، وكذلك بين اللاعب الرياضي في الألعاب الجماعية وآخر في تلك الفردية.
وفي العموم، هناك قواسم مشتركة في تلك المسببات؛ منها:
- تطلب تكرار اتخاذ القرار: إذ إن تكرار اتخاذ القرار أمر مرهق ذهنياً ويستنفد القدرات الوظيفية التنفيذية لدى الشخص؛ سواء أكان ذلك في مرحلة تحضير الطالب للاختبارات، أم اللاعب خلال مراحل التدريب وأثناء أداء المباريات المهمة، أم خلال المضاربة في الأسهم، أم بوصفه أحد متطلبات العمل الوظيفي.
- فوضى التنسيق الذهني: عند تراكم أنواع من المشوشات الذهنية، خلال قيام المرء بأعمال ذهنية متعددة دون تنسيق، يحدث ارتفاع إنتاج هرمون التوتر (هرمون الكورتيزول)، وتتدني قدرات التركيز والإبداع، وتنخفض عتبة المعاناة من الألم البدني والنفسي (سهولة حدوث ذلك). ويعطي مارك هيرست، مؤلف كتاب «قليل من المعرفة (Bit Literacy)»، مثالاً بقوله: «الاستهلاك المفرط للأشياء الرقمية؛ مثل إشعارات الوسائط الاجتماعية، وموجز الأخبار، والألعاب، والملفات الموجودة على جهاز الكومبيوتر... كلها تتنافس على جذب انتباهنا، مما يصنع فوضى رقمية في أذهاننا».
- الإفراط في الالتزام: التزام المرء بمهام أكثر مما لديه من قدرة أو وقت لإنهائها، ليس فقط سبباً لاستنزاف قدراته العقلية، ولكن يؤدي كذلك إلى نتائج عكسية أيضاً في نتائج أداء المهام تلك. ناهيك بتسببه في الإنهاك الوظيفي. ويقول أطباء «مايو كلينك»: «الإنهاك الوظيفي نوع خاص من التوتر المرتبط بالعمل، هو حالة من الإرهاق البدني أو النفسي. ويتضمن أيضاً إحساساً بتراجع الإنتاجية، بما يؤثر على صحتك البدنية والنفسية».
- التحاشي والتسويف: وبخلاف الاعتقاد الشائع؛ فإن التسويف يضغط على العقل أكثر من ذلك الضغط الذي يتسبب فيه إنجاز العمل دون تأخير. وتوضح الدكتورة أليس بويز، مؤلفة كتاب «مجموعة أدوات العقل السليم ومجموعة أدوات القلق (The Healthy Mind Toolkit and The Anxiety Toolkit)، قائلة: «عندما نماطل أو نتجنب، فإن قلقنا بشأن كل ما نتجنبه يميل إلى الازدياد»، وهو ما بالتالي يستنزف الطاقة العقلية إلى حد النفاد.
- اضطرابات النوم: عدم أخذ قسط كاف من النوم (أي نحو 8 ساعات) في الليل بالذات، أحد الأسباب الشائعة للإرهاق الذهني. وفترة النوم في الليل هي الوقت الأساسي للدماغ كي يُقوي الروابط بين الخلايا العصبية فيه، ويدمج الذكريات، وينظف نفسه من السموم ونواتج عمليات تفاعلات الأيض الكيميائية، ويصلح ويعيد ترتيب نفسه.
- ضعف التغذية الدماغية: يحتاج الدماغ إلى شرب الماء، والتغذية الجيدة بالخضراوات والفواكه والأسماك الدهنية والروبيان والمكسرات وزيت الزيتون والبقول وحبوب القمح الكاملة غير المقشرة (Whole – Grain)، مع خفض تناول الشحوم الحيوانية واللحوم الحمراء والسكريات. وثمة منتجات معينة ذات تأثيرات إيجابية «عامة» في تنشيط عمل الدماغ؛ مثل القهوة، وثمار الأفاكادو، وأنواع الفواكه التوتية (Berries)، ودهون «أوميغا3» في الأسماك، والشوكولا الداكنة، ولبن الزبادي، وزيت الزيتون البكر، والكركم، ومكسرات الجوز والفستق، والطحالب البحرية.

- استشارية في «الباطنية»


مقالات ذات صلة

لامتصاص العناصر الغذائية... 5 أطعمة يُنصح بإضافة الفلفل الأسود إليها

صحتك هناك أطعمة يُنصح بإضافة الفلفل الأسود لها عند تناولها (بيكسباي)

لامتصاص العناصر الغذائية... 5 أطعمة يُنصح بإضافة الفلفل الأسود إليها

هناك أطعمة يُنصح بإضافة الفلفل الأسود لها عند تناولها؛ لأنه يساعد في تحسين امتصاص العناصر الغذائية الموجودة بها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك التمارين الهوائية متوسطة الشدة هي الأفضل لصحة الأمعاء (رويترز)

تعرف على أفضل التمارين وأسوئها لصحة أمعائك

أظهرت الدراسات أن التمارين الرياضية التي نمارسها لها تأثير كبير على ميكروبيوم الأمعاء، حسب صحيفة «التلغراف» البريطانية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك يسهم جوز الهند الطازج في إبطاء امتصاص السكر (أرشيفية-رويترز)

هل يفيد جوز الهند ومنتجاته مرضى السكري؟

يمكن إدراج جوز الهند الطازج ضمن النظام الغذائي لمرضى السكري بكميات معتدلة، نظراً لاحتوائه على الألياف والدهون التي قد تساعد في استقرار مستويات الطاقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك عندما يُذكر الكالسيوم يتبادر الحليب إلى الذهن فوراً (رويترز)

أطعمة تحتوي على كالسيوم أكثر من كوب الحليب

هناك عدد من الأطعمة التي تحتوي على كالسيوم أكثر من كوب من الحليب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك منتجات شركة «هيب» معروضة على أحد الرفوف في سوبر ماركت (رويترز)

النمسا: شركة «هيب» تسحب منتجاتها بعد العثور على سم فئران في عبوة طعام أطفال

أعلنت شرطة النمسا، السبت، العثور على سم فئران في عبوة من أغذية الأطفال تصنعها شركة «هيب»، وذلك بعد سحب المنتج من 1000 متجر من سلسلة «سبار».

«الشرق الأوسط» (جنيف)

حرّ الصيف يثقل كاهل القلب… مخاطر صامتة ونصائح وقائية

حرّ الصيف يثقل كاهل القلب… مخاطر صامتة ونصائح وقائية
TT

حرّ الصيف يثقل كاهل القلب… مخاطر صامتة ونصائح وقائية

حرّ الصيف يثقل كاهل القلب… مخاطر صامتة ونصائح وقائية

مع ارتفاع درجات الحرارة، لا يقتصر تأثير فصل الصيف على الشعور بالتعب أو التعرق، بل يمتد ليشمل صحة القلب بشكلٍ قد يغفل عنه كثيرون. ففي وقتٍ يُنظر فيه إلى الإرهاق وتسارع النبض بوصفهما أمراً طبيعياً، يحذر أطباء القلب من أن هذه المؤشرات قد تخفي وراءها عبئاً كبيراً على القلب، قد يصل في بعض الحالات إلى نوبات قلبية.

تشير تقارير طبية، من بينها ما صدر عن جمعية القلب الأميركية، إلى ازدياد حالات الطوارئ القلبية خلال موجات الحر، لا سيما لدى كبار السن ومرضى القلب. ويعود ذلك إلى أن الجسم، في محاولته للحفاظ على توازنه الحراري، يدخل في حالة من الإجهاد المستمر، ما ينعكس مباشرةً على كفاءة الدورة الدموية؛ وفقاً لموقع «فوكال ميديا».

ارتفاع مستويات الكولسترول الضار في الدم تزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (رويترز)

تأثير الحرارة... ضغط كبير على القلب

عند ارتفاع الحرارة، يبدأ الجسم بسلسلة من التفاعلات الحيوية لتبريد نفسه، أبرزها توسّع الأوعية الدموية وزيادة تدفّق الدم نحو الجلد. ورغم أهمية هذه الآليات، فإنها تؤدي إلى انخفاض ضغط الدم وزيادة العبء على القلب، الذي يضطر للعمل بوتيرة أعلى لضخ الدم وتأمين الأكسجين اللازم للأعضاء.

كما أن فقدان السوائل والأملاح عبر التعرّق يخل بتوازن الجسم، ما قد يؤدي إلى اضطراب في ضربات القلب، ويزيد من احتمالية الشعور بالإجهاد أو الدوخة.

الجفاف... الخطر الخفي

يُعدّ الجفاف من أبرز العوامل التي تهدّد صحة القلب صيفاً، إذ يؤدي إلى انخفاض حجم الدم وزيادة لزوجته، ما يرفع من احتمالية تكوّن الجلطات ويُرهق القلب في ضخ الدم. وفي ظل استمرار الجفاف، قد تتفاقم المخاطر لتصل إلى نوبة قلبية، خصوصاً لدى من يعانون أمراضاً مزمنة.

الارتفاع الحاد في هرمونات التوتر وعلى رأسها هرمون الأدرينالين قد يصبح سامّاً لعضلة القلب بشكل مؤقت (بيكسلز)

موجات الحر والنوبات القلبية

خلال موجات الحر، تتضاعف هذه التأثيرات، حيث يزداد الضغط على الأوعية الدموية وتتسارع ضربات القلب، فيما قد تؤثر ضربة الشمس سلباً على وظائف القلب الحيوية. وتُظهر دراسات أوروبية ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات النوبات القلبية خلال هذه الفترات، نتيجةً للجفاف واختلال توازن الأملاح والإجهاد الحراري.

الفئات الأكثر عُرضة

تتأثر بعض الفئات أكثر من غيرها بهذه الظروف، خصوصاً المصابين بارتفاع ضغط الدم أو السكري أو السمنة، إذ تُفاقم هذه الحالات العبء على القلب، وتزيد من خطر تكوّن الجلطات.

عادات يومية تزيد الخطر

ورغم وضوح المخاطر، تستمر بعض السلوكيات اليومية في تعريض القلب لإجهاد إضافي، مثل العمل لساعات طويلة تحت الشمس، أو إهمال شرب الماء، أو الإفراط في تناول الكافيين والأطعمة الدسمة. كما يسهم السهر وقلة النوم، إلى جانب التوتر المستمر، في زيادة الضغط على القلب، خصوصاً في الأجواء الحارة.

وقاية بسيطة... وفعالة

في المقابل، يمكن لتغييرات بسيطة أن تُحدث فرقاً ملحوظاً. فالحفاظ على الترطيب الكافي، وتناول أطعمة غنية بالماء والبوتاسيوم مثل البطيخ والموز، والاعتماد على مصادر بروتين خفيفة، جميعها خطوات تعزّز صحة القلب. كما يُنصح بالإكثار من الخضراوات الورقية وتجنّب الأطعمة المقلية والمالحة، تعويضاً مناسباً لما يفقده الجسم من سوائل ومعادن.

في النهاية، لا يُعدّ الصيف مجرد فصلٍ للراحة، بل يعد اختباراً حقيقياً لقدرة الجسم على التكيّف. وبين حرارة الطقس وضغوط الحياة اليومية، يبقى الوعي والوقاية خط الدفاع الأول لحماية القلب، وتجنّب مضاعفات قد تكون مفاجئة، لكنها في كثير من الأحيان قابلة للتفادي.


هل يبدأ باركنسون من الأمعاء؟... النظام الغذائي بين الوقاية وتسريع الخطر

الطريقة الجديدة قد تساعد في الوقاية من أمراض عصبية مثل مرض باركنسون أو ألزهايمر (أ.ف.ب)
الطريقة الجديدة قد تساعد في الوقاية من أمراض عصبية مثل مرض باركنسون أو ألزهايمر (أ.ف.ب)
TT

هل يبدأ باركنسون من الأمعاء؟... النظام الغذائي بين الوقاية وتسريع الخطر

الطريقة الجديدة قد تساعد في الوقاية من أمراض عصبية مثل مرض باركنسون أو ألزهايمر (أ.ف.ب)
الطريقة الجديدة قد تساعد في الوقاية من أمراض عصبية مثل مرض باركنسون أو ألزهايمر (أ.ف.ب)

ما نأكله يومياً قد لا ينعكس على أوزاننا ولا على طاقتنا فقط؛ بل ربما يمتد تأثيره عميقاً إلى الدماغ؛ حيث تتشكّل ملامح أمراض معقّدة مثل باركنسون. وفي ظل غياب علاج يُبطئ تطور المرض حتى الآن، تتجه الأنظار إلى نمط الحياة، وتحديداً الغذاء بوصفه خط الدفاع الأول، وربما الأكثر واقعية.

وتشير بحوث متزايدة إلى أن اتباع النظام الغذائي المتوسطي، القائم على الخضراوات والبقوليات وزيت الزيتون، قد يُسهم في خفض خطر الإصابة بمرض باركنسون، في مقابل أنماط غذائية حديثة تعتمد بكثافة على الأطعمة فائقة المعالجة، التي ترتبط بزيادة هذا الخطر بصورة لافتة. وفقاً لصحيفة «واشنطن بوست».

«الأمعاء أولاً»... فرضية تتعزز

في السنوات الأخيرة، برزت فرضية علمية تُعرف بـ«الأمعاء أولاً»، تفترض أن بعض حالات باركنسون قد تنشأ في الجهاز الهضمي قبل أن تصل إلى الدماغ. وتستند هذه الفرضية إلى أدلة تشير إلى انتقال بروتين غير طبيعي، هو الشكل المشوّه من «ألفا سينوكلين»، من الأمعاء إلى الدماغ، عبر مسار يستغرق سنوات طويلة.

هذا البروتين، الذي يُعد علامة مميزة للمرض، يتراكم في الدماغ على هيئة تكتلات سامة، مؤدياً إلى أعراض حركية مثل الرعشة والتيبّس وبطء الحركة. اللافت أن ترسّبات هذا البروتين وُجدت أيضاً على امتداد الجهاز الهضمي لدى بعض المرضى، بينما تظهر أعراض مثل الإمساك المزمن قبل التشخيص بأكثر من عَقد، في إشارة مبكرة غالباً ما تمرّ دون انتباه.

أكواب من القهوة (أرشيفية- رويترز)

ما بين القهوة والألبان... إشارات غير حاسمة

ورغم محدودية التجارب السريرية، فقد كشفت دراسات رصدية عن روابط لافتة بين بعض الأطعمة وخطر الإصابة. فالقهوة والشاي، على سبيل المثال، ارتبطا بانخفاض نسبي في خطر المرض، وهو تأثير يُرجّح أن يكون للكافيين دور فيه، لا سيما أن القهوة منزوعة الكافيين لا تُظهر النتيجة نفسها.

في المقابل، ارتبط الاستهلاك المتكرر لمنتجات الألبان بزيادة خطر الإصابة؛ خصوصاً لدى الرجال، بينما بدا أن الأنظمة الغنية بالألياف تمنح قدراً من الحماية في مراحل متأخرة من العمر. ومع ذلك، يظل الحذر واجباً؛ إذ إن هذه النتائج لا تثبت علاقة سببية مباشرة، ولكنها تفتح الباب لفهم أعمق لتأثير الغذاء في صحة الدماغ.

وتقول الدكتورة سيلكي كريسويل أبل، الأستاذة المساعدة في طب الأعصاب: «لا نملك حتى الآن أدوية تُبطئ تطور المرض، ولكن الجمع بين النشاط البدني المنتظم ونظام غذائي صحي يُعد خياراً آمناً وفعّالاً. لا حاجة لتغييرات جذرية؛ بل خطوات بسيطة ومستدامة تُناسب نمط حياة الفرد وعائلته».

نعدُّ مرض باركنسون اضطراباً حركياً لأنه يؤثر على حركتنا... ولكن هناك جانباً آخر غير حركي منه (بيكسباي)

«MIND» و«المتوسطي»... تأخير المرض ممكن

ضمن هذا السياق، يبرز نظام «MIND» الغذائي، وهو مزيج بين النظام المتوسطي ونظام «داش» كأحد أكثر الأنماط الواعدة في حماية الدماغ. ويركّز هذا النظام على الخضراوات الورقية والتوت والدواجن، مع الحد من الأطعمة المقلية والحلوى.

وفي دراسة شملت 167 مريضاً، تبيّن أن الالتزام بهذا النظام ارتبط بتأخر ظهور المرض، لا سيما لدى النساء، بفارق بلغ في المتوسط 17.4 عام، وهو رقم يلفت الانتباه، ويعكس أهمية العادات اليومية المتراكمة.

أما النظام المتوسطي، فقد أظهرت بيانات أنه قد يُقلل خطر الإصابة بباركنسون بنسبة تصل إلى 25 في المائة، فضلاً عن فوائده المعروفة في الوقاية من أمراض القلب والسكري والسمنة، ما يجعله خياراً صحياً متكاملاً، لا يقتصر تأثيره على جانب واحد.

الأطعمة فائقة المعالجة... خطر متصاعد

في المقابل، تزداد الأدلة على ارتباط الأطعمة فائقة المعالجة -مثل الوجبات الجاهزة، والمشروبات الغازية، والوجبات الخفيفة المصنعة- بارتفاع خطر الإصابة. ففي دراسة طويلة الأمد شملت أكثر من 42 ألف شخص، تبيّن أن من يستهلكون كميات كبيرة من هذه الأطعمة كانوا أكثر عرضة بنحو 2.5 مرة لظهور علامات مبكرة للمرض.

ويشير الباحث ألبرتو أشيريو إلى أن هذه الفئة من الأفراد تحصل على نحو 40 في المائة من سعراتها الحرارية من مصادر تفتقر إلى القيمة الغذائية، وهو ما قد يُسهم في نقص العناصر الأساسية التي يحتاج إليها الجسم والدماغ على وجه الخصوص.

خيارات يومية... وأثر طويل

في المحصلة، لا يقدّم العلم حتى الآن إجابات نهائية، ولكنه يضع بين أيدينا مؤشرات عملية: غذاء متوازن، ونشاط بدني منتظم، وتقليل الاعتماد على الأطعمة المصنعة. قد تبدو هذه النصائح مألوفة، ولكنها -في سياق أمراض معقّدة كمرض باركنسون- تكتسب بُعداً إنسانياً أعمق؛ حيث يمكن لاختيارات بسيطة اليوم أن تُحدث فرقاً حقيقياً غداً، وربما تؤخّر مسار مرضٍ لم يُكتشف له علاج حاسم بعد.


لامتصاص العناصر الغذائية... 5 أطعمة يُنصح بإضافة الفلفل الأسود إليها

هناك أطعمة يُنصح بإضافة الفلفل الأسود لها عند تناولها (بيكسباي)
هناك أطعمة يُنصح بإضافة الفلفل الأسود لها عند تناولها (بيكسباي)
TT

لامتصاص العناصر الغذائية... 5 أطعمة يُنصح بإضافة الفلفل الأسود إليها

هناك أطعمة يُنصح بإضافة الفلفل الأسود لها عند تناولها (بيكسباي)
هناك أطعمة يُنصح بإضافة الفلفل الأسود لها عند تناولها (بيكسباي)

يُعدّ الفلفل الأسود من التوابل الشائعة في المنازل. ويُعرف مركّبه الرئيسي، البيبيرين، بخصائصه المضادة للأكسدة، وقدرته على مكافحة البكتيريا الضارة، ودعم صحة الأمعاء.

وحسب موقع «فيري ويل هيلث» العلمي، فهناك أطعمة يُنصح بإضافة الفلفل الأسود لها عند تناولها؛ لأنه يساعد في تحسين امتصاص العناصر الغذائية الموجودة بها.

ومن أبرز هذه الأطعمة:

الكركم

يُعرف الكركمين، المكون النشط في الكركم، بخصائصه القوية المضادة للالتهابات والمضادة للأكسدة. إلا أن عيبه يكمن في سرعة استقلابه وإخراجه من الجسم عند تناوله منفرداً؛ حيث إن امتصاصه في الجسم ضعيف.

ويساعد البيبيرين الموجود بالفلفل الأسود الجسم على إبطاء عملية تكسير الكركمين، مما يسمح بامتصاص كمية أكبر منه، وبالتالي زيادة فوائده.

وقد يساهم المزيج أيضاً في الوقاية من أمراض مزمنة، مثل السكري، وتقليل الالتهابات والآلام، كما أن له تأثيرات وقائية ضد سرطانات الثدي والبروستاتا والقولون والمستقيم.

الشاي الأخضر

الشاي الأخضر غني بمضاد الأكسدة «إيبيغالوكاتشين-3-غاليت» الذي يتمتع بفوائد صحية كثيرة، منها: صحة القلب، وإنقاص الوزن، والوقاية من السرطان.

وكما هي الحال مع الكركمين، يتحلل «إيبيغالوكاتشين-3-غاليت» بسرعة كبيرة في الجهاز الهضمي، ولا يوفر تأثيرات طويلة الأمد.

ويساعد البيبيرين على بقاء «إيبيغالوكاتشين-3-غاليت» في الجسم فترة أطول عن طريق إبطاء عملية تحلله.

وعند استخدامهما معاً، يوفر البيبيرين و«إيبيغالوكاتشين-3-غاليت» فوائد صحية إضافية، مثل تحسين صحة القلب، وتقليل الالتهابات، وزيادة التمثيل الغذائي.

الخضراوات الورقية (مصادر الحديد النباتي)

يصعب على الجسم امتصاص الحديد النباتي. ويعمل البيبيرين كمحفز هضمي خفيف عن طريق زيادة حموضة المعدة، مما يساعد الجسم على هضم الطعام بكفاءة أكبر. وهذا يخلق بيئة حمضية، مما يُسهّل امتصاص الحديد النباتي في الجسم.

كما يُعزز الفلفل الأسود امتصاص الحديد من خلال تسهيل مروره عبر الأمعاء، ودعم الإنزيمات التي تُساعد في معالجته.

الأطعمة الغنية بالدهون الصحية

يُحسّن الفلفل الأسود امتصاص الفيتامينات الذائبة في الدهون ومضادات الأكسدة. فهو يُحسِّن امتصاص العناصر الغذائية، من أطعمة مثل زيت الزيتون والأفوكادو والمكسرات.

ويُحفّز البيبيرين عملية توليد الحرارة (عملية التمثيل الغذائي لإنتاج الحرارة) في الخلايا الظهارية للأمعاء الدقيقة. ويرفع درجة حرارة الجسم الداخلية ومعدل الأيض بشكل طفيف، مما يُحفّز البنكرياس على إفراز إنزيمات تُحلّل الدهون إلى أحماض دهنية. وهذا بدوره يزيد من امتصاص العناصر الغذائية وتوفرها الحيوي، ويدعم إنتاج الطاقة.

الزنجبيل

يحتوي الزنجبيل على مركب الجينجيرول النشط. وله فوائد صحية متعددة، تشمل خصائص مضادة للأكسدة، ومضادة للسرطان، ومضادة للسمنة، ومضادة للالتهابات، وواقية للقلب.

ويعزز دمج البيبيرين والجينجيرول التأثيرات المضادة للأكسدة، وخصوصاً في مكافحة الالتهابات وتحسين صحة المفاصل.

كما يزيد البيبيرين بشكل ملحوظ من التوفر الحيوي للجينجيرول عن طريق تعزيز امتصاصه في مجرى الدم. وكثيراً ما يُستخدمان معاً في المكملات الغذائية لدعم صحة المفاصل، وتحسين الهضم، ودعم عمليات الأيض.