«فاغنر» تعزز حضور روسيا في أفريقيا... وفرنسا ترد بهجوم مضاد

متظاهرون يلوحون بعلمي روسيا ومالي في باماكو عاصمة مالي يوم 27 مايو 2021 ضد النفوذ الفرنسي في البلاد (أ.ف.ب)
متظاهرون يلوحون بعلمي روسيا ومالي في باماكو عاصمة مالي يوم 27 مايو 2021 ضد النفوذ الفرنسي في البلاد (أ.ف.ب)
TT

«فاغنر» تعزز حضور روسيا في أفريقيا... وفرنسا ترد بهجوم مضاد

متظاهرون يلوحون بعلمي روسيا ومالي في باماكو عاصمة مالي يوم 27 مايو 2021 ضد النفوذ الفرنسي في البلاد (أ.ف.ب)
متظاهرون يلوحون بعلمي روسيا ومالي في باماكو عاصمة مالي يوم 27 مايو 2021 ضد النفوذ الفرنسي في البلاد (أ.ف.ب)

ازداد النفوذ الروسي في أفريقيا خلال السنوات الأخيرة على حساب النفوذ الفرنسي، مستفيداً من نشاط بارز لمجموعة «فاغنر» الروسية والجيوش الإلكترونية الروسية، والأموال التي تدفعها روسيا في القارة السمراء لكسب التأييد، وفيما لم تتخذ فرنسا، ولمدة طويلة، خطوات أمام تقدم موسكو في أفريقيا، قررت السلطات الفرنسية التصدي والتحضير لهجوم مضاد، وفق تقرير لمجلة «أفريقيا الشابة» Jeune Afrique.
* يقظة أثارتها «فاغنر»
يشير التقرير إلى أن القادة السياسيين والعسكريين الفرنسيين باتوا الآن مستعدين للرد بشكل منهجي على أي هجوم روسي جديد من نوع إشاعة الأخبار الكاذبة عن أعمال الجيش الفرنسي في أفريقيا «كاتهام فرنسا زوراً بالقيام بمجازر بحق السكان المحليين عبر فبركة فيديو في هذا الخصوص استطاعت الأجهزة الفرنسية أن تكشف أنه مزور».
ويقول ضابط كبير في الجيش الفرنسي إن القوات الفرنسية عززت يقظتها؛ «إذ إن قدرة (فاغنر) على إثارة المشاعر المعادية للفرنسيين في أفريقيا، وتعبئة الجماهير عبر وسائل التواصل الاجتماعي ضد فرنسا، هائلة».
ووفق التقرير، بدأ مرتزقة «فاغنر» عملهم في جمهورية أفريقيا الوسطى في نهاية عام 2017، دون أن تقلق باريس في بداية الأمر، ثم وصلت «فاغنر» إلى مالي في نهاية عام 2021، مما دفع بجنود عملية «برخان (العملية الفرنسية في منطقة الساحل للتصدي للجماعات الإرهابية)» إلى حزم أمتعتهم.
وقد تبدد الهدوء في باريس الذي ظهر في وجه التوسع الروسي، فبات الدبلوماسيون والجنود الفرنسيون يتعاملون مع التهديد بجدية بالغة لدرجة أنهم لم يعودوا يخفون قلقهم من امتداد عمل «فاغنر» إلى بلدان أخرى ناطقة بالفرنسية، مثل بوركينا فاسو والكاميرون أو حتى السنغال؛ بحسب التقرير.
* روسيا تعمل على كسب الرأي العام
وكانت الاستراتيجية الروسية، من جمهورية أفريقيا الوسطى إلى مالي، هي نفسها، بمبدأ رئيسي واحد: كسب معركة الرأي العام من خلال إثارة المشاعر المعادية للفرنسيين، واللعب على وتر مناهضة الاستعمار.
ويرى التقرير أن النشاط الروسي «ليس السبب الوحيد لتراجع نفوذ فرنسا في أفريقيا؛ إذ تركت مرحلة الاستعمار الفرنسي، وما تخللتها من عمليات عسكرية مثيرة للجدل، إضافة إلى نشاط العملاء السريين (الفرنسيين)، آثارها بخلق شعور راسخ جيداً برفض فرنسا في القارة، حيث أصبح الخطاب الرسمي لباريس مسموعاً بشكل أقل».
وأفاد التقرير بأن في لعبة الشطرنج هذه، أظهر الاستراتيجيون الروس مدى جودة آلة الدعاية الخاصة بهم، فتلعب قناة تلفزيون «روسيا اليوم (RT) » وموقع «سبوتنيك»، اللذان تمولهما الدولة الروسية، دوراً مهماً في الدعاية لروسيا من خلال تغطيتهما الإعلامية شديدة التوجيه، «فيتم تقديم جزء من أعمال هاتين الوسيلتين الاعلاميتين مجاناً لوسائل الإعلام الأفريقية، التي بدورها تعيد إنتاج موضوعاتهما أو أفلامهما الوثائقية كما هي، وهكذا تعمل (روسيا اليوم) على افتتاح غرفة تحرير أفريقية في نيروبي، وبدأت في التوظيف، بينما أطلق (سبوتنيك) نسخته الأفريقية، مع الطموح المعلن لتغطية أخبار القارة السمراء».
ويرى التقرير أن الفضل الأكبر لتنامي نفوذ روسيا في أفريقيا هو الدور الذي تلعبه مجموعة «فاغنر»؛ إذ «يشكل هذا العدد الضخم من المجموعات التي يرأسها يفغيني بريغوجين، الأوليغارشي المقرب من فلاديمير بوتين، ذراعاً مسلحة للكرملين في الخارج، على الرغم من أن بوتين ينفي رسمياً أي صلة له بهذه المجموعة».
وعلى المستوى المحلي، لا يتردد استراتيجيو «فاغنر» في تمويل وسائل الإعلام، مثل إذاعة «لينغو سونغو Lengo Songo » في جمهورية أفريقيا الوسطى، أو دفع أموال للصحافيين مباشرة، 10 آلاف فرنك أفريقي (نحو 15 دولاراً أميركياً) لكل مقال في وسائل الإعلام المطبوعة بوسط أفريقيا، وكذلك رعاية مسابقة ملكة جمال جمهورية أفريقيا الوسطى في عام 2018، أو طباعة الكتب المدرسية.
وكذلك تستخدم مجموعة «فاغنر» «وكلاء محليين» لنشر الخطاب المؤيد لروسيا والمناهض لفرنسا، من شخصيات المجتمع المدني وحركات، يتقاضون رواتب مقابل الترويج للدعاية الروسية، «ويعدّ أداما بن ديارا، نائب المجلس الوطني الانتقالي في مالي (CNT)، أحد أكثر الأمثلة رمزية».
ويعترف مصدر في «الإليزيه» بالوجود الروسي في مالي: «لطالما قللنا من شأن الهجوم الروسي في أفريقيا، عندما تكون في الواقع ساحة المعركة نفسها، وفقاً لمنطق الكرملين، فإن مالي لا تقل أهمية عن أوكرانيا»، مشيراً الى جهود «فاغنر» العسكرية في مالي.
إضافة إلى ذلك، ينسج الروس علاقات مع «مؤثرين» على مواقع التواصل الاجتماعي، مثل الفرنسي - البنيني كيمي سيبا، والسويسرية -الكاميرونية ناتالي يامب، وفي حين أن كيمي سيبا يحرص على عدم دعم موسكو كثيراً في العلن، فإن ناتالي يامب، تنشر فيديوهات بشكل منتظم من منزلها في سويسرا تهاجم فيه عملية «برخان»، مطلقة عليها تسمية «حثالة برخان»، في حين تنشط آلاف الحسابات الوهمية الروسية على صفحات هؤلاء «المؤثرين» (الموالين لموسكو) لإعادة نشر محتوياتهم على نطاق واسع على مواقع التواصل الاجتماعي.
* الخطة الفرنسية المضادة
يعترف ديبلوماسي فرنسي بأن المسؤولين الفرنسيين أضاعوا كثيراً من الوقت قبل التصدي للتقدم الروسي بأفريقيا، قائلاً: «لم نر هذا التهديد (الروسي) قادماً، يستغل الروس الآن أخطاءنا وافتقارنا إلى الاستراتيجية».
ويشرح عسكري في وزارة الجيوش الفرنسية: «ليس لدينا خيار: يجب أن نستجيب (للتحدي الروسي). يمكننا الاستمرار في تجاهل الأمر، لكن هذا لن يوقف الروس. عليك أن تفهم أن هذه الحرب الهجين ليست بالضرورة قذرة».
ويزيد عسكري آخر: «تغير الزمن، في بعض الأحيان يكون لفريق (صور جيد)؛ (بمعنى فريق إعلامي على مواقع التواصل) تأثير أكبر من 3 فرق للمشاة».
وفي إطار تصدي فرنسا للتقدم الروسي بأفريقيا، أمر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ووزير الخارجية السابق جان إيف لودريان، بإنشاء «فرقة عمل» من عدد قليل من الأشخاص بتكتم، في وزارة الخارجية الفرنسية لمتابعة هذه الملفات، ووضع رد مناسب على الدعاية الروسية، وتم تعيين سيلفان إيتي، السفير الفرنسي السابق لدى أنغولا، مبعوثاً خاصاً للدبلوماسية العامة في أفريقيا، وضمن ورقة مهمته، الترويج لعمل فرنسا في القارة الأفريقية؛ لأن السلطات الفرنسية باتت مقتنعة، وفق التقرير، بأنه لكسب حرب الاتصالات ضد الروس، يجب عليهم أولاً التواصل بشكل أفضل بشأن ما يفعلونه من حيث التنمية».
ويحلل ديبلوماسي فرنسي قائلاً: «ما نقوم به في مجال التنمية تجاوزه عملنا العسكري تماماً»، نتيجة لذلك، عندما تسأل الشباب الأفارقة الناطقين بالفرنسية عن تصورهم لفرنسا، فإنهم يرون فيها (عملية عسكرية) و(نهباً للموارد). علينا أن ننجح في تغيير هذه النظرة».
وبين إغلاق «فيسبوك» لمئات الحسابات الوهمية من روسيا وفرنسا في ديسمبر (كانون الأول) 2020 أن عسكريين فرنسيين انخرطوا كذلك في الصراع مع الروس عن طريق الحسابات الالكترونية الوهمية.
وضمن جهودها للتصدي للروس، عينت فرنسا في يوليو (تموز) 2021 جنرالاً مقتنعاً بضرورة الانخراط في حرب المعلومات، هو الجنرال تييري بوركار، رئيساً لأركان الجيش الفرنسي من قبل إيمانويل ماكرون. وتبنى الجيش الفرنسي بعد 3 أشهر، عقيدة عسكرية للتصدي في مجال المعلوماتية، من أجل هيكلة وسائل الجيش الفرنسي القتالية في الفضاء السيبراني، وعُهد إلى قيادة الدفاع الإلكتروني «كومسايبر (Comcyber)»، ومقرها مدينة رين الفرنسية، الإشراف على هذه العقيدة العسكرية، وتخضع للسلطة المباشرة لرئيس أركان الجيش الفرنسي.


مقالات ذات صلة

إسقاط مسيّرة قرب قاعدة جوية روسية في القرم

العالم إسقاط مسيّرة قرب قاعدة جوية روسية في القرم

إسقاط مسيّرة قرب قاعدة جوية روسية في القرم

أعلنت السلطات المعينة من روسيا في القرم إسقاط طائرة مسيرة قرب قاعدة جوية في شبه الجزيرة التي ضمتها روسيا، في حادثة جديدة من الحوادث المماثلة في الأيام القليلة الماضية. وقال حاكم سيفاستوبول ميخائيل رازفوجاييف على منصة «تلغرام»: «هجوم آخر على سيفاستوبول. قرابة الساعة 7,00 مساء (16,00 ت غ) دمرت دفاعاتنا الجوية طائرة من دون طيار في منطقة قاعدة بيلبيك».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم الاتحاد الأوروبي يحذّر موسكو من استغلال الهجوم المفترض على الكرملين

الاتحاد الأوروبي يحذّر موسكو من استغلال الهجوم المفترض على الكرملين

حذّر مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل روسيا، اليوم الخميس، من استغلال الهجوم المفترض على الكرملين الذي اتهمت موسكو كييف بشنّه، لتكثيف هجماتها في أوكرانيا. وقال بوريل خلال اجتماع لوزراء من دول الاتحاد مكلفين شؤون التنمي«ندعو روسيا الى عدم استخدام هذا الهجوم المفترض ذريعة لمواصلة التصعيد» في الحرب التي بدأتها مطلع العام 2022. وأشار الى أن «هذا الأمر يثير قلقنا... لأنه يمكن استخدامه لتبرير تعبئة مزيد من الجنود و(شنّ) مزيد من الهجمات ضد أوكرانيا». وأضاف «رأيت صورا واستمعت الى الرئيس (الأوكراني فولوديمير) زيلينسكي.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
العالم هجوم بطائرة مسيرة يستهدف مصفاة «إلسكاي» جنوب روسيا

هجوم بطائرة مسيرة يستهدف مصفاة «إلسكاي» جنوب روسيا

ذكرت وكالة «تاس» الروسية للأنباء، صباح اليوم (الخميس)، نقلاً عن خدمات الطوارئ المحلية، أن حريقاً شب في جزء من مصفاة نفط في جنوب روسيا بعد هجوم بطائرة مسيرة. وقالت «تاس»، إن الحادث وقع في مصفاة «إلسكاي» قرب ميناء نوفوروسيسك المطل على البحر الأسود. وأعلنت موسكو، الأربعاء، عن إحباط هجوم تفجيري استهدف الكرملين بطائرات مسيرة، وتوعدت برد حازم ومباشر متجاهلة إعلان القيادة الأوكرانية عدم صلتها بالهجوم. وحمل بيان أصدره الكرملين، اتهامات مباشرة للقيادة الأوكرانية بالوقوف وراء الهجوم، وأفاد بأن «النظام الأوكراني حاول استهداف الكرملين بطائرتين مسيرتين».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم روسيا تتعرض لهجمات وأعمال «تخريبية» قبل احتفالات 9 مايو

روسيا تتعرض لهجمات وأعمال «تخريبية» قبل احتفالات 9 مايو

تثير الهجمات وأعمال «التخريب» التي تكثّفت في روسيا في الأيام الأخيرة، مخاوف من إفساد الاحتفالات العسكرية في 9 مايو (أيار) التي تعتبر ضرورية للكرملين في خضم حربه في أوكرانيا. في الأيام الأخيرة، ذكّرت سلسلة من الحوادث روسيا بأنها معرّضة لضربات العدو، حتى على بعد مئات الكيلومترات من الجبهة الأوكرانية، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. تسببت «عبوات ناسفة»، الاثنين والثلاثاء، في إخراج قطارَي شحن عن مساريهما في منطقة محاذية لأوكرانيا، وهي حوادث لم يكن يبلغ عن وقوعها في روسيا قبل بدء الهجوم على كييف في 24 فبراير (شباط) 2022. وعلى مسافة بعيدة من الحدود مع أوكرانيا، تضرر خط لإمداد الكهرباء قرب بلدة في جنو

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

أكد سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي نيكولاي باتروشيف أن حلف شمال الأطلسي (ناتو) نشر وحدات عسكرية إضافية في أوروبا الشرقية، وقام بتدريبات وتحديثات للبنية التحتية العسكرية قرب حدود روسيا، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الروسية «سبوتنيك»، اليوم الأربعاء. وأكد باتروشيف في مقابلة مع صحيفة «إزفستيا» الروسية، أن الغرب يشدد باستمرار الضغط السياسي والعسكري والاقتصادي على بلاده، وأن الناتو نشر حوالى 60 ألف جندي أميركي في المنطقة، وزاد حجم التدريب العملياتي والقتالي للقوات وكثافته.


مخاطر الفراغ الأمني تتصاعد في شرق الكونغو مع تلويح أوغندا بسحب قواتها

أفراد من الجيش الأوغندي ضمن قوات قوة شرق أفريقيا الإقليمية (رويترز)
أفراد من الجيش الأوغندي ضمن قوات قوة شرق أفريقيا الإقليمية (رويترز)
TT

مخاطر الفراغ الأمني تتصاعد في شرق الكونغو مع تلويح أوغندا بسحب قواتها

أفراد من الجيش الأوغندي ضمن قوات قوة شرق أفريقيا الإقليمية (رويترز)
أفراد من الجيش الأوغندي ضمن قوات قوة شرق أفريقيا الإقليمية (رويترز)

تواجه الكونغو الديمقراطية منذ عامين تصاعداً للعنف، مع سيطرة متمردين وجماعات مسلحة على مناطق حيوية في شرق البلاد، بينما تصطدم جهود مواجهة تلك التهديدات الأمنية بتلويح أوغندا بسحب قوات بلادها ووقف الدعم المستمر منذ سنوات.

ذلك التلويح الذي يتزامن مع نشاط يتنامى للمتمردين، يرى خبير مختص في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أنه يزيد من مخاطر الفراغ الأمني، ويساهم في اتساع التوترات العسكرية وسط تراجع مسار السلام منذ بداية العام الحالي رغم اتفاقات عديدة شهدها عام 2025.

وأعلن قائد الجيش الأوغندي، موهوزي كاينيروغابا، أن قوات الدفاع الشعبي الأوغندية قد تبدأ الانسحاب من مواقعها الممتدة بين شمال كيفو وإيتوري، في حال استمرار ما وصفه بـ«العراقيل السياسية» التي تعوق تنفيذ مهامها الميدانية.

وتأتي هذه التطورات وسط توتر متزايد مع حاكم إيتوري، جوني لوبويا نكاشاما، الذي فرض قيوداً على تحركات القوات الأوغندية، شملت الحد من الوصول إلى نقاط حدودية حساسة، وهو ما تعتبره كمبالا عائقاً أمام عملياتها العسكرية، حسب ما ذكره إعلام أوغندي مساء الجمعة.

في المقابل، تدعم الحكومة في كينشاسا إجراءات حاكم إيتوري، في إطار مساعيها لتعزيز سيادتها على الملف الأمني وتقليص دور القوات الأجنبية داخل أراضيها.

ويرى المحلل السياسي التشادي، المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أن التلويح الصادر من كمبالا بشأن تقييد حركة قواتها أو حتى الانسحاب من شرق الكونغو، يعكس توتراً متصاعداً في العلاقة مع كينشاسا، خصوصاً في ما يتعلق بوجود القوات الأوغندية داخل إقليم إيتوري.

هذا الوجود منذ 2021، حسب عيسى، كان قائماً على تفاهمات أمنية هدفها ملاحقة الجماعات المسلحة، لكنه يبدو اليوم أكثر هشاشة مع بروز خلافات حول حرية الحركة والصلاحيات الميدانية.

وفي حال انسحاب أو تقليص هذا الوجود، فإن أبرز ما سيترتب عليه هو اتساع الفراغ الأمني، في منطقة تعاني أصلاً من تعدد الجماعات المسلحة وضعف سلطة الدولة، خصوصاً وهذا الفراغ غالباً ما يستغل بسرعة من قبل الفصائل المسلحة لإعادة الانتشار أو تكثيف الهجمات، ما يعني احتمال ارتفاع مستوى العنف بدل احتوائه، وفق تقدير عيسى.

كما أن أي تراجع في التنسيق بين أوغندا والكونغو الديمقراطية قد يضعف عمليات المراقبة على الحدود، ويزيد من اضطراب حركة السكان والتجارة، خصوصاً في المناطق الغنية بالموارد مثل إيتوري، حيث تتداخل المصالح الأمنية بالاقتصادية بشكل معقد، وفق عيسي.

وأوضح أنه مع تراجع الفاعل الإقليمي الأوغندي، قد تتجه أطراف أخرى إلى ملء الفراغ، سواء عبر تدخلات غير مباشرة أو عبر دعم مجموعات محلية، ما يعقّد المشهد أكثر.

ووفقاً للمحلل صالح إسحاق عيسى، فإن الخطر الأكبر في هذه الحالة لا يكمن فقط في انسحاب قوة عسكرية، وإنما في غياب بديل فوري قادر على ضبط الوضع، وهو ما قد يدفع شرق الكونغو إلى مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، تتداخل فيها الحسابات المحلية والإقليمية بشكل أكثر حدة.

جنود من قوات الدفاع الشعبية الأوغندية يركبون فوق شاحنتهم العسكرية (رويترز)

يأتي هذا التلويح الأوغندي مع استمرار تصعيد الحركات المسلحة والمتمردة في عملياتها، وبخلاف حركة «23 مارس» برز نشاط «قوات التحالف الديمقراطية»، وهي حركة مسلحة متمردة كانت تسعى في السابق إلى السيطرة على الحكم في الكونغو الديمقراطية لكنها بايعت منذ 2019 تنظيم «داعش»، وأصبحت تسعى إلى إقامة ما تسميه «ولاية وسط أفريقيا».

وقبل نحو أسبوعين، قال «مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية» (أوتشا)، في بيان، إنه «يشعر بقلق بالغ إزاء تأثير استمرار العنف على المدنيين في مناطق شرق الكونغو»، وأضاف أن «مواقع النزوح أصبحت مكتظة بشكل متزايد».

وفي ضوء ذلك يعتقد المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أن الأوضاع الأمنية في شرق الكونغو مرشحة للتفاقم، إذا استمر ضعف التنسيق بين حكومة الكونغو الديمقراطية والدول المجاورة، ومع استمرار نشاط الجماعات المسلحة وتعددها في إقليم إيتوري.

ويغذي ذلك، حسب عيسى، أي خلاف سياسي أو عسكري بين كينشاسا وكمبالا مما تتسع معه فرص الانفلات الأمني بسرعة، محذراً من أي تراجع في وجود القوات الأوغندية أو تقليص لحركتها قد يخلق فراغاً أمنياً تستغله الجماعات المسلحة لإعادة الانتشار وتوسيع نفوذها، ما يؤدي إلى زيادة الهجمات والنزوح وقطع الطرق الحيوية.

ويعتقد عيسى أن الحل يبدأ باتفاقات واضحة بين الكونغو والدول المتدخلة، لا سيما الكونغو، تحدد بدقة مهام القوات ومدة بقائها وآليات التنسيق الميداني.

كما يحتاج الأمر إلى نزع سلاح الجماعات المسلحة بشكل فعلي وإعادة دمج عناصرها في المجتمع، مع تحسين الأوضاع الاقتصادية ومعالجة التهميش الذي يغذي الصراع منذ سنوات، وفق عيسى، لافتاً إلى أنه من دون ذلك، ستبقى أي تهدئة مؤقتة هشة وقابلة للانهيار، وسيظل شرق الكونغو يدور في دائرة من العنف المتجدد بدلاً من أن يتجه نحو استقرار مستدام، ولن يكون سببه فقط انسحاب قوات دول مجاورة بل مجمل الأوضاع.

Your Premium trial has ended


20 قتيلاً على الأقل في انزلاقات تربة بتنزانيا

صورة جوية لانزلاقات التربة (أرشيفية-أ.ف.ب)
صورة جوية لانزلاقات التربة (أرشيفية-أ.ف.ب)
TT

20 قتيلاً على الأقل في انزلاقات تربة بتنزانيا

صورة جوية لانزلاقات التربة (أرشيفية-أ.ف.ب)
صورة جوية لانزلاقات التربة (أرشيفية-أ.ف.ب)

أودت انزلاقات تربة ناجمة عن أمطار غزيرة في جنوب تنزانيا بـ20 شخصاً على الأقل، وفق ما أعلنت السلطات، الخميس، مرجّحة ارتفاع عدد الضحايا.

وتشهد منطقة شرق أفريقيا، منذ أسابيع، أمطاراً غزيرة أسفرت عن مقتل 81 شخصاً على الأقل، وتشريد الآلاف في كينيا المجاورة، هذا الشهر.

وفي تنزانيا، تسببت أمطار تُرافقها رياح قوية بانزلاقات تربة دمّرت منازل، فجر الأربعاء، في منطقة مبيا، وفقاً لما ذكر جعفر هانيو، مسؤول مقاطعة رونغوي؛ حيث وقعت الكارثة.

وقال، للصحافيين: «بلغ عدد القتلى 20 شخصاً»، موضحاً أنه جرى العثور على 18 جثة الأربعاء، وجثتين أخريين الخميس.

وأضاف: «أحد الضحايا طفل يبلغ عاماً ونصف عام»، داعياً السكان إلى «اتخاذ الاحتياطات اللازمة»، وسط توقع هطول مزيد من الأمطار. وحثّ هانيو سكان المناطق المعرَّضة لانزلاقات أتربة على إخلاء منازلهم.

وتوقعت هيئة الأرصاد الجوية التنزانية هطول أمطار غزيرة في معظم أنحاء البلاد حتى الثلاثاء المقبل.

حقائق


جدل تعديل الدستور يتصاعد في الكونغو الديمقراطية

رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (رويترز)
رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (رويترز)
TT

جدل تعديل الدستور يتصاعد في الكونغو الديمقراطية

رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (رويترز)
رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (رويترز)

يتصاعد الجدل في الكونغو الديمقراطية حول احتمالات تعديل الدستور، مع حديث متزايد عن فتح الباب أمام ولاية رئاسية ثالثة للرئيس الحالي فيليكس تشيسيكيدي، في ظل أزمات الحكومة مع المتمردين شرق البلاد.

تلك الأحاديث المحتملة التي أثارتها وسائل إعلام محلية يراها خبير في الشؤون الأفريقية، تحدّث، لـ«الشرق الأوسط»، ضمن تحركات «جس نبض» لإضافة فترة ولاية جديدة، غير أنها تواجه تحديات عدة لتنفيذها، أبرزها المعارضة الشديدة لذلك، خاصة من الرئيس السابق جوزيف كابيلا.

وبعد أشهر من صدور حكم غيابي ضده، في سبتمبر (أيلول) 2025، بالإعدام من محكمة كونغولية، خرج الرئيس السابق جوزيف كابيلا، الذي حكم البلاد من عام 2001 إلى عام 2019، في مقابلة مع الصحيفة البلجيكية «لا ليبر بلجيك»، الاثنين الماضي، يدعو لإسقاط تشيسيكيدي.

وأكد كابيلا أن «الدستور لم يعد يُحترَم، بل يدوسه الرئيس ومحيطه»، على حد قوله. وشدد على ضرورة عدم المساس به.

تزامنت تلك الانتقادات الحادة مع حديث إعلام محلي عن وجود نقاشات داخلية بشأن مراجعة الدستور لفتح ولاية ثالثة للرئيس الحالي تشيسيكيدي.

ودعا حائز جائزة «نوبل للسلام»، الطبيب دنيس موكويغي، الرئيس تشيسيكيدي إلى «عدم الإصغاء للمحيطين بشأن تعديل الدستور،» محذراً من أن «أي تعديل دستوري في السياق الحالي سيكون خطأ تاريخياً»، وفق ما نقله للموقع الكونغولي «أكتوياليتي».

وتطرقت صحيفة «كونغو نوفو» للحديث المثار، وأكدت أن الأولوية يجب أن تكون الحفاظ على التماسك الوطني واحترام العقد الجمهوري.

ويرى المحلل السياسي التشادي، الخبير في الشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أنه من المرجَّح أن ينتهي الجدل حول تعديل الدستور في الكونغو الديمقراطية إلى الإلغاء أو التجميد، بدلاً من التنفيذ.

وتُواجه أي محاولة لتمرير تعديل يسمح للرئيس الحالي فيليكس تشيسيكيدي بولاية ثالثة، مقاومة شديدة من المعارضة السياسية، وضغوطاً من المجتمع الدولي، وتحذيرات من شخصيات وطنية بارزة مثل حائز جائزة نوبل للسلام دنيس موكويغي، مما يجعل تنفيذ التعديل خطوة محفوفة بالمخاطر، وقد تهدد الاستقرار السياسي في البلاد، وفقاً لعيسى.

ويعتقد عيسى أن تصريحات الرئيس السابق جوزيف كابيلا وانتقاداته لتشيسيكيدي «تزيد من حجم الضغط الداخلي»، وتؤكد أن «أي مسار نحو تعديل الدستور سيواجه عقبات كبيرة قد تُجبر الأغلبية الحاكمة على التراجع أو البحث عن حلول وسط سياسية لتفادي أزمة أكبر، في ظل اضطرابات تزداد مع المتمردين شرق البلاد».

ويتابع: «في ظل هذه المعطيات، يبدو أن مستقبل أي تعديل دستوري يظل غير مؤكَّد، وأن القوى السياسية المختلفة ستواصل مراقبة الوضع من كثب، مع احتمال أن تتحول النقاشات الحالية إلى حوار سياسي طويل، يؤجل أي قرار حاسم إلى وقت لاحق، لتجنب الانزلاق نحو أزمة سياسية أو اجتماعية واسعة».

وتشيسيكيدي بدأ ولايته الأولى منذ يناير (كانون الثاني) عام 2019 إلى 2023 قبل انتخابه مرة ثانية من 2024 إلى 2029، والدستور الحالي يقيّد الرئاسة بفترتين فقط كل منهما 5 سنوات، ما يعني أنه لا يمكنه الترشح لولاية ثالثة إلا بعد تعديل دستوري يتطلب موافقة البرلمان بأغلبية، والاستفتاء الشعبي.

ويرى عيسى أن التعديل يحتاج أيضاً إلى توافق سياسي واسع لتفادي أزمة في ظل تحديات كبيرة؛ أبرزها المعارضة السياسية القوية، والضغط الدولي، والانقسامات داخل الأغلبية الحاكمة، والمخاطر الاجتماعية والسياسية التي قد تنشأ، مما يجعل تنفيذ أي تعديل في الوقت الحالي أمراً صعباً للغاية. ويستدرك قائلاً: «لكنه غير مستبعَد، إذا تمكنت الأغلبية الحاكمة من تجاوز هذه العقبات وتوفير البيئة السياسية الملائمة».