صنع الله إبراهيم: أعجز عن كتابة الحاضر في رواياتي

احتفل مع المستعرب ريشار جاكمون بالترجمة الفرنسية لـ«الجليد»

صنع الله إبراهيم (يسار) والمترجم الفرنسي ريشار جاكمون
صنع الله إبراهيم (يسار) والمترجم الفرنسي ريشار جاكمون
TT

صنع الله إبراهيم: أعجز عن كتابة الحاضر في رواياتي

صنع الله إبراهيم (يسار) والمترجم الفرنسي ريشار جاكمون
صنع الله إبراهيم (يسار) والمترجم الفرنسي ريشار جاكمون

في أمسية بعنوان «أنوار الشرق الأوروبي»، شهد المركز الثقافي الفرنسي بالقاهرة احتفال الأديب المصري صنع الله إبراهيم والمستعرب الفرنسي ريشار جاكمون، بصدور الترجمة الفرنسية لروايته الصادرة أخيرا «الجليد» Le Gel وعن دار نشر «أكت سود» Actes Sud الفرنسية العريقة، وكذلك بأحدث رواياته «برلين 69» والصادرة عن دار الثقافة الجديدة 2014.
استهلت الأمسية بعزف منفرد على العود للفنان السوري محمد قدري دلال، وقراءة عربية وفرنسية لمقتطفات من الروايتين. وكانت الأمسية أشبه بجلسة حوارية ما بين الكاتب ومترجمه، حوار بين ثقافتين مختلفتين في حالة تجاذب وتنافر: الثقافة الفرنسية ممثلة بالمستعرب المخضرم جاكمون الذي ترجم لصنع الله 8 روايات، والثقافة المصرية ممثلة في الروائي صنع الله.
في البداية، تحدث صنع الله إبراهيم عن علاقته بالمترجم ضاحكا: «علاقتنا أشبه بعلاقة الزواج، فقد تعرفت إلى جاكمون منذ 28 سنة وطوال الوقت تدور بيننا حوارات كثيرة رغم تعصبه لفرنسيته وتعصبي لمصريتي، فإنه كانت هناك مساحة كبيرة جدا من التفاهم، فكلانا يتقبل الانتقاد، نختلف أحيانا.. وقد يذهب لترجمة أعمال آخرين لكن العلاقة كعلاقة الزواج، فهو يعود لي مرة أخرى. ومن حسن حظي اهتمامه بترجمة أعمالي لأنه يفهم المشهد المصري جيدا بحكم إقامته في مصر نحو 20 سنة».
أما جاكمون فقال: «يتميز صنع الله بأسلوب خاص في الحقل الأدبي المصري المعاصر، فهو يأخذ القارئ إلى عواصم العالم ويجعله يعايش إيقاع الحياة فيها. فهو كتب 6 روايات من 13 رواية تدور أحداثها خارج مصر، ما بين لبنان، وأميركا، وفرنسا، وسلطنة عمان، وروسيا، وألمانيا». وكان جاكمون قد ترجم أيضا أعمالا لكتاب مصريين آخرين، من بينهم: لطيفة الزيات، ونجيب محفوظ، ومي التلمساني، وأحمد خالد توفيق، ومجيد طوبيا، وغيرهم. تطرق جاكمون في الأمسية لأساليب السرد عند صنع الله، مشيرا إلى تنوع أساليبه ما بين الأسلوب الموضوعي للسارد الذي يعيش الأحداث والذي اتضح جليا في أول رواية له «تلك الرائحة» التي تجسد مرحلة حرجة في تاريخ الدولة المصرية، لكن قام صنع الله بتطوير أسلوب آخر يقوم على السخرية في رواية «الجليد».
لكن السؤال الذي ظل محيرا له أثناء قراءته لأدب صنع الله هو: لماذا اختار عددا من عواصم العالم مسرحا لأعماله؟ ولماذا التباعد بين فترة المعايشة والكتابة الروائية؟ فقد كتب صنع الله «الجليد» بعد 40 عاما من سفره إلى روسيا لدراسة السينما، وكذلك الحال مع «برلين 69» التي ذهب إليها في ستينات القرن الماضي وصدرت أواخر 2014.
وهنا أجاب صنع الله مفسرا السر وراء هذا الفارق الزمني الكبير: «لست ماكينة لكتابة الروايات، هناك ظروف لتناول موضوع معين ترتبط بالمزاج النفسي والظروف الشخصية والسياسية والأحوال العالمية. وأنا لست من الكتاب الذين يزورون مكانا معينا للكتابة عنه، لكنني أكتب من وقع حياتي العادية، وساعدتني طبيعتي الشخصية حيث، كنت دؤوبا في توثيق أحداث الحياة اليومية، سواء في مصر أو في أي بلد زرته. أسجل أفكاري ومشاعري والأسئلة التي تطرأ على ذهني وأحاول البحث عن إجابة لها، وقد أحتفظ بقصاصات من الصحف والمجلات بلغة البلد التي زرتها، فضلا عن الجرائد المصرية، وأودعها صندوقا. صندوق رحلة موسكو» مثلا، وقد أجد بعد عدة أشهر رغبة في الكتابة عن تلك الفترة أو بعد عدة سنوات».
ويفسر صنع الله سبب الكتابة عن حقبة الستينات في روايتي «الجليد»، و«برلين 69» في هذا التوقيت بالذات: «ربما هو إحساس بالعجز عن الكتابة عن الحاضر، ولا أعلم حقيقة لماذا لم أكتب عن سنوات الثورة المصرية حتى الآن، ربما لأنها مبهمة! أو لأن المأساة كانت أكبر مما أحتمله! ربما لم أنفعل بالقدر الكافي مع أحداث الثورة؟!».
واستطرد: «شعرت بضرورة الكتابة عن تجربتين للنظام الشيوعي لتحقيق أفكار خاصة بتغيير وضع البشرية، ورغم أن هذا النظام لم ينجح في تحقيق المساواة، فإنني شعرت بأهمية الكشف عن الدروس المستفادة من التجربتين الروسية والألمانية، وهي دروس تهمنا هنا في مصر.
الوضع في مصر يتلخص بالنسبة لي في كلمتين موجزتين (الثورة مستمرة)، لا أعلم كيف أكتب عن شيء مستمر؟ فالرغبة في التغيير الاجتماعي والتمرد على الواقع لن تتوقف إلى الأبد، وربما هذا كان دافعي في تأمل التجربتين الروسية والألمانية في السنوات الخمس الأخيرة!».
ولفت إلى أنه رغم أن روايتي «الجليد» و«برلين 69» متشابهتان في الأجواء والزمن الروائي فإن الفارق كبير جدا في البناء الروائي لكل منهما، فالأولى كتبت بشكل ساخر، أما الثانية فكتبت بشكل تقريري.
ولفت صاحب «ذات» إلى مفارقة روائية أخرى وفارق زمني آخر حدث مع رواية «التلصص» التي شرعت في كتابتها منذ أكثر من 40 عاما في سجن الواحات، لكنه احتفظ بقصاصات الورق حتى جاءت لحظة وجد نفسه يعود لتلك الوريقات وبدأ في استكمالها.. «إنها اللحظة التي عايشت فيها إحساس شخصية الأب في الرواية حينما بلغت نفس مرحلته العمرية».
وبأسلوب النقد الذاتي، أشار صاحب «يوميات الواحات» إلى أنه حينما بدأ الكتابة الروائية كان يكتب بأسلوب الراوي العليم بكل شيء، لكنه وجد أنه لا يود الكتابة بتلك التقنية، وتحول للكتابة بالفعل المضارع، رغم صعوبتها، لاجئا إلى الجمل القصيرة أحيانا والجمل الطويلة أحيانا أخرى.
وذهب صاحب «أمريكانلي» إلى أنه لا يتعمد دس عناوين الجرائد والوثائق في رواياته. وعلى الرغم من أنه لا يرى ضيرا في وصف أسلوبه بـ«الوثائقي»، فإنه يرى أن التوصيف الأدق هو «التضميني»، مشيرا إلى أن تقنية «التضمين» متعارف عليها في الأدب الغربي منذ قرون، كما استعان بها غالب هلسا الكاتب الأردني حينما وثق لمقولات من إذاعة القاهرة تعكس معايشته لمصر حينما استقر بها لفترة.
وحول ما إذا كان سيستمر في اللجوء إلى تقنية «التضمين» في رواياته المقبلة «التي ستعد مفاجأة لقرائه» قال: «لم تعد هذه الطريقة مغرية، ربما لأن الجرائد لم تعد مصدر الخبر! أو لأنني أصبحت أفضل الابتعاد عن عناوين الجرائد التي أصبحت باهتة لا تثري أي مخيلة، كما أنني لا أحب أن أكرر أسلوبي».
تجدر الإشارة إلى أن رواية «الجليد» التي صدرت عام 2010 عن دار الثقافة الجديدة، كانت قد صدرت في شكل سلسلة في إحدى الجرائد المصرية، قبيل ثورة يناير (كانون الثاني) 2011، وهي تدور حول تجربة أكاديمي مصري في العاصمة الروسية موسكو، يقيم في بيت الطلبة ويحتك بهم وبأفكارهم التي تعكس التيار اليساري. يكشف صنع الله من خلال تجربته الشخصية عن مفاسد النظام الشيوعي وأسباب انهيار الاتحاد السوفياتي السابق.

* رواية عن الانهيار السوفياتي وأخرى عن عرب ألمانيا
* رواية «الجليد»، صدرت عام 2011 عن دار الثقافة الجديدة، و«الجليد» في الرواية كناية ترمز للحياة السوفياتية في مطلع عقد السبعينات، قبل أن تنشق وتذوب وتنهار في أضخم سقوط آيديولوجي شهده التاريخ المعاصر، يرصدها صنع الله إبراهيم من منظور مرهف ومحكم لطالب دكتوراه مصري، يقيم في بيت الطلاب في موسكو، ويكتب ما يشبه يوميات، بذكاء ملحوظ.
أما روايته الأحدث «برلين 69»، تقع في 260 صفحة من القطع الصغير، فصدرت عام 2014 عن دار الثقافة الجديدة بالقاهرة، وهي الرواية الخامسة عشرة في مسيرة الكاتب الروائية، وتعالج أحداثها أحوال العرب في ألمانيا الشرقية في نهاية الستينات، وأحوال الألمان الشرقيين أنفسهم في الفترة نفسها.
* صنع الله إبراهيم
روائي مصري كبير، من أهم الأصوات الروائية التي تنتمي إلى ما عرف بجيل الستينات الأشهر، يتميز بالجسارة والقدرة على اختراق عوالم السياسة بجهاز آيديولوجي مركب وحس فني رفيع، كرس أسلوبا توثيقيا في الكتابة السردية منذ عقود، وأخذ يضيف تنويعات إبداعية عليه في كل تجربة جديدة، لديه مزج بديع بين العام والخاص مع الاحتفاء بالتفاصيل. من أشهر أعماله الروائية:
«تلك الرائحة»، «اللجنة»، «نجمة أغسطس»، «بيروت بيروت»، «ذات»، «وردة»، «شرف»، «القانون الفرنسي».
* ريشار جاكمون: سيرة
* أستاذ الأدب العربي بجامعة إكس أنبروفانس الفرنسية، وكان مسؤولا عن قطاع الترجمة بالمركز الثقافي الفرنسي بالقاهرة. ترجم الكثير من الأعمال العربية إلى الفرنسية. صدرت أولى ترجماته إلى الفرنسية لرواية «دوائر عدم الإمكان» لمجيد طوبيا عام 1985 ونال الدكتوراه عن أطروحته «الحقل الأدبي المصري» عام 1999 التي يدرس فيها المجال الأدبي لمصر من الناحية السوسيولوجية، وترجمها إلى العربية بشير السباعي تحت عنوان «بين كتبة وكتاب»، ومن خلالها عرف القراء العرب الباحث والمترجم الفرنسي ريشار جاكمون، وعن طريقه عرف الفرنسيون الكثير من الأدباء العرب والمصريين الذين قام بترجمتهم للفرنسية، مثل صنع الله إبراهيم، محمد برادة، محمود الورداني، لطيفة الزيات وغيرهم.



إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية
TT

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية

في خطوة أكاديمية وثقافية مهمة تعكس عمق العلاقات الجزائرية - البريطانية وتعزز حضور الجزائر في إحدى أعرق المؤسسات الجامعية العالمية، أطلقت كل من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الجزائرية ومركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، كرسياً علمياً باسم مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، الأمير عبد القادر الجزائري. ووقع الاتفاق عن الجانب الجزائري، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، كمال بداري، وعن الجانب البريطاني، فرحان نظامي، مدير مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية.

وتم التوقيع ضمن مراسم حفل تدشين حضره عميد جامع الجزائر، الشيخ محمد مأمون القاسمي الحسيني، وسفير الجزائر لدى المملكة المتحدة، نور الدين يزيد، ونظيره البريطاني، جيمس داونر، وشخصيات سياسية وأكاديمية بارزة، ومنهم المختص في الفكر الإسلامي ومؤلف كتاب الأمير عبد القادر: «رسول الأخوة الإنسانية»، وزير التعليم العالي الأسبق، مصطفى الشريف، إلى جانب عدد من أعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين بالمملكة المتحدة ومجموعة من الأكاديميين والباحثين، في تأكيد على الأهمية الدولية لهذه المبادرة التي تستلهم من إرث الأمير عبد القادر وقيمه الإنسانية القائمة على التسامح والحوار والتعايش بين الثقافات،

وأُتبعت مراسم توقيع هذا الاتفاق بتدشين الطرفين لقاعة باسم الجزائر، على مستوى مقر المركز، تكريساً للحضور الجزائري داخل هذه المؤسسة العلمية المرموقة.

وفي كلمته بالمناسبة، أعرب الدكتور فرحان نظامي عن اعتزازه بإطلاق هذا الكرسي العلمي، مؤكداً أنه سيعزز لا محالة البحث الأكاديمي في مجالات القيم الإنسانية والسلام والتفاهم بين الشعوب، وسيبرز مساهمة فكر الأمير عبد القادر في بعث التعاون الدولي والدراسات متعددة التخصصات.

من جهته، صرح وزير التعليم العالي والبحث العلمي أن «بعث هذا الكرسي يرسي للجزائر لبنة تاريخية في تثمين تراثها الفكري والحضاري على الساحة الدولية، ويمثل منعطفاً نوعياً في مسيرة الشراكة العلمية والأكاديمية بين الجزائر والمملكة المتحدة، مشدداً على أن إطلاق كرسي الأمير عبد القادر، إنما هو استئناف لحوار بدأ قبل قرينين بين الأمير والمملكة المتحدة، ويكمل دائرته اليوم».

كما اعتبر أن هذا الحدث يحمل دلالات متعددة؛ إذ يمثل اعترافاً صريحاً بالجزائر بوصفها شريكاً في البناء الفكري والإنساني، وإسهاماً في تجاوز الصورة النمطية الاستشراقية للإسلام والمسلمين، وتعزيز للحوار بين البلدين وتوطيد للشراكة الأكاديمية والثقافية بين شعبيهما.

وفي ختام كلمته، جدد بداري التزام الجزائر بالمساهمة الفعالة في تفعيل هذا الكرسي الأكاديمي، بهدف إحياء فكر الأمير عبد القادر والتعريف بإرثه الحضاري والروحي باعتباره رمزاً عالمياً للتسامح والاعتدال والعدالة والكرامة الإنسانية.

وفي كلمته بمناسبة توقيع هذا الاتفاق، أورد الشيخ محمد مأمون القاسمي، عميد جامع الجزائر، أن الأمير عبد القادر مدرسة قائمة بذاتها، تتجاوز حدود الوطن والأزمنة، وتدخل ضمن الرصيد المشترك للإنسانية.

وقال إن إطلاق هذا الكرسي بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، يضطلع بدور متميز في تقريب دوائر الفهم المتبادل بين العالم الإسلامي والغرب، ومن ثم، فإن حضور الأمير عبد القادر فيه، حضور طبيعي؛ لأنه يجسد شخصية خاطبت عصرها ولا تزال، بلغة القيم الكونية، وفي إطار ما يخوله الاتفاق الموقع والمنشئ للكرسي المذكور، تم الإعلان عن فتح باب الترشح أمام الباحثين الجزائريين للاستفادة من منحة «باحث زائر» بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، وهي خطوة أكاديمية من شأنها تعزيز التبادل العلمي والمعرفي بين الجانبين.


النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

محمود درويش
محمود درويش
TT

النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

محمود درويش
محمود درويش

إذا كان النزوع النرجسي والاهتمام بالذات، قد شكَّلا سمة واضحة المعالم من سمات الشعرية العربية القديمة، فقد حملت تجلياتها الوضوح نفسه في الشعر الحديث، سواء من خلال سفور الأنا عن وجهها على نحو مباشر، أو من خلال اختبائها خلف أقنعة وأساطير وتوريات مختلفة، من مثل تموز والعنقاء وقلقامش وأدونيس وأيوب ولعازر والمتنبي وغيرهم.

إلا أن أي مقاربة لهذه المسألة ستظل موضع ريبة والتباس، ما لم تتم الإشارة إلى نقطتين مهمتين، تتمثل الأولى بكون النزوع النرجسي ليس بحد ذاته هنة أو نقيصة، وهو لا يكون كذلك إلا حين يتفاقم أمره ليصبح نوعاً من البارانويا الخالصة أو العشق المرضي للذات. أما النقطة الأخرى، فتتمثل في كون النرجسية المتمادية لبعض الشعراء والكتاب، لم تقلل بأي حال من فرادة نتاجهم الإبداعي، ولم تحُلْ دون تصدُّر بعضهم للمشهد الشعري العربي المعاصر برمته.

ومع أن الظلال الوارفة للنزعة للنرجسية، تتبدى على نحو ملحوظ في تجارب الشعراء الرواد والأجيال التي تبعتهم، فإننا نجد لدى سعيد عقل وأدونيس ونزار قباني ومحمود درويش، على نحو خاص، الكثير من الشواهد الدالة على تأصل هذه النزعة وتعاظمها، وحضورها الراسخ في تجاربهم وأعمالهم المختلفة.

أدونيس

وإذا كان اسم سعيد عقل هو أول ما يتبادر إلى الذهن لدى حديثنا عن تعاظم الأنا وتفاقمها؛ فلأن شعره ومواقفه يزخران بقدر من الاعتداد بالهويتين الفردية والجمعية، قلّ نظيره عند أي شاعر آخر. لا، بل إن صاحب «قدموس» لا يترك للباحث عن الشواهد الدالة على نرجسيته أن يبذل الكثير من الجهد، ليكتشف أن أعماله برمتها ليست سوى انعكاس لزهوه النرجسي وذاته المتعالية. وسواء دارت قصيدته حول موضوع الوصف أو الغزل أو المديح أو الرثاء، فهي لا تكف عن الدوران حول محور واحد هو الفخر بالنفس، وإعلاء الذات وتعظيمها إلى حدود الغلو المفرط.

حين قام شولوخوف، صاحب «الدون الهادئ»، بزيارة إلى بيروت، وطُلب من سعيد عقل المشاركة في حفل تكريمه، لم يستطع الأخير تجنب الإشادة بنفسه إلى جانب المكرّم، فخاطبه قائلاً:

لئن تحكِ عن نهرٍ فشطر قصيدتي

يطلّ وهزّ السيف يكتملِ الشطرُ

وحتى في مقام الرثاء لا يتوانى عقل عن مقاسمة المرثي مكانته وصفاته، فيقول في رثاء أمين تقي الدين، ممتدحاً نفسه:

أقول الحياة العزم حتى إذا أنا

انتهيتُ تولى القبر عزميَ من بعدي

وحيث لا يتوانى عقل عن الغمز من قناة بعض مرثييه، كأن يسأل أحمد شوقي، في حفل إزاحة الستار عن تمثاله في مدينة زحلة اللبنانية: «أنا النهر، شوقي، أينا اليوم أشعر؟»، فإن الاعتداد النرجسي بالذات، بتقمص أحياناً مع صورة الوطن والجماعة الأهلية، كقوله بلسان اللبنانيين: «نتحدى الدنيا شعوباً وأمصاراً، ونبني أنّى نشأ لبنانا».

أما نزار قباني، فقد حملت تجربته وأعماله وعلاقته بالمرأة أشكالاً من الزهو والانتشاء بالذات، لم يشهد الشعر العربي مثيلاً لها منذ تجربة عمر بن أبي ربيعة. فنزار كعمر، هو المهيمن والمعشوق الوسيم الممسك بخيوط اللعبة، وقائد أوركسترا المتعة والإغواء. وهو إذ يوزع الأدوار والمقادير في لعبة الحب والأسرّة ومسارات العلاقة وأقدارها، لا يتردد في مخاطبة امرأة مفرطة الإلحاح على المتعة بالقول:

لفّي تحارير الهوى وامضي

أنا في السماء وأنت في الأرضِ

ما أنتِ من بعدي سوى طللٍ

أنقاضهُ تبكي على بعضِ

وإذا استثنينا أعمال نزار السياسية التي تضطر فيها ذات الشاعر إلى تنحية نفسها عن المشهد العربي الموغل في قتامته، فإن نتاج قباني المترع بعشرات المغامرات والتجارب العاطفية، ما هو إلا انعكاس لصور الأنا المترامية التي تكرر نفسها في مرايا الفحولتين الشعرية والعشقية. والأرجح أن الجذور العميقة لنرجسية نزار متأتية من نشأته المترفة، ووسامته الظاهرة، وموهبته العالية.

كما لا يتحرج قباني من إظهار براعته في الإيقاع بالنساء، وصولاً إلى تنصيب نفسه زعيماً بلا منافس لجمهورية العشق والعاشقين. لذلك؛ فهو يخاطب إحدى نسائه الساذجات في قصيدة «نرجسية» بالقول: «هل ممكنٌ أيتها الساذجة السطحية الحمقاءْ. هل ممكنٌ أن تجهلي أنّي الذي أسس جمهورية النساءْ».

وإذ يحاول نزار مواراة اعتداده بنفسه خلف أقنعة كثيرة تحفل بها قصائده ومقطوعاته، وبينها شهريار وديك الجن وكازانوفا ودون جوان وراسبوتين وغيرهم، فهو يؤثِر في قصائد أخرى إظهار هذه النرجسية على نحو مكشوف، كما في قصيدته «الرسم بالكلمات» التي توصل جنوحه النرجسي إلى ذراه القصوى.

النرجسية المتمادية لبعض الشعراء والكتاب لم تقلل بأي حال من فرادة نتاجهم الإبداعي

وإذا كان أدونيس واحداً من الشعراء الذين تستبطن تجربتهم الكثير من ملامح النزعة النرجسية ومواصفاتها، فإن رغبة الشاعر في التفرد تظهر من خلال اتخاذه من الإله الفينيقي أدونيس، الذي قتله الخنزير البري على ضفاف نهر إبراهيم، اسماً بديلاً عن اسمه الأصلي. ومن يتابع مسيرة أدونيس الشعرية والفكرية، فلا بد أن يلحظ عدم اكتفائه بمجد التسمية الناجز، ومحاولته النهوض بأسطورته الشخصية بمختلف السبل المتاحة.

ولن نعدم في هذا السياق الشواهد الدالة على البعد النرجسي في تجربة أدونيس وأعماله. لا، بل إن الأساطير والرموز التي يستخدمها في شعره، هي نفسها قناعه ووجهه في آن. ولعل في ديوانه «مفرد بصيغة الجمع»، ما يقدم الشواهد الدالة على الأنا المتفاقمة التي تجعل من التاريخ والجغرافيا والبشر والطبيعة، مجالها الحيوي ومنطقة نفوذها المشتهى. وإذ يضع الشاعر لفصل الكتاب الأول اسم «تكوين» وللفصل الثاني اسم «تاريخ»، فلكي يماهي بين سفْر تكوينه الفردي وسفر تكوين الخليقة من جهة، وبين تاريخه وتاريخها من جهة أخرى.

كما تتنازع هويته القلقة أسماء كثيرة لخوارج الأرض ومجانينها ومشعلي ثوراتها، فهو القرمطي والبهلول بقدر ما هو علي أحمد سعيد وعلي أحمد إسبر، وهو أدونيس الذي «أحبته عشتار وتستدعيه الشعوب». واللافت، أن النرجسية التي اتخذت شكلاً موارباً على امتداد الكتاب، ما يلبث الشاعر أن يفصح عنها في نهاياته على نحو صريح، وإن اتخذت شكل سؤال حائر «من أنت أيها السيد؟ من يقول لأدونيس من هو؟ يسأل، لا جواب. فليكسر مرآة نرسيس، مرآة نرسيس ظلٌّ، كيف يكسر الظل؟».

ولا يختلف الأمر في أعمال أدونيس الأخرى، حيث يرتدي الشاعر قناع مهيار، الهادم المؤسس «الذي لا أسلاف له وفي هويته جذوره». وهو الذي يبشر العالم بظهوره في قصيدته «هذا هو اسمي»، ليعلن دون تردد «لغم الحضارة / هذا هو اسمي». وهذه الأنا بالذات هي التي تدفع صاحبها إلى أن يختبئ في ديوانه «الكتاب» خلف قناع المتنبي، الشاعر الأكثر فرادة وتأثيراً في تاريخ العرب، فضلاً عما تحيل إليه التسمية من محاكاة واضحة للمقدس. وهو ما ينسحب على كتاب أدونيس «الأدونيادا»، الذي تحيل تسميته إلى إلياذة هوميروس وإنياذة فيرجيل.

وإذا كان في شخصية محمود درويش وشعره، الكثير من الزهو النرجسي الذي يظهر جلياً في قصائده، فإن صاحب «الهدهد» قد نجح في تصريف جزء من نرجسيته عبر التماهي مع صورة فلسطين، التي نقلها التغييب والظلم إلى خانة القداسة. إلا أن الشاعر في مقاربته لشخصية نرسيس، يعبّر عن اعتقاده بأن البشر الذين يصنعون طاغيتهم بأيديهم، هم أنفسهم الذين يصنعون نرسيسهم؛ لكي يخبئوا انبهارهم بذواتهم خلف صورته.

والأرجح أن درويش حين حاول أن يرسم صورة تقريبية ونقدية لنرسيس، في قصيدته الأخيرة «لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي»، لم يكن يقصد سوى نفسه، حين قال: «كان يمكن أن يربح الشعر أكثر، لو لم يكن هو لا غيره: هدهداً فوق فوّهة الهاوية. ربما قال: لو كنتُ غيري لصرتُ أنا مرةً ثانية. هكذا أتحايل، نرسيس ليس جميلاً كما ظنّ، لكن صنّاعه ورّطوه بمرآتهِ، فأطال تأمله في الهواء المقطّر بالماء، لو كان في وسعه أن يرى غيره، لأحبَّ فتاة تحملق فيه وتنسى الأيائلَ، تركض بين الزنابق والأقحوانْ. ولو كان أذكى قليلاً لحطّم مرآتهُ، ورأى كم هو الآخرونْ».


قصر هشام في أريحا

مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا
مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا
TT

قصر هشام في أريحا

مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا
مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا

تحوي البادية السورية قصرين يحملان اسم «قصر الحير»، وينسبان إلى هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرق تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويقع الآخر جنوب غرب تدمر، ويُعرف بقصر الحير الغربي، ويتميّز بثراء حلله المنقوشة التي كشفت عنها حملة فرنسية في السنوات الأخيرة من ثلاثينات القرن الماضي. تحوي البادية الفلسطينية قصراً آخر يُنسب كذلك إلى هذا الخليفة، كشفت بعثة بريطانية عن حلله البديعة في تلك الفترة. يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، وهو مؤلف من طابقين، ويرتفع وسط مجمّع يحوي حماماً كبيراً تزيّنه أرضية فسيفسائية توصف بـ«أكبر لوحة فسيفساء في العالم».

ظهرت أول معالم هذا القصر خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين شرعت الجمعية الإنجليزية المعروفة باسم «صندوق استكشاف فلسطين» في البحث عن آثار «الأراضي المقدّسة»، وقادها بعض السكان العرب إلى خربة تُعرف باسم «خربة المفجر»، تقع على الضفة الشمالية لوادي النعيمة، وتبعد بضعة كيلومترات من شمال مدينة أريحا. في عام 1894، أرسلت هذه الجمعية عالم الآثار الأميركي فريديريك جون بليس لإجراء بحث تمهيدي في هذه الخربة، فزار الموقع، وكتب تقريراً أوّلياً صدر في النشرة الخاصة بهذه الجمعية، وضمّ مجموعة من الصور، تمثّل عينة من الزخارف الجصية التي عُثر عليها. هكذا بدأ استكشاف هذا الموقع الأموي في الأراضي الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة من الحكم العثماني، وتواصل بعد انهيار هذا الحكم، إثر نهاية الحرب العالمية الأولى.

في زمن الانتداب البريطاني، عمدت دائرة الآثار إلى دراسة موقع «خربة المفجر» ومسحه بشكل موسّع في عام 1934. اكتشفت البعثة البريطانية أن الآباء الفرنسيسكان سبقوها إلى هذا الموقع، واقتلعوا منه العديد من الحجارة والأعمدة لبناء ديرهم في أريحا سنة 1927، كما أنهم نقلوا منه مجموعة من الأعمدة والتيجان وألواح المرمر والنقوش الجصية لتزيين مدخل مقرّهم، فطالبت باستعادة هذه القطع، واستجاب الآباء الفرنسيسكان لطلبها. أجرت دائرة الآثار البريطانية الحفريات الأثرية في الموقع على مدى اثني عشر عاماً، تحت إشراف عالم فلسطيني يُدعى ديمتري برامكي، وكان يومها مفتشاً وباحثاً في هذه الدائرة. رافق هذا الخبير حملات التنقيب المتعاقبة في الموقع، ورصد نتائجها في سلسلة من التقارير، صدرت تباعاً في النشرة العلمية الخاصة بدائرة الآثار. خلال الحفريات التي جرت بين عامي 1936 و1937، عُثر على لوح مكسور من المرمر يذكر اسم «عبد الله هشام أمير المؤمنين»، أي هشام بن عبد الملك. إثر هذا الاكتشاف، أُطلق على الموقع اسم «قصر هشام»، وعُرف به منذ تلك الحقبة.

نقلت دائرة الآثار البريطانية ما جمعته من لقى في هذا القصر إلى متحف بدأت بتشييده سنة 1930 في القدس الشرقية، وافتتحته سنة 1938، وأطلقت عليه يومها اسم «متحف فلسطين للآثار». تمثّلت هذه اللقى في الدرجة الأولى بمجموعة هائلة من النقوش النحتية، إضافة إلى عدد من التماثيل الآدمية، وشكّلت هذه الشواهد مادة استثنائية للتعريف بالفنون الأموية المدنية المرتبطة بهذا الميدان. تزامن هذا الاكتشاف مع اكتشاف مشابه لا يقلّ عنه إثارة، تَمثّل في ظهور مجموعة مشابهة من اللقى، خرجت من قصر الحير الغربي في البادية السورية. قامت باستكشاف هذا القصر بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938، وصدر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939. تبيّن أن القصر شُيّد في عام 727 بأمر من هشام بن عبد الملك على أنقاض دير يعود إلى زمن الغساسنة، وتحوّل مع مرور الزمن إلى أطلال، خرجت من بين أنقاضها مجموعة هائلة من النقوش النحتية، تُماثل بأسلوبها الفني المتقن تلك التي خرجت من خربة المفجر.

مع نهاية الانتداب على فلسطين ونشوء دولة إسرائيل في 1948، توقّفت أعمال دائرة الآثار البريطانية، وأصبح «متحف فلسطين للآثار» تحت إدارة المملكة الهاشمية الأردنية. في ظل هذه الإدارة، أنجز ديمتري برامكي رسالة دكتوراه في 1953 حملت عنوان «الحضارة والعمارة العربية في الفترة الأموية: دراسة مقارنة بالإشارة الخاصة إلى تنقيبات قصر هشام». بعدها، قام عالم الآثار البريطاني جورج هاملتون بدارسة الموقع بشكل شامل وموثّق بالتعاون مع العالم الفرنسي أوليغ غاربار، ونشرت جامعة أوكسفورد هذه الدراسة الشاملة في سنة 1959 تحت عنوان: «خربة المفجر: قصر عربي في الصحراء». أثبتت هذه الدراسة أن الموقع يعود فعلاً إلى عهد الخليفة هشام بن عبد الملك، واستمرّت حركة البناء فيه بعد وفاة الخليفة، إلى أن تعرّض لزلزال ضخم في عام 746، والأرجح أن جزءاً من منشآته تعود إلى عهد الوليد بن يزيد الذي خلف عمه هشام، وحكم بين 743 و744.

يتألّف هذا القصر من دار رحبة، ومسجد عام، ومسجد خاص، وبركة ماء، وحمام فخم كبير. يقع المدخل الرئيسي في الزاوية الجنوبية الشرقية، ويؤدّي إلى ساحة مكشوفة تحوي اليوم مجموعة من اللقى الأثرية، أشهرها نجمة سداسية الأطراف تضمّ ست دوائر مجدولة، تشكّل إطاراً لدائرة كبيرة تتوسّط تأليفها. في الجهة الشمالية من هذه الساحة، شُيّدت بركة تزيّن أرضيتها سجادة فسيفسائية. وفي الجهة الغربية لهذه البركة، يقع المدخل الداخلي الرئيسي للقصر، ويفضي إلى ساحة رحبة تحدّها مجموعة من الغرف. في وسط رواق الساحة الجنوبي، يقع المسجد الصغير الخاص بالخليفة، وفي شمال الرواق الشرقي، يقع المسجد العام. في الجهة الشمالية للقصر، يقع ممر يربط بين القصر والحمّام الملكي، وتزيّن قاعة هذا الحمّام سجادة فسيفسائية مربّعة، طول ضلعها 30 متراً. في شمال هذا الحمام، قاعة خاصة توصف بقاعة الاستقبال، تزيّنها كذلك سجادة فسيفسائية.

تحوي البادية الأردنية موقعاً أموياً يُعرف باسم قصير عمرة، تزيّنه جداريات تمتدّ على مساحة تقارب 380 متراً مربعاً، وتشكّل أكبر برنامج تصويري معروف من الألفية الأولى في العالم المتوسطي. في المقابل، يحوي قصر خربة المفجر فسيفساء توصف بأكبر فسيفساء معروفة في هذا العالم. زُيّن هذا القصر برسوم جدارية ضاعت كلّها للأسف، ولم يبق منها إلا بضع شذرات عُثر عليها وسط طبقات الردم، مبعثرة ومتساقطة. في المقابل، خرجت من هذا الموقع مجموعة عظيمة من القطع النحتية متعدّدة الأنواع، تُعتبر اليوم من أجمل شواهد الفن الأموي، ودراستها تكشف عن ثراء هذا الميراث، وتعدّديته الثقافية المدهشة.