مصادر الأخبار التي يفضلها الجيل الجديد

لا «واشنطن بوست» ولا «نيويورك تايمز»

مصادر الأخبار التي يفضلها الجيل الجديد
TT

مصادر الأخبار التي يفضلها الجيل الجديد

مصادر الأخبار التي يفضلها الجيل الجديد

حسب استطلاع نشرته في آخر إعدادها دورية «كولومبيا جورناليزم ريفيو» (تصدرها كلية الصحافة في جامعة كولومبيا بنيويورك)، لم تعد الصحف الكبيرة، مثل «واشنطن بوست»، و«نيويورك تايمز»، هي المصادر الإخبارية الرئيسية لنسبة كبيرة من القراء، هم الجيل الجديد (18 إلى 30 عاما). لعشرة أسابيع، جندت الدورية 14 طالبا في كليات صحافة أميركية، ليس فقط لشرح مصادر الأخبار التي يفضلونها، ولكن، أيضا، لمعرفة المصادر التي يفضلها الذين في جيلهم. قالت الدورية: «تشكل هذه المصادر أكبر خطوة إلى الإمام في الصحافة الأميركية. ليست كلها واعدة، وقد يفشل بعضها. لكن، بعد نقاشات، واستطلاعات، وأبحاث، اخترناها».
* «كوارتز»: لمواجهة مشكلة المعلومات المضللة التي انتشرت في وسائل الإعلام الاجتماعية، وظلت مشكلة في الإعلام التقليدي، تستعمل صحيفة «كوارتز» نظاما يفصل بين المعلومات المؤكدة (تكتبها في حروف غامقة)، والمعلومات المرجحة (تكتبها في حروف عادية)، والمعلومات غير المؤكدة وغير المرجحة (تكتبها في حروف رمادية).
لهذا، لا تستعمل الصحيفة عبارات مثل: «قيل» و«حسب» و«نسبت» و«ادعت».
وقال زاك سيوارد نائب رئيس الشركة ورئيس التحرير التنفيذي، إنهم، في الوقت الحاضر، يجربون هذه العادة الجديدة. ويريدون استخدامها في المستقبل بصورة دائمة. تواجه هذه العادة الجديدة مشكلة الأخبار العاجلة، التي تأتي بين كل دقيقة ودقيقة. لكن، قال سيوارد: «لأسباب أخلاقية وعملية، نتحاشى مثل هذه الأخبار العاجلة».
لمواجهة هذه المشكلة، تستعمل الصحيفة «لايف بلوغز» (بلوقات حية على الهواء) الإخبار العاجلة، وتتأكد من أنها حقيقية، ثم تنشرها، حسب درجة الحقيقة فيها. وأضاف سيوارد: «أعتقد أن القراء، خصوصا من الجيل الجديد، لا يتفاعلون جيدا مع الصحافيين الذين يدعون أنهم يعرفون كل شيء، بينما واضح جدا أن هذه ليست الحقيقة».
* «فوكس»: ليست هذه «فوكس» القناة التلفزيونية (تبدأ بحرف «في»، لا حرف «إف»). وتستعمل البطاقات في تقديم الأخبار.
تفتح بطاقة الموضوع الذي تريد أن تقرأ عنه، ثم تجد بطاقات فرعية، وهكذا. تشبه نظام بطاقات المكتبات القديم، عندما كانت كل بطاقة تخص موضوعا معينا، ثم تقودك إلى مواضيع فرعية. تزيد شعبية هذه الصحيفة لسهولة قراءتها. خاصة بالنسبة للجيل الجديد الذي يريد، في أحيان كثيرة، التركيز على شيء واحد. ليست مثل الصفحة الأولى في صحيفة «نيويورك تايمز»، مثلا، حيث توجد عناوين أخبار متعددة. توجد هنا عناوين مواضيع، ومن داخل كل موضوع، يختار القارئ أخبار الموضوع، أو تعليقاته، أو صوره، أو فيديوهاته.
تبدو محاسن هذه الصحيفة في أنها تقدم معلومات لا حدود لها عن موضوع معين. لكن، على حساب المواضيع الأخرى. لكن، من قال إن الجيل الجديد يريد أن يعرف أكثر من موضوع واحد؟
* «سنابشات»: بدأت هذه وسيلة تواصل اجتماعي، وركزت على الصور السريعة. لكن، أخيرا، بدأت تقدم نشرات أخبار لأكثر من مائة مليون شخص يملكون حسابات فيها. استغلت وجود هذا العدد الكبير من المشاهدين، وأبرمت عقودا مع مصادر الأخبار الكبيرة لتجمع بين الصور الاجتماعية والأخبار اليومية.
تضغط على «ديسكفر» (اكتشف)، فتظهر أمامك مواقع مصادر مثل: «سي إن إن» و«فوكس» و«نيويورك يوست».
لماذا فضلت هذه المصادر الإخبارية موقعا لتبادل الصور الاجتماعية؟
قال راجيف مودي نائب رئيس التحرير مجلة «ناشونال جوغرافيك»: «عبر تاريخنا (تأسست عام 1888)، نركز على الصور. الآن، صرنا نقدم أخبارا مصورة. لهذا، لا بد أن يفضلنا هواة الصور. ولهذا، نقدر على منافسة مصادر الأخبار المكتوبة». وقال توني ماكولياس مدير قسم الأخبار في موقع «ياهو»: «نريد نشر أخبارنا، بصرف النظر عن الوسيلة. ننشر أخبارنا مكتوبة. وننشرها مصورة، وننشرها في شرائط فيديو»، وأضاف: «يركز هذا الموقع على الصور والفيديو. هناك مواقع أخرى تركز على الأخبار المكتوبة. ولا بأس أن نستغل النوعين».
* «دي موين ريجستار»: هذه هي الصحيفة الرئيسية في ولاية ايوا. وهي ورقية وإلكترونية. لكن، أخيرا دخلت مجالا جديدا: «فيرشوال ريالتي» (الواقع الخيالي). وصارت أول صحيفة ورقية في العالم تنشر أخبارها بهذه الطريقة. بدأت الفكرة بأن الصحيفة تهتم بأخبار المزارعين في هذه الولاية الزراعية المهمة. لهذا، صارت تقدم معلومات وأخبارا عن هذا الموضوع بطريقة الواقع الخيالي. في كومبيوتر، أو تلفزيون الرأس، أو حتى تلفزيون النظارة. بالإضافة إلى «ثرى دي» (أبعاد ثلاثية). مثلا: عائلة دامان، التي تملك مزارع عملاقة. يتحدث أفراد العائلة عن كل شيء له صلة بالزراعة. وعن تكنولوجيا الزراعة، وتاريخ الزراعة، والاقتصاد الزراعي، ونعم، آخر الأخبار الزراعية.
تواجه هذه «الصحيفة الخيالية» مشكلات. من بينها أن أغلبية قراء الصحيفة الورقية مزارعون، ويعيشون في الريف. لهذا، لا يوجد عدد كبير من شباب الجيل الجديد وسط القراء. لكن، لأن عددا كبيرا من هؤلاء يشاهد المواقع الواقعية الخيالية، لا بأس إذا شاهد بعضهم موقعا خياليا، لكن عن موضوع حقيقي، فيه أخبار وتعليقات.
* «سيريال»: تفرعت هذه من صحيفة «سليت»، التي تفرغت من صحيفة «واشنطن بوست»، وتطورت من برنامج «ذيس أميركان لايف» (هذه الحياة الأميركية) الذي يركز على حادث معين (مثل جريمة قتل)، ويقدم كل أبطاله، وخلفياته.
في العام الماضي، قدمت صحيفة «سيريال» أكثر من عشر حلقات عن عدنان سيد، أميركي من أصل باكستاني، الذي قتل صديقته ماي هي لي، أميركية من أصل كوري. وهو يقضي الآن في السجن عقوبة مؤبدة. قدمت الموضوع في صورة جذابة ومثيرة، وشاهده أكثر من ثمانين مليون شخص. خلطت الصحيفة (في الحقيقة هي مجلة إلكترونية) بين الخبر والتحليل. وقدمت الحلقات في صورة خبرية، أسبوعا بعد أسبوع. ورغم أن الموضوع ليس جديدا، بدا جديدا بسبب طريقة تقديمه. وصار كثير من المشاهدين يتابعون العلاقة بين الرجل والمرأة، وتطوراتها، وكأنها حدثت لأول مرة.
هذا بالإضافة إلى أن سارة كوينغ، التي جمعت المعلومات وقدمت الحلقات، كانت تقدمها وهي تشرح كيف جمعت المعلومات، وكيف قابلت أبطال المسلسل. لهذا، صارت القصة قصتين: قصة الرجل والمرأة، وقصة الصحافية كوينغ.
* «ناريتفلي»: مثل «سيريال»، هذه أيضا مجلة. لكن، بدلا عن التركيز على جريمة، أو فضيحة، وتقديمها في حلقات أسبوعية، تركز مجلة «ناريتفلي» على موضوع إخباري كل أسبوع، وتقدمه في حلقات يومية. يقول نوح روزبيرغ، رئيس تحرير «ناريتفلي» (معناها القصصية): «نريد أن نتحاشى السباق الإخباري اليومي. نريد أن نجلس، ونتنفس نفسا عميقا، وننظر إلى ما وراء خبر معين». تعتمد المجلة على عدد كبير من المتعاونين. في حلقة أسبوع واحدة (عن كارثة منجم في ولاية بنسلفانيا) أذيعت يوميا، اشترك أكثر من عشرة متعاونين. ليس هؤلاء صحافيين متفرغين. لكنهم اهتموا بالموضوع، وتابعوه، وكتبوا عنه، وأرسلوا كتاباتهم وصورهم وفيديوهاتهم إلى رئاسة تحرير «ناريتفلي»، حيث وُضعت في صورة مسلسل.
* «ميديوم»: هذه خليط من مجلة وصحيفة. تركز على مواضيع، وتضيف عليها أخبارا يومية. تصدرها شركة «تويتر». وبدلا عن 140 حرفا ومساحة، لا يوجد حد أقصى هنا. (يمكن إن يكون 140 ألف حرف ومساحة). مثل «تويتر»، فيها أخبار، وتعليقات، وصور، وفيديوهات. لكنها طويلة في الحجم، ومنسقة في العرض، وتحرص على اتباع أعلى المقاييس الصحافية، وأحسن وسائل الإخراج الفني. ينشر كل موضوع بعدة وسائل: كتابة، وصور، وفيديو.
وفي نهاية كل موضوع، بدلا عن التعليق، حيز ليجري القارئ تعديلات في الموضوع. طبعا، تعديلات إيجابية، وتحت رقابة المسؤولين عن الموقع، وبهدف رفع مستوى الموضوع.



ترمب والإعلام... معركة تتمدّد داخل الإدارة

مبنى "البنتاغون" مقر وزارة الحرب الأميركية (آب)
مبنى "البنتاغون" مقر وزارة الحرب الأميركية (آب)
TT

ترمب والإعلام... معركة تتمدّد داخل الإدارة

مبنى "البنتاغون" مقر وزارة الحرب الأميركية (آب)
مبنى "البنتاغون" مقر وزارة الحرب الأميركية (آب)

أن يقاضي ناشر صحيفة عسكرية ورئيس تحريرها ومراسلة فيها الوزارة التي تمولها، ليس نزاعاً وظيفياً مألوفاً في واشنطن. لكن إقالة مسؤولي «ستارز آند سترايبس»، بعد دفاعهم عن استقلالها التحريري، وضعت البنتاغون (وزارة الحرب الأميركية) أمام سؤال يتجاوز مصير ثلاثة موظفين: أين تنتهي سلطة الوزارة في إدارة الصحيفة، وأين يبدأ تدخلها في مضمونها؟

تزداد دلالة القضية لدى تزامنها مع قيود على حركة مراسلي الدفاع، واستبعاد صحافيين من اجتماعات لوزارة الخزانة، وتجدد دعاوى الرئيس دونالد ترمب على مؤسسات إعلامية، فضلاً عن تغييرات واسعة في قيادة المؤسسة العسكرية. بالتالي، بين تأكيد الإدارة أنها تحمي المعلومات الحساسة وتفرض الانضباط، وتحذير منتقديها من إخضاع الإعلام والمؤسسات لاختبارات الولاء، بات الخلاف يدور حول الجهة التي ترسم حدود الخبر المستقل عندما تكون الحكومة مموّلاً للصحيفة، ومصدراً للمعلومة، وموضوعاً للتغطية في الوقت نفسه.

إريك سلافين (ستارز آند سترايبس)

استقلال على المحك

بدأت القضية عندما أخطرت وزارة الحرب ناشر «ستارز آند سترايبس» ماكس ليديرر، ورئيس تحريرها إريك سلافين، والمراسلة لارا كورتي، بإنهاء خدماتهم في 21 أغسطس (آب) المنصرم، عازية القرار إلى «العصيان».

وذكرت تقارير صحافية أن كورتي وسلافين كانا قد دافعا في مقابلة مع شبكة «سي بي إس» عن استقلال الصحيفة، ورفض ليديرر طلباً بإقالتهما. وردّ الثلاثة برفع دعوى اتحادية اتهموا فيها الوزارة بالانتقام منهم بسبب كلامهم، وبسبب تغطية أوضاع البحارة على حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لنكولن» إبّان مهمتها الطويلة المرتبطة بـ«حرب إيران». أما «البنتاغون» فلم يعلق على الاتهامات التفصيلية، وتمسّك بوصف المخالفة إدارياً.

ومنح تدخل القضاء القضية بعداً يتجاوز نزاعاً وظيفياً. فقد وافقت الوزارة على إبقاء الثلاثة في إجازة إدارية وتأجيل تنفيذ الإقالة حتى جلسة عقدت في 4 سبتمبر (أيلول) الحالي. وقضت المحكمة بالسماح مؤقّتاً بالمضي في الإقالات، ليس بسبب حق «البنتاغون» في الرقابة، بل لأن كلام كورتني وسلافين مع الشبكة جاء ضمن واجباتهما الوظيفية، لا بصفتهما مواطنين يحظون بحماية التعديل الدستوري الأول. ومع ذلك لم يحسم الحكم أصل الدعوى المتعلق باستقلالية الصحيفة.

لارا كورتي (بوليتيكو)

خصوصية النزاع

خصوصية النزاع أن «ستارز آند سترايبس» ليست صحيفة خاصة عادية ولا نشرة علاقات عامة عسكرية. بل هي مموّلة جزئياً من وزارة الحرب، لكن القواعد الناظمة لعملها تشدد على تدفق الأخبار من دون إدارة أو رقابة، وعلى عدم حجب الأخبار السلبية عمداً. ولهذا أثارت خطة «التحديث» التي بدأها «البنتاغون» هذا العام اعتراضات واسعة: فلقد قيّدت استخدام وكالات الأنباء، وربطت المحتوى بمقتضيات «النظام والانضباط»، وأُقيلت أمينة المظالم المكلفة حماية الاستقلال، ثم عُيّن ضابط في الخدمة نائباً للناشر. وتدّعي الوزارة أن على الصحيفة أن تحمي المعلومات المصنّفة (سرّيةً أو شبه سرّية) وتتفادى ما يضرّ بالأمن القومي؛ لكن المُعترضين يخشون أن يتحوّل معيار أمني مشروع إلى باب فضفاض للتدخل في الاختيارات التحريرية.

ماكس ليديرر (ستارز آند سترايبس)

من «البنتاغون»... إلى الخزانة

لا تقف المسألة عند الصحيفة العسكرية. فمنذ الخريف الماضي، فرض «البنتاغون» قواعد اعتماد اعترضت عليها معظم المؤسسات الكبرى، بما فيها وسائل محافظة، لأنها قد تعرّض الصحافي لفقدان بطاقته إذا سعى إلى معلومات لم تجز الوزارة نشرها، حتى عندما لا تكون سرية.

وفي مارس (آذار) قضت محكمة اتحادية بأن أجزاء من السياسة تنتهك التعديلين الأول والخامس، لكن الوزارة أصدرت قواعد بديلة شملت تقييد الحركة واشتراط المرافقة. ثم في يونيو (حزيران)، صُنّف المكتب الصحافي مساحة مخصّصة للتعامل مع معلومات حسّاسة، ومُنع المراسلون من دخوله.

وهكذا انتقل الخلاف من سؤال حول حماية الأسرار إلى سؤال أوسع عن مقدار الوصول اللازم كي تظلّ الرّقابة الصحافية ممكنة. وامتد الجدل إلى وزارة الخزانة التي رفضت اعتماد مراسلين من صحيفتي «نيويورك تايمز» و«وول ستريت جورنال» وقناة «بلومبرغ» لتغطية اجتماعات وزراء مالية «مجموعة العشرين» في مدينة آشفيل بولاية نورث كارولينا. وأفادت الخزانة بأن نحو 300 إعلامي من 12 دولة حصلوا على وصول واسع، وأن التغطية ينبغي أن تلتزم الوقائع لا أن تطارد النقرات والإثارة. كذلك ذكّر الوزير سكوت بيسينت بأن الاستبعاد لا يتعلّق بوجهات النظر، لكن الوزارة لم تقدّم تفسيراً محدداً لاختيار المراسلين المُستبعَدين، ما أبقى الشُّبهة قائمة لدى المؤسّسات الثلاث، لا سيما مع وجود حرب وعقوبات وتضخّم وأسواق سندات على جدول الاجتماع.

من جانب آخر، حدّث ترمب دعوى تشهير يطالب فيها «نيويورك تايمز» ودار «بنغوين راندوم هاوس» للنشر بـ15 مليار دولار، مضيفاً تفاصيل يدّعي أنها تثبت تعمّد الإضرار بسمعته التجارية والسياسية. ويُذكر أنه سبق للمحكمة رفض الصيغة الأولى لإفراطها في الطول والاستطراد، قبل إعادة تقديمها؛ في حين تؤكد الصحيفة دقة عملها، وتقول إن الشكوى لا تثبت «سوء النّية الفعلي» المطلوب قانوناً. وللعلم، الدعاوى حقٌ متاح لأي متضرِّر، لكن كثرتها، مقترنة بقيود الوصول، هي ما يدفع منظّمات الصحافة إلى التحذير من أثر «ترهيبي» حتى عندما تنتهي بعض القضايا بالرفض.

كلّما اتسع إطار الإقالات وضاقت قنوات الصحافة صار أصعب على الجمهور والكونغرس التمييز بين إصلاح مهني وإعادة تشكيل سياسي

اختبار حياد المؤسسة

في أي حال، تكتسب معركة الإعلام هذه حساسيتها الأكبر لأنها تتزامن مع تغيير واسع في قيادة المؤسّسة العسكرية. ووفق إحصاء نشرته قناة «سي بي إس نيوز»، غادر أو أُقيل ما لا يقل عن 20 جنرالاً وأميرالاً ومسؤولاً مدنياً منذ تولّي بيت هيغسيث وزارة الدفاع، أي ما يعادل 10 في المائة من أفراد القيادة. وجاءت استقالة وزير الجيش دان دريسكول يوم 31 أغسطس، بعد إقالة رئيس أركان الجيش الجنرال راندي جورج، لتعمّق الأسئلة حول مسار التحديث والقيادة خلال الحرب.

ويرى منتقدون ديمقراطيون ومسؤولون سابقون أن الإقالات تُضعِف الخبرة وتقرّب المؤسّسة من اختبارات الولاء، بينما يملك الرئيس ووزير الدفاع قانوناً سلطة تغيير كبار القادة، وتقول الوزارة إن الحديث عن الفوضى «لا أساس له»، وإنها تعيد التركيز على الجاهزية و«روح المحارب». أيضاً، لا تثبت التغييرات، بمجرد حدوثها، أن كل قائد أُبعِد لأسباب حزبية، مثلما لا تجعل كل قاعدة أمنية عملاً من أعمال الرقابة. لكن المشكلة تكمن في الأثر التراكمي وفي نقص التفسيرات العلنية. ذلك أنه كلّما اتسع إطار الإقالات وضاقت قنوات الصحافة، صار أصعب على الجمهور والكونغرس التمييز بين إصلاح مهني وإعادة تشكيل سياسي. ثم إن التقارير عن تعيين شخصيات إعلامية مُتماهية مع خطاب «ماغا» السياسي اليميني في وظائف مدنية داخل «البنتاغون»، واستمرارها في الترويج لهيغسيث ومهاجمة منتقديه، تعزّز الانطباع بأن المسألة تتعلّق بإدارة الرواية أيضاً، لا بضبط التسريبات فحسب.

بناءً عليه، يرى المُنتقدون أن القضية لا تدور في جوهرها حول امتيازات المراسلين، بل حول علاقة السلطة بالمعلومة في زمن حرب. فالإدارة تستطيع وضع قواعد لحماية الأسرار ومحاسبة الموظفين، لكن هذه السلطة تُصبح موضِع شكٍ عندما تغيب المعايير المُتساوية والتفسيرات القابلة للفحص. وستحدِّد المحاكم والكونغرس، بقدر ما تحدد قرارات «البنتاغون»، ما إذا كانت «ستارز آند سترايبس» ستبقى نموذجاً لصحافة مستقلّة داخل مؤسّسة عسكرية، أم تتحوّل إلى علامة على أن إعادة تشكيل واشنطن شملت أيضاً تضييق المسافة بين الخبر الرسمي والخبر المستقلّ.


مؤسسات تطوّع محتواها الخبري للاستفادة من الذكاء الاصطناعي

من مستجدات الذكاء الاصطناعي (أرشيفية متداولة)
من مستجدات الذكاء الاصطناعي (أرشيفية متداولة)
TT

مؤسسات تطوّع محتواها الخبري للاستفادة من الذكاء الاصطناعي

من مستجدات الذكاء الاصطناعي (أرشيفية متداولة)
من مستجدات الذكاء الاصطناعي (أرشيفية متداولة)

باشرت مؤسسات إعلامية في إعادة تنسيق محتواها، ما يسمح لأدوات الذكاء الاصطناعي بقراءته، وترشيحه في إجاباتها عن أسئلة المستخدمين، وهو اتجاه عدّه خبراء مؤشراً على تحوّل في سوق الإعلام الرقمي فرضته قواعد السوق، وزيادة الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي.

وبحسب تقرير نشره موقع «دي جي داي» الأسبوع الماضي، فإن مؤسسة «يو إس إيه توداي» الأميركية بدأت فعلاً في اختبار طُرقٍ جديدة لتنسيق المحتوى، ولتمكين محرّكات الذكاء الاصطناعي من قراءته في خطوة «تستهدف تعزيز فرص (يو إس إيه توداي) في إبرام اتفاقات لترخيص محتواها لدى شركات الذكاء الاصطناعي». ونقل الموقع عن مايك ريد، رئيس مجلس الإدارة، والرئيس التنفيذي لـ«يو إس إيه توداي»، قوله إن «المؤسسة باتت مطالبة بإنتاج وتنسيق المحتوى للبشر والآلات معاً».

للعلم، «يو إس إيه توداي» ليست وحدها في هذا الاتجاه، بل بدأت مؤسسات أخرى مثل «تايم» و«ذا إيكونوميست» بإنتاج محتوى يسهل على محركات الذكاء الاصطناعي قراءته.

وفي تعليق لـ«الشرق الأوسط» اعتبرت مي عبد الغني، الباحثة في الإعلام الرقمي، وأستاذة الإعلام بجامعة بنغازي الليبية، إعادة هيكلة المحتوى الرقمي الموجّه إلى الآلة «تحولاً فرضته التحوّلات البنيوية في سلوكيات البحث، وسوق النشر الرقمي».

وأوضحت أن «التعامل مع الذكاء الاصطناعي لم يعُد يقتصر على الصراع القانوني حول الملكية الفكرية، بل امتد إلى بناء نموذج عمل تقني وتجاري متكامل، وقائم على تحويل المحتوى إلى أصل معرفي مُصمم خصيصاً للذكاء الاصطناعي».

وأضافت أن «المؤسسات الإعلامية تسعى الآن إلى ضمان ظهور محتواها في أنظمة البحث الذكي، ونماذج الذكاء الاصطناعي، وتسهيل قراءته عبر الأجهزة المختلفة، وزيادة تفاعل الجمهور، وإعادة استغلال الأرشيف الصحافي لإنتاج محتوى متجدد يعزز الموثوقية، وفرص تحقيق العائدات المادية... وبالتالي، فهذه الاستراتيجية تساعد المؤسسات الإعلامية في تنويع أرباحها عبر بيع بياناتها لشركات التقنية، وتقليل الاعتماد على الإعلانات التقليدية، وأيضاً تحمي حقوقها الفكرية، وترسخ مكانتها كمصدر موثوق، مع ظهور اسم العلامة التجارية مباشرة في إجابات محركات الذكاء الاصطناعي».

مع هذا ترى مي عبد الغني أن «ذلك سيكبّد المؤسّسات الإعلامية تكاليف باهظة، ويضعها أمام تحدّيات تقنية لتعديل بنيتها، وتحمّل تقلبات الخوارزميات، مع تراجع الزيارات المباشرة لمواقعها، لاكتفاء المستخدم بإجابات الذكاء الاصطناعي»، مشددة على أن «هذا التحول يهدّد بتعميق الفجوة بين المؤسسات الكبرى والصحافة المحلية».

ومن ثم، تابعت: «إن مستقبل الصحافة يتشكّل عبر معادلة توازن بين احتياجات القارئ ومتطلبات الآلة وفق نموذج ثنائي الطبقات: الطبقة الأولى تتعلق بالإنتاج التحريري البشري، وتركّز على القيمة المُضافة التي يعجز الذكاء الاصطناعي عن تقديمها، كالتحقيقات الميدانية، والتحليلات العميقة، والحوارات الحصرية، والتجارب الإنسانية، أما الطبقة الثانية فإنها تتعلّق بالتوزيع، والتهيئة البرمجية؛ حيث تتولّى الخوارزميات آلياً تفكيك المقال، وتحويله إلى صيَغ رقمية، ومعالجة بياناته الوصفية، لتسهيل استهلاكه عبر برمجيات الذكاء الاصطناعي».

وتندرج هذه الخطوة ضمن استراتيجية تعرف باسم «GEO»، أي «تحسين المحتوى بما يناسب محركات الذكاء الاصطناعي»، وهذه استراتيجية شبيهة بتلك الخاصة بتحسين المحتوى ليتوافق مع خوارزميات محركات البحث التقليدية «SEO».

من جانب آخر، يرى محمد الصاوي، الباحث المصري المتخصص، والمحاضر في الرصد والتحليل الإعلامي، أن الاتجاه نحو إعداد محتوى أكثر قابلية للفهم والوصول من جانب روبوتات ومحركات الذكاء الاصطناعي يعد «مؤشراً مهماً على تحول في طبيعة صناعة المحتوى الإعلامي واقتصادياته».

وهنا أوضح الصاوي لـ«الشرق الأوسط» أن «المؤسسات الصحافية لم تعُد تفكر فقط في كيفية جذب القارئ إلى مواقعها، إنما أيضاً في كيفية جعل محتواها مصدراً يمكن أن تعتمد عليه أدوات الذكاء الاصطناعي، لا سيما مع ظهور سوق متنامية لترخيص المحتوى لشركات الذكاء الاصطناعي».

وأردف أن «هذا التحول يتجاوز الصحافة، ويمتد إلى العلاقات العامة، وإدارة السمعة، وأبحاث الصورة الذهنية للحكومات، والشركات، والمؤسسات»، مشيراً إلى أنه «جرت العادة على قياس الحضور الإعلامي من خلال مؤشرات مثل الحصة الصوتية، وتحليل المشاعر، واتجاهات التغطية، لكن ظهر اليوم مستوى جديد من القياس يتمثل في كيفية ظهور المؤسسة في إجابات أدوات الذكاء الاصطناعي، ومدى دقة ما تقدمه من معلومات».

بالتالي، لا يرى الصاوي أن «المستقبل يعني أن الصحافة ستكتب للآلة بدلاً من الإنسان... بل ما يحدث يدل على اتجاه الصحافة للكتابة للآلة والإنسان معاً، وكما فرضت محرّكات البحث، في السابق، مفاهيم مثل تحسين الظهور في محركات البحث، يظهر الآن مفهوم جديد يتعلق بمدى حضور المؤسسة ومعلوماتها ومصادرها داخل إجابات الذكاء الاصطناعي».

واختتم بالقول إن «قدرة المؤسّسة على التأثير في البيئة المعلوماتية التي تتشكّل منها إجابات الذكاء الاصطناعي ستعدّ في المستقبل مؤشراً جديداً من مؤشرات الحضور، والسمعة الإعلامية».


«STC» و«SRMG» تعزّزان قدرات الإنتاج الإعلامي في السعودية

يركز التعاون على تعزيز إنشاء محتوى عالي الجودة وتقديمه للجمهور داخل السعودية وخارجها (SRMG)
يركز التعاون على تعزيز إنشاء محتوى عالي الجودة وتقديمه للجمهور داخل السعودية وخارجها (SRMG)
TT

«STC» و«SRMG» تعزّزان قدرات الإنتاج الإعلامي في السعودية

يركز التعاون على تعزيز إنشاء محتوى عالي الجودة وتقديمه للجمهور داخل السعودية وخارجها (SRMG)
يركز التعاون على تعزيز إنشاء محتوى عالي الجودة وتقديمه للجمهور داخل السعودية وخارجها (SRMG)

وقّعت مجموعة «STC» والمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) مذكرة تفاهم لاستكشاف مجالات تعاون استراتيجية تهدف إلى تعزيز قدرات الإنتاج الإعلامي بالمملكة، وذلك على هامش المؤتمر التقني الدولي «ليب 2026» بالعاصمة الرياض.

وجاءت المذكرة لتجمع بين قدرات «STC» في البنية التحتية الرقمية والاتصالات والحوسبة السحابية، وخبرات «SRMG» في الإعلام وصناعة المحتوى والإنتاج، حيث يركز التعاون على دعم منظومة الإنتاج السعودية، وتعزيز إنشاء محتوى عالي الجودة وتقديمه للجمهور داخل البلاد وخارجها.

ويعكس التعاون بين «STC»، ممكّن التحوّل الرقمي، و«SRMG»، أكبر مجموعة إعلامية متكاملة بالمنطقة، التزاماً مشتركاً بتطوير التقنيات والمنصات والقدرات الإنتاجية التي تدعم مكانة السعودية وجهةً إقليميةً وعالميةً رائدة في مجال إنتاج المحتوى.

من جانبه، قال رياض معوّض، الرئيس التنفيذي لوحدة الأعمال في «STC»: «نمتلك البنية التحتية والقدرات السحابية والخبرات التقنية اللازمة لدعم الجيل القادم من الإنتاج الإعلامي بالمملكة»، مضيفاً: «من خلال شراكتنا مع (SRMG) نجمع بين هذه القدرات والخبرات الإعلامية الرائدة في المنطقة للعمل معاً على تطوير قطاع إنتاج المحتوى» في السعودية.

توقيع مذكرة التفاهم بين المجموعتين على هامش المؤتمر التقني الدولي «ليب 2026» في الرياض (SRMG)

بدورها، أوضحت جمانا الراشد، الرئيس التنفيذي لـ«SRMG»، أن «التكنولوجيا تعيد تشكيل صناعة الإعلام، بالتوازي مع تغير سلوك الجمهور وتزايد الطلب على محتوى عالي الجودة يُقدَّم بسرعة وعلى نطاق واسع»، مؤكدة مواصلتهم «الاستثمار في القدرات والشراكات والمنصات التي تعزز طرق صناعة المحتوى وتقديمه».

وأشارت الراشد إلى أنه «من خلال تعاوننا مع (STC)، سنستكشف نماذج إنتاج أكثر ترابطاً، ومدعومة بالحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، بما يسهِم في دعم المواهب السعودية والنمو المستمر لقطاع الإعلام بالمملكة».

وبموجب المذكرة، سيستكشف الجانبان فرص التعاون ضمن خمسة مجالات رئيسية، تشمل توفير حلول اتصال عالية الكفاءة، بما في ذلك الألياف الضوئية والحوسبة الطرفية، لدعم الاستوديوهات الحديثة وبيئات الإنتاج عن بُعد ومسارات العمل السحابية عبر عمليات «SRMG»، كما سيبحثان فرص تطوير مراكز إنتاج حديثة مجهزة بتقنيات بث متقدمة.

وتشمل المذكرة أيضاً منصات سحابية آمنة لتخزين المحتوى الإعلامي وتحريره وإدارة أصوله، إلى جانب مسارات عمل مشتركة لمرحلة ما بعد الإنتاج، بما يسهم في رفع سرعة وكفاءة تسليم المحتوى. كما ستستكشف المجموعتان تقنيات إنتاج ناشئة وتختبرها، بما في ذلك الإنتاج الافتراضي، والمعالجة الفورية، وأدوات الواقع المعزز والواقع الافتراضي.

وسيقيّم الجانبان كذلك استخدام حلول الذكاء الاصطناعي عبر مراحل إعداد المحتوى، بما يشمل تطوير النصوص، وتحرير الفيديو، واقتراح المحتوى، وأتمتة عمليات الإنتاج، مع التركيز على رفع كفاءة الإنتاج وتعزيز القدرات الإبداعية على نطاق واسع.

ومن خلال الجمع بين قدرات «STC» التقنية المتقدمة وخبرات «SRMG» الإعلامية وفهمها العميق لجمهور المنطقة وقدراتها في إنتاج المحتوى، سيسهم التعاون في تطوير بيئة إنتاج إعلامي أكثر ترابطاً واستعداداً للمستقبل في البلاد، ودعم المواهب الإبداعية السعودية وإنتاج محتوى يواكب تطلعات الجمهور المحلي ويصل إلى الجمهور حول العالم.