هل ينجو الاقتصاد الأميركي من ركود عميق وطويل؟

الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ب)
الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ب)
TT

هل ينجو الاقتصاد الأميركي من ركود عميق وطويل؟

الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ب)
الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ب)

تصر واشنطن على أن الاقتصاد الأميركي لن يدخل مرحلة ركود على الرغم من الرياح السلبية التي تعصف بالاقتصاد الكلي. غير أن البيت الأبيض اعترف بالمشكلة بشكل غير مباشر بعدما خفض توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للعام 2022 إلى 1.4%، من 3.8% وفق تقديراته السابقة في مارس (آذار). وكذلك ارتفعت توقعات الإدارة للتضخم إلى 6.6% من 2.9% في تقديرات مارس.
الركود في التعريف الاقتصادي التقني هو «فترة من التدهور الاقتصادي ينخفض خلالها النشاط التجاري والصناعي، ويُحدَّد عمومًا بانخفاض الناتج المحلي الإجمالي في ربعَين متتاليين».
تفيد الأرقام بأن الاقتصاد الأميركي تقلص لربعَين متتاليين (1.6 و0.9%) وبالتالي يمكن القول إن الولايات المتحدة في حالة ركود بالمعنى التقني، خصوصاً أن التوقعات والآفاق سلبية. وفي سجل التاريخ الأميركي الحديث، حصلت عشر فترات مع ربعين متتاليين أو أكثر من النمو السلبي، وذلك أعوام 1949 و1954 و1958 و1970 و1975 و1980 و1982 و1991 و2009 و2020، وفي كل مرة أعلن المكتب الوطني (الأميركي) للبحوث الاقتصادية حصول ركود.
ولئن كان معدّل البطالة في عموم الولايات المتحدة يبلغ 3.5% وفق أرقام يوليو (تموز) مقابل 5.4% في يوليو 2021، فإن كل المؤشرات الأخرى تقبع في خانة السلبية. ففي القطاع العقاري تراجعت مبيعات المنازل القائمة بنسبة 5.9٪ في يوليو، بعد انخفاض بنسبة 5.4٪ في يونيو. وعموماً انخفضت المبيعات بنسبة 20٪ عن العام الماضي. وفي الوقت نفسه يتراجع بناء المنازل الجديدة مع ارتفاع تكاليف البناء وتَضاعُف الفوائد على الرهن العقاري (نحو 6%) عنها في العام الماضي لعدم ثقة المُقرضين باستقرار السوق والملاءة المالية للمقترضين. وكنتيجة طبيعية لذلك انخفض سعر المنزل المتوسط في السوق الأميركية نحو 10 آلاف دولار.
من هنا، لا يصح اعتداد وزيرة الخزانة جانيت يلين بأن سوق العمل القوي وانخفاض معدلات البطالة يُلغيان صحة تصنيف المكتب الوطني للأبحاث الاقتصادية للانكماش الحالي على أنه ركود. فسوق العمل هو دائماً مؤشر هش قابل للتغيّر بسرعة، وعلى سبيل المثال أعلنت مجموعة فورد لصناعة السيارات قبل أيام أنها ستلغي نحو 3 آلاف وظيفة، عدد كبير منها في الولايات المتحدة. يضاف إلى ذلك انه في فترات ركود مثبَتة كانت أرقام البطالة إيجابية وإن في بدايات مرحلة الركود على الأقل، قبل أن تتدهور لاحقاً، وآخر هذه المرّات كانت بين ديسمبر (كانون الاول) 2007 ومارس (آذار) 2008.
ويذهب الاقتصادي المرموق روبرت بارو إلى القول إنه بعيداً عن النقاشات النظرية، يمكن الجزم بأن الاقتصاد الأميركي دخل مرحلة ركود منذ بداية العام 2022.
ولعل المؤشر السلبي الأكبر هو معدّل التضخم لأنه على تماس مباشر مع جيب الفرد. فقد ارتفعت أسعار الاستهلاكية بنسبة 9.1 في المائة خلال العام المنتهي في يونيو (حزيران)، وهي أكبر زيادة سنوية منذ 40 عاماً، وتحديداً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2021.
لكن لا بد من القول هنا، إن التضخم عرف أخيراً نوعاً من الاستقرار الذي يُعزى بشكل أساسي إلى انخفاض أسعار الوقود، ولهذا ربما توقع البيت الأبيض أن يكون التضخم السنوي في حدود 6.6%.
لافتة إعلانية عن منازل جديدة للبيع في كاليفورنيا (أ.ف.ب)
* سلاح المواجهة
بعيداً عن التدابير الآنية لمواجهة الانكماش الاقتصادي والتصدي للتضخم (مثل رفع الاحتياطي الفدرالي للفوائد)، تعوّل إدارة جو بايدن على قانون حماية المناخ ومكافحة التضخم الذي تبلغ قيمته 430 مليار دولار وتصل مع حزم أخرى إلى أكثر من 700 مليار دولار، ويرمي بشكل أساسي إلى مكافحة تغير المناخ وخفض أسعار الأدوية التي تصرف بوصفة طبية. ويقول الديمقراطيون إن القانون سيساعد أيضاً في محاربة التضخم من خلال خفض العجز في الموازنة الفدرالية (بلغ العجز 423 مليار دولار في الأشهر الثمانية الأولى من السنة المالية 2022، أي من أكتوبر/تشرين الأول 2021 حتى مايو/أيار 2022).
ويؤكد مؤيدو القانون أنه يضع الولايات المتحدة على السكة الصحيحة للوصول إلى توليد طاقة نظيفة، وتخفيف آثار التغير المناخي الذي يسبب ظواهر غير مألوفة (جفاف، فيضانات، حرائق غابات، أعاصير...) تؤدي بدورها إلى آثار اقتصادية سلبية، وخفض التضخم على المديين المتوسط والطويل عبر خفض أكلاف الطاقة...
ويرى المؤيدون أيضاً أن النص يضع حداً لسيطرة شركات الصناعات الدوائية على السوق وإرهاق المستهلكين بالأسعار المرتفعة لأدوية الوصفات الطبية، وأن التوفير في هذا الإطار سيبلغ نحو 300 مليار دولار في غضون عشر سنوات.
ويفرض مشروع القانون ضريبة جديدة على الشركات بنسبة 15% كحد أدنى، الأمر الذي سيؤمن – مع إصلاحات ضريبية أخرى – 450 مليار دولار خلال عقد من الزمن. وهنا يرد المؤيدون على المعارضين والمشككين، أن الإصلاح الضريبي المنصف لا يكبح النمو الاقتصادي ولا يفرّط بفرص العمل، بل إن الفوضى الضريبية لمصلحة الشركات الضخمة والأثرياء الكبار هي التي تضرب أسس الاقتصاد، مدللين على ذلك على ما حصل من خلل اقتصادي بنيوي في عهدَي رونالد ريغان ودونالد ترمب الجمهوريين اللذين اعتمدا سياسات وفّرت المزيد من الأرباح لأصحاب الرساميل الضخمة.
في أي حال، سيتبين في غضون أشهر ما سيؤول إليه الاقتصاد الأميركي، آخذين في الاعتبار الانتخابات النصفية التي ستُجرى في الثامن من نوفمبر وتشمل مقاعد مجلس النواب الـ435 و35 من مقاعد مجلس الشيوخ الـ100. فالسيطرة الديمقراطية على الكونغرس شيء، والسيطرة الجمهورية شيء آخر، بالمعنى الاقتصادي.
لا يخفى على أحد أن آفاق الاقتصاد الأكبر في العالم تؤثر في الاقتصاد العالمي كله، علماً أن الاخير يعاني ما يعانيه بسبب الحرب في أوكرانيا واضطراب سلاسل التوريد وارتفاع أسعار الغاز وسوى ذلك من صعاب ومشكلات...
ولا يخفى أيضاً، أن هذا الاقتصاد لا يستطيع أن يكون بمنأى عما يعصف بالاقتصاد العالمي، وذلك «بفضل» الترابط العضوي بين زوايا الكوكب الذي تفرضه العولمة. وبالتالي لن يحقق أي إصلاح أهدافه الكاملة إلا بإيجاد حل سلمي للحرب «العالمية» الدائرة على أرض أوروبية، وإصلاح الأوضاع الجيوسياسية في أماكن مختلفة من العالم، ليس اقلها أهمية الوضع في تايوان والعلاقات الأميركية – الصينية عموماً، وسوى ذلك من تحديات.
فهل ينجو الاقتصاد الأميركي من ركود عميق وطويل سيجر معه العالم إلى مشهد بائس؟ تلك هي المسألة...


مقالات ذات صلة

نيران حرب إيران تجمّد الفائدة الأميركية... وتنسف مسار التيسير النقدي

الاقتصاد مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» (رويترز)

نيران حرب إيران تجمّد الفائدة الأميركية... وتنسف مسار التيسير النقدي

تتأهب الأسواق العالمية لقرار «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء المقبل، في اجتماع يوصف بأنه من بين الأكثر ترقباً منذ سنوات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)

مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» يظهر ارتفاعاً في يناير

ارتفع مؤشر التضخم الذي يراقبه مجلس الاحتياطي الفيدرالي من كثب في يناير (كانون الثاني)، في إشارة إلى استمرار الضغوط السعرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد يرفرف العلم الأميركي خارج مبنى المحكمة العليا للولايات المتحدة في واشنطن (رويترز)

النمو الأميركي يخيّب التوقعات عند 0.7 % في القراءة النهائية للربع الأخير

أعلنت الحكومة الأميركية، في بيان صدر يوم الجمعة، أن الاقتصاد الأميركي سجل نمواً ضعيفاً بلغ 0.7 في المائة خلال الربع الأخير من العام.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

صدمة النفط تشعل «مقياس الخوف» وتدفع صناديق الأسهم لأكبر نزوح أسبوعي

سجلت صناديق الأسهم العالمية أكبر تدفقات خارجة أسبوعية منذ منتصف ديسمبر خلال الأيام السبعة المنتهية في 11 مارس.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد حاويات شحن مكدسة داخل محطة بميناء لوس أنجليس في «لونغ بيتش» بكاليفورنيا (رويترز)

تقلص العجز التجاري الأميركي في يناير بأكثر من المتوقع

أظهرت بيانات رسمية نُشرت الخميس أن العجز التجاري الأميركي انخفض في يناير (كانون الثاني) الماضي بأكثر مما توقعه المحللون، مدفوعاً بارتفاع الصادرات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )

قرار ترمب بشأن النفط الروسي يرفد خزينة الكرملين بمليارات الدولارات

العلمان الروسي والأميركي على المبنى الرئيسي للسفارة الأميركية في موسكو (إ.ب.أ)
العلمان الروسي والأميركي على المبنى الرئيسي للسفارة الأميركية في موسكو (إ.ب.أ)
TT

قرار ترمب بشأن النفط الروسي يرفد خزينة الكرملين بمليارات الدولارات

العلمان الروسي والأميركي على المبنى الرئيسي للسفارة الأميركية في موسكو (إ.ب.أ)
العلمان الروسي والأميركي على المبنى الرئيسي للسفارة الأميركية في موسكو (إ.ب.أ)

في خطوة أثارت جدلاً واسعاً، ودفعت بحلفاء واشنطن إلى التعبير عن قلقهم، اتخذت إدارة الرئيس دونالد ترمب قراراً برفع العقوبات عن النفط الروسي المنقول بحراً لمدة 30 يوماً. وبينما تسعى واشنطن من خلال هذا الإجراء إلى كبح جماح أسعار الطاقة التي اشتعلت بفعل الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ترى روسيا في هذا القرار «اعترافاً» دولياً لا غنى عنه، في وقت تحذِّر فيه كييف وعواصم أوروبية من أن هذه التنازلات قد تمنح الكرملين شريان حياة مالياً لتمويل حربه في أوكرانيا.

روسيا تحتفي

تسود حالة من الابتهاج في موسكو، بعد قرار وزارة الخزانة الأميركية السماح لتجار الطاقة بشراء النفط الروسي المحمَّل بالفعل على الناقلات، دون الخوف من «العقوبات الثانوية». وقد اعتبر المبعوث الخاص للرئيس الروسي لشؤون للاستثمار والتعاون الاقتصادي، كيريل ديميترييف، أن الولايات المتحدة «أقرَّت أخيراً بالواقع»، مؤكداً أن سوق الطاقة العالمية لا يمكن أن تبقى مستقرة من دون النفط الروسي.

وفي رسالة عبر «تلغرام»، توقع ديميترييف أن يكون المزيد من تخفيف القيود «أمراً حتمياً» مع ازدياد أزمة الطاقة العالمية، رغم ما سماه «مقاومة بيروقراطية بروكسل».

معضلة التمويل

كانت العقوبات التي فرضتها واشنطن في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي على عملاقَي النفط الروسي: «روسنفت» و«لوك أويل»، قد أجبرت موسكو على البيع بخصومات تصل إلى 30 دولاراً للبرميل، ما أدى إلى تقلص إيراداتها بنسبة 40 في المائة في فبراير (شباط). لكن الحرب على إيران قلبت الموازين؛ إذ تضاعف سعر مزيج «أورال» الروسي ليصل إلى 80 دولاراً للبرميل، وهو ما منح موسكو إيرادات إضافية تقدر بـ150 مليون دولار يومياً. ويرى اقتصاديون أن هذه الأموال ستسمح لموسكو بموازنة ميزانيتها، وحتى البدء في تراكم الفوائض في «صندوق الثروة القومي»، مؤكداً أنه «في الصراع بين أميركا وإيران، بوتين هو الرابح الأكبر».

رافعة مضخة نفط خارج مدينة ألميتيفسك في جمهورية تتارستان الروسية (رويترز)

غضب أوروبي

واجه القرار الأميركي انتقادات حادة من حلفاء واشنطن؛ حيث حذَّر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من أن هذا التنازل قد يمنح موسكو 10 مليارات دولار إضافية لتمويل الحرب، واصفاً ذلك بأنه «لا يساعد على تحقيق السلام».

ومن جانبه، أبدى المستشار الألماني فريدريش ميرتس موقفاً حازماً بقوله: «نحن نؤمن بأن تخفيف العقوبات الآن، لأي سبب كان، هو أمر خاطئ».

في المقابل، دافع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن القرار، مؤيداً وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الذي زعم أن التأثير المالي على روسيا سيكون «محدوداً»؛ لأن معظم إيرادات الطاقة الروسية تُستمد من الضرائب عند نقطة الاستخراج، وليس من بيع الشحنات العالقة.

«توازن هش»

يرى الخبراء أن هذا القرار يهدد بتعميق الانقسامات داخل مجموعة السبع، ويخشون من أن تراهن روسيا على أن هذا الإجراء هو مجرد بداية لتفكيك نظام العقوبات بالكامل.

وعلى الصعيد الاستراتيجي، تظل موسكو في موقف «توازن هش»؛ فهي تحاول الحفاظ على تحالفها مع إيران، بينما تسعى في الوقت ذاته إلى تجنب أي صدام مع إدارة ترمب، آملة في لعب دور الوسيط في صراعات الشرق الأوسط، رغم أن مراقبين يرون أن فرص القيام بوساطة حقيقية تبدو ضئيلة للغاية في ظل الظروف الراهنة.

وبينما يتطلع الصقور في الكرملين إلى الفوضى التي قد تلي إغلاق مضيق هرمز، يبدو أن الكرملين يفضل حالياً عدم استفزاز البيت الأبيض، مفضلاً الاستفادة المالية من أزمة الطاقة العالمية على الانخراط المباشر في تصعيد قد ينهي قنوات الحوار مع واشنطن.


«هندالكو» الهندية توقف إنتاج الألمنيوم المبثوق بسبب حرب إيران

يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)
يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)
TT

«هندالكو» الهندية توقف إنتاج الألمنيوم المبثوق بسبب حرب إيران

يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)
يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)

ذكرت شركة «هندالكو إندستريز» الهندية، أنها أوقفت إنتاج الألمنيوم المبثوق بسبب نقص الغاز في أعقاب انقطاع الإمدادات من الشرق الأوسط.

وأظهر إشعار أن الشركة المملوكة لمجموعة «أديتيا بيرلا» أعلنت حالة القوة القاهرة لجميع عملاء منتجات الألمنيوم المبثوق في 11 مارس (آذار)، حسبما ذكرت «رويترز» نقلاً عن إشعار ومصادر مطلعة.

ويستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية.

وتعاني الهند من أسوأ أزمة غاز منذ عقود، بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران؛ إذ خفضت الحكومة الإمدادات للصناعات، لتجنيب الأسر أي نقص في غاز الطهي.

وقالت الشركة في الإشعار: «اتخذت (هندالكو) وتواصل اتخاذ جميع الخطوات المعقولة للتخفيف من تأثير حالة القوة القاهرة».

وقال المصدران اللذان طلبا عدم الكشف عن هويتيهما لأنهما غير مخولين بالتحدث إلى وسائل الإعلام، إن مصاهر الألمنيوم التابعة لشركة «هندالكو» تواصل العمل بشكل طبيعي.


كيف «خنق» الدولار بريق الذهب في صراع الملاذات الآمنة؟

أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)
أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)
TT

كيف «خنق» الدولار بريق الذهب في صراع الملاذات الآمنة؟

أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)
أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)

بينما تثير التوترات في الشرق الأوسط مخاوف عالمية من ركود اقتصادي، يبرز الدولار الأميركي استثناءً مثيراً للجدل؛ إذ أدت الصدمة الحالية في إمدادات الطاقة إلى ارتفاع قيمته بنحو 2.5 في المائة وفقاً لمؤشر الدولار؛ مما يضع العملة الأميركية في موقع المستفيد الأول من نيران الحروب. هذا الصعود، الذي قد يبدو للوهلة الأولى منافياً للمنطق في ظلِّ الأزمات، يرتكز على معادلة اقتصادية معقَّدة جعلت من «العملة الخضراء» ملاذاً إجبارياً في وجه العواصف.

الدولار عملة ملاذ... ومحرك للأسواق

في جوهر هذا الصعود، تبرز طبيعة الدولار بوصفه عملة ملاذ آمن لا يُنافَس في أسواق المال العالمية. ففي أوقات عدم اليقين، وتحديداً حينما تلوح مخاطر إغلاق ممرات حيوية، يبادر المستثمرون عالمياً إلى التخلص من الأصول عالية المخاطر والتحوط بالسيولة الدولارية. وبالتالي، فإن من شأن عقلية الحفاظ على النقد هذه أن تحول الدولار إلى وجهة إجبارية لأموال ذعرت من تقلبات الأسواق، مستمدةً قوتها من عمق النظام المالي الأميركي، وقدرته الفائقة على استيعاب الصدمات مقارنة بأي اقتصاد آخر.

رجل يسير على طول الشاطئ بينما تصطف ناقلات النفط وسفن الشحن في مضيق هرمز (أ.ب)

لكن القصة لا تقف عند حدود الملاذ الآمن النفسي، بل تمتد إلى طبيعة التجارة الدولية ذاتها. فالدولار يظلُّ العملة المرجعية لتسعير النفط والغاز عالمياً؛ ومع كل قفزة في أسعار الطاقة الناتجة عن الصراع، يرتفع تلقائياً حجم الطلب العالمي على العملة الأميركية، حيث تضطر الدول المستوردة للطاقة - مثل الاقتصادات الآسيوية والأوروبية - إلى زيادة مشترياتها من الدولار لتسوية فواتير استيرادها المرتفعة، مما يخلق ضغطاً شرائياً مستمراً يرفع من قيمة العملة الخضراء مقابل عملات تلك الدول التي تعاني أصلاً من استنزاف احتياطاتها.

لغز الذهب

في مقابل صعود الدولار، شهدت أسواق الذهب «لغزاً» مربكاً؛ إذ فشل المعدن الأصفر في استغلال الاضطراب الجيوسياسي لتعزيز مكاسبه. فبعد صعوده عقب بدء العمليات العسكرية مباشرة من 5296 دولاراً إلى 5423 دولاراً للأونصة، تعرَّض لعمليات بيع مكثفة هبطت بسعره إلى 5085 دولاراً.

موظف يعرض سبائك ذهبية في متجر بورصة الذهب الكورية في سيول (أ.ف.ب)

يوضح روس نورمان، الرئيس التنفيذي لـ «ميتالز دايلي» لشبكة «سي إن بي سي»، أن قوة الدولار وارتفاع عوائد سندات الخزانة سحبا البساط من تحت الذهب؛ فالمستثمرون باتوا يجدون في الأصول الأميركية ذات العائد جاذبية أكبر من الذهب غير المُدر للدخل في ظلِّ بيئة فائدة مرتفعة.

وأضاف نورمان أن ارتفاع أسعار النفط قد يؤدي إلى تضخم مطوّل وربما ارتفاع أسعار الفائدة، في ظلِّ سعي البنوك المركزية لاحتواء تداعيات إغلاق مضيق هرمز، الممر البحري الحيوي للنفط والغاز.

وتميل أسعار الفائدة المرتفعة إلى زيادة جاذبية الأصول ذات العوائد، مثل السندات الحكومية، مقارنةً بالمعادن النفيسة التي لا تدرّ عوائد، مثل الذهب.

وقال نورمان: «تبدو تحركات أسعار الذهب والفضة ضعيفة في الوقت الراهن، ولكن ربما يكون هذا هو الشعور الطبيعي بعد بعض التحركات الهائلة التي شهدناها خلال الأشهر القليلة الماضية».

يُعزى تفسير آخر إلى أنَّ النزاعات تُثير موجة بيع مذعورة بين المستثمرين، مما يُسبب «تدفقاً مفاجئاً» يُجبر المتداولين على بيع مراكزهم مع انخفاض الأسعار، وفقاً لعامر حلاوي، رئيس قسم الأبحاث في شركة «الرمز».

وأضاف، في حديثه لـ«سي إن بي سي»: «في حال حدوث أزمة سيولة، سيتم بيع كل شيء حتى يستوعب الناس الوضع، وتُعاد توجيه الاستثمارات نحو الأصول المناسبة».

الفائدة من بين أسباب ارتفاع الدولار

من جهتها، تستعرض «وكالة الصحافة الفرنسية» الأسباب الكامنة وراء صعود العملة الأميركية أمام منافساتها في ظلِّ هذه الظروف، ووفقاً للوكالة، يرتكز هذا الصعود على 3 ركائز:

  • السيولة والملاذ الآمن: يظل الدولار الوجهة الأولى للمستثمرين الباحثين عن ملاذ آمن عالي السيولة، حيث يظل العملة الأكثر تفضيلاً في التجارة الدولية واحتياطات المصارف المركزية.
  • الاستقلال الطاقي الأميركي: الولايات المتحدة بمنأى عن أزمة الإمدادات كونها المنتِج الأكبر للخام عالمياً، حيث لا تستورد سوى 8 في المائة فقط من احتياجاتها من الخليج، مقارنة بثلثي احتياجاتها من كندا. هذا يجعل الاقتصاد الأميركي مصدّراً صافياً للمنتجات النفطية والغاز، مما يعزِّز ميزانه التجاري ويمنح الدولار حصانة مقارنة بالعملات الأوروبية والآسيوية التي تتلقى ضربات أقوى نتيجة اعتمادها المفرط على نفط الخليج.
  • توقعات الفائدة: من شأن ارتفاع تكاليف الطاقة أن يغذي مخاوف التضخم، مما يضطر «الاحتياطي الفيدرالي» لإبطاء وتيرة خفض الفائدة، وهو ما يعزِّز جاذبية الدولار على حساب الأصول الأخرى.
مضخة نفط في حقل مهجور شمال إسبانيا (أ.ف.ب)

بين سياسة ترمب وواقع الحرب

هذه التطورات تتعارض مع أهداف إدارة ترمب التي تعهَّدت بخفض أسعار الغاز ودعم صادرات «دولار ضعيف». وفي هذا السياق، أكد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في نهاية يناير (كانون الثاني) 2026 تمسك الإدارة بـ «سياسة الدولار القوي»، موضحاً أن جوهر هذه السياسة يكمن في تهيئة بيئة اقتصادية داعمة للنمو عبر سياسات ضريبية وتجارية وتنظيمية تجعل من الولايات المتحدة أفضل وجهة لرأس المال في العالم، وذلك رغم التذبذبات الأخيرة في قيمة العملة.

يسير الناس قرب الأراضي الزراعية المجاورة لحقل الزبير النفطي في البصرة بالعراق (رويترز)

وفي الوقت الذي يرى فيه خبراء أن آراء الإدارة تبدو «متخبطة»؛ بسبب التناقض بين تصريحات ترمب المرحبة بضعف الدولار وسياسات بيسنت، تحذِّر المحللة المالية كاثلين بروكس من أن جاذبية الدولار قد تتضاءل إذا تفاقم العجز في الموازنة الأميركية نتيجة الإنفاق العسكري المتوقع للأشهر المقبلة، مما يضع الإدارة أمام معضلة حقيقية في إدارة التوازن بين القوة الاقتصادية والواقع الجيوسياسي.